المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: الصهيونيه ---- تعريفها وما اهم اهدافها --اعرف
منتدي الحلم العربي > منتديات سياسية > القسم الاخباري > اخبار عالمية
هدهد
بسم الله الرحمن الرحيم



الصهيونية



تعريف الصهيونية:



الصهيونية بالمعني الديني اليهودي تشير إلى جبل صهيون في القدس، والعودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي.(1) والصهيونية كلفظة بمدلولها السياسي الحديث فتعود إلى الصحافي اليهودي النمساوي "ناتان بيرنباوم" الذي كان أول من استعملها في مقالة له بعنوان "التحرر الذاتي"، نشرت في عام 1886 ليدلل بها على الحركة الهادفة إلى تجميع الشعب اليهودي.(2)
أما دائرة المعارف البريطانية في طبعة 1943 فتعرفها: "الصهيونية رد فعل اليهود للاسامية الأممية". ويعرف "ثيودور هرتزل" (Theodor Herzel) الصهيونية بأنها حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين."(3)
والصهيونية حركة سياسية عالمية منظمة تستند إلى مفاهيم متعددة: دينية، وسياسية، وتاريخية، واجتماعية، ونفسية، ضمن إطار أوربي يحمل طابع القرن التاسع عشر بكل قضاياه المتشابكة. ولا شك أن الصهيونية السياسية الحديثة في اعتناقها للفكرة المستحدثة التي شهدها المسرح الأوربي في القرن التاسع عشر جاءت مقلدة لتلك القوميات من حيث الأسس التي قامت عليها والتي لم تكن متوفرة أبداً لليهود، حيث أن معظم القوميات الأوربية والبلقانية منها على وجه التحديد قامت من أجل نيل السيادة والاستقلال، على أسس قائمة بالفعل، وتوفرت لها مقومات الكيانية من التواجد المستمر على رقعة من الأرض، وتكلمت لغة واحدة، وجمعتها العوامل المشتركة الأخرى عبر حقب التطور التاريخي المتواصلة.(4)
ويعرف الصهيوني "سوكولوف" الصهيونية بقوله: "ما هي الصهيونية؟ هي في جوهرها وغايتها فلسطين بكل تأكيد، ولكنها في الوقت نفسه، كل ما هو أقوى وأعمق وأكثر حيوية في الديانة اليهودية في العالم أجمع."(5)
وفي كتابه "الفكرة الصهيونية" يقول "سى ششتر في هرتزبرغ": "الصهيونية مثل أعلى وكونها كذلك يجعل تعريفها متعذراً."(1) وعلى العموم فالتعريفات الصهيونية كثيرة ومتعددة لكثرة أنواعها ومراحلها ولكثرة ما كتب عنها، ولكنها تظل بصفة عامة حركة سياسية يهودية نشأت في أوربا، لحل المسألة اليهودية الناتجة عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المجتمعات الأوربية منذ عصر النهضة، وعدم قدرة اليهود على الانخراط الكامل في تلك المجتمعات،(2) وسعت إلى إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين مستخدمة الرؤى الدينية التوراتية والتلمودية، وهي حركة عنصرية ارتبطت عضوياً بالاستعمار، وليس من المستغرب القول أن الصهيونية كانت من نتاج الجهد الغربي الاستراتيجي فكراً وممارسة.
نشأة الصهيونية:
نشأت الصهيونية ونمت في أوربا، ولم تكن أوربا مجرد المهد للحركة الصهيونية الذي ولدت فيه، جغرافياً وتاريخياً، إنما كان المهد الذي لولاه لما كان للحركة الصهيونية أن توجد. لقد كان عدد اليهود في أوربا في مطلع القرن التاسع عشر يقدر بمليونين ونصف المليون يهودي، يسكن 90% منهم في أوربا وحدها.(3) ولهذا كان التغيير الذي يطرأ على المجتمعات اليهودية في أوربا ويؤثر تأثيراً مباشراً على مصير اليهود في باقي أنحاء العالم. وربما كان الاضطهاد الأوربي الأبرز في العصور الوسطى، هو الاضطهاد الديني لليهود وخاصة ما جرى لهم في محاكم التفتيش الكاثوليكية في أسبانيا واتهامهم بصلب المسيح وما نتج عنه من طرد لليهود في عام 1492 وعام 1496، حيث تبدأ من هنا المرحلة الأولى من "المسألة اليهودية" التي تعتبر المقدمة للصهيونية السياسية فيما بعد.(4)
وكان الاضطهاد الأوربي بكل أشكاله هو الذي فرض "الجيتو" الذي يمنع اليهود من الاختلاط بباقي السكان، وشهدت مدينة البندقية عام 1516 إنشاء أول "جيتو" ثم انتشر في كل أوربا، ومع احتلال فرنسا لإيطاليا عام 1870 قضي على نظام الجيتو في سائر أرجاء أوربا. وفي كل مرة كانت يرتفع الصوت الأوربي بطرد اليهود.(5) وقد شهدت أوربا على أرضها منذ بداية الوجود اليهودي حتى مطلع القرن العشرين أربع موجات من الطرد الجماعي لليهود، كانت الموجة الأولى قد رافقت الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر في خضم الاندفاع نحو الشرق لاسترداد قبر المسيح، والموجة الثانية من الطرد كانت في منتصف القرن الرابع عشر والتي رافقت انتشار مرض الطاعون الذي حصد أرواح ما يقرب من ربع سكان أوربا، وأطلق عليه "الموت الأسود"، وأطلقت الشائعات بأن الطاعون ليس إلا بلاء من الساميين اليهود، فهوجموا ورحلوا نحو شرق أوربا، والموجة الثالثة جاءت عندما انتهي الحكم العربي في أسبانيا مع انتشار محاكم التفتيش، وتم طرد اليهود الذين رحلوا في أواخر القرن الخامس عشر إلى شمال أفريقيا والإمبراطورية العثمانية وإلى إيطاليا وهولندا وأمريكا. والموجة الرابعة في إثر مقتل القيصر الروسي عام 1881، التي أدت إلى المذابح الشهيرة ضد اليهود، وكانت الهجرة هذه المرة إلى فلسطين وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، فكانوا نواة الصهيونية في فلسطين ونواة الجالية اليهودية الكبيرة في الولايات المتحدة.(1)
