في صيف سنة 1291 م تم طرد آخر بقايا الصليبيين الغربيين من بلاد الشام. والواقع أن الحروب الصليبية لم تكن إلا صورة ظاهرية لحركة كبيرة واسعة لها بواعثها وآفاقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن الدينية. فما هي قصة هذه الظاهرة التاريخية؟
أحست الكنيسة المسيحية منذ ظهور الإسلام وانتشاره خارج شبه الجزيرة العربية في القرن السابع للميلاد بخسارة كبرى، ليس نتيجة لدخول جموع وثنية في الديانة الجديدة فحسب، وإنما لتحول بعض الشعوب المسيحية إلى الإسلام وخاصة في غرب آسيا وشمال إفريقيا. وبعض هذه الشعوب المسيحية التي دخلت في الإسلام كان لها دورها البارز في تطور الفكر المسيحي وأسهمت منذ وقت مبكر في تشكيل التيار العام للمسيحية؛ بل إن الإسلام انتشر في بلاد - مثل بلاد الشام ومصر - كانت بمثابة المسرح الأول للمسيحية، وعلى هذا المسرح كان نشاط السيد المسيح عليه السلام وتلاميذه.
ولم تستطع الكنيسة عندئذ - في القرنين السابع والثامن للميلاد - أن تقف في وجه التيار الإسلامي، لأن العالم المسيحي كان يمر في تلك المرحلة بدور من أدوار الضعف والتفكك، في حين كانت الانطلاقة الإسلامية على أشدها.
على أن ميزان القوى أخذ يتغير منذ القرن العاشر للميلاد، إذ ظهر جليا أن العرب استنفدوا طاقتهم الأولى في ظل حركة الفتوح الإسلامية، وأن نسبة منهم تخلوا عن روح البساطة التي تحلى بها أسلافهم الأوائل، وأخلدوا إلى حياة الدعة والترف التي أدت بهم إلى الانحلال والهلاك. هذا في حين أدت الأطماع السياسية والانقسامات المذهبية إلى انقسام الدولة الإسلامية الكبرى على نفسها وقيام ثلاث خلافات بدلا من خلافة واحدة ينطوي الجميع تحت لوائها، وصحب هذا وذاك كثرة المصادمات بين القوى الإسلامية المتنافسة.
السياسة تحت قناع الدين
وهنا لابد من إبداء عدة ملاحظات كثيرا ما يغفل عنها الباحثون في ميدان الحروب الصليبية . أما أولى هذه الملاحظات فهي أنه مع اعترافنا بأهمية العامل الديني في تحريك هذه الحروب وبأن البابوية هي التي دعت لها وقامت برعايتها على مدى بضعة قرون، إلا أننا نعتقد أنه من الخطأ المبالغة في أهمية هذا العامل وتصوير الصليبيين الذين خرجوا لمحاربة المسلمين في صورة أهل التقوى الذين هجروا الوطن والأهل لخدمة الدين. ذلك أن نسبة كبيرة منهم شاركوا في الحروب الصليبية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو تحت تأثير وطأة اجتماعية، حتى أن بعضهم لم يتورع عن نهب البلاد المسيحية التي مروا بها في طريقهم، وإنزال أبلغ الأذى بإخوانهم المسيحيين فيها.
وأما الملاحظة الثانية فهي أن الحروب الصليبية لم ترتبط بميدان واحد محدد، وإنما تعددت ميادينها غربا وشرقا، كما تفاوتت في مداها الزمني بين ميدان وآخر. وبعبارة أخرى فإن الغرب الأوربي أخذ يوجه ضرباته الصليبية ضد المسلمين أينما وجدوا وحيثما وجدهم: في الأندلس وصقلية وشمال إفريقيا وبلاد الشام وإقليم الجزيرة ومصر، بل لقد بلغ الأمر بالصليبيين أن شقوا طريقهم إلى البحر الأحمر في محاولة لضرب الحرمين الشريفين في الحجاز. وفي جميع هذه الميادين وغيرها لم تبدأ المعركة في وقت واحد وإنما في أوقات متفاوتة.
