المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: السودان ـ دارفور
منتدي الحلم العربي > منتديات سياسية > احداث جارية > الساحة الأفريــ \ــعربية
عبدالغفور الخطيب
السودان - دارفور

عندما تمزجُ المصالح بالعقائد وتتحد، تختلط الأمور وتتيهُ التحليلات في شعابٍ بعيدة البعد كله عن الأصل، والسبب أن العقائد أكانت وضعية أم دينية مختلقة ومزيفة فأصحاب المصالح يستخدمونها ستراً وغطاءً لمصالحهم، ويبدّعون في ابتكار أسماءٍ وعناوين لها تبدو للوهلة الأولى بأنها إنسانية، لكن ما إن يمضي زمنٌ بسيط حتى تبدو الأمور على حقائقها وتظهر العوراتُ والمثالبُ والنوايا الخبيثة والسيئة.......

في ظل هذا الأوضاع يتحول النهبُ إلى تنميةٍ، والسرقة إلى تجارةٍ وحرية سوق ومشاريع وهمية على الورق فقط، والاستعمار يصبح رسالة قيم وتحرر وتحرير من الاستبداد، ومدارسهُ تمجّد الطاعة والاستكانة والعبودية بل أحياناً يتبارى المضللون بتبرير الرضوخ بالتعقل والعقلانية، فلديهم نظرية أهون الشرّين وأحسن الحسنين إن الموت شرٌ لكن العيش في ظل الاستعمار شر أهون منه، وطردُ المحتل حسنٌ لكن ذلك يكلف غالياً والأحسن منه أن يمتلك الأفراد حرياتهم ومن ثم فإن " نضالهم " الكلامي والتفاوضي السلمي أحسن.

إنها آراء وأفكار فيها إشباع للرياء ود سامته، وهي تخالف كل منطق تعلمناه.... فحرية الأفراد زيف إن لم يكن الوطن بكامله حراً، والاستعمار والاحتلال يبقيان في إطار ما سميا بهما مهما تنوعت أساليبهما فمن مقوماتهما الأساسية قتلُ الحريات، وذلّ المحتلين، والسيطرة على ثرواتهم.

في التاريخ المعاصر ومع مطلع القرن الماضي عانت أمتنا العربية من التقسيم - بعد معاهدة سايكس بيكو- ومن ثم الانتداب القسّري وبقرار أممي على أقطارها، فكان الانتدابان الفرنسي والإنكليزي.....

وكان الاستعمار الواضح في المغرب العربي بجميع أقطاره، وجميعها على تعدد أسمائها كانت وبرأي المعتدين لتطوير الشعب العربي وتحضيره لكن الحقيقة وَضَحت وتبين للجميع أن الهدف غير ما أعلن فكانت المقاومات الشعبية وكان الاستقلال.

وفي منتصف الخمسينات من ذات القرن وبعد أن استقلت العديد من الأقطار ظهرت براقع جديدة تغطي الوجوه القبيحة التي عُرفت لدى جميع أفراد الأمة، فكانت الأحلاف وعلى سبيل المثال - حلف بغداد- وتحت خدعة جديدة براقة كاذبة كانت خدعة حماية البلدان من أخطار ربما بعضها حقيقي إنما أغلبها متوَهم ومرسوم ومخلق بزيف الكلمات لكن الغاية الأصلية بقيت كما هي من استعمار واستبداد.

وبالرغم من عمر هذا الماضي والذي طال أمده وإدراك الجميع له من خلال معايشته على الأرض العربية.....فما زالت تتزاحم أخبار قتلاها وجرحاها الأبرياء يومياً، وتتعاظم روافد شهدائها أيضاً.

نجد أن كل هذه المآسي والآلام الحاضرة لا تكفي بل يجب أن يوسّعها أعداء الأمة ويضيفوا إليها مواقع جديدة ومواضيع جديدة يوشونها وكعادتهم بزخارف الدجل والرياء.

