برامج عملية لحفظ القرآن الكريم ( المرحلة الاولى)

--------------------------------------------------------------------------------

برامج عملية لحفظ القران الكريم
المقدمة
ولسنا بحاجة إلى بيان فضيلة هذا العمل وأثره في النفوس والقلوب ، وما يجري الله به على فاعله من الخيرات والبركات ، فذلك معلوم مشهور من جهة .
وليس هو مقصدنا في هذا المقام من جهة أخرى ، وقد سبق أن طرحة موضوعاً شبه متطابق مع هذا الموضوع ، وعندما نظرت إلى تاريخه وجدت أنه مضى على إلقاء الموضوع الأول أكثر من سبع سنوات ، ثم إن هذا الموضوع يتميز عن الأول بمزيد من التفصيل والبرمجة العملية التي تحدثنا عنها في الإلقاء الأول بالأسبوع الماضي ،ولعلنا نحاول أيضاً أن نضيف كثير من التوجيهات والتنبيهات التي تذلل الصعاب ، وتعين على تحقيق المراد بعون الله - جلا وعلا - وسنتحدث في هذا الموضوع من خلال تمهيد مختصر ، ثم نفصل القول في أربعة برامج :

1 - برنامج التصحيح
2 - برنامج الحفظ
3 - برنامج التمكين
4 - برنامج المراجعة

أما التمهيد ففيه نقطتان :
الأولى : قبل البداية .
والثانية : عند البداية .

وقبل البداية نحتاج إلى ثلاثة أمور :
أ - إخلاص النية.
ب - وإصلاح العمل.
ج - وإذكاء الأمل.

إخلاص النية
فكل عمل بلا إخلاص هباء، وكل عمل لا يراد به وجه الله - عز وجل - لا يكتب له التوفيق ، ولا ينتهي إلى الغاية المحمودة ، ولا يصيب الأمل المنشود ونحن نعلم ذلك وتدل عليه نصوص كثيرة.

وأما إصلاح العمل
فإن الله - جلا وعلا - قد قال : { واتقوا الله ويعلمكم الله }، ونحن نعلم أن العمل الصالح هو الذي يورث نور القلب، وانشراح الصدر، وسكينة النفس، وحدة الذهن، وقوة الحافظة، وسلامة الجوارح ؛ فإن الله - جلا وعلا - يمنُّ على من استخدم جوارحه في طاعته ومرضاته ، وسخر بدنه وملكاته فيما يحب الله ويرضى .. يمنُّ الله - جلا وعلا - عليه بحفظ حواسه وسلامتها له ويزيده فيها ما يميزه عن غيره بإذن الله - عز وجل - وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال : " إن العبد ليحرم العلم بالذنب يصيبه " ، وكما قال الله جلا وعلا : { واتقوا الله ويعلمكم الله }؛ فإن من أراد أن يتهيأ لحفظ القرآن، وطلب العلم، ومعرفة الحق والاستزادة من الفقه في الدين فإن طريقه أن يتطهر قلبه ويزكي نفسه بإصلاح العمل وإصلاح القصد لله سبحانه وتعالى.

وأما إذكاء الأمل
فنعني به الثقة بالله - سبحانه وتعالى - والأمل في عطائه ومنته وجوده ، فلا يتسرب اليأس إلى نفسك في هذا الأمر - أي حفظ القرآن - ولا في غيره من الأمور ؛ فإن بعض الناس يغلق على بعضه أبواب الأمل وما يزال يسرب على نفسه ويجلب إليها المثبطات والمحبطات ويكثر ويعظم لها العوائق فحينئذً لا يكون عنده اندفاع ولا حماس ولا تهيؤ نفسي ولا قوة عملية لحفظ ولا لغيره من الأعمال ، ولقد كان من تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ولأمته أن يبعث الأمل دائماً حتى يكون ذلك موقد لشعلة العمل ومذكي لنار الحماسة ومعلياً لمعالي الهمم بإذن الله - سبحانه وتعالى - فلا بد لنا من إخلاص وصلاح وأمل حتى نتهيأ لهذا العمل الصالح ولغيره.

وأما عند البداية فنحتاج أيضاً إلى ثلاثة أمور :
1- ملائمة الابتداء.
2- ومواصلة الارتقاء.
3- وكفاءة الأداء.