وأما الملاحظة الثالثة فهي أنه إذا كان عصر الحروب الصليبية قد شهد ذبول دور العنصر العربي في معركة الجهاد وانكماش دوره في التصدي للمهاجمين، فإن ذلك جاء مصحوبا بظهور عناصر أخرى من غير العرب اعتنقوا الإسلام وتحمسوا للعقيدة، وحلوا محل العرب في حمل راية الجهاد للدفاع عن الإسلام وأهله وأرضه. ونخص من هؤلاء المسلمين الجدد الترك ومن ارتبط بهم من أكراد وتركمان. وعندما نقول إن هؤلاء تحملوا العبء الأكبر في معركة الجهاد ودفع الخطر الصليبي عن بلاد الإسلام في المشرق، فإن علينا أن نعي تماما أن هذا لا ينتقص من شأن العرب في ظل عقيدة جعلت من المؤمنين إخوة ولم تفرق في الحقوق والواجبات بين مسلم عربي ومسلم غير عربي.
قرنان من الحروب
ومهما يكن من أمر، فإن الحركة الصليبية بمعناها الكبير الواسع، اتخذت من القرن الحادي عشر للميلاد بداية لها، ومن منطقة الشرق الأدنى - وبخاصة الأراضي المقدسة في بلاد الشام - ميدانا رئيسيا لنشاطها. ولا شك في أن الحملة الصليبية الأولى التي وصلت إلى الشرق في أواخر القرن الحادي عشر، استطاعت أن تحقق مكاسب سريعة على حساب المسلمين في مدى فترة وجيزة، إذ نجح الصليبيون الغربيون في ثلاث إمارات صليبية كبرى في الرها وأنطاكية وطرابلس، فضلا عن مملكة صليبية في بيت المقدس. ومن هذه المراكز الكبرى انطلق الصليبيون ليستولوا على معظم ثغور بلاد الشام التي حققت لهم اتصالا بحريا آمنا مع وطنهم الأم في الغرب الأوربي، فضلا عن استيلائهم على العديد من المدن والحصون والقلاع الداخلية. بل لقد انطلقوا عبر الصحراء ليصلوا إلى مياه البحر الأحمر من جهة وإلى دلتا النيل من جهة أخرى. وبذلك غدوا قوة لها وزنها على مسرح الشرق الأدنى.
وقد قدر للكيان الصليبي أن يظل قائما في بلاد الشام بالذات نحوا من قرنين من الزمان، من أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر للميلاد. هذا مع ملاحظة أن الممتلكات والمعاقل الصليبية، من مدن وقرى وحصون وقلاع كانت منتشرة أشبه شيء بالجزر وسط محيط إسلامي واسع كبير، بحيث إنه يندر أن يتحقق الاتصال بين مركز وآخر من المراكز الصليبية ببلاد الشام دون عبور أرض للمسلمين.
ومن الخطأ أن يتصور البعض أن القتال كان دائرا والصدام محتدما ليل نهار طوال هذين القرنين بين المسلمين والصليبيين على أرض الشام. فالواقع هو أن الحرب بين الطرفين كانت تثور حينا وتهدأ أحيانا. وفي أوقات الصلح والهدنات كانت العلاقات السلمية، تسود البلاد، فتنشط التجارة، وتنتقل القوافل من جانب إلى آخر، وربما تبادل الطرفان الزيارات وجلسوا معا لتناول الطعام.
وربما ساعد الصليبيين على طول البقاء بالشام ذلك التقارب بينهم وبين المسلمين في مستويات التسلح وفن التكتيك الحربي. فأسلوب القتال وخطط الحرب وأنواع الأسلحة كانت متشابهة بوجه عام، وإن تباينت فإن التباين كان في الجزئيات وليس في الكليات، هذا إلى أن نظام تعبئة الجيوش قام عندئذ عند المسلمين والصليبيين على أسس إقطاعية، وإن اختلف النظام الإقطاعي في الشرق الإسلامي عنه في الغرب المسيحي في بعض الخصائص الثانوية. أما أنواع الأسلحة المستخدمة فكانت متطابقة تقريبا، بمعنى أن الفريقين استخدما السهام والحراب والسيوف والبلط والمجانيق والكباش ونحوها وإذا كانت هناك ميزة لجانب على آخر، فإن هذه الميزة كانت للمسلمين بحكم أنهم يحاربون على أرضهم ويدافعون عن منطقة هي بمثابة القلب من العالم الإسلامي، مما جعل خطوط التموين والإمدادات البشرية، والمادية بالنسبة لهم محدودة وقصيرة، بينما عانى الصليبيون الوافدون من غرب أوربا الكثير في الشرق بسبب بعدهم عن بلادهم واعتمادهم على الطريق البحري نتيجة لموقف دولة الروم أو الدولة البيزنطية المعادي للصليبيين الغربيين الكاثوليك.