إنه في أقصى جنوب الوطن العربي (السودان)، فعلى هذه الأرض البكر تلتقي المصالح سيما مصالح الحليفين الاستراتيجيين أعداء العرب (إسرائيل وأمريكا) فإسرائيل وجدت المبرر التغليفي لأطماعها فكان الحنين القاتل وعمره من عمر نوح عليه السلام، لذا تاقوا واشتاقوا اليوم إلى أرض "كوش"، وأمريكا "مبدعة وخالقة الحريات في العالم بل هي العاشقة الوحيدة لها" وجدت في السودان حبها العارم الغامر لجعله بلداً ديموقراطياً، وحبها هذا توسّع ولبئس توسعه من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان وغداً إلى السودان، والمتعارف عليه قديماً بأن أرض "كوش" هي السودان والحبشة.

وفي الكتاب المقدس المحرّف والمأخوذة من العهد القديم ومن سفر أشعيا ومزامير داوود كانت النبؤات تنص على أن أرض "كوش" يقطنها شعبٌ جرد طوال القامة سيبثون الرعب في القاصي والداني ويقدمون هدايا إلى الرب القدير في جبل صهيون.

وتاريخ اليعقوبي وفي الصفحة 91 يقول: "وكان ولد حام بن نوح قصدوا عند تفرق ولد نوح من أرض بابل إلى المغرب فجازوا من عبر الفرات إلى مسقط الشمس وافترق ولد كوش بن حام وهم الحبشة والسودان لما عبروا نيل مصر فرقتين فقصدت فرقة منهم التيمن بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة والحبشة والزنج وقصدت فرقة الغرب وهم زغاوة والحس والقاقو ومرنده والكوكو وغانة".

والترجمات التفسيرية لنصوص العهد القديم وبحسب المفسرين اليهود تكاد تجمع على أن:

"أرض (كوش) هي أرض السودان وجنود الرب الجرد الطوال هم شعب جنوب السودان، ويجب تهيأة هؤلاء وتحضيرهم تمهيداً لنزول المسيح ".

وفي سفر أشعيا 18

"ويلٌ لأرض حفيف الأجنحة في عبر أنهار "كوش" التي تبعث رسلاً في البحر في قوارب البردي السابحة فوق المياه. امضوا أيها الرسل المسرعون، إلى شعب طوال القامة جرد... إلى شعب بثّ الرعب في القاصي والداني، إلى قوم أقوياء وقاهرين تشطر الأنهار أرضهم. يا جميع أهل الأرض والساكنين فيها، عندما ترتفع الراية على الجبال فانظروا، وعندما يدوي نفير بوق فاسمعوا".

"وفي ذلك الوقت يقدم الشعب الطويل القامة الأجرد الذي بث الرعب في القاصي والداني آلامه القوية الطاهرة التي تشطر الأنهار أرضها هدايا إلى الرب القدير في جبل صهيون موضع اسم الرب القدير".

وفي كتاب "بنو إسرائيل في أرض المهدي" لمؤلفه إيلي - س - مالكه، والذي ولدَ في السودان وكان أبوه كبير حاخامات اليهود في الجيش الإنكليزي الذي حارب حركة المهدي الإسلامية زعم الكاتب: "أن الجالية اليهودية في السودان أجبروا على اعتناق الإسلام تحت تهديد السيوف"، وكاتب آخر من قبيلة الماندي واسمه ويليام ليفي أرشان أجوغو يزعم أيضاً: "أن قبيلته من أصول يهودية ويدّعي أن قبائل عدة من أصول يهودية وصلت إلى أفريقيا قبل الإسلام والمسيحية".

والكاتب اليهودي ويليام ليفي يذكر أن 3 ملايين من أهله يتعرضون للإبادة الجماعية التي لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ المحرقة الكبرى، ويضيف أن الحرب الدائرة في الجنوب هي جزء من حرب "الإمبريالية الإسلامية ضد المسيحيين الأفارقة في السودان".

