مدخل
في جزيرة الكنز لم تكن سارة تختلف كثيرا عن بنات جنسها ..
وجه جميل .. وقوام رائع .. وطلعة بهية .. منذ صغرها كانت متميزة ..
وكانت أمها حريصة على أن تتميز في كل شيء .. كانت غالية على قلبها ..
تخاف عليها من نسمات الهواء .. ولم تكن الأوضاع في جزيرة الكنز تختلف كثيرا
عن الأوضاع في كثير من بلاد المسلمين .. فإذا سرت في الشارع ..
رأيت المساجد شاهقة المآذن .. ووجوه المسلمين المشرقة تملأ الشوارع
بهجة وجمالا ..
كانت قلوب الرجال مليئة غيرة ومروءه .. فلم يكن أحد يجرؤ
أن يلطّخ سمعته بالتعرض لامرأة في طريق أو حافلة ..
وكانت النساء كذلك يلفهن غطاء الحياء .. وينشأن عليه ..
كانت أكثر النساء يلتزمن بالحجاب الشرعي .. يحمين أنفسهن من النظرات الزائغة ..
والكلمات الجارحة .. كان في الجزيرة عالم مشهور يحبه الناس .. يحبه الملوك والأمراء ..والكبراء والوزراء .. كان قد أوتي من القبول ما يجعل الجميع يصدرون عن رأيه ..كان عالما جليلا
في جزيرة الكنز .. لو قُدِّر أن تفتح التلفاز .. لما رأيت مغنية تشدو : يا ليل يا عين !!
ولا رأيت فيديو كليب يتمايل فيه مطرب راقص قد أسدل شعرات على عينيه
ونمص حاجبيه وحَقَنَ " السليكون " في شفتيه !!
لا .. لا ترى ذلك في تلفاز جزيرة الكنز .. بل حتى الدعايات التلفازية لا تكاد ترى
فيها امرأة !!
كانت الحياة في جزيرة الكنز جميلة وادعة .. لم يكن الناس يختلفون في مسائل الدين ..
كان العالم إذا أفتى قبل الناس فتواه وانساقوا إليها راضين .. وخطيب الجمعة إذا وجّه ..
تلقّى المصلون توجيهه بالقبول .. لم يكن يصل إلى هذه الصفة من الناس أي تأثير
خارجي .. إلا دعوات خافتة تنبعث من أفواه من تشربوا بأسلوب حياة آخر .. وفكر عدو !!
نعم كانت بعض الوسائل الإعلامية تعمل على استحياء لزرع الفساد .. من خلال مجلات
فاسدة .. أو قنوات ماجنة .. لكن تأثيرها كان قليلا .. أو قل : كان سطحيا ..
مرّت السنوات .. وتطورت وسائل الاتصال .. وصار يصل إلى الناس في جزيرة الكنز
بث فضائي مباشر .. ينقل إلى أهلها العفيفين .. ثقافات أقوام لا يحكمهم دين ولا مروءه ..
بدأ أصحاب الجزيرة يشاهدون قوما يعيشون كالبهائم بل هم أضل !! أكل وشرب ونوم ..
لا صلاة ولا صيام ولا غض بصر ولا حفظ فرج ..
بدأت النساء العفيفات في جزيرة الكنز يرين نساء لم يكتفين بالسفور
عن وجوههن بل سفرن عن سوقهن وأفخاذهن .. بل ربما سفرن
غير ذلك ..
كان ذلك العالم الجليل يصرخ بقومه : اتقوا الله .. احذروا تقليدهم ..
تمسكوا بدينكم .. كان يركز على النساء أكثر .. لا تهتكي حجابك ..
أنت جوهرة لا ينبغي لكل أحد النظر إليك .. أنت ملكة .. أنت أمنا
واختنا وابنتنا .. أنت ..
كان – رحمه الله – يمسك بحجزهم عن السقوط في الهاوية ..
وكان غيره من العلماء يفعلون ذلك .. من خلال أحاديث إذاعية ..
ولقاءات تلفازية .. وخطب جمعة .. وكتب وأشرطة ..
ويخافون أن تنخرق السفينة .. فتغرق ..
كان الناس يتقبلون منهم .. ويحبونهم .. مرّت السنوات ..
ولحق ذاك العالم بربه .. ومات آخر .. وثالث .. ورابع ..
وبقي العلماء الأحياء يكملون المسيرة المباركة .. ويحرسون السفينة
من الغرق ..
ظل الأعداء يصرخون .. أيها الناس التفتوا إلينا .. نحن في متعة
وسرور .. الشاب بجانب الفتاة .. وهي تتمتع بتكشفها !! في كل
مكان .. انظروا غليها بـِ " البكيني " على شاطئ البحر !!