ومن ناحية أخرى فإنه لا ينبغي أن تفسر الانتصارات السريعة والمكاسب العديدة التي حققها الصليبيون في الشام على أنها دليل على تخاذل المسلمين في المنطقة وتقاعسهم في القتال، فالواقع أنه منذ أن وطئت أقدام الصليبيين أرض الشام، والقوى الإسلامية - سواء السلاجقه من الموصل، أو الفاطميون من مصر أو الأمراء المحليون في بلاد الشام نفسها - حريصة كل الحرص على التصدي لذلك الخطر. ولكن المشكلة كانت في عدم وجود تنسيق - وحسن تفاهم - بين هذه القوى بعضها والبعض الآخر.
يقظة العالم الإسلامي
وأخيرا، أفاق المسلمون في منطقة الشرق الأدنى قبيل منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، وأدركوا أن الفرقة هي السبب فيما حل بالبلاد والعباد، وأنه لا سبيل لكشف الغمة إلا بالاعتصام بحبل الله وتحقيق وحدة أو جبهة متحدة تجعل من المسلمين في المنطقة بنيانا مرصوصاً يشد بعضه بعضا في مواجهة الغزاة الغاصبين. والراجح أن فكرة الجبهة الإسلامية المتحدة ولدت في الموصل، التي نجح صاحبها عماد الدين زنكي في ضم حلب سنة 1128 م، وبذلك وحّد بين شمال العراق وشمال الشام وخطا الخطوة الأولى على طريق وحدة الصف.
وكانت الخطوة الثانية أمام زنكي هي ضم دمشق - قلب بلاد الشام -، ولكن انقسام دولة سلاجقة فارس والعراق من ناحية، وقيام تحالف مؤقت ضد المسلمين بين الروم والصليبيين من جهة ثانية، وحرص حكام دمشق المسلمين على الاحتفاظ باستقلالهم وتخوفهم من نوايا زنكي، مما دفعهم إلى محالفة الصليبيين ضد زنكي، من جهة ثالثة، كل ذلك حال دون تحقيق سياسة زنكي تجاه دمشق، فاتجه نحو إقليم الجزيرة حيث نجح في انتزاع الرها من الصليبيين سنة 1144 م. ولا شك في أن استيلاء المسلمين على الرها كان بمثابة بداية النهاية، بالنسبة للكيان الصليبي في الشرق، لأن الرها كانت أول إمارة أقامها الصليبيون الأوائل في الشرق سنة 1098 م، مما جعل سقوطها نذيرا بتداعي ذلك البناء. هذا إلى أن زنكي أعقب الاستيلاء على الرها بتصفية الكيان الصليبي شرقي الفرات، فاستولى على ما كان للصليبيين من حصون ومعاقل.
ولم يلبث أن استشهد زنكي بعد ذلك - سنة 1146 م - فخلفه في حلب ابنه نور الدين محمود الذي واصل سياسة أبيه على طريق إكمال الجبهة الإسلامية المتحدة، حتى نجح في الاستيلاء على دمشق سنة 1154م، ولكي تكتمل دائرة الحصار على الصليبيين في جنوب بلاد الشام - وبخاصة في بيت المقدس - كان لابد أن تمتد الجبهة الإسلامية المتحدة إلى مصر ليقع الصليبيون بين فكي الكماشة من الشمال والجنوب. وفي تلك المرحلة، كانت الدولة الفاطمية في مصر تعاني آلام الموت البطيء، بعد أن دب الضعف في جسم الخلافة، واستفحل نفوذ الوزراء، واشتد التنافس بين المتطلعين إلى منصب الوزارة حتى استعان بعضهم بالصليبيين واستعان البعض الآخر بنور الدين محمود.