ومؤتمر الإرسال العالمي بأدنبرة عام 1910 م يقرر:

"إن أول ما يتطلب العمل إذا كانت أفريقيا ستكسب لمصلحة المسيح أن نقذف بقوة تنصيرية قوية في قلب أفريقيا لمنع تقدم الإسلام".

من كوش إلى بوش

إن نصوص العهد القديم دفعت وبتشجيع الكنائس الإنجيلية الحكومة والكونغرس الأمريكي إلى إصدار قانون "السلام في السودان" والذي أخّره الرئيس الحالي بوش ومؤداه فرض عقوبات على السودان إن أخفقت الحكومة في وضع حد للحرب الأهلية.

ولأهمية هذا الموضوع وخطورته على الوضع العربي وعلى المنطقة بكاملها سيما وقد أصبحت الصراعات فيها متعددة الأصول فما هو داخلي منها، وما هو إقليمي - دور الجوار إريتريا وتشاد- وما هو خارج عن الدائرة "إسرائيل وأمريكا" دفعتني لأن أوزع البحث إلى العناوين التالية وتحديداً حول "دارفور":

1- دارفور الجغرافيا والتاريخ.

2- التركيب الاجتماعي والعوامل الاقتصادية.

3- النفط والأطماع.

4- الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية والمتعاونين المنفذين لها.

وفي هذا الإطار قد تتداخل المعلومات بين ما هو سوداني على وجه الإطلاق وبين ما هو متعلق بدار فور تحديداً، وهذا يعود إلى التداخل الوطني لكل أرجاء السودان وتقسيم دراسته شبه مستحيل.

الجغرافيا والتاريخ

مساحة إقليم دار فور 510 آلاف كم مربع أي ما يعادل خمس مساحة السودان، وعدد سكانه 6.7 مليون نسمة أي ما يعادل أيضاً خمس إجمالي السكان وجميعهم مسلمون، ويقع الإقليم في أقصى الغرب على الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، ويقسم إدارياً إلى ثلاث ولايات شمال وجنوب وغرب، وتضم دارفور أكثر من مائة قبيلة من القبائل الأفريقية يحترف بعضها الزراعة ومنها قبائل الفور والزغاوة والمسا ليت، والقبائل العربية التي تمتهن الرعي مثل الرزيقات- بنو حسبن- زبالان- محاميد.

وتبلغ نسبة الجماعات الإفريقية 60% ونسبة العرب 40% الباقية، ويقطن في الريف 75% ويمثل الرعاة 15% والباقي سكان مدن - الغاشر - نيالا - زالنجي........

هاجر إلى دارفور العرب والأفارقة لتنوع مناخها وفي البدايات كانت غالبية القبائل وثنية – لا دين لها، وقد حكم التنجر دارفور باسم سلطنة التنجر من نهاية القرن الثالث عشر الميلادي وحتى النصف الأول من القرن الخامس عشر وعرف عنهم عاطفتهم الإسلامية وهناك بعض الأوقاف في المدينة المنورة تخص سلطان التنجر أحمد رفاعة.

في عام 1445 سقطت البلاد بأيدي قبائل الفور (الكيرا) وهذا يعني العملاق ودخلوا في الإسلام وكانت بينهم وبين التنجر مصاهرات.

وسليمان العربي أول سلطان يقوم بتأسيس دارفور الإسلامية عام 1445 م، وكانت المملكة تتكون من مسلمين ووثنيين، واستمر حكم الفور حوالي 430 سنة من 1445 - 1875 ثم عاد السلطان علي دينار وحكمها من 1898 - 1916 حيث ضمت للسودان في 1/1/1917 وقد بلغ عدد سلاطينها 27 سلطاناً.

ونظام الحكم فيها كان فيدرالياً "سلطنة دارفور الإسلامية" إذ قُسمت البلاد إلى أربعة ولايات ويساعد السلطان عدد من الوزراء (12 وزيراً)، وكان هناك مجلس استشاري (مجلس شيوخ) يتكون من 12 عضواً بما فيهم حكام الولايات الأربع، وكانت من مهامه مساعدة السلطان في تسيير أمور البلاد والمساهمة في اختيار السلطان الجديد، وفي تاريخ 16/4/1821 استطاع محمد علي باشا أن يهزم جيش الفور واستولى على كردفان التي كانت تابعة لدارفور.