تتمتع بالجو الجميل .. انظروا إليها في الطائرة تتمتع بحريتها
فتخدم المسافرين .. انظروا إليها في مطاعمنا .. تبرز مفاتنها ..
وتخدم الزبائن ..
كانت هذه الدعوات تصل إلى النساء في جزيرة الكنز .. لكنها
لا تلقى قبولا .. لأن الذين أطلقوها أغبياء .. لا يعلمون من أين
تؤكل الكتف .. فنساء عفيفات تربت الواحدة منهن منذ أن كانت
في مهدها على أن لا تبدي زينتها للرجال .. ولو خرج طرف
من أصبعها لرجل أجنبي عنها .. لضاق صدرها ..
واضطرب مزاجها .. فكيف تريدونها أن تُخرج وجهها أو ترمي
عباءتها .. أووووه يا للهول !!
رأى الأعداء أن أساليبهم للإفساد ونزع الحجاب لم تنجح ..
فأدركوا أن مواجهة التيار لا تفيد .. فعمدوا إلى سياسة تكسير الموجه !!
أي تفكيك حزمة العيدان وكسر كل عود على حدة ..
نظروا فإذا عباءات النساء واسعة ساترة ..
إذا مشت فيها المرأه لم يكتشف احد زينتها .. فقالوا لها :
نحن لا نقول لكِ : انزعي عباءتك !! .. لا .. لا .. حرااام ..
ولكن جددي في موديل عباءتك ..
فبدأ مصممو الأزياء يخترعون أشكالا للعباءة أضيق من العباءة الساترة ..
فهي على كل حال عباءة !!
لبستها بعض النساء فصارت العباءة كأنها فستان تزداد به جاذبية ..
فبدل أن كانت تلبس لستر الزينة صارت هي في نفسها زينة ..
استبشر الأعداء وشعروا أن الموجة بدأت تتكسر ..
فاخترعوا عباءات تلبس على الكتفين .. ثم عباءات تربط من الجنب ..
ثم عباءات ضيقة جدا تبرز مفاتن المرأة .. حتى صارت المرأة بهذه
العباءات تلفت النظر أكثر مما لو نزعت العباءة !!
بدأ المجتمع يضطرب .. والسفينة تتهاوى للغرق .. فلم يسكت المصلحون ..
أصدر العلماء الفتاوى .. واهتزت المنابر بالخطب الرنانة .. وانطلق الدعاة
يعظون وينصحون .. وخوفوا لابسة هذه العباءات من عاقبة فعلها ..
وأنها بذلك تبرز مفاتنها التي أمر الله بسترها ..
وكان التحريم في هذه العباءات الضيقة والشفافة المبرزة لمفاتن المرأه
واضحا لكل عاقل .. فبدأ يقل وينحسر .. وبدأت النساء تعود إلى العباءات
الساترة .. وإن كان لا يزال يوجد أعداد من النساء يتساهلن بلبس
هذه الأشكال من العباءات ..
أدرك الأعداء ذلك .. ورأوا أنهم يتعبون لإفساد الحجاب .. وزرع الاختلاط ..
فإذا تأثرت بذلك ألف امرأه .. وفرحوا بهذ الإنجاز .. أقبل داعية مفوّه
فتلا عليهن الآيات وسرد الأحاديث .. فتبن كلهنّ في لحظة واحدة ..
فإذا رأى المفسدون النساء التائبات .. عضوا أصابعهم وتهامسوا :
ياااا خساااارة .. !! نعم عرفوا أن الدين متمكن من القلوب ..
وأن المسلمة وإن تساهلت يوما فتكشّفت إلا أنها سرعان ما تعود ..
فمعدنها ذهب خالص .. بأدنى مسحة بيد رقيقة .. يذهب عنه الغبار ..
ويعود إلى بريقه ولمعانه .. وبعد تفكير طوييييل .. جاءت الطامة . !!
المسألة فيها خلاف !!
بدأ المفسدون يقلبون صفحات التاريخ .. وينظرون كيف مات الحجاب في بلاد المسلمين الأخرى ..
فرأوا أنه بدأ بالدعوة إلى كشف الوجه .. ثم لما انتشر ذلك وأصبح أمرا عاديا ..
بدأ الوجه يصبغ بأنواع الزينة .. ثم أصبح الحجاب يتلون بألوان زاهية ..
فصار الوجه أجمل .. ثم صار قماش الحجاب مزركشا مزينا بصور الورود ..
فازداد الوجه بهاءً .. ثم بدأ الحجاب يتسع فظهرت الجبهة كاملة ..
ثم أطراف الشعر .. ثم .. فبدؤوا في تطبيق هذه الخطة في جزيرة الكنز ..