أما ملائمة الابتداء
فنعني بها ألا تأخذنا الحماسة ، فنبدأ بدية مندفعة لا تتناسب مع مقدرتنا وطاقاتنا أو إمكاناتنا ولا تتوافق مع ظروفنا ومشاغلنا وبيئتنا وهذا يحصل كثيراً عندما يستمع المرء إلى تفضيل لأمر من الأمور ، أو ثواب في عمل من الأعمال ، فتتحمس نفسه ويشتاق إلى ذلك الأجر والثواب ، فيبدأ بدايةً قوية شديدة أخذاًً فيها بأقصى طاقته بالغاً فيها غاية جهده فلا لبث بعد قليل أن تقعده العوائق ، وتصرفه الصوارف ؛ لأن واقع الحال يختلف مع ما أخذ به نفسه من الشدة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) ، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع ولا نريد أن نطلق مع العواطف دون أن نقدر الأقدار ونحسب الحساب ألازم لكل عمل وما يحتاجه من وقت وما ينبغي تهيئته له من ظرف وما يحتاج إليه أيضاً من طاقة وبذل وعمل.

وأما مواصلة الارتقاء
فنعني بها الاستمرارية التي تتحقق به النتائج والتي تعظم بها الحصيلة والتي تجنى بها الثمار ؛ فإن المرء قد يحن الأمر ويتقنه ويبدأ فيه ويحصله ، ثم لا يلبث أن ينقطع فيضيع ما قد حصله ، ويتبدد ما قد جمعه فيعود مرةً أخرى كأنما يبدأ من الصفر من جديد ، فيجمع ويكسب ويحصّل ، ثم لا يستمر ولا يبني على ما سبق ، فلا يزال في مكانه يسير دون أن يتقدم ، ودون أن يرتقي ، ودون أن يضيف إلى رصيده مكتسبات حقيقية لها صفة الدوام والاستمرار ، ولها صفة الحفظ والاستقرار ؛ فإن كثير من الناس في هذا الشأن كمن يحرث في ماء البحر - كما يقال - والذي يحرث ماء البحر لا يخرج بنتيجة ولا يحصل على ثمرة مطلقة.

وأما كفاءة الأداء
فإننا لا نريد أن نستمر بعمل ناقص وبإتقان مختل ؛ فإن هذا يشبه الذي يمشي بالعرج ؛ فإنه ما يزال يتعثر ويتأخر وإن كان مستمراً ثم إنه كذلك يجد أنه يحتاج في كل مرةً أن يرمم عمله الذي أنجزه وأن يصلح ويكمل ثمرته الذي زرعها على أكمل وأتم وجه ؛ فإن الكمال والتمام يريح الإنسان ويوفر وقته ويوفر جهده ، وأما الذي يعمل العمل فيتمه من غير إحكام ؛ فإنه كأنه في بعض الأحوال لم يصنع شيء فيكون كحال الذي توقف وانقطع مثله مثل الذي يستمر على خلل ونقص دون أن يراعي الكفاءة والكمال المنشود.

وبعد ذلك نبدأ أحبتي الكرام بالبرامج التي نريد أن نأخذ بها لكي نحصل هذه الثمرة العظيمة.
أولاً : برنامج التصحيح
ونحن بهذا التصحيح تصحيح التلاوة والقراءة القرآنية لأنه لا يصلح ولا يمكن ولا ينفع الحفظ بدون هذا التصحيح قد قال الحق جلا وعلا عن القرآن : {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربياً مبين }، فلا بد من إتقان القراءة وتصحيحها وفصاحتها العربية وبلاغتها القرآنية والحق جلا وعلا يقول : { قرآناً عربياً غير ذي عوجاً }، فلا ينبغي أن يكون خلل في هذه القراءة من وجوهها المتعددة ويبين الحق جلا وعلا الفرق فيقول : { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين }، وفي حديث عائشة رضي الله عنها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أنه قال : ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران أجر التلاوة وأجر المشقة ) ، فهو يشق عليه لكنه يعالج ويغالب ويجتهد حتى يستقيم لسانه بقراءة صحيحة فصيحة متقنة ، فحينئذٍ إذا حفظ حفظ هذه الصحة وحفظ ذلك الإتقان وإلا يفعل ذلك كذلك ؛ فإنه يحفظ قرآن فيه أخطاء لا ينبغي أن يأخذ بها ولا تصح تلاوته بها وإذا أردنا أن نعرف ما الذي يشتمل عليه هذا التصحيح ؛ فإننا نجد نقاط كثيرة تتركز في ثلاثة مجالات :
1- معرفة النطق بالحروف. أي تصحيح المخارج ونطقها أي الحروف صحيحة فصيحةً.
2- معرفة الضبط بالشكل ؛ فإن كثير من الناس قد يحسن نطق الحروف ، لكنه يخطئ في قراءتها فلا يضبط حركاتها فيرفع منصوباً ويجر مضموماً ونحو ذلك.
3- والثالث معرفة القراءة بالرسم - أي الرسم القرآني - لأن القرآن برسمه ليس كغيره من الكتابات ، فيه كتابة خاصة بهذا الرسم العثماني الذي انعقد عليه الاجماع يحتاج المرء معه إلى تدرب.