من كتاب (تاريخ دارفور عبر العصور) لأحمد عبد القادر وهو من قبائل دارفور.

ومن غريب القصص في هذا الكتاب والغرابة في اسم الأمير أن ثورات قامت للتخلص من الحكم المصري وفي آذار 1875 توجوا الأمير "بوش بن السلطان مجمد الفضل" سلطاناً على دارفور وكلفوه بمواصلة الكفاح من أجل التحرير، وفي معركةٍ بينه وما بين الزبير بن رحمة استمرت أكثر من 15 يوماً قتل فيها "بوش" وانتهى الحكم المصري في دارفور بعد أن أرسلت القاهرة رسالة سرية إلى الحاكم المصري "سلاطين باشا" تأمره بجمع قواته المتفرقة في منطقة الفاشر ثم عليه أن يسلم الحكم إلى الأمير "عبد الشكور عبد الرحمن شاتوت" وهو من أمراء دارفور وقد توفي عبد الشكور قبل أن يصل إلى دارفور قادماً من القاهرة، وبعد رحيل المصريين خضعت دارفور لحكم المهديين بدءاً من 15 كانون الثاني 1885، وفي مطلع القرن الماضي ضمت للسودان.

التركيب الاجتماعي والعوامل الاقتصادية

جميع من كتبوا عن الإقليم حمّلوا الحكومات المركزية المتعاقبة مسؤولية التقصير في العناية بهذا الإقليم وغيره من جميع نواحيه الخدمية والاجتماعية، لكن من قبيل إقرار الحقائق فإن نشاطاً خدمياً شمل أرجاء السودان من طرقٍ وجسور من أموال عائدات النفط التي بدأت ترفد الخزينة الحكومية، والتكوين الاجتماعي والنشاط الاقتصادي كانا وراء القلاقل المزمنة والحروب شبه الدائمة.

والنزاعات قديمة ناجمة عن الاختلاف على الرعي والأرض إضافة إلى أسباب عقائدية منها أن سكان دارفور منذ دخولهم الإسلام حاربوا في صفوف الخلافة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى مما جعلهم يتعرضون للانتقام البريطاني.

وشهدت دارفور التمرد تلو الآخر منذ الستينات بإيعاز ٍ من أبناء الإقليم المقيمين في الخارج، وكان محرك بعض هذه الحركات هو الرغبة في اقتسام عائدات النفط البالغة حوالي 2 مليار دولار والمؤكد أن التمرد ازداد بعد ظهور النفط، والدوافع المحلية له هي:

1- فترات القحط والجفاف.

2- التنافس على الموارد المحلية.

3- سهولة الحصول على الأسلحة.

وفي عام 1998 - 1999 وكما جرت العادة حصلت اشتباكات في غربي دارفور حين بدأ العرب الرحّل في النزوح مع قطعانهم نحو الجنوب قبل الوقت المعتاد وحيث أ ُحرق ما يزيد عن 60 قرية لقبائل المساليت وقرية عربية، وهاجر 5 آلاف من أبناء المساليت إلى بلدة جنينة (تشاد).

وكالعادة أيضاً جَرت مصالحة ودُفعت التعويضات إلا أن الأحداث تجددت عندما نزح الرعاة مجدداً نحو الجنوب، وتدخلت الحكومة عسكرياً، وعُقد مؤتمر مصالحة تم فيه تعويض خسائر المساليت والعرب.

وفي دارفور ثلاثة تنظيمات مسلحة:

1- جبهة تحرير السودان وجناحها العسكري جيش تحرير السودان هو التنظيم الأكثر نشاطاً ويرأسها محام سوداني شاب "عبد الواحد محمد نور" ينتمي إلى قبائل الفور.