كانت النساء في جزيرة الكنز يسترن وجوههن .. فظهر لهن من خلال القنوات
الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى من صحف ومجلات من يقول لهن : أصلا
تغطية الوجه غير واجب !! وأن المرأة يجوز لها أن تكشف وجهها !!
وهناك علماء يفتون بجواز كشف الوجه !! والمسألة فيها خلاف !! ثم ظهر
من أفتى النساء بجواز الخروج إلى الشوارع سافرات عن محاسن وجوههن ..
فمن نظر إليها تمتع بجمال خديها .. وسحر عينيها .. ونعومة شفتيها ..
كل ذلك جائز على اعتبار أن كشف الوجه جائز !! ولا يدخل في قوله
تعالى : " ولا يبدين زينتهن " !!
ما علينا ..
كانت سارة بعيدة عن التساهل بحجابها .. تمشي بين الناس ملكة في عرشها ..
الكل معجب بقوة شخصيتها وثباتها .. في كل صباح تزدحم الشوارع بالناس ..
ومن بينهم ترى أخوات مسلمات .. وقد حسرن عن محاسن وجوههن ..
كانت سارة تمر بهذه المناظر وهي ذاهبة إلى مكان دراستها .. لكنها كانت
مع عدد كبير من الطالبات ترتدي حجابا يغطي وجهها وجسدها .. كانت بعض
الطالبات يكشفن عن وجوههن .. وبعضهن يرتدين عباءات كالفساتين .. وكان عدد
من الشباب يتجمهرون عند رؤية الطالبات .. ليصطادوا من تقع في شباكهم ..
وكانت سارة تلاحظ أنها تمر أمامهم .. وهي بكامل حجابها .. فلا يجرؤ أحد
أن يلقي عليها رقم هاتفه .. أو يسمعها كلمة جارحة .. كانت عليها جلالة
ومهابة .. وكأن الملائكة تحرسها من كل جانب ..
في المستشفى !!
كانت أم سارة حاملا في الشهر التاسع .. والبيت كله يترقب مقدم هذا الضيف الصغير إلى الدنيا ..
اشتاق هذا الجنين إلى الدنيا .. وتحرك دافعا الرحم من حوله .. أحست أم سارة بآلام المخاض ..
وصلت للمستشفى .. وولدت غلاما جميلا .. وفي المساء ذهبت سارة مع أبيها لزيراة أمها ..
كان الزائر المعافى الذي يدخل المستشفى يتحسس تاج الصحة فوق رأسه الذي لا يراه إلا
المرضى .. المرضى يملؤون الغرف .. هذا مصاب بحادث .. وذاك بمرض في القلب .. وهذه
امرأة نفساء .. وتلك عندها أمراض في الرحم .. دخلت سارة على أمها .. كانت في الغرفة
مع أمها أربع نساء كلهن والدات ..
لمحت سارة من بين الزائرات فتاة وقورا .. يبدو عليها الذكاء والأدب .. قد لبست عباءة
فضفاضة غير مزينة .. لكنها كشفت وجهها .. فبدا كالقمر ليلة البدر .. يراه الأطباء
والممرضون والزوار .. جعلت سارة تتعجب .. كيف تبدي زينتها !! والله يقول
" ولا يبدين زينتهن " !! كانت سارة جريئة بأدب .. أقبلت إليها وسلمت عليها بلطف ..
وعرفت أن اسمها أريج .. ثم اكتشفت أنها جاءت زائرة لأختها الوالدة .. فدعت لهم
جميعا بالبركة والتوفيق ..
ثم استأذنتها قائلة : لي معك حديث خاص .. هل يمكن أن نجلس في غرفة الاستراحة
المجاورة .. جلست الفتاتان جاسة هادئة .. دارت فيها أحاديث مختصرة ..
اكتشفت خلالها شارة أن أريج كثيرة القراءة في الكتب الداعية إلى التبرج
والسفور باسم : تحرير المرأة .. وكأن المرأة رقيقة مملوكة تحتاج لمن يحررها ..
كانت معلومات سارة لا بأس بها .. مما شجعها إلى فتح نقاش طويل مع أريج ..
بين سارة وأريج
قالت سارة : تعلمين يا أريج أن الله تعالى خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني :
ذكرا وأنثى .. قال تعالى : ( وأنّه خَلق الزوجين الذكر والأنثى ) ( النجم : 45 ) .
والزوجان هما المقترنان اللذان لا يستغني أحدهما عن الآخر .. فالرجل والمرأة مقترنان
لتسيير عجلة الحياة ..
نعم .. الذكر والأنثى مخلوقان يشتركان في عمارة الكون كلٌ فيما يخصه ..
بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين .. فهما متساويان في المسئولية ..
فرسول الله – صلى الله عليه وسلّم – دعا النساء كما دعا الرجال .. وبايع
النساء على الدخول في الإسلام وبايع الرجال .. وصلى إماما بالرجال والنساء ..
وأفتى الرجال والنساء .. وكان الرجال والنساء يشيرون عليه ويقبل منهم ..
وكان الـ .. عندها صرخت أريج : كان يقبل مشورة النساء !! عجبا !!
وأبو بكر وعمر موجودان !!
سارة : نعم .. واستمعي إلى أم سلمة وهي تقضي برأيها على مشكلة كادت
أن تعصف بجيش كامل !! وهذا كله قبل قرون من اعتراف العالم الحديث للمرأة
بحقها في التعبير عن رأيها الخاص بها ..
أريج : كيف ؟!
سارة : لما خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – إلى مكة معتمرا ..
خرج مع ألف وأربعمائة من أصحابه ليعتمروا .. وذلك قبل فتح مكة ..
فكان أهل مكة يمنعون ويأذنون لمن شاءوا .. وصل – صلى الله عليه وسلّم –
مع أصحابه لا يريدون قتالا بل سيعتمرون كبقية الناس .. منعتهم قريش من دخول مكة ..
وكاد – صلى الله عليه وسلّم – أن يدخلها بالقوة .. لكنه عدل عن ذلك وأراد أن يكتب
بينه وبينهم صلحا ..
أرسلت قريش إليه عدة أشخاص للتفاوض معه حول بنود الصلح .. حتى جاءه
سهيل بن عمرو ليكتب الصلح معه .. فدعا النبي – صلى الله عليه وسلم – الكاتب
فجعل يملي عليه قال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ..
فاعترض سهيل قائلا : أما الرحمن .. فوالله ما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب باسمك اللهم ..
فغضب المسلمون وقالوا : والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم ..
فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : اكتب باسمك اللهم ..
ثم قال – صلى الله عليه وسلم – اكتب : هذا ما قضى عليه محمد رسول الله ..
فقال سهيل : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ،
ولكن اكتب محمد بن عبدالله
فقال – صلى الله عليه وسلم - : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبدالله
فقال – صلى الله عليه وسلم – اكتب : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به ..
فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل ..
فوافق النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك .. وكتبه .. فأراد سهيل أن يضيق
على المسلمين .. فاشترط : أنه لا يخرج من مكة مسلم يريد المدينة .. إلا رُدّ إلى مكة ..
أما من خرج من المدينة وجاء إلى مكة مرتدا إلى الكفر .. فيُقبل في مكة ..
فقال المسلمون : من جاءنا مسلما نرده إلى الكافرين !! سبحان الله كيف نرده إلى المشركين
وقد جاء مسلما .. لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – وافق على هذا الشرط أيضا
فقال – صلى الله عليه وسلم - : أما من ذهب منا إليهم فأبعده الله .. ثم سكت
والنبي – صلى الله عليه وسلم – مفكرا .. وصالح النبي – صلى الله عليه وسلم –
قريشا على أن يعود المسلمين إلى المدينة .. ويعتمروا في العام القادم .. كان المسلمون
قد جاؤوا بإحرامهم متحمسين للعمرة .. ثم تفاجئوا أن قريشا تمنعهم بكل بساطة !! ..
كان الحزن يسيطر على نفوسهم .. فلما فرغ النبي – صلى الله عليه وسلم – من
كتابة المعاهدة التفت إلى أصحابه وأمرهم أن ينحروا الهدي .. وهو ما جاؤوا به معهم
ليذبحوه في عمرتهم من غنم وإبل .. وأمرهم أن يحلقوا رؤوسهم .. فتفاجأ الناس ..
الأصل أن يفعلوا ذلك بعد العمرة .. ولا تزال نفوسهم معلقة بها .. فتباطؤا عن الاستجابة
لأمره رجاء أن يتراجع عنه .. لكنه لم يتراجع .. وأخذ ينظر إليهم ينتظر تنفيذ الأمر ..
فلم يقم أحد !! فأعاد عليهم .. فلم يقم أحد !!
فضغب – صلى الله عليه وسلم - .. ودخل على زوجه أم سلمة .. فذكر لها أنه يأمرهم
ولا يطيعون !!
فقالت أم سلمة – رضي الله عنها - : يا نبي الله أتحب أن يطيعوك ؟ اخرج إليهم ..
ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة .. حتى تنحر هديك .. وتدعو حالقك فيحلقك .. فخرج
– صلى الله عليه وسلم – ومضى يمشي ساكتا حتى فعل ما اقترحته عليه أم سلمة ..