ننتقل الآن إلى الطريقة العلمية ثم إلى البرنامج كيف؟ أو ما هي الطريقة التي يمكن بها لمن لا يحسن التلاوة القرآنية ولا يصححها ، ويخطئ فيها ويتتعتع ، ولا يكاد يستطيع أن يقرأ قراءةً مسترسلة ، وإذا قرأ قراءة مسترسلاًً أخطأ فيها كثيراً ، وتوقف فيها كثيراً ! نقول هناك الطريقة تتعلق بمبدأين اثنين :
1- التلقين.
2- الاستماع.

والتلقين له مرحلتان :
المرحلة الأولى : التي تعنى بصحة المخارج وإتقان الحركات والشدة والمدود .
وهذه الطريقة قد لا يقرأ فيها آيات قرآنية أو سور قرآنية ، بل الأصل والأغلب أنه يتعلم ويتعلق بالحروف فيرددها منفردة ، ثم يرددها مرة أخرى بحركاتها المختلفة - فتحةً أو كسرةُ أو ضمةً - ثم يرددها موصلة مع غيرها من الحروف - وسيما حروف المد - ثم يرددها ثالثاً وهي مشددة في سياق كلمات قرآنية مختارة ، وهنا يحصل له هذا الأمر بطريقتين اثنتين :

1- الترديد والتفريق
يردد هذه الحروف مفرقة ومجتمعة فيتقنها ، ثم يفرق فيما بينها ، فيفرق بين الحروف التي تختلط عند بعض الناس أو لا يحسنون نطقها مثل الذال والثاء والطاء على سبيل المثال ، وبين الزاي والسين والصاد ، وبين الشين والجيم وغيرها من الحروف المختلطة ؛ فإنه إذا ردد هذه الأحرف - كما سنذكرها - على منهج معين أتقن الحرف من جهة ، وميز وفرّق بينه وبين الحرف الآخر من جهة أخرى.

2- التجريب والتوصيل
بحيث يجرب نطق هذه الأحرف في كلمة أو كلامات موصولة فيضبطها نطقاً وحركةً وتشديداً ومداً ، ويضبطها كذلك رسماً ؛ لأنه على هذه الطريقة يأخذ الكلمات في هذا التطبيق من كلمات القرآن الكريم برسمه المعروف ، فحينئذً يكون قد تجاوز المرحلة الأولى وهي أن يعرف الحروف وحركاتها وصلاتها وينطق ويلفظ الكلمات القرآنية صحيحة نحن في دائرة الكلمات فحسب هذا يتلقاه في المناهج أو الكتب المنشورة المعروفة في هذا الباب مثل " القاعدة البغدادية " ، و" القاعدة النورانية " وغيرها ..

هذه تعتمد على الحروف التي ربما بعض الناس يرون أنها لا تصلح ، ولكننا نقول إنها تصلح وتصلح وتصلح ، وهي التي تقيم الألسن وتعودها على صحة النطق .
هذه الأحرف التي يرددها الصغار فيقولون : " باء فتحة باء ، وباء كسرة بي ، وباء ضمة بو " ، ثم يصلونها بكلمات أخرى أو بحروف أخرى ، ثم ينطقون كلمات قرآنية .. هذه تلين الألسنة للقرآن وتحسن إتقان الحروف من مخارجها وضبطها بحركاتها ووصلها بغيرها، والقاعدة النورانية مضبوطة في طبعة جيدة بحروف كبيرة وملونة ، بحيث تعين الذي يدرسها ، ومعها شريط مسجل يطبق هذه القاعدة ، ويطبق هذه الحروف بصوت ، فيجتمع مع القراءة الصوت ، قد يقول البعض : " إن هذا يعني كأننا لا نعرف القراءة ؟! " نقول : نحن نقول ذلك لمن لا يحسن ولا يتقن تلاوة القرآن ، وكثير من الناس لا يكاد يحسن إلا قصار السور ، وإذا قرأ قصار السور أيضاً أخطأ فيها فهذا أنفع.


محمد حسنى المنير