2- حركة العدل والمساواة وتدعو الحركة إلى فصل الدين عن الدولة وبناء سودان جديد، وتتحدث عن المهمشين وضرورة إعطاء دور لهم. يقود الحركة "خليل إبراهيم" المقيم في لندن، ويقود العمليات العسكرية التيجالي سالم درو.

3- حزب التحالف الفيدرالي يتزعمه أحمد إبراهيم دريج من قبائل الفور.

وجميعها في صف المعارضة وتبقى مجموعة الجنجويد: وكلمة جنجويد تعني الرجل الذي يركب

جواداً ويحمل مدفعاً، وهي متهمة بموالاتها للحكومة وبارتكابات عديدة.

ويضاف إلى التعقيدات الداخلية مشاكل محيطة بالإقليم تؤثر فيه بشكل مباشر فقد مرّت فترات جفاف وتصحّر في أعوام 1973- 1987- 1992 أدت إلى مجاعات كبيرة مما أدى إلى هجرات من تشاد إلى دارفور بسبب تدهور الأوضاع في تشاد، والجوع والجفاف أثرا أمنياً وبشكل كبير على الإقليم فكثرت أحداث النهب المسلح، وأصبحت كل الماشية المنهوبة تتجه براً إلى تشاد، واستوطن أكثر من ثلاثة ملايين تشادي في السودان نصفهم في دارفور علماً بأن هناك 50 قبيلة مشتركة بين السودان وتشاد.

النفط والأطماع

في سنة 1974 "أثناء حكم جعفر النميري" كانت حقوق استخراج النفط السوداني بيد شركة - شيفرون- الأمريكية، وقد حفرت الشركة 90 بئراً كانت ثلاثين منها منتجة وجيدة، لكنها جمّدت نشاطها لأسباب أمنية واقتصادية وسياسية وخرجت من السودان في عام 1984، بينما حكومة الإنقاذ وفي عامها الثاني 1991 اتجهت لاستغلال النفط الموجود بمصافٍ صغيرة، وتحرير النفط واستخراجه بدون شركة - شيفرون- التي ألغي امتيازها.

وفي البداية تحقق ذلك عبر إحدى شركات القطاع الخاص السوداني والمسجلة والعاملة في الخارج باسم "كونكورب العالمية" وبعدها بدأت الشركات الكندية الصغيرة وقد تدفق النفط لأول مرة من خلال عملها وكان ذلك في 25 حزيران 1996 والكمية كانت يومها بحدود 20 ألف برميل في اليوم.

دخلت بعدها مجموعة "الكونسورتيوم العالمية" ونسب المساهمة فيها:

الصينية 0 4% الماليزية 30% الكندية 25% الحكومة السودانية 5%.

وارتفع إنتاج النفط إلى 220 ألف برميل يومياً، ويقدر تضاعف هذه الكمية، ومدّ خط لنقل النفط إلى البحر الأحمر بطول 1600 كم وصُدرت أول شحنة في 30 آب 1999.

ووزير الطاقة والتعدين وفي حديث له يقول: "إن السودان ينتج بحدود 320 ألف برميل يومياً من حقول نفطه الجنوبية وأن 12 ألفاً إضافية ستصل إلى مصفاةٍ في الخرطوم من حقلٍ آخر في الجنوب بدايات منتصف أيلول، وسوف يكتمل إنشاء خط أنابيب ثالث لنقل الخام بحلول آب 2005 ليضيف 200 ألف برميل يومياً إلى الإجمالي الحالي ليتجاوز الإنتاج نصف مليون برميل يومياً".

وأضاف: "بأن السودان يستهلك 100 ألف برميل يومياً والباقي للتصدير".

وتابع الوزير: "بأن السودان بدأ بتصدير أكثر من خمسة أطنان من الذهب في مشروع مشترك مع الحكومة الفرنسية وأن 11 أو 12 شركة تنقب حالياً بحثاً عن المزيد، وأن شركات كثيرة مهتمة بالاستثمار بحثاً عن النحاس والحديد والجبس والكروميت".