نحر هدية .. ودعا حالقه فحلقه .. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا هديهم ..
فانظري كيف أن امرأة واحدة .. واثقة بقدراتها .. معتزة بفكرها .. لم تحتقر نفسها بل
أبدت رأيها .. وهم لم يحتقروها .. بل أخذوا بالرأي .. وعملوا به ..
أريج : والله كلام رائع ..
مساواة ..
سارة : نعود إلى ما كنا فيه : فأقول لكِ – أريج – إن الله تعالى ساوى بين الجنسين
الرجل والمرأة في كل شيء ..
إلا فيما تقتضي طبيعة الرجل والمرأة الافتراق فيه ..
فقال تعالى عن الرجال " إن الذين يبايعونك .. "
وقال عن النساء ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك .. )
وكذلك ساوى بينهما في المسئولية عن البيت
فقال – صلى الله عليه وسلّم – ( .. الرجل راع على أهل بيته .. والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ..
فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) متفق عليه .
وساوى بينهما في العبادة والتكاليف الشريعة : فأوجب الله على الرجل والمرأة تكاليف مماثلة ..
ساوى بينهما فيها ..
فالصلاة واجبة على الرجل وواجبة على المرأة على السواء خمس مرات ..
وصوم رمضان واجب عليهما جميعا .. والزكاة واجبة عليهما .. والحج واجب عليهما ..
بل إ ن الله خفف على المرأة أكثر من الرجل .. فأسقط عنها الصلاة والصيام أيام حيضها ونفاسها ..
وساوى بين الرجل والمراة في عمارة الأرض .. فكلاهما مأموران بالجد والعمل ..
كما قال تعالى ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) .. وهذا خطاب للرجال والنساء ..
وكلاهما مأموران بأنواع الطاعات .. قال تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين
والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد
الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) ..
والرجل والمرأة على السواء مأموران بطاعة الله ورسوله
قال تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) ..
بل إن نساء صالحات ضربن أروع الأمثال في الحرص على الطاعة وطلب العمل ..
والتحبب إلى الله تعالى بأنواع القربات ..
بطولات
واصلت سارة قائلة : أذكر أن إحدى الأخوات كانت مديرة لإحدى دور تحفيظ القرآن النسائية ،
تقول : لما افتتحنا الدار كان المبنى مرتفعا قليلا عن مستوى الشارع .. فكان هناك درج يحتاج
الداخل إلى المبنى لصعوده .. وكانت الطالبات يصعدن وينزلن بكل سهولة ..
في اليوم الأول للتسجيل في الدار فوجئت بامرأة كبيرة في السن .. جاءت تدفعها ابنتها على
كرسي متحرك .. فلما وصلت إلى الدرج .. جعلت تلتفت إلى ابنتها .. وتنظر إلى الدرج .. ثم
نزلت من كرسيها وأخذت تحبو على يديها وركبتيها على الدرج .. حتى دخلت الدار .. وسجلت
اسمها لتحفظ معنا القرآن .. ثم خرجت بالطريقة نفسها ..
وسمعت عن فتاة لها همة عظيمة أصيبت في حادث مروّع .. صارت بسببه معاقة مشلولة
على السرير أكثر من خمس عشرة سنة .. امتلأ جسمها قروحاً .. وتآكل اللحم بسبب ملازمتها
للفراش .. ولا تستطيع أن تخرج الأذى من جسدها إلا بمعاونة أمها .. لكن عقلها متدفق ..
وقلبها حي مؤمن .. فكّرت أن تخدم الإسلام .. فوجدت بعض الأساليب التي تنفع بها الدين ..
فاستخدمت ما تملك من قدرات .. !! تدرين ماذا فعلت ؟
أولا : جعلت بيتها مستودعا للمعونات للأسر المحتاجة .. حتى صارت ساحة البيت مليئة
بصدقات الناس التي يحضرونها وهي تتولى الاتصال بالأسر الضعيفة .. وإرسالها إليهم ..
وكم من جائع سدت هذه المشلولة جوعته .. وكم من عارٍ سترت عورته .. وكم من مريض
سعت في علاجه ..
ثانيا : إذا أرسلت المعونات للأسر المحتاجة .. ترسل معها كتباً وأشرطة نافعة .. وتقيم
المسابقات على هذه الكتب والأشرطة .. لتتأكد من سماعهم لها ..
ثالثا : لا تدع منكراً من منكرات النساء إلا وتتصل على صاحبة المنكر وتنصحها ..
رابعا : تسعى في تزويج الفتيات العوانس عن طريق المتابعة الهاتفية مع الثقاة
من أهل العلم والجمعيات الخيرية ..