وكان أن استغل عموري الأول - ملك الصليبيين في بيت المقدس - الفرصة، فقام بغزو مصر سنة 1163 م، وتكررت هجماته على مصر بعد ذلك، وفي كل مرة يتصدى له نور الدين محمود الذي أخذ هو الآخر يرسل حملة بعد أخرى إلى مصر، بقيادة قائده الكردي أسد الدين شيركوه، وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب. وأخيرا - سنة 1168 م - انتهى ذلك الصراع على أرض مصر بفوز جيوش نور الدين محمود، وبذلك صارت الجبهة الإسلامية المتحدة تمتد من الفرات إلى النيل.
<!--ImageUrlBegin--><!--ImageUrlEBegin-->
<!--ImageUrlEnd--><!--ImageUrlEEnd-->
سفن الحملة الصليبية الثانية وهى تغادر موانئ ايطاليا
ظهور صلاح الدين
وسرعان ما تلاحقت الأحداث لتساعد صلاح الدين يوسف بن أيوب حتى يصبح البطل الأول على المسرح. ذلك أن صلاح الدين خلف عمه شيركوه في منصبيه - وزيرا للخلافة الفاطمية وقائداً لجيش سيده نور الدين محمود في مصر - ولكن وفاة الخليفة العاضد الفاطمي سنة 1171 م ثم وفاة نور الدين محمود سنة 1174م جعلتا من صلاح الدين سيد نفسه وبيده زمام الموقف، فهب لإعادة بناء الجبهة الإسلامية الذي أخذ يتصدع في الشام عقب وفاة نور الدين محمود، وأخذ يتصدى للخطر الصليبي في حزم منتهزاً فرصة موت الملك عموري الأول من جهة، وفشل الحملة الصليبية الثانية من جهة ثانية، وعدم نجاح الجهود لتوحيد قوى الروم والصليبيين للقيام بعمل مشترك ضد المسلمين من جهة ثالثة.
وبعد أن فرغ صلاح الدين من تنظيم دولته التي امتدت من حلب ونهر الفرات شمالا حتى القاهرة ونهر النيل جنوبا، أخذ يستعد للقيام بحركة شاملة ضد الصليبيين في الشام، وهي الحركة التي توجها بإنزال ضربة قاصمة بالصليبيين في حطين سنة 1187م. وكانت موقعة حطين من المواقع الفاصلة في التاريخ، حشد فيها الصليبيون زهرة فرسانهم في بلاد الشام - شمالها وجنوبها -، ولكن الجيش الصليبي انتهى أمره بكارثة ضخمة فصار بأكمله بين قتيل وأسير وجريح. وكان من جملة الأسرى جاي لوزجنان ملك مملكة بيت المقدس. والواقع أن حطين كانت أكبر من مجرد هزيمة عسكرية حلت بالصليبيين، لقد كانت كارثة شاملة نزلت بالصليبيين في الشام بوجه عام وبمملكة بيت المقدس بوجه خاص، وهي المملكة التي وجدت نفسها فجأة بلا ملك أو جيش. ونستطيع أن نقرر أن الكيان الصليبي بالشام لم تقم له قائمة بعد حطين، وإنما غدا هيكلا هزيلا يحاول البقاء إلى أن تم اقتلاعه نهائيا من أرض الإسلام في أواخر القرن الثالث عشر.
أما عن صلاح الدين، فإنه لم يضع ثمرة انتصاره في حطين، وإنما بادر إلى استغلال الموقف باسترداد العديد من مواني الشام التي كان الصليبيون قد استولوا عليها من المسلمين، وذلك ليقطع الصلة بين الصليبيين في الشام ووطنهم في الغرب الأوربي. ومن ناحية أخرى فإن استيلاء صلاح الدين على مواني الشام قوى الرباط البحري بين شطري دولته في مصر والشام. وبعد ذلك وجه صلاح الدين أنظاره نحو داخلية البلاد فاستولى على العديد من الحصون والقلاع والمدن التي كانت في حوزة الصليبيين، حتى جاء دور بيت المقدس فلم تستطع المقاومة واضطرت إلى الاستسلام في ذكرى الإسراء والمعراج، أي في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583 هـ (12 أكتوبر 1187 م).
