الكاتب..عبد الله العامري
.......................
قررت يوما .. أن أدخر شيئا من مصروفي الشخصي .. كي أشتري جهاز حاسوب .. أستطيع من خلاله مواكبة العصر ... والدخول في تكنولوجيا العلم والمعرفة ... لكن متطلبات الحياة .. لم تسمح لي .. أن أقتنيه بهذه السهولة .. ولعل ارتفاع سعره في ذلك الوقت .. من أهم الأسباب التي جعلتني .. أعزف عن شراء هذا الجهاز .. الذي ظل حلما يروادني .. منذ السنة الثانية .. في المرحلة الثانوية !!!
وقد سخر الله لي صديقا .. كان من أكثر الناس معرفة ببواطن أموري الاقتصادية .. فهو يعرف كل شاردة وواردة من فلوسي ... . فما كان منه إلا أن أشار علي .. أن أشتري حاسوبا .. وقد دلني على صديق له .. يستطيع مساعدتي .. بالتقسيط المريح ..
أذكر أن هذا الجهاز .. الذي أرهقه كل مساء .. بطقطات أصابعي .. على لوحة مفاتيحه .. هو ثاني جهاز حاسوب .. أشتريه .. في حياتي .. بل ربما هو الأخير !!
قد يكون من حسن حظي - أو سوئه - أنه توافق شرائي للحاسوب الثاني .. مع ثورة المعلومات النتية ... فما كان مني .. إلا أن أكون من الرواد الأوائل في استخدام الإنترنت ... ( مع العلم انني درست هذا الحاسوب وتعمقت فيه لدرجة كبيرة ) لكني لم أكن أعرف للإنترنت سبيلا .. أو طريقا .. وقد دلني من كنت أثق في رأيه وفكره _ للأسف - .. إلى بعض المواقع التي كانت تتزايد يوما بعد يوم .. وما أكثر مواقع " الدردشة " التي دلني عليها !!
جعلت من تصفحي للإنترنت .. وسيلة للتسلية .. وضياع الوقت ... مقرونا بضياع غير بسيط في المال !! .. ساعات طوال أتسمر فيها .. أمام هذا الجهاز .. أقلب الصفحات .. من موقع لموقع .. ومن دردشة لدردشة .. وسرعان ما يصيبني الملل .. فأقوم بإطفائه .. ثم أبحث عن كتاب ينقذني من جحيم الحاسوب .. وفائدته .. غير الممتعة !!
وما هي إلا لحظات حتى يصيبني الإعياء والسأم من كثرة القراءة .. فأعود أفتح الحاسوب من جديد .. وأتقلب في المواقع كما يتقلب ذو الحمى .. على فراشه !! .. لا يوجد فائدة رغم قوة الجذب .. ولا متعة رغم جمال العرض .. ولا سرور .. رغم سرعة البحث عنه ... فأيقنت أنني أسير في اتجاه خاطئ .. في سبيل تحقيق فائدة ماتعة .. واشتكيت هذا الهم .. لمن وثقت في فكره ورأيه ... فدلني على المنتديات !!
ما كنت أعرف المنتديات .. دلني على التسجيل في المنتديات ... التي وصفها لي بأنها ملتقيات فكرية حوارية .. تزيد من سعة الاطلاع .. وتزيد من قدرة الشخص التعبيرية .. والثقافية ..
حزمت حقائبي الفكرية والثقافية ... وشاركت في أحد المنتديات .. كتبت أول مشاركاتي .. ينتابني أشياء من الخوف والقلق .. ورهبة المواجهة مع الآخرين .. وذلك نتاج تربية خاطئة .. تتمثل في عدم تدريبنا على كيفية مواجهة الآخرين .. وفي عدم القدرة على التعبير عن آرائنا بكل شجاعة ... وبدون تردد أو تلعثم .. أو تأتأة !!
كانت النتيجة .. مشجعة .. فقد وجدت من الثناء .. ما أدخل في نفسي السرور .. ووجدت نقاشا على استحياء ( عكس الوضع هنا ). من بعض الأعضاء .. لم يخل من عبارات شكر وثناء .. فزادني ذلك سرورا .. فرحت أكتب الردود .. ردا ردا .. وأرتقب للرد من بعد الرد .. وأعلق وأشكر .. حتى أصبح التواجد في المنتدى .. هو شغلي الشاغل .. فأعلق على موضوع.. قد شارك كاتبه في مواضيعي - .. من باب " رد على مواضيعي .. أرد على مواضيعك " - وأمارس النفاق الإنترنتي ... مع من مارسه معي .. وأكتب من عبارات الثناء .. ما يملأ كل نفس بالزهو .. والثقة ... والــــغرور !!