خامسا : تساهم في إصلاح ذات البين وفي حلول المشاكل الزوجية .. إنها امرأة عجيبة والله ..
كانت أريج في غاية المتعة وهي تستمع وتستعيد في ذهنها ما سمعته مراراً من
المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة .. وما يردده بعضهم من أن المرأة مظلومة ..
مبخوسة الحق .. كسيرة الجناح .. و .. من غير شعور أخذت أريج تردد : رائع .. رائع ..
قالت سارة : بل هنا نقطة هامة .. عندما تطلق كلمة " يا أيها الناس " فالمقصود بها
في القرآن والسنة : الرجال والنساء ..
ففي القرآن أكثر من عشرين موضعا ينادي الله فيه الرجال والنساء بقوله " يا أيها الناس " ..
كما في وقله تعالى : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " ..
" يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا " ..
" يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم " ..
" يا أيها الناس إنّي رسول الله إليكم جميعا " ..
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ..
نعم الرجال والنساء جميعا يناديهم ربهم نداءً واحداً .. وانتقلي معي إلى المدينة ..
وانظري إلى أمك أم سلمة - رضي الله عنها - .. وقد جلست يوما في بيتها وهو
ملاصق للمسجد .. وعندها جارية تمشط شعرها .. فبينما هي كذلك .. إذ سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول " يا أيها الناس " فقالت للجارية : استأخري
عني .. وقامت لتذهب للمسجد ..
فقالت الجارية : إنما دعا الرجال ولم يدع النساء !!
فقلت : إني من الناس ( رواه مسلم ) .
قالت أريج : رضي الله عن أم سلمة .. طيب - سارة - هل تسمحين بسؤال ..
سارة : احظة .. بقي كلام قليل في موضوع المساواة .. ليتك تسمعين مني ..
أريج : تفضلي ..
سارة : الرجل والمرأة كما هما متساويات في الواجبات .. كذلك متساويان في الجزاء ..
قال تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .. وقال : ( فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل
منكم من ذكر أو أنثى ) .. وقال عز شأنه : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى
وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة وهم لا يظلمون نقيرا ) ..
وجميع الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال هي لكل المسلمين رجالا ونساءً ..
" من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنه " .. هي للرجال والنساء ..
" من صلى لله ثنتي عشرة ركعة في يوم تنفلا من غير الفريضة .. بنى الله له بيتا في الجنة .. "
هي للرجال والنساء ..
وهما متساويان أيضا في العقاب : ففي حالة انتهاك أي من الجنسين حداً من حدود الله
فإن العقاب واحد للذكر والأنثى دون تمييز .. ففي عقاب الزنا قال تعالى :
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )
وفي عقاب السرقة قال : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ..
وفي عقاب النفاق والشرك قال : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات
ويتوب على المؤمنين والمؤمنات ) ..
وفي القيمة الانسانية .. جعل الله تعالى كلاهما مكرّم .. لا يجوز التنقص منه أو امتهانه ..
قال الله : ( ولقد كرمنا بني آدم ) .. بنوعيه الذكر والأنثى .. وحرّم تنقص المسلم عموما
رجلا كان أو امرأه ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا
خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) ..
أكرمكم أتقاكم
كانت أريج تستمع إلى سارة بكل تركيز .. وسارة تتكلم بتدفق وحماس ..
وفجأة .. سكتت سارة قليلا وكأنها تدافع عبراتها .. وقد امتلأ قلبها محبة
لهذا الرب العادل جل جلاله .. كيف يتهمون الدين الذي شرعه وأكمله .. أنه
ظلم المرأة أو بخسها حقوقها ..
ثم قالت بكل عزة وحزم : مقياس التفاضل الوحييييد بين الرجل والمرأة هو التقوى ..
قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .. نعم : أكرمكم أتقاكم .. ليس أشدكم جسداً ..
ولا أقواكم ذكروة .. ولا أعظمكم فحولة .. وإنما أتقااااكم ..
بدت أريج متأثرة بما تسمع .. وقالت : ليت أكثر النساء اليوم المخدوعات بالدعوات
الماجنة التي تردد : حقوق المرأة .. حقوق المرأة .. يعقلون مثل هذه المفاهيم ..
ليتهم يدركون أن الله ليس بينه وبينهن ثأر ولا انتقام .. وإنما هن من خلق الله ..
تستطيع الواحدة منهن أن تبلغ أعالي الجنان وتسبق الرجال بتقواها ..
قالت سارة : صحيح .. بل أزيدك : حتى عند الزواج حفظ الكرامة لكل منهما ..
فقال تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .. وعن حكيم بن معاوية أنه قال :
يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا
اكتسيت .. وقال - صلى الله عليه وسلّم - : " ألا إن لكم على نسائكم حقا ..