وقد عبر كاتب صهيوني عن فرحه بهذه المذابح في عام 1942 قائلاً: "سنة 1881!، ما أشد هول هذه السنة على الناس الذين عاشوها، لكن ما كان أرحمها وأكرمها من سنة على قدر اليهود: ميلاد الصهيونية والهجرة الجماعية إلى أمريكا، ونهاية التحرر، وبزوغ فجر الاعتماد على الذات، ترى كيف يمكن لعالمنا اليهودي أن يبدو من غير فلسطين ومن غير أمريكا."(2)
وبقيام الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، شهدت أوربا حدثاً تاريخياً كبيراً، أدى إلى رفع الظلم والاضطهاد عن اليهود قانونياً واجتماعياً وسياسياً وتحقيق المساواة، حيث منحت فرنسا اليهود حقوقهم المدنية كاملة في عام 1791، وفي عام 1830 أقرت فرنسا المساواة بين الأديان، مساوية بذلك بين الديانة اليهودية والمسيحية.(3)
العوامل الممهدة لقيام الصهيونية:
1- صعود القوميات:
لقد ساهم نابليون وجيشه في نشر مبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة، وكذلك في الفكرة القومية، لا في أوربا وحدها ولكن في العالم أجمع، وبحلول عام 1825 كانت أمريكا الجنوبية اللاتينية قد تحررت، افتتحت بتحريرها السجل القومي في القرن التاسع عشر، وعندما اصبح التهافت الاستعماري شديداً في منتصف القرن التاسع عشر على ممتلكات الدولة العثمانية، كانت فلسطين محط أنظار الدول الكبرى، وكان اليهود قد امتطوا عصر القوميات وادعوا أنهم يشكلون قومية، وأول من ربط فكرة الصهيونية بالديانة اليهودية القومية هو "موزس هس" أحد أقدم المفكرين الصهاينة، في كتابه "رومة والقدس" الذي صدر في عام 1862 قائلاً: "إن الديانة اليهودية... مرتبطة عضوياً بالقومية اليهودية، والديانة اليهودية هي قبل كل شيء قوميه."(1) ويقول أيضاً "الديانة اليهودية أساساً وطنية يهودية."(2) وقال: "واليهودي الذي لا يؤمن بالبعث القومي لشعبه يعمل على تصفية شعبه."(3) ويقول العالم الشهير "ألبرت اينشتاين": "تنبع الصهيونية من دافع أعمق... وتمتد جذورها إلي تقليد روحي يمثل الحفاظ عليه وتطويره مبرر استمرار اليهود كجماعة... وإعادة بناء الأمة اليهودية."(4) ومثلما قال هرتزل: نعتبر أنفسنا أمة على أساس معتقدنا الديني."(5) وكثيرة أقوال المفكرين الصهاينة في هذا الجانب وزعاماتهم، ولكن عصر القوميات الأوربي فتح أبواباً عريضة تم استغلالها من قبل الصهيونية.
2- الصهيونية المسيحية: البروتستانتية:
يستند الفكر المسيحي الصهيوني إلى عقيدة عودة المسيح المخلص في آخر الأيام ليحكم العالم لمدة ألف عام يسود فيها العدل والسلام، ويرى معتقدو هذا الفكر أنه لن يتحقق الخلاص ولن يتم إلا بعودة اليهود إلى فلسطين، وقد تمكن الصهاينة المسيحيون من تحويل فكرة الاسترجاع أو العودة إلى فكرة سياسة استيطانية يعود فيها اليهود إلى فلسطين.(6) وكان قيام حركة الإصلاح الديني علي يد "مارتن لوثر وجون كالفن" والتي لا ينتمي أصحابها إلى الكنائس الكاثوليكية أو إلى الكنائس الشرقية، أصبحت العودة إلى التوراة أساساً لهذه الحركة الإصلاحية التي هي في جوهرها حركة تحريرية. ومع انبعاث التاريخ القديم في التوراة في المـدارس، تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض المقدسة للمسيحيين إلى أرض الشعب المختـار. وقـد أدى ظهـور حركة "البيوريتانية" أو حركة التطهر في بريطانيا في القرنين السادس عشـر والسابع عشر إلى المزيد بالالتصاق باليهود، وتحويل المبادئ الدينية إلى مبادئ سياسيـة وأهمهـا فكـرة عـودة الشعـب اليهـودي إلى فلسطين.(7)
ظهور حركة العودة البروتستانتية:
أدى ظهور هذه الحركة في بريطانيا من البيوريتانيين إلى تقديم أول عريضة سنة 1649 تطالـب بعـودة اليهـود بصـورة عمليـة إلـى أرض أجـدادهم، امتـدت حملة العرائض إلى دول أوربية أخري مثل النمسا والدنمـارك وإرسـال مذكرات إلي ملوك أوربا.(1)
ولقد حمل القرن التاسـع عشـر تطـوراً بـارزاً فـي طبيعـة حـركة العودة حيث أصبحـت فكـرة العـودة ركنـا أسـاسيـاً فـي العقيـدة البروتستانتيـة. وفـي عـام 1845 تقـدم "مـوردخـاي نواه"(2) بمشـروع لعـودة اليهـود إلـى فلسطين، واحتل المشروع الصـدارة فـي نيويـورك، وأيـده الرئيس الأمـريكي "جـون آدمز."(3) وفي عام 1839، نشرت في بريطانيا مقالات تدعو إلى إنشاء دولة مستقلة في فلسطين، وقد أيد اللورد "بالمرستون" وزير الخارجية آنذاك هذه الدعوات،(4) وتشابهت الدعـوات وكثـرت مصادرها مـن رواد الفكـر والصحافـة والفنـون، والرواية، ومن المستكشفين والجغرافيين والسياسيين والعلماء، لقد حملت المسيحية البروتستانتية رأي عودة اليهود قبل أن يحملهـا رواد اليهـود أنفسهـم امتـدت إلـى فرنسـا وإيطاليا وغيرهما، في جهد متواصل.
رواد الصهيونية اليهودية الأوائل:
إن الانتقال بالمشروع الصهيوني من الساحة الأوربية ومن مفكريها المسيحيين إلى الساحات اليهودية في أوربا ومفكريها اليهود، لم يكن تلقائياً فبينما كان المشروع الصهيوني المسيحي في مرحلة النضوج، كان المشروع الصهيـوني اليهـودي فـي بـداياته الأولى. وفي ستينات القرن التاسع عشر كان الرواد اليهود يلتقون حول فكـرة أن مستقبـل اليهود مرهون بعودته إلى وطنـه التاريخـي. وهـؤلاء كـانوا طليعـة جيـل مـن أوائل المفكرين الذي اعتنوا بحل المسألة اليهودية وكـان مـن أبرزهم "الكلعي" و "كاليشر" "وهس".