وكانت فرحة المسلمين عظيمة باسترداد أولى القبلتين وثالث الحرمين "فأتوه رجالا وركبانا من كل جهة لزيارته". هذا في حين عمل صلاح الدين على إعادة قبة الصخرة والمسجد الأقصى إلى سابق عهدهما، وقام "بعمارة المسجد الأقصى واستنفاد الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه". أما الأماكن المسيحية - وبخاصة كنيسة القيامة - فقد أمر صلاح الدين باحترامها وعدم التعرض لها، كما أظهر تسامحا كبيرا في معاملة الصليبيين داخل المدينة، وسمح لهم بالخروج إلى حيث يختارون بعد دفع الفداء المقرر على القادرين منهم، وإعفاء غير القادرين.
<!--ImageUrlBegin--><!--ImageUrlEBegin-->
<!--ImageUrlEnd--><!--ImageUrlEEnd-->
القدس القديمة ايام الحروب الصليبية
حملة صليبية جديدة
على أنه بقدر ما كان لاستيلاء المسلمين على بيت المقدس من رنة فرح في العالم الإسلامي أجمع، فقد أدى ذلك إلى رد فعل عنيف في العالم المسيحي الغربي، حيث بدأت الاستعدادات لإرسال حملة صليبية جديدة إلى الشرق، لضرب صلاح الدين واسترداد بيت المقدس من المسلمين. ولكن الحملة الصليبية الثالثة التي وفدت على الشرق سنة 1190م لم تستطع أن تحقق شيئا ذا قيمة على مسرح بلاد الشام سوى الإسهام في استرداد عكا من المسلمين. وكان أبرز قادة هذه الحملة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، الذي وصل إلى الشام متأخراً في العام التالي، ولكنه دخل في صراع عنيف ضد صلاح الدين، لم يحقق شيئا سوى استنفاد طاقة الجانبين.
وعندما أدرك صلاح الدين أن رجاله قد اعتراهم التعب من طول القتال، وأن للبشر طاقة لا يمكنه أن يتجاوزها، آمن بأن ما لا يتحقق اليوم يمكن تحقيقه غداً، وما لا يستطيع هو إنجازه، من الممكن أن ينجزه الخلف، لا سيما أن التاريخ ليس ثابتا على حال واحد، وإنما هو أيام يداولها الله بين الناس. وحسب صلاح الدين أنه هز البنيان الصليبي بالشام، وأصاب العدو بجرح عميق لا شفاء منه.
أما ريتشارد فقد أحس بأن إقامته في الشرق قد طالت، وأن أحوال بلاده في الغرب قد ساءت، وأنه لابد من وضع حد - ولو مؤقت - لهذا الصراع الذي طال دون ثمرة. لذلك أرسل ريتشارد إلى صلاح الدين يقول له: "بالله عليك أجب سؤالي في الصلح، فهذا الأمر لابد له من آخر، وقد هلكت بلادي وراء البحر، وما في دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم!!".
وهكذا انتهى الموقف بعقد صلح - أو بمعنى أدق هدنة - الرملة سنة 1192 م. وبمقتضى هذا الصلح، وافق صلاح الدين على أن تكون للصليبيين مملكة تمتد من صور إلى يافا، قاعدتها عكا، فضلا عن احتفاظهم بما كان في أيديهم عندئذ من مدن وقلاع وحصون ببلاد الشام. ثم أمر صلاح الدين - على قول المؤرخ ابن واصل - أن ينادى في الطرقات والأسواق "ألا وإن الصلح قد انتظم، فمن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا يدخل بلادهم فليفعل". وكان يوم الصلح "يوما مشهوداً عمّ فيه الطائفتين الفرح والسرور".