ولنسائكم عليكم حقا .. "
وأمر الأولاد باحترام الرجل والمرأة .. أعني الأب والأم .. بل إن حق المرأة ( الأم ) أكبر ..
قال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) ثم بدأ بالأم فقال ( حملته أمه ) ..
فقدمها على الأب .. وفي الصحيحين أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :
من أحق الناس بحسن الصحبة ؟ قال : أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك ) ..
مها .. في بنطال أحمر !!
كان الكلام حاميا .. وفي هذه الأثناء .. كانت " مها " أخت أريج .. تبحث عنها في الممرات ..
وقد تعجبت أين ذهبت !! كان واضحا من طريقة لبس مها للحجاب أن عندها تساهلا كثيرا ..
فعبائتها ضيقة يتبين منها بوضوح تفاصيل جسدها .. ومع مشيها يظهر البنطال الأحمر الذي
ترتديه .. فيلفت النظر للالتفات إليها .. دخلت مها غرفة الاستراحة .. فرأت أريج مع سارة ..
تعجبت من الجلسة .. ألقت التحية وصافحت سارة وتعرفت على اسمها بلطف .. وجلست
تستمع للحوار ..
كان الكلام ساكنا .. عن حقوق المرأة في الإسلام .. فلم تصبر مها ..
فقالت بكل جرأة : بصراحة .. يا سارة .. بعض النساء أذكى من الرجال .. وأكثر نجاحا
في الحياة .. فلماذا تريدين أنت وغيرك أن تفرقي بين الرجل والمرأة وتحددي لكل منهما
مجالات خاصة لا يصلح أن يزاحمه فيها الآخر .. ودائما الرجل .. الرجل ..
كانت مها متحمسة كثيرا وهي تلقي هذا السؤال .. ضحكت سارة .. وقالت : وأيضاً ..
دائما المرأة .. المرأة .. اسمعي يا مها .. قدّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى
في الصفة الخلقية والهيئة والتكوين .. فالرجل أقوى من المرأة .. جسدا .. وأضعف عاطفة ..
والمرأة أقوى منه عاطفة .. وأضعف جسدا .. وكل منهما مطالب بأن يستثمر قوته ..
مها : كيف ؟!
سارة : المرأة لها طبيعتها الجسدية الخاصة .. يعتريها الحيض والحمل .. والمخاض والولادة ..
والإرضاع وشؤون الرضيع .. ولهذا خلقت من ضلع آدم عليه السلام .. من عظام الصدر .. قريبة من القلب ..
أما الرجل فمؤتمن على القيام بشؤون الأسرة .. المرأة والأولاد .. وحفظها والإنفاق عليها ..
ولذلك خلق غليظا .. من تراب الأرض .. ومن آثار هذا الاختلاف في الخلقة : الاختلاف بينهما في القوى ،
والقدرات الجسدية .. والعاطفية ..الاختلاف والتفاوت والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع ..
فلما كان الرجل في طبيعته الجسدية .. لا أعني الذكاء والفطنة .. بل أقول : في قوته الجسديه
أقوى وأقدر على التحمل جعله الله مسئولا عن السعي والإنفاق على البيت .. ولما كانت المرأة
أقدر على إدارة البيت والقرب من الصغار .. جعلها مسئولة عن القيام بشؤون البيت ..
وقد أدركت مريم عليها السلام - وهي امرأة - هذه الفوارق فقالت : " وليس الذكر كالأنثى " ..
كأن مها لم تقتنع بكلام سارة كثيرا .. فالتفتت إليها سارة وقالت : مها .. عذرا .. أنت لو كنت مدرسة
وأردت أن تنظمي حفلا في مدرستك .. وأردت أن تقومي بعدة أعمال في قاعة الاحتفال ..
من تنظيف .. ورسم صحائف .. وتعليق أوراق .. ومسح سبورة .. وإعداد كلمات .. وعندك عشرون
طالبة .. متنوعات : فيهن السمينة .. والنحيفة .. وفصيحة اللسان .. والأقل من ذلك .. والجرئية ..
والخجولة .. من ستختارين للوقوف على الكرسي وصعود السلم لتعليق الأوراق ؟
الطالبة السمينة .. أليس كذلك ؟ تبسمت مها وقالت : لا طبعا .. بل الطالبة النحيفة الخفيفة ..
قالت سارة : ومن ستختارين للتنظيف ..؟ الطالبة الفصيحة الجريئة .. صحيح ؟!
قالت مها : لا .. طبعا .. هذه سأجعلها تلقي الكلمة الترحيبية .. وغيرها يتولى صف الكراسي والتنظيف ..