(1) يهودا الكلعي ( 1798-1878):
والكلعي كان أول الداعين إلى إحياء اللغة العبرية، وإقامة المستعمرات اليهودية في فلسطين،وكان برنامجه هو "الخلاص الذاتي" لتحقيق العودة الجماعية إلي فلسطين وأن النشاط الاستعماري علـى مستـوى البشـر سـوف يمهـد السبيـل إلـى مجيء المسيح المنتظر.(1)
(2) "تسفى هيرش كاليشر" (1795-1874):
وكاليشر حاخـام بـولونى، دعـا فـي كتـابه "مطلب صـهيون" سنـة 1862 إلي إنشـاء المستعمـرات الـزراعيـة فـي فلسطـين وإسكـان الفقـراء مـن يهود أوربا الشرقية ونجح في حث اليهود علي التحرك لشراء الأراضي في ضواحي مدينة يافا عام 1866 وتأسيس المدرسـة الزراعيـة فـي يافـا عـام 1870. كما أنـه يـرى أن خـلاص اليهـود لـن يتحـقق علي يد مسيحي منتظر، وإنما عن طريق العمل في الأرض.(2)
(3) "موزس هس" (1812-1875):
وهو مفكر ألماني نادى بالأفكار التي نادي بها الحاخام "كاليشر" وأصدر كتابه "رومة والقدس" عام 1862 وقد أرسى دعائم القومية اليهودية على الدين والعرق اليهودي، ويعتبر "هس" الأب الحقيقي للقومية اليهودية والدعـوة الصهيـونية الحـديثة. وقـد أعلـن "هرتزل" عن رأيه في كتابان "هس" فقال: "بأن كل ما حاولناه يمكن العثـور عليـه في آثاره."(3)
وكان هناك غيرهم من أمثال "بيرتز سمولنسكين" (1843-1885) الذي كان يدعو للمحافظة على القومية اليهودية في المهجر. "وموشيه ليلنبلوم" (1843-1910) والذي أصدر كتاباً بعنوان: "بعث الشعب اليهودي في أرض أجداده المقدسة."(4) وكانت هذه الكتابات مقدمة لميلاد الصهيونية السياسية.
ورغم أن هذه الدعوات كانت واضحة تماماً إلا أن الحقيقة كما كان يراها بعض هؤلاء المفكرين تثير فيهم التردد كذلك، ويعتبرون أن حماس اليهود كان فاتراً منذ البداية لإنشاء الوطن وهذا ما كتبه "برتيز سمولنسكين": "... ولكن الأمر ظل مجرد حلم لقلة الذين أيدوا المشروع بينما إعتور السلبية بقية اليهود."(1)
ويؤكد "يهودا ليب بنسكر" أن حمل فكرة الهجرة بطريق غير شرعي وبالتالي كان الاستيلاء قسرياً ولم يتقبله اليهود: "الحالة المرضية التي يعاني منها اليهود ناجمة عن فقدان الرغبة في الاستقلال القومي لنا من الواجب إثارة هذه الرغبة، أي من الضروري أن نبرهن لهم أنه يتوجب عليهم أن يصبحوا أمة.(2) ورغم كل هذه الأقوال يردد "بنسكر" لفظة الأمة رغم قوله: "الأمة اليهودية تفتقر إلى مكوناتها الأساسية فهي تفتقر إلى اللغة والعادات المشتركة والأرض."(3) ثم يعلن رأيه بوضوح قاطع يمتلئ بالمرارة فيقول: إننا في الواقع لسنا أمة إنما نحن يهود فقط. إننا قطيع منتشر في أرجاء المعمورة دونما راع يحمينا ويجمعنا." وهكذا رأى أيضاً "آحادهاعام" معلناً: "الحقيقة مره، لكن مرارتها أفضل من التضليل، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ونعترف أن تجميع الشتات بطريقة طبيعية غير ممكن،ربما استطعنا يوماً ما تأسيس دولة يهودية... ومع ذلك سيظل شعبنا متفرقاً... إن جمع المتفرقين من أطراف الأرض الأربعة شيء مستحيل..."(4) ظل اليهود طيلة قرن تقريباً لا يعرفون بالضبط ماذا يريدون، أدولة أم كياناً سياسياً مستقلاً، أم مجرد ارض وأي ارض؟ وهل هذه الأرض فلسطين أم الأرجنتين أم يوغندا أم قبرص، وظلوا مع هذه الأفكار "حتى أثيرت في إنجلترا مسألة أرض اليهود بعد الاضطرابات التي وقعت في مصر وسوريا، ولاقت الأفكار التي أطلقها "موشي مونتيفورى صداها." ووجهت بريطانيا الأنظار إلى فلسطين."(5) إنه لمن الحقائق الثابتة تاريخياً أن جهود الصهيونية غير اليهودية ظلت الدافع والمحرك للجهد الصهيوني اليهودي.
بداية التحول في تاريخ الصهيونية:
بدأت الفكرة الصهيونية تظهر في صفوف يهود شرق أوربا عندما تعرضوا للاضطهاد وبعد مقتل القيصر "الكسندر الثاني" في آذار/ مارس 1881، على يد نفر من القوميين الروس، وكان من بينهم بعض المثقفين اليهود. وكان من أوائل الدعاة لهذه الفكرة الصهيونية اليهودية الطبيب الروسي "يهودا ليوبنسكر" الذي كان من دعاة الاندماج في المجتمع الروسي، وعندما وقعت أحداث 1881 تزعزع إيمانه بالاندماج وكتب كراسته الشهيرة "الانعتاق الذاتي" التي صدرت بالألمانية عام 1882، وكانت جوهرة المشكلة التي طرحها هي أن "اليهود الذين يسكنون بين الأمم المختلفة، يكونون عنصراً لا يمكن أن يذوب فيها ولا يمكن لها أن تهضمه."(1) هذا بالإضافة أنه لا وطن لهم ولا حكومة تمثلهم.
ويعتبر ليوبنسكر أن الحل في نقل الفائض اليهودي(2)، وقد نشأت جمعيات كثيرة تهدف إلى وضع أفكار "ليوبنسكر" موضع التنفيذ. وكان الحاخام "موهيلفر" (1824- 1898) إلى تأسيس أول جمعية لأحباء صهيون في عام 1882، وسرعان ما انتشرت جمعيات مماثلة في جميع المدن الروسية، ثم انتقلت هذه الدعوة من روسيا إلى رومانيا وألمانيا والنمسا وبريطانيا والولايات المتحدة. وحملت هذه الجمعيات أسماء كثيرة مثل: "حب صهيون"، البيلو، وقديما، وبنى موسى، والسرية، وكان أهم هذه الجمعيات جمعية "زربابل" في "أوديسا" والتي ترأسها بنسكر، وتلخصت أهداف هذه الجمعيات في تحقيق استعمار فلسطين، ونشر الفكرة القومية بين اليهود وتعزيزها، ورفع شأن اللغة العبرية وقد قام أتباع هذه الجمعيات بأولى المحاولات الصهيونية لتوطين فائض يهود شرق أوربا في فلسطين، وعقدت هذه الجمعيات مؤتمرها الأول 1884، وألقى بنسكر خطاب الافتتاح(3)، وكان أهم إنجاز لهذا المؤتمر هو توحيد جميع الهيئات والمنظمات القائمة تحت سقف واحد. وعقد المؤتمر الثاني عام1887، وصارت تعرف هذه الحركة بعد مؤتمرها الثاني بـ "حركة أحباء صهيون". وعقد المؤتمر الثالث في عام 1889، والمؤتمر الرابع في 1890، ووافقت السلطات الروسية على الترخيص القانوني لهذه الحركة، وعلى الرغم من صهيونية ما قبل "هرتزل" اكتشفت ملامح الحل الصهيوني ولكن هذه الحركة لم تستطع أن تحقق الكثير وخاصة أنهم كانوا يدعون للاعتماد على الذات فقط، وتصوروا أن في مقدورهم ذلك وغفلوا عن أهم الحقائق في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الإمبريالية الغربية(4) والتي لا يمكن لهم أن يحققوا النجاح بدونها. ومن الثابت تاريخياً أن ظهور الحركة الصهيونية قد ترافق "مع بروز مدرسة سياسية متكاملة تدعو لاستيطان اليهود في فلسطين كأفضل طريقة لحماية قناة السويس، وهي مدرسة مانشستر التي خرجت "حاييم وايزمن..." وقد أشار ماكس نوردو زميل هيرتزل وأحد مؤسسي الحركة الصهيونية إلي طبيعة العلاقة التي تربط الصهيونية ببريطانيا، ودور الصهيونية في خدمة بريطانيا حيث قال للبريطانيين في احتفال وعد بلفور: "إننا نعرف ما تريدونه منا... تريدون أن نحمي طرق مواصلاتكم ونحن مستعدون لذلك. ويجب إعطاؤنا القوة اللازمة لذلك."(1) وقد حدد "هرتزل" الوظيفة الاستعمارية للدولة القادمة حيث قال: "فنحن هنا نؤلف جزءاً من الاستحكام الأوربي ضد آسيا، وستكون قاعدة أمامية للحضارة الأوربية لمقاومة الهمجية."(2)
وهذا ما ميز دعوة هرتزل عن دعوة بنسكر إلى التحرر والتجمع حيث يقوم في مقام الأول على الحصول على وعد دولي بإعطاء اليهود أرضاً لبناء الدولة، ولهذا يعتبر هرتزل همزة الوصـل بيـن رواد الصهيونيـة فـي منتصـف القـرن التـاسع عشر وروادها فيما بعد كما أنه كذلك وصلة الهمز الحقيقية بين الصهيونية غير اليهودية والصهيونية اليهودية.
الصهيونية الهرتزلية (1895-1905):
أصدر "تيودور هرتزل" كتاب الدولة اليهودية سنة 1896 واصفاً هذا الكراس بأنه "محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية" وأن الفكرة التي عالجها "فكرة قديمة جداً"، إعادة بناء الدولة اليهودية."(3)
وكانت لكتابه أثره الفاعل في حياة اليهود. والأفكار الأساسية في هذا الكتاب تعتمد على أن المسألة اليهوديةهي مسألة قومية، وأن المسألة القومية يجب جعلها قضية سياسية، والوحدة التاريخية للشعب اليهودي حقيقية، كان يرى ضرورة استمالة الدول الكبرى لكي تضغط على الدولة العثمانية لمنح الصهيونيين ميثاقاً يتيح إقامتهم في فلسطين علي أنهم كيان يهودي له استقلاله الذاتي، مما جعل صهيونية "هرتزل" توصف بـ "الصهيونية السياسية."(4) وكان "هرتزل" يرى أن الحل يأتي كلما استفحلت معاداة السامية لتصبح المحرك الأول والدافع وكان يقول: "نحن يجب أن نغرق أكثر، وأن نحتقر أكثر، وأن يبصق علينا وأن يستهزأ بنا، وأن نضرب وأن نسرق، وأن نذبح قبل أن نصبح ناضجين للفكرة الصهيونية."(5)
والصهيونية السياسية اصطلاح مرادف للصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية) حيث لم تكن تدرك قيادات الصهيونية في مرحلة ما قبل "هرتزل" ضرورة وحتمية الاعتماد على الإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التطبيق، أما "هرتزل" فقد أدرك حتمية الاعتماد على الإمبريالية منذ البداية. وعلى كل حال فقد اختفت الصهيونية السياسية أو الدبلوماسية بعد صدور "وعد بلفور" حيث لم يعد لها لزوم عندما تحقق هذا المطلب."(1)
وفي 29 آب/ أغسطس 1897 عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا وحضره نحو 197 مندوباً عن مختلف الهيئات والمنظمات والجمعيات الصهيونية في العالم، وانتخب تيودور هرتزل رئيساً له. ولقد حدد برنامج بازل هدف الصهيونية بأنه: "خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام."
أما الوسيلة الكفيلة بتحقيق الغاية الصهيونية فهي: (1) العمل لاستعمار فلسطين بالعمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفق أسس ملائمة. (2) تنظيم اليهودية العالمية وربطها بمنظمات محلية ودولية. (3) تقوية المشاعر اليهودية والوعي القومي اليهودي وتغذيتها.(4) اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الضرورية لتحقيق هدف الصهيونية."(2) وهكذا أصبحت الحركة الصهيونية الحكومة التي راحت تبحث عن دولة يهودية. فاللجنة التنفيذية الصهيونية كانت تلك الحكومة، والمؤتمر الصهيوني كان المجلس النيابي، ولا شك أن مدة العشرين عاماً التي تفصل برنامج بازل عن صدور وعد بلفور تمثل في تاريخ الحركة الصهيونية الحديثة عملية البحث عن اعتراف دولي بالأهداف والمطالب الأساسية.