أصبح الجذب للجلوس أمام الحاسوب .. أكثر .. والمتابعة لكل ما يكتب أقوى .. والمشاركة في الحوارات أجمل وأعذب .. من الجلوس وراء دردشة .. فيها من السقطات .. في القول والفعل .. ما يربأ الإنسان .. بنفسه عنها !! .. كانت الجهود المبذولة في المنتدى .. واضحة جلية .. والمشاركات هادفة نبيلة .. والحوارات صادقة صريحة ..
وذات يوم .. وبينما أنا أسابق الزمن في الدخول للمنتدى .. إذ برسالة تنبيه .. تظهر أمامي .. تقول لديك رسالة خاصة .. هل تريد تصفحها .. سارعت بالموافقة .. فهي الأولى من نوعها التي تصلني مذ عرفت المنتدى ... فوجدتها من ثاني رجل مسؤول في المنتدى .. يطلب مني أن أكون مراقبا .. على القسم العام من المنتدى !!
ودون تردد .. وحبا للألقاب .. ورغبة في الظهور .. وشوقا للشهرة .. وتضامنا مع الغرور . وافقت أن أكون مراقبا .. على المنتدى العام ... وقد أرسل لي فيما بعد .. أهم مهام المراقب .. وواجباته ومسؤولياته ... وسبقني نائب المدير العام .. لمنتدى التهاني .. يزف البشرى للأعضاء .. ويبارك لي ثقة الإدارة في تعييني .. مراقبا على المنتدى العام ..
بدأت جينات الغرور والسرور .. والفرح والانتشاء .. تتحرك في دواخلي .. كيف لا .. وقد فزت بلقب يجمل اسمي في المنتدى .. وشعار كان يميزني عن بقية الأعضاء .. واكتشفت أننا معشر العرب .. نعشق الألقاب .. ونحب المناصب .. فهاهو صاحب المنتدى يمنح نفسه .. لقب المدير العام .. ويمنح نائبة لقب نائب المدير العام .. ويوزع الألقاب بين المشرفين .. من مراقب .. إلى مراقب عام .. إلى مشرف عام .. إلى مستشار .. إلى عضو مجلس الإدارة ... .. رحت أفتخر بذلك أمام صحبي .. وأمام رفقي بالغربة .. وبدأت أحاول أن أكون عند ثقة الإدارة التي باركت لي ثقتها .. وشرفتني بهذا الوسام الأجلّ في حياتي !!
عندما كنت عضوا .. كان حبي للمنتدى ومدى تعلقي به .. يزيد كلما كتبت موضوعا .. وكلما شاركت في حوار .. وكلما وجدت ثناء أو تعليقا .. .. وبعد أن أصبحت مراقبا .. ازداد حبي له .. وتعلقي به .. وازداد زمن جلوسي متصفحا لأقسامه .. ومواضيعه .. وتعليقاته وردوده ...
جعلت منه بيتي الثاني .. بل ربما أهملت في بعض واجباتي في بيتي الأول .. في سبيل ألا يكون علي ملاحظة أو خلل في القيام بمهمتي ... وحتى لا تهتز صورتي في نظر الإدارة الموقرة ... كنت أدخل للمنتدى بعد عودتي من عملي مباشرة .. قبل الغداء وقبل النوم والراحة .. فأنطلق لقسم المشرفين .. أتصفح آخر التعليمات والأوامر .. التي يوجهها لنا سعادة مدير عام الشبكة .. ونائبه الكريم ..
ثم أمتشق الماوس .. وأنطلق نحو قسم الترحيب بالضيوف ... فما أترك موضوعا لعضو جديد .. إلا وأكتب له ترحيبا .. وأهنئ نفسي والمنتدى بانضمام هذا العضو .. وأشجعه أننا ننتظر منه الجديد والمفيد .. ولأن توافد الأعضاء على التسجيل في المنتدى كان بكثرة .. فقد كتبت في " الوورد " عبارات ترحيبية .. وقمت بحفظها .. وعندما أجد عضوا جديدا قام بالتسجيل .. أضفت ردا على موضوعه ... عن طريق مشروع جديد يسر علي الكثير من العناء - اسمه " القص واللصق "
ثم أنطلق بكل فرح وسرور .. للقسم الذي كلفت بمراقبته .. فأتصفح المواضيع موضوعا موضوعا .. ثم أتصفح الردود ردا ردا .. فإن وجدت ما يخالف قوانين المنتدى .. أو ما يتعارض مع أفكاري وتوجهاتي .. قمت بحذفه أو تعديله ... ثم أبدأ في اختيار المواضيع المهمة والجميلة والمفيدة .. والتي تستحق التثبيت -من وجهة نظري الأحادية !! .. فأقوم بتسميرها . وتثبيتها في القسم .. مستخدما صلاحياتي في ذلك الأمر ..