قالت سارة : طيب .. هل في تقسيمك هذا ظلم لأحد ؟
قالت مها : لا .. طبعا .. كلهن أعمالهن مهمه .. تكامل وتعاون ..
قالت سارة : طيب لو احتجّت السمينة .. واعترضت الخجوله .. والنحيفة لم ترضَ بعملها ..
والجريئة أبت أن تلقي الكلمة ..
مها : لا .. لن أقبل اعتراضها .. لأن إسناد العمل الذي يناسب طبيعتها .. ليس ظلما لها ..
شعرت سارة أنها وصلت إلى ما تريد .. وقالت : طيب لماذا تعترضين على تخصيص
الرجل بشيء وتخصيص المرأة بشيء كل بناء على قدرته .. !!
يبدو أن أريج تحمل فكرة مها نفسها .. فقالت - مقاطعة - : سارة .. يعني حرام المرأة تخرج
من بيتها .. !!
سارة - متعجبة - : لا .. ليس حراما .. وأنا لم أقل ذلك ..
أريج : طيب هناك أعمال يقوم بها الرجال تستطيع المرأة أن تعملها مثله ..
بل قد تكون أحسن منه ..
سارة : صحيح .. أنا معك في هذا .. لكن ما رأيك في امرأة تعمل في محل " بنشر " !!
تفك إطارات السيارات .. وعجلات الشاحنات .. ؟
ما رأيك بامرأة تعمل في إزالة انسداد أنابيب المجاري .. فتحفر الأرض .. وتنقل التراب ..
وربما نزلت في الأنابيب .. وفتشت عن الأوساخ ..
ما رأيك بامرأة في شدة الحر .. لمدة ثماني ساعات يومياً .. تسوق الونش الكبير ..
وتحرك رافعته لحمل السيارات المتعطلة .. ورفع الأثقال والحديد لأعالي البنايات ..
ما رأيك بامرأة تعمل في حفر الآبار .. وبناية الجسور .. وتحمل أكياس الإسمنت من سيارة إلى أخرى ؟
ما رأيك بامرأة .. ؟
كانت أريج ومها يكتمان ضحكة مدوية أثناء استماعهما للأمثلة التي تسوقها سارة .. وفجأة
ضحكت الفتاتان بصوتٍ عااال ..
جعلت سارة تهدئ من أصواتهما .. وكان واضحا أن كل عاقل
- مسلما أو غير مسلم - يعلم أن هذه الأمور لا توافق طبيعة المرأة .. بل حتى أصحاب الشركات
لا يكادون يوظفون النساء في هذه الوظائف لعلمهم بعد قدرتهن على المواصلة فيها ..
بل إن المرأة إذا عملت فيها بدأت تفقد أنوثتها ونعومتها شيئا فشيئا .. فيغلظ جلدها ..
وتبرز عضلاتها .. ويتغير لونها ..
جعلت أريج ومها تمسحان دموعهما من الضحك .. وسارة تردد : طيب خلوني أواصل ..
أريج : عذرا .. تفضلي أكملي ..
سارة : بس بلاش ضحك ..
مها : طيب .. طيب ..
سارة : وبالمقابل .. ما رأيك برجل يجلس في البيت .. يعمل الرضاعة للصغير ..
ثم يجلسه في حضنه ويرضعه .. وإن بكى الصغير أخذ يهزه ويطربه ببعض الأهازيج حتى يسكت ..
وإذا تفاجأت إحدى بناته بشيء من علامات البلوغ .. أقبل إليها وفهمها الموضوع ..
وحدثها عن مرحلة الحياة الجديدة التي تستقبلها .. !!
وإن نام ليلة بجانب زوجته .. وسمعوا حركة لص دخل البيت .. اكتفى بإيقاظ زوجته لتعالج الموضوع ..
وتولى هو الصراخ .. وجمع الأطفال !!
وما رأيك برجل ..
انطلقت أريج مرة أخرى ضاحكة .. وقالت : المفروض أن المرأة هي التي تصرخ
وهو يتفاهم مع اللص ..
ردت سارة بذكاء : لماذا ؟! مساواة .. كلاهما يمكن أن يقوم بالعمل نفسة ..
فقالت مها : عجيب !! حتى حليب الأطفال هو الذي يصنعه !! ويضجعه في حضنه ويرضعه .. !!
ويحل مشاكل بناته !! ما بقي إلا يحمل ويلد أيضاً ..
عندها جاء دور سارة بالضحك .. فجعلت طرف عباءتها على فمها وغرقت في الضحك ..
وقد تخيلت رجلا حاملا !!

مساعدة 
هذا الموضوع مغلق 