وقد عقد المؤتمر الصهيوني في بازل عام 1897 في ظل شعار أطلقه "هرتزل" عن "اكتساب الجماعات اليهودية وقرر المؤتمر السماح لكل 400 يهودي يدفعوا الضريبة أن يرسلوا مندوباً عنهم، وقرر المؤتمر تأسيس المصرف اليهودي الاستعماري. وتوالت المؤتمرات الصهيونية فعقد المؤتمر الصهيوني الثالث في بازل 1899 وتم فيه تأسيس المصرف اليهودي الاستعماري تحت اسم صندوق الائتمان اليهودي بغية تمويل النشاطات الاستيطانية في فلسطين. أما المؤتمر الرابع فقد عقد في لندن عام 1900 بحضور ما يزيد عن 400 عضو وقد اشتد في هذا المؤتمر النزاع حول المسألة الثقافية بين اليهود الأرثوذكس المتدينين و بين دعاة الاتجاه العلماني مما اضطر هرتزل إلي مناشدة الطرفين إلى الالتفات إلى الأهداف المشتركة. وعقد المؤتمر الصهيوني الخامس في بازل عام 1901 الذي ظهرت فيه المعارضة داخل الحركة الصهيونية على صورة "الجناح الديمقراطي" الذي تزعمه حاييم وايزمن، وتقرر فيه عقد المؤتمر الصهيوني مرة كل عامين واتخذ المؤتمر قراراً بوجوب استخدام الأموال المتوفرة في الصندوق القومي اليهودي لغـاية واحـدة هـي شـراء الأرض فـي فلسطـين.(1) وعقـد المؤتمـر الصهيـوني السـادس فـي بـازل عام 1903 وجرى البحث في العرض المقدم من الحكومة البريطانية باستعمار يوغندا أو العريش.(2)
وقبل أن يحـل مـوعـد المـؤتمـر السابـع كـان "هرتزل" قـد تـوفي 7تموز/ يوليو 1904. واختصر "مارفن لووِنتال" أهمية هرتزل بقوله: "إن هرتزل وضع الصهيونيـة علـى الخريطة، وهو بإنشاء المنظمة الصهيونية، أعطى الشعب اليهودي عنواناً."(3)
القيادة الصهيونية بعد هرتزل (1904ـ1917):
كانت العقبة الأولي بعد وفاة "هرتزل" تدور حول اختيار خيلفة له. وكان هناك الصهاينة الروس (العمليون) بزعامة "مناحيم أوسشكين" أقوى المعارضين لدبلوماسية هيرتزل العلنية والسرية، وكانوا يرون أفضلية التوجه نحو السياسة العملية وعدم إضاعة الوقت في مفاوضات قبل الأوان.(4) وكان في المقابل الصهاينة الغربيين ويرون أن القيادة يجب أن تكون في يدهم لقدرتهم في إنضاج العلاقة مع الغرب. وكان من الطبيعي أن يرث في المؤتمر السابع الزعامة "ماكس نوردو" وهو الوارث الطبيعي لهرتزل، غير أن نوردو" هو الذي تخلى عن الرئاسة.(5) وتمت التسوية بين أنصار الصهيونية السياسية و أنصار الصهيونية العملية بأن جاءت القيادة من ستة أعضاء نصفها من "السياسيين" ونصفها من "العمليين" برئاسة "وولفسون"، وكان "وولفسون" من أنصار هرتزل.(6) وكان يعمل جاهداً لتقليده وكان هرتزل مثله الأعلى، إلا أنه كان يفتقر إلى شخصية هرتزل وإلي قدراته التنظيمية."(7)
الصهيونية العملية وصدور تصريح بلفور (1907- 1917):
لم يتمكن المؤتمر الصهيوني السابع والذي عقد في بازل 1903 من حسم الخلافات بين التيار الصهيوني السياسي والتيار الصهيوني العملي، واستمر الخلاف بين الفريقين، ولم تخف حدة النزاع إلا بعد استقالة "وولفسون" من الرئاسة سنة 1911 في المؤتمر العاشر الذي عقد في بازل، وجاء البروفيسور"واربورغ" ومؤيديه لاحتلال المركز الحساسة في الحركة تحت شعار الصهيونية "التوفيقية" وهي الصهيونية التي تجمع بين التوجه الدبلوماسي للحصول على بـراءة الاستيطـان فـي فلسطـين وبين الجهـد الاستيطـاني وتطـوير الاثنية اليهوديـة، والصهيونيـة التوفيقيـة كـانت هـي الحـل الوسط بين الخلافات التي استحكمـت فـي أربعـة مؤتمرات متوالية اعتباراً من المؤتمر السابع وحتى المؤتمر العاشر.
أخذ نجم "حاييم وايزمن" فـي الصعـود، ليجـد فـي الحكـومة البـريطانية خير حليف واجتمـع بالعديـد مـن المسئـولين البريطانيين الـذين أعـربوا عـن استعدادهم لتأييـد مطلب الصهيونيـة حتـى تتحـقق أهـداف الحـرب الرامية إلى تجزئة الإمبراطورية العثمانيـة. وخـلاصة سياسـة "وايـزمن" كـانت للعمل على انتصار الحلفاء في الحرب ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بعد أن تتم السيطرة علي مقدرات فلسطين.(1)
ومنذ خطاب وايزمن في المؤتمر الثامن الذي عقد في لاهاي 1907 والذي تبني فيه "الصهيونية التوفيقية"، ظلت هذه السياسة هي الإطار التي تحركت فيه الصهيونية، وباشرت المنظمة النشاط الاستعماري وعمليات الاستيطان على نطاق واسع ومنظم وهو ما أعتبره "العمليين" مكاسب حقيقية لهم. كما واصلت المنظمة الصهيونية جهودها للحصول على البراءة من بريطانيا وأسفرت هذه الجهود المشتركة إلى صدور وعد بلفور في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917. و أنتخب وايزمن رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1921 في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر الذي حضره 540 مندوباً يمثلون ثلاثة أرباع مليون يهودي مشترك في الصهيونية، وعقد في كارلسباد في أيلول/ سبتمبر1921.
حكومة صهيونية في فلسطين في طور التكوين: (1918-1921)
لم يمض سوى ستة أشهر على وعد بلفور حتى كانت لجنة صهيونية في طريقها إلى فلسطين في نيسان/ أبريل 1918 برئاسة وايزمن وعضوية ممثلين عن يهود أوربا، ولتقوم هذه اللجنة بتمثيل المنظمة الصهيونية العالمية في فلسطين وتعمل بين اليهود في فلسطين والسلطات العسكرية البريطانية، وإعداد الخطط العملية وفقاً "لروح تصريح بلفور."(1) وكانت بمثابة حكومة صهيونية في طور التكوين.
وانعقد مؤتمر سان ريمو في التاسع من أبريل/ نيسان 1920 ليجعل فلسطين والعراق من نصيب الانتداب البريطاني، ودعا وايزمن إلى مؤتمر صهيوني استثنائي يعقد في لندن، وتم عقد المؤتمر بحضور العديد من زعامات الحركة الصهيونية في مطلع تموز1920، وأعرب الصهاينة في هذا المؤتمر عن مشاعرهم إزاء معاهدة "سان ريمو" التي حققت أمانيهم بالاعتراف بالوطن القومي لهم. أعلن "براند يس": "لقد تم إنجاز العمل العظيم الذي بدأه هرتزل في "سان ريمو" وتكللت الجهود الرامية إلى الحصول على اعتراف بالوطن اليهودي في فلسطين... بالنجاح."(2) وهكذا راح "ناحوم سوكولوف" يردد وسط الحماسة التي استولت على اليهود: إن صفحة السياسة قد انطوت عملياً وبدأت صفحة جديدة الآن هي صفحة أمانينا، فالصفحة الأولي لن نكتبها نحن بل أولئك الذين كانت بيدهم زمام الأمر لفتح أبواب البلد، أما الصفحة الثالثة فلن يكتبها أحد سوانا."(3)
وفي العاشر من أغسطس 1920 وقع الأتراك معاهدة الصلح مع الحلفاء "معاهدة سيفر" وتنص على مطلبين للحركة الصهيونية وهما أن يعهد بإدارة فلسطين إلى دولة منتدبة، وأن تكون الدولة المنتدبة مسئولة عن تنفيذ "وعد بلفور" كما شهدت هذه الفترة الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على تعيين حدود فلسطين.
أقر مجلس عصبة الأمم مشروع صك الانتداب على فلسطين.في اليوم الرابع والعشرين من شهر تموز/ يوليو1922 ونص على قيام وكالة يهودية وخولها سلطة القيام بتنفيذ المشاريع العامة والإشراف على عملية الإنماء القومي.
كان لابد من بيان العلاقة بين المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية، ومدى ملائمة دستور المنظمة الصهيونية العالمية، ولهذا عقد المؤتمر الصهيوني الثالث عشر في كارلسباد عام 1923م لمناقشة الاقتراح الرامي إلى توسيع الوكالة اليهودية، لتضم إلى مجلسها الأعلى ولجانها عدد من اليهود البارزين في العالم ومن غير الصهيونيين بالذات. وكان "وايزمن" متـحمسـاً للتـوزيع ويصـر عليـه، ويـرى فيـه فائـدة للحـركـة الصهيونية.(1)
واشتدت المعارضة الصهيونية لعملية توسيع الوكالة في المؤتمر الصهيوني الرابع الذي عقد في فينا 1925، وتزعم المعارضة "فلاديمير جابونتسكى" وجاء المؤتمر الخامس عشر في بازل عام 1927 ليستمع إلى تقرير عن المفاوضات بين الزعامات الصهيونية مع غير الصهيونية حول توسيع الوكالة، لكن المعارضة ازدادت حدة. وفي المؤتمر الصهيوني السادس عشر الذي عقد في زيوريخ 1929 تم لوايزمن ومؤيدوه توسيع الوكالة.(2) إلا أن المعارضة ظلت على موقفها وفي المؤتمر الصهيوني السابع عشر الذي عقد في بازل 1931 تغلبت المعارضة على "وايزمن" فقدم استقالته من رئاسة المنظمة، فجرى إنتخاب "سوكولوف" رئيساً لها.
الصهيونية التصحيحية:
وتسمي التنقيحية وهى صهيونية "جابوتنسكي" الذي ظهر داخل المنظمة الصهيونية عام 1923 بهدف تصحيح السياسية الصهيونية، وهذا التيار أساساً من شرق أوربا، ونادى برنامجها بإنشاء دولة صهيونية على ضفتي نهر الأردن ورفع القيود عن الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ومصادرة جميع الأراضي المزروعة والعامة في فلسطين، وتأجيل الصراع الطبقي، وسحق التمرد العربي دون اللجوء إلى بريطانيا، وإنشاء وحدات عسكرية، وفي عام 1935 انفصل التصحيحيون عن المنظمة الأم وأسسوا "المنظمة الصهيونية الجديدة"، ولعبت المنظمة دوراً هاماً في تأسيس المنظمات العسكرية."(3) وانقسمت الحركة التصحيحية على نفسها في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر الذي عقد في براغ عام 1933، وخرج الجناح الديمقراطي منه، ولهذا شهد المؤتمر التاسع عشر الذي عقد في لوسيرن 1935غياب التصحيحيين عن المنظمة الصهيونية الأم لكي يشكلوا "المنظمة الصهيونية الجديدة." وقرر المؤتمر إعادة وايزمن إلى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية.
ويمكن لنا أن نبين الغرض الأساس للحركة الصهيونية بصفة عامة طوال تلك الفترة السابقة بأنه كان السعي الدائم والمستمر لجمع اكبر عدد من اليهود في العالم، وتجمعهم في فلسطين لتتم عملية انقلاب ديمقراطي لحل اليهود محل أهل البلاد، فالهجرة اليهودية إلى فلسطين كان لها الجهد الأوفى والأهم في عمل الصهيونية العالمية، وقد رصد لها القدر الأكبر من الأقوال، بل كانت الهجرة هي المحور الأساس الذي تدور حوله المؤتمرات الصهيونية.
وتدفقت الهجرة في خمس مراحل إلى فلسطين ابتداء من ثمانينات القرن التاسع عشر، وانتهاء برحيل بريطانيا عن فلسطين عام 1948، ليبلغ عدد اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين 483.000 يهودي."(1)
وعندما عقد مؤتمر العشرون في "زيورخ" 1937 وضم نحو500 مندوب يمثلون مليوناً ونصف المليون يهودي، احتفل بمرور 40 عاماً على قيام المؤتمر الصهيوني الأول و أعلن المؤتمر رفضه لمشروع التقسيم الذي تقدمت به لجنة "بيل الملكية" في 7 تموز/ يوليو 1937 وانتخب "بن غوريون" لرئاسة اللجنة التنفيذية.
وحين عقد المؤتمر الواحد والعشرين في جنيف 1939 عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية سارع الصهيونيون إلي إعلان رفضهم للكتاب الأبيض الذي صدر بعد رفض العرب لمشروع التقسيم والذي يجعل الهجرة تتم بموافقة العرب وهم الأغلبية وأصحاب البلد الشرعيين، واعتبر الصهيونيون أن الكتاب الأبيض الذي صدر في عام 1939 لا يتفق مع مواد صك الانتداب."(2) وبهذا المؤتمر تنتهي الفترة الممتدة من تاريخ الصهيونية ما بين وعد بلفور إلي إعلان الكتاب الأبيض عام 1939. وهذه الفترة أطلق عليها بن جوريون اسم الصهيونية السياسية.(3)
الصهيونية المقاتلة:
والصهيونية المقاتلة هي الاسم الذي أطلقه بن جوريون نفسه على الفترة الممتدة من صدور الكتاب الأبيض 1939 وحتى قيام دولة إسرائيل عام 1948. ولقد لجأت الحركة الصهيونية في سنوات الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) إلى اتباع العنف في مقاومتها لسياسة الكتاب الأبيض الذي قيد الهجرة، كما عكفت على تشكيل الفرق المقاتلة تحت ستار الدفاع عن النفس. وفي الثامن من أيار/ مايو 1942وفي ذكرى مرور خمسة وعشرون سنة على صدور "وعد بلفور"، عقد المؤتمر الصهيوني الاستثنائي في فندق "بلتمور" بنيويورك. وحضره ممثلون عن الهيئات والمنظمات الصهيونية بإضافة إلي زعماء الصهيونية مثل "وايزمن" "وبن غوريون"، وناحوم جولدمان"، وغيرهم واتخذ المؤتمر في جلسته الختامية عدد من القرارات عرفت ببرنامج "بلتمور" وأصبح هذا البرنامج هو السياسة الرسمية للصهيونية وحتى قيام دولة إسرائيل.واهم ما جاء في هذا المؤتمر تحقيق أغراض وعد بلفور، وصك الانتداب، وأكد رفضه القاطع للكتاب الأبيض 1939.(1) كما جاء في هذه القرارات أنه يجب الاعتراف بحقهم في تشكيل قوة عسكرية يهودية وأن المؤتمر تبنى الأهداف الصهيونية الحقيقية التي سبق أن أضمرها كل من بن جوريون وحاييم وايزمن تأكيداً للبرنامج الجديد للسياسـة الصهيونيـة الأساسية في إقامـة الـدولـة اليهوديـة علـى أرض فلسطين والمطالبـة بتأليف الجـيش الصهيوني وتـرك مسائـل الهجـرة بيـد الوكالـة اليهوديـة."(2)
لقد كان برنامج "بلتمور" في الواقع هو تبنياً لبرنامج التصحيحيين، فما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كانت جميع المنظمات العسكرية والإرهابية الصهيونية تعمل في وحدة واحدة من التنسيق والتخطيط. وقد أكدت الحكومة البريطانية ذلك في البيان الذي أصدرته في تموز/ يوليو 1946 وجاء فيه: "إن الهاجانا وقوة البالماخ التابعة لها تعملان تحت السيطرة السياسية في الوكالة اليهودية، وتقومان بأعمال العنف والتخريب التي يخطط لها بدقة بالغة، تحت ستار حركة المقاومة اليهودية. وكذلك يبين البيان: "أن الارغون زفاى ليئومى وجماعة شتيرن يتعاونان منذ خريف 1945 بصورة وثيقة وينفذان العمليات الإرهابية تحت إمرة القيادة العليا للهاجاناه."(3) ثم جاء المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين الذي عقد في بازل عام 1946 فكان المؤتمر الأخير قبل إعلان قيام إسرائيل، وجاءت قراراته السياسية مؤكدة للمطالب التي أعلنت في "برنامج بلتمور."(4) وقامت الصهيونية العالمية بالضغط على الرئيس الأمريكي ترومان ليرفع القيود التي فرضتها بريطانيا على الهجرة اليهودية إلى فلسطين كما جاءت في الكتاب الأبيض عام 1939، وتم تشكيل اللجنة الأمريكية البريطانية المشتركة سنة 1946، وقامت اللجنة في نفس العام بزيارة فلسطين وكانت النتيجة الحاسمة لزيارتها تخلي بريطانيا عن الكتاب الأبيض وسياسة تقنين الهجرة وربطها بموافقة العرب. وكانت الصهيونية قد أعدت مشروعاً لتقسيم فلسطين أبلغته للرئيس الأمريكي "ترومان" الذي ابلغه بدوره لبريطانيا التي وجدت نفسها بعد كل هذا الجهد مع الصهيونية أمام سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الضاغطة قي شأن الرغبات الصهيونية مما حدا ببريطانيا في مطلع 1947 على إحالة القضية الفلسطينية على هيئة الأمم المتحدة، فقد رأت الصهيونية أن رفع الأمر إلى هيئة الأمم المتحدة من شأنـه إضفاء طابع الاعتراف الدولي علـى المكاسب والمطالب الصهيونية.(1)
وعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28نيسان/ أبريل 1947 جلستها وجرى انتخاب لجنة التحقيق الدولية التي عرفت بـ "لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين" وانتقلت اللجنة إلى فلسطين وجاء تقريرها متضمناً توصيات عامة بشأن إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، والتوصية الحاسمة في التقرير كانت بتقسيم فلسطين إلى دولتين حسب مشروع الأكثرية في اللجنة، دولة عربية ودولة يهودية، وصدر قـرار التقسيـم في 29تشريـن الثاني/ نوفمبر 1947، أعلنت بريطانيا عن عزمها على الرحيل وإنهاء الانتداب، وكانت الصهيونية قد أعدت عدتها كاملة لمثل هذا اليوم، وكانت حرب 1948 ودخول الجيوش العربية التي هزمت في تلك الحرب وأعلنت الصهيونية عـن قيـام دولة إسرائيل في 15مايو/ أيار 1948.
وهكذا أقامت الحركة الصهيونية العالمية دولتها اليهودية في فلسطين واستطاعت الصهيونية المقاتلة أن تحقق الحكم الذي راود تيودور هرتزل قبل خمسين عاماً في كتابه الدولة اليهودية وفي مؤتمر الأول الذي عقده في بازل عام 1897.




د. عمر محمود شلايل ( أبورجائي )
سفير دولة فلسطين بالسودان


منقول عن موقع دنيا الوطن
أم أكرم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع يستاهل القراءة ، أشكرك على مجهودك

ولقد أوضح لنا الله عز وجل ذلك في كتابه الكريم في سورة الاسراء

الآية 6 ، 7 والآية 104

سبحان الله والحمد لله
هدهد
جزاك الله خيرا اختى smile.gif



وللاسف



نحن نعلم اهدافهم وتاريخهم cool.gif



وما يخططون لنا



وبرغم ذلك



يظهر من بيننا من يطالب بالسلام dry.gif



اى سلالالالالالالالالالالالالالالالالالالالام mad.gif



حسبنا الله ونعم الوكيل
zooooom
جزاكى الله خير على الموضوع الجميل الهاتف للقراءة

ويجعلة فى ميزان حسناتك
عبدالغفور الخطيب
مقالة جيدة

رغم أن الميل لاعتبار الصهيونية جاءت لاستثمار واقع اليهود كمجتمع وظيفي
لا كقومية ..أو حتى أصحاب ديانة
mntke22
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

جزاء الله كل خير أختى..
.. على نقلك لهذه المعلومات..

بارك الله فيك ..
..وجعله الله فى ميزان حسناتك..

أخوكم فى الله
محمد عوض
هدهد
موضوع قديم لمآساه لازالت

غاوى بدون مشاكل
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

موضوع فى منتهى الروعة

شكرا على الموضوع

معلومة ممتازة

شكرا ست الكل
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.