<!--ImageUrlBegin--><!--ImageUrlEBegin-->
<!--ImageUrlEnd--><!--ImageUrlEEnd-->
الصليبيون يقتلون رهائن المسلمين بعد سقوط عكا
فتور حركة الجهاد
ولم يلبث أن توفي صلاح الدين في العام التالي (589 هـ / 1193 م). وقد أدت الخلافات التي دبت بين أبناء البيت الأيوبي بعد ذلك إلى فتور حركة الجهاد ضد الصليبيين بالشام. وساعد على ذلك انقسام الشام إلى ممالك صغيرة، قد لا تتجاوز الواحدة منها حدود مدينة واحدة، على رأس كل مملكة أحد ملوك بني أيوب. ويبدو أن المسلمين في المنطقة كانوا في حاجة إلى فترة من الاستجمام والراحة، بعد الحروب الطويلة في الفترة السابقة، مما جعل ساحة الشام تشهد نوعا من الهدوء النسبي طوال بقية أيام الدولة الأيوبية التي استمرت نحوا من نصف قرن بعد وفاة صلاح الدين.
ومن ناحية أخرى فإن حدة الحماسة الصليبية في غرب أوربا انكسرت وحدث تغيير ملحوظ في اتجاه مسيرتها بعد صلح الرملة. ذلك أن الرأي العام في غرب أوربا أخذ يعيد حساباته في ضوء الموازنة بين ما حققته الحملات الصليبية من إنجازات على مدى قرن كامل من الزمان وما استنفدته تلك الحملات من طاقة وجهد وتضحيات بشرية ومادية. أما المتحمسون لفكرة مواصلة الحرب الصليبية ضد المسلمين، فقد اتجهوا بفكرهم وجهة جديدة فحواها أن مفتاح بيت المقدس يوجد في القاهرة، وأن مصر هي مركز المقاومة الإسلامية وقلبها النابض، فإذا أراد الصليبيون إقامة آمنة في بيت المقدس فإن عليهم أن يبدأوا بالسيطرة على مصر أولا. وهكذا تعرضت مصر في النصف الأول من القرن الثالث عشر للميلاد لحملتين صليبيتين هما الحملة الصليبية الخامسة سنة 1219م والحملة الصليبية السابعة بعد ذلك بثلاثين عاما. وفي ذلك الدور بذل بنو أيوب ما في وسعهم لمقاومة العدوان الصليبي على مصر والشام، ولكن عوامل الضعف والإنهاك كانت أقوى أثرا، فاضطروا في كثير من الحالات إلى مهادنة الصليبيين ومسالمتهم.
المماليك يصعدون
ولكي يواجه بنو أيوب الأخطار الداخلية والخارجية، لجأ كل سلطان أو ملك منهم إلى شراء أعداد من المماليك، حرص على تربيتهم وتدريبهم وإعدادهم ليكونوا له عدة تمكنه من مواجهة خصومه في الداخل والخارج. وسرعان ما ازدادت أعداد هؤلاء المماليك وقويت شوكتهم وخاصة بعد ما حققوه من نصر على حملة لويس التاسع على مصر في أوائل سنة 1250م، فتخلصوا بالقتل من توران شاه آخر سلاطين بني أيوب في مصر وأقاموا ما عرف في التاريخ باسم دولة سلاطين المماليك. وعلى الرغم من أصول المماليك المتباينة، إذ كان منهم التركي والرومي والجركسي والصقلبي والمغولي، بل ربما الفرنجي والألماني، وغير ذلك ممن جلبهم تجار المماليك صغاراً إلا أنهم شبوا في حجر الإسلام وتشربوا تعاليمه وكرسوا جهودهم للدفاع عن أرضه وأهله. وحسب المماليك أنهم أنقذوا بلاد الشام ومصر من أكبر خطرين هددا الوطن الإسلامي في تلك الحقبة، وهما خطر التتار وخطر الصليبيين.
ذلك أن المماليك أنزلوا ضربة كبرى بالتتار في عين جالوت سنة 1260م ثم طردوهم شرقي نهر الفرات ووقفوا بالمرصاد لأية محاولة من جانبهم لعبور الفرات وتهديد الشام. وفي أعقاب موقعة عين جالوت مباشرة، حرص المماليك على توحيد شطري الدولة، مصر والشام، بحيث جعلوا منهما دولة واحدة متماسكة.