وقد تابعت الجهات الرسمية تعاقداتها مع شركات جديدة للتوسع في البحث واستخراج النفط فكانت عقودها مع شركة O.M.V النمساوية، وشركة "الخليج - سودان" القطرية السودانية، وشركة توتال الفرنسية، وتشترك في العمل في هذا المجال كشركات مقاولة وموردة شركة مانسمان الألمانية، وشركة WEIR البريطانية، وشركة ALF.N الإيطالية، وشركة TECHNIT الأرجنتينية، وشركة O.G.P الماليزية، وشركة ZEPFB الصينية.

وخام النفط السوداني يعتبر من أجود الأنواع العالمية لخلوه من الكبريت والأملاح، ومقارنة بتكاليف استخراج البرميل الواحد في الولايات المتحدة والمقدرة بـ 6 دولارات فإن الكلفة في السودان للتملك والاكتشاف والتطوير تقدر بثلاثة دولارات للبرميل.

كل هذه الثروة الواعدة لهذا الشعب الذي طحنته عوامل تاريخية من جوع وفقر وضعف في الاستثمارات التنموية جميعها وضعته في زوايا النسيان العالمي وعدم الاهتمام بظروفه لكن اليوم تغيرت الأوضاع وكان أن توّجها أيضاً وجود كميات ضخمة من اليورانيوم في منطقة حفرة النحاس في دارفور ذلك ما أعلن عنه خبراء جيولوجيون في شركة نفط غربية لصحيفة الخليج الإماراتية...... إضافة إلى الذهب.

الاستراتيجيات الخارجية

في نهايات القرن الماضي جرت مجازر في رواندا أدت إلى مقتل 800 ألف من قبائل الهوتو والتوتسي في منطقة البحيرات وبتحديد أدق مضى ما يقارب العشرين عاماً على هذه الأحداث ولم يتحرك الجانب الإنساني لدى الولايات المتحدة الأمريكية كما يجري ونسمع اليوم حول الحرص على السودان وعلى شعبه والبكاء على ما يسمى بالمجازر فيه بل وتضخيم وتهويل الأحداث.

وهنا لابد من الاعتراف وكما ذكرنا بإرث تاريخي للصراعات القبلية وبأخطاء ارتكبت لكن لا يمضي يومان أو ثلاثة إلا وأخبار التهديد والوعيد بعظائم الأمور تنهال على السودان والأمم المتحدة التي باتت وفي الزمن التعيس تميل كما يميل الهوى الأمريكي فيجتمع فيها التناقض الكبير الموت والحياة.....

إن فيها أخصائيين في غاية التفوق والمعرفة على دفن ما يراد دفنه، وفيها أيضاً وربما نفس الطاقم على بعث الحياة فيما يراد له البعث.

والغريب أن جميع الكائنات تعيش مرة واحدة وتموت إلى غير رجعة مرة واحدة..... لكن القدرة الخارقة لهذه المنظمة الدولية تجاوزت كل منطق الحياة.... فالموت والحياة يتجددان وفق الرغبات الأمريكية الغربية.

وبالتزامن مع ظهور النفط وإن لم يستخرج بعد وفي خريف عام 1993 وضعت الولايات المتحدة الأمريكية السودان على لائحة الدول الداعمة للإرهاب تماشياً مع الظروف المحلية للأمة العربية والتحالف الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف ثروتها ووجودها، والمعروف بل المؤكد من خلال الأحداث الجارية أن تفتيت الدول الإسلامية إلى كانتونات طائفية هامشية الهدف الرئيسي لهذا التحالف وصولاً إلى مشروع الشرق الأوسط (لشمعون بيريز) والشرق الأوسط الكبير للرئيس بوش يبقى الغاية التي يرومها الحليفان حيث التعدد الإثني والطائفي والذي سيبقى حاملاً لعوامل التوتر متى شاء الآخرون، وهشاشة الدول الجديدة تمنعها من تحقيق تنمياتها المطلوبة في الجوانب الاقتصادية وتتركها تحت رحمة الاحتلال الأمريكي الصهيوني الاقتصادي.

والمطامع الأمريكية في النفط وضرورة تأمينه لها وحجبه واللعب به في مواجهة القوى الاقتصادية النامية والمنافسة لها - الصين- اليابان- الاتحاد الأوربي- جعلتها تحيي مع الأمم المتحدة البلد الذي كان أقرب إلى الموت بل كان ميتاً..... إلى واجهة الأحداث خاصة وأن الشركات العاملة فيه في مجال النفط لا توجد فيها شركة أمريكية....... إذاً العودة إليه مطلوبة لاستثمار نفطه والمقدرة احتياطاته بأكثر من ملياري برميل.

وإذا أضفنا إلى النفط السوداني.... المشروع الكبير الذي تعمل أمريكا على إقامته وهو خط أنبوب النفط من ميناء ينبع السعودي مروراً بالبحر الأحمر ومن ثم السودان في شرقه وفي دارفور في غربه عابراً البلدان الأفريقية الغربية وصولاً للمحيط الأطلسي بخفض التكاليف ويبقى نفط المنطقة تحت السيطرة فالأطلسي بحيرة أمريكية، هذا إضافة إلى الثروات الجيولوجية وكما ذكرنا اليورانيوم قوام النشاط النووي جميعها تدفع بالسودان إلى احتلال أولوية من أولويات أمريكا، فقد كان العراق في شرق الوطن العربي والسودان في أقصى جنوبه والجميع يعرف السيطرة على غربه فإذاً لابد من تكامل الحلقة وتضييقها.

إنها المصالح المغطاة بالكذب والرياء وبشعارات براقة........ لقد قتل حتى الآن مئات الآلاف في العراق ودمر تدميراً شبه كامل من أجل كذبة كبرى وهي الديمقراطية والحرية.........

إن كانت الحرية تعني الموت في عُرفهم لكننا عرفنا بأن الحرية هي الهواء الضروري نستنشقه لنعيش وجوداً كاملاً وكان القتل لهذه الأعداد ليس فيه أي شئ من معاني الحرية.

في 7/2/2004 قال كولن باول وزير الخارجية الأمريكي - سابقاً-: "أن السودان يحتاج إلى ما يصل إلى 10 آلاف جندي لحفظ السلام وإذا توصلت التسوية في السودان وهي على ما أعتقد محققة إذا استطعنا حل مشكلة "أبيي" ستكون هناك حاجة أخرى لما يتراوح بين 8 - 10 آلاف مراقب من الأمم المتحدة".

إذاً بسلام وبدون سلام لا بد من التواجد الدولي والذي يعني حتماً وبالتأكيد التواجد الأمريكي وهذه تذكرنا بحقيقة التواجد الدولي في أفغانستان.

ويتفوق الدكتور حسن مكي - مدير مركز الدراسات الإفريقية- لجامعة أفريقيا الدولية في إيضاحاته فيقول: "نزول الجيوش الأجنبية في دارفور مشكلة خطيرة من أصل 60 عملية سلام في العالم كانت حوالي 30 منها تمت في أفريقيا، ومن الثلاثين فشلت 18 عملية وكانت نسبة فشلها 60% ومن المؤكد أن عملية السلام في دارفور بهذه الكيفية ستكون فاشلة لأنها تأتي تحت شعار تجريد الميلشيات من السلاح، وذلك لا يتأتى إلا وفق تسوية سياسية. ويجب النظر إلى دارفور كقضية سياسية وتنموية واجتماعية وفي رأيه هناك تخوف كبير من أن تصبح تشاد وأفريقيا الوسطى دولاً مسلمة وعربية تحكمها قبائل عربية، هذه القبائل تريد استعادة ما فقدته إبان الاستعمار، وتشاد كان يحكمها رابح فضل آخر حاكم وطني قبