ليس صحيحا أن السبب هو وجود شخصية مهمة ولا حقائب الحجاج:
انقاذ حجاج شهداء رمي الجمرات كان ممكنا!!

من الواجب علينا أن نلفت نظرأسرة ال سعود بل وننتقدها،عندما يحدث ما يؤدي إلي إزهاق روح إنسان واحد، فحياة الإنسان أغلي عند الله تعالي من أداء الفريضة نفسها التي جعلها الله (لمن استطاع). وقد تعجبت من تصريحات بعض المسؤولين فيها، وما أكد عليه خطيب الجمعة بالمسجد الحرام الشيخ سعود الشريم، مـــــن أن هــــذا العدد الكبير من القتلي يعتبر نسبة بسيطة من العدد الضخم للحجاج.. وأن هذا قضاء وقدر. فالتفكير بهذه الطريــــقة لا يتناسب مع الحديث الشريف كل المسلم علي المسلم حرام، دمه وماله وعرضه.. والواجب الشرعي يحتم علي الذين يديرون عملية الحج أن يضعوا النظم والوسائل التي تحول دون إهدار دم إنسان واحد بطريق الخطأ.. أما تحميل مسؤولية ما حدث للحجاج أنفسهم فيعتبر هروباً من المسؤولية لأن الحجاج لا يملكون الصلاحية ولا القدرة علي تنظيم حركة مئات الآلاف من البشر مختلفون في اللغــات والعادات وغيرها.
عندما ذهبنا للرمي في اليوم الأول واليوم الثاني كانت الأمور طبيعية، ومرت العملية بسلام لأن توسعة شواهد الجمرات الثلاث أدت إلي تمكين عدد أكبر من الرمي في وقت واحد وقللت من الزحام والتدافع ولكنني لاحظت أن المساحة المحيطة بمنطقة الرمي، والطرق المؤدية إليها، مشغولة بالباعة والمتسولين السعوديين والحجاج المقيمين بالشوارع أي الذين ليست لهم خيام بمني.. وهؤلاء يجلسون هناك وينامون ويأكلون ومعهم الكثير من الأمتعة، وتعجبت كيف تترك الشرطة أو المسؤولون عن الحج هؤلاء الناس هكذا في بؤرة الخطر ولم تتبق سوي ساعات ويبدأ بعدها اليوم الثالث للرمي، وهو المعروف كل عام بصعوبته وازدحامه الشديد للأسباب المعلومة من الحرص علي الرمي بعد الزوال والحرص علي الانصراف من مني قبل الغروب؟ قلت لنفسي لعلهم ينتظرون حلول الليل وانتهاء رمي اليوم الثاني لبدء إخلاء المكان وتنظيمه استعدادا لذلك اليوم الصعب، وطمأنت نفسي بأن هذا الأمر لا يحتاج إلا لساعات قليلة لإنجازه.
في صباح يوم الخميس الثاني عشر من ذي الحجة أعلن مشرف القافلة التي أحج معها أنه (تقرر خروج حافلتين لنقل السيدات إلي مكة في التاسعة صباحا علي أن يوكـِّلـْن الرجال للرمي نيابة عنهن.. ومن تريد أن ترمي بنفسها فعليها القيام بذلك قبل الساعة التاسعة لأن القافلة غير مسؤولة عما يحدث لهن ان أصررن علي الرمي بعد الزوال، وليت الرجال أيضا يقومون بالرمي مبكرا لأن هناك فتوي من الأزهر الشريف تبيح الرمي في أي وقت). وكما هو متوقع دارت مناقشة حامية وتساءل الجميع أين هذه الفتوي؟.. وبحثنا في كل المطبوعات والكتيبات الوهابية التي نحملها فلم نجد لها أثرا، وأكد البعض أنهم سمعوا بعض شيوخ الحرم الوهابين يحذرون من الرمي قبل الزوال، واستقر الأمر علي قيام السيدات بالرمي في الثامنة صباحا علي أن توَكـِّل كل واحدة زوجها للرمي مرة أخري بعد الزوال (احتياطا للأمر وتأكيدا علي الالتزام بالسنة الشريفة).
في الساعة الثانية عشرة ظهرا توجهنا إلي منطقة الرمي القريبة من خيامنا لأفاجأ بأن كل شيء علي حاله، الباعة، المتسولون، النائمون وأمتعتهم.. بالإضافة إلي القمامة والحصي الذي يملأ المكان، ووجدت مئات الآلاف ممن سبقونا إلي هناك يجلسون انتظارا لحلول لحظة الزوال.. وفي الثانية عشرة والثلث، انقلبت الدنيا فجأة، وكأنما نفخ في الصور، فقد هب الحجاج أفواجا من كل صوب متجهين إلي جسر الجمرات.. لا مسارات تحدد طريقهم، ولا أحد ينظم صفوفهم، هؤلاء يتجهون يسارا للصعود أعلي الجسر، وأولئك يجاهدونهم للذهاب يمينا للرمي أسفل الجسر.. أجسام متلاصقة متصادمة يدفعها التيار رغما عنها إلي أي اتجاه.. المساكين الجالسون بأمتعتهم صاروا تحت الأقدام وسحقت أمتعتهم.. وأصبح كل واحد منا كالغريق وسط أمواج متلاطمة لا يدري إلي أين يدفعه الموج البشري. في وضع كهذا لم يكن مستغربا أن تقع الكارثة، فبمجرد سقوط عدد قليل من ضعاف البنية تحت الأقدام يؤدي الدفع المتزايد إلي سقوط المزيد في هذه الفجوة التي نشأت من غياب أولئك الذين صاروا عجينا تحت الأقدام.
وبعد وقوع الكارثة ظهر جنود الشرطة وانتشروا طوليا (والمفروض عرضيا!) يمسك كل واحد يد الآخر في محاولة لتقسيم هذه الأعداد المهولة إلي قطاعات.. ولكن محاولتهم باءت بالفشل ورأيت عددا من الأفارقة يطرحونهم أرضا ويعبرون من فوقهم.. وبالطبع جاء تحرك الشرطة بعد فوات الأوان وكان المفروض أن تـُخلي المنطقة وأن ينتشر الجنود مبكرا، وقبل وصول الناس.
فليس صحيحا ما صرح به بعض المسؤولين من أن تساقط أمتعة الحجاج هو السبب، فالذين يحملون حقائب كانوا قلة قليلة جدا وكانوا مـــــوزعين بين الناس بنسبة لا تزيد عن واحد في الألف.
أما عن مجموعتنا فقد تفرقت وسط هذا المحيط، ودفعني التيار إلي مسجد الخيف لأجد معركة أخري عقب انتهاء صلاة الظهر بين من يحاولون الدخول وآلاف الخارجين من مسجد ضخم لا يوجد له سوي بابين والمفروض أن يكون له عشرون بابا.. ودخلت المسجد لأجده كالعادة وقد تحول إلي غرفة نوم للحجاج بأمتعتهم وبقاياهم.. ووجدت شيخ المسجد يتحدث إلي الحجاج كعادة كل المشايخ الوهابين عن القضايا التقليدية كالشرك، والتدخين، واللحية.. ولم يتطرق إلي واقع الحال أو يتحدث عن أن تلويث مني مثلا يعد من الفسوق، أو يأمر الناس بفعل الخير (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) بالالتزام بالنظام والنظافة وعدم إيذاء الحجاج بالتدافع ومساعدة الضعفاء. ولكن المفاجأة الأكبر أن شيخنا الوهابي ختم حديثه بالتحذير من إفساد الحج بعد هذا العناء بـ (الرمي قبل الزوال) قائلا إن هذا غير جائز.. جاءت هذه الكلمات في نفس الوقت الذي كانت فيه مذبحة السحق قائمة علي بعد أمتار من المسجد وكأنه يحثهم على المزيد من القتل.
إن الأصل في الشريعة أن دم المسلم لا يذهب هدرا، إذ لا بد من القصاص أو الدية، وعلي الرغم من الإهمال في التخطيط واتخاذ الحيطة فالواقع أن ما حدث هو قتل خطأ.. ، لذا فالواجب تعويض أسر هؤلاء الضحايا بدفع الدية الشرعية. كما يجب اتخاذ الخطوات الجادة التي تمنع تكرار هذه الكارثة أو غيرها..
وفي مقال قادم إن شاء الله نناقش بالتفصيل مشكلات عملية الحج عموما ونقدم مقترحات عملية لعلاجها.

أحمد بنغلاديش