وبعد ذلك أبحث عن الحماقات التي .. يقوم بها بعض الأعضاء .. بقصد أو بدون .. فأجد من كتب موضوعا رياضيا .. في قسم الحوار .. أو من كتب موضوعا نثريا في قسم الترحيب .. أو من كتب موضوعا عاميا في قسم الرياضة .. أو من كتب موضوعا سياسيا .. في قسم الترفيه !! فأقوم بنقل ما يخصني من مواضيع .. إلى القسم المختص في ذلك ... ومن ثم أقوم بمراسلة زملائي المشرفين .. لإخبارهم بفداحة الحماقة المرتكبة في قسمه .. كي يسارع في التصرف معها !!
ثم أقوم بمتابعة مواضيع بقية الأقسام .. فلا أترك موضوعا .. جديدا إلا وشاركت فيه .. وإن لم أفقه في محتواه شيئا .. ولعل الشكر والثناء .. ( وجزاك الله خيرا ) .. هي المخرج الحقيقي لتجاوز هذه المحنة في الرد على مواضيع لا أفقه فيها شيئا !!
بعد ذلك أترك المنتدى وكلي شوق إليه .. أنتظر أن أعود إليه ... بعد تركه بلحظات .. فأنام وشريط الموضوعات يسير أمامي ... وأقسام المنتدى ترتسم في مخيلتي .. والموضوعات تطرز أحلامي ... وعندما أعود للمنتدى في المساء .. بشوقي وحبي ... تظهر لي رسالة التنبيه بوجود رسالة خاصة .. فما أن أتصفحها .. إلا وأجد بها عرائض شجب واستنكار .. وسب وشتائم ... وضجر وانقهار .. لماذا عدلت موضوعي ؟ وآخر .. لماذا حذفت ردي ؟ وثالث : لماذا نقلت موضوعي لقسم كذا ... ورابع .. أنت ما تفهم شيء !! وخامس : أتمنى أن ترد على موضوعي الذي كتبته !! وسادس : أرجو تثبيت موضوعي ... وقد أجد رسائل من المدير العام أو نائبه .. يوبخون سعادتي أو يعاتبون .. أشد العتاب لأني لم أشارك في موضوع تهنئة المنتدى .. بأن جريدة كذا .. قد كتبت عنه .. ولم أشارك في تهنئة الأعضاء .. بفوز المنتدى بمركز متقدم في سباق المواقع .. ولم أشارك في تهنئة المشرف فلان في ترقيته من مراقب .. إلى مشرف عام !!
أختنق من كل ذلك .. وأظهر أمامهم بمظهر الصابر المتجلد .. على حماقات الحمقى ... وتفاهات المغفلين .. ولا أواخذهم بما يقولون .. بل أترفع عن عتابهم .. أو حتى الرد عليهم .. وأمضي ليلي .. مع عشقي الأول ذلك المنتدى ... الذي جعلت منه مكانا أفديه .. بوقتي ومالي ... وسعادتي !!
إخلاصي لهذا المنتدى ... حول حياتي لجحيم دون أن أدري .. فصحبي بالبيت صار كثير الضجر والملل .. من كثرة انشغالي عنه وعن واجباتي بالبيت لمن هو مثلي في غربة بهذا المنتدى .. وعلاقاتي بالمجتمع الخارجي .. ضعفت .. فلا صلة للاصدقاء ... لا يفصلني عن الجلوس أمام هذا الإغراء .. إلا نوم أو أكل .. أو خروج مضطر إليه .. أما لعمل .. أو لشيء مهم !! .. والجلوس مع هذا الحاسوب جامد الإحساس والمشاعر !!
ومنها ضعفت علاقتي بجيراني .. وضعفت علاقتي بربي .. ففي أحسن الأحوال .. أدرك الركعة ألأخيرة .... وفي أسوأها .. لا أدرك شيئا .. وأتعذر بأداء الصلاة في البيت .. متحججا ببعد المسجد عن البيت .. أو إسراع الإمام في الصلاة .. !! فلا أنا الذي حافظت على علاقتي بربي .. وفزت بسعادة الدنيا والآخرة .. ولا أنا الذي فزت بعلاقتي بأحبابي .. وأصحابي !!
هذه رسالتي .. أبعثها لكل من أسرف على نفسه .. ]في التواصل مع الوهم .. في صناعة مجد من سراب .. في إهماله لبيته وأهله ومسجده .. لكل من بحث عن الألقاب .. ومن سعى إلى المناصب .. ثق أنها مناصب من وهم . وألقاب من قهر .. وجهد من ضياع .. فقط وازن بين .. ما يرضي الله أولا .. ثم ما يرضي من حولك .. ثم ما يرضي طموحك ورغباتك .. ووازن بين ذلك تسعد في الدنيا .. والآخـــــرة بإذن الله !!
أعتذر أن أتعبتكم بطول المقال ..
لكن ذلك جزء من تعبي من الإشراف .. بالسهر والحمى
كل التقدير .. لكم
للجميع محبتي