ومن ناحية أخرى، أدرك المماليك منذ مولد دولتهم أن الكيان الصليبي ببلاد الشام يشكل خطراً ثقيلا على صدر الدولة، كما أنه يمثل نقطة ارتكاز أساسية يمكن أن تعتمد عليها أية حملة صليبية جديدة تفد من الغرب الأوربي. لذلك وجه سلاطين المماليك جهودهم منذ وقت مبكر لاقتلاع جذور البقايا الصليبية ببلاد الشام، واستغرقت هذه العملية قرابة نصف قرن منذ قيام دولة سلاطين المماليك في منتصف القرن الثالث عشر، حتى أواخر ذلك القرن.
وقد بدأت الحرب الشاملة ضد الصليبيين بالشام على يد السلطان الظاهر بيبرس سنة 1265م، فاستولى على عديد من الثغور البحرية والحصون والمواقع الداخلية، كما أرسل حملة دمرت مدن أرمينية الصغرى، وهي المملكة المسيحية التي قامت في الركن الجنوبي الشرقي من آسيا الصغرى، والتي دأب ملوكها على مساندة الصليبيين بالشام. وأخيرا توج بيبرس أعماله الحربية ضد الصليبيين بالاستيلاء على أنطاكية سنة 1268م، وبذلك انهارت أولى الإمارات الصليبية بالشام وثانية الإمارات التي أسسها الصليبيون الأوائل في الشرق في أواخر القرن الحادي عشر.
وبعد فترة قصيرة من وفاة بيبرس، ظهر على المسرح السلطان المنصور قلاوون ليحاصر طرابلس - الإمارة الصليبية الثانية بالشام - حتى سقطت في يده سنة 1289م، وفرّ من بداخلها من الصليبيين في البحر، ثم أتبع السلطان قلاوون ذلك بالاستيلاء على عدد من الحصون والمواقع الصليبية القريبة من طرابلس. وبذلك لم يبق للصليبيين من المدن والمعاقل الكبرى بالشام سوى عكا، وقاعدة مملكتهم التي ظلت تحتفظ باسمها القديم "مملكة بيت المقدس".
وعندما أدرك الصليبيون أن نهايتهم قد أوشكت، بادروا بعقد صلح لمدة عشر سنوات مع السلطان قلاوون، ولكن بعض جموع الصليبيين الجدد الوافدين من الغرب نزلوا بعكا ولم يقدروا حقيقة أحوال الكيان الصليبي بالشام، فدفعتهم حماستهم إلى العدوان على المسلمين في بعض المناطق القريبة من عكا وقتلوا أعداداً منهم. وقد استشاط السلطان قلاوون غضبا عند سماعه تلك الأنباء وقرر إعداد جيوشه فورا للانتقام من عكا وحكومتها، ولكن الموت باغته بعد أن كان قد غادر القاهرة فعلا في طريقه إلى الشام.
وقد خلف السلطان قلاوون ابنه الأشرف خليل، الذي رأى أن ينجز ما شرع فيه أبوه، فخرج على رأس الجيش إلى الشام واتجه إلى عكا ليفرض عليها حصارا قويا. وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي أبداها الصليبيون في عكا فإن المدينة سقطت في أيدي المماليك في مايو سنة 1291 م. ولم تكف السفن الراسية في ميناء عكا لحمل الصليبيين الهاربين من الموت، فغرق بعضها في البحر لثقل حمولتها.
ولم يتبق للصليبيين في الشام بعد ذلك سوى عدة مراكز قليلة متناثرة - مثل صور وصيدا وحيفا وانطرطوس وعثليث - وهذه استسلمت كلها واحدة بعد أخرى.
على أن طرد آخر البقايا الصليبية الغربية من الشام في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، لا يعني في حقيقة الأمر نهاية قصة الحروب الصليبية ، إذ استمرت ذيول هذه الحروب في صورة أخرى طوال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وربما بعد ذلك.

مساعدة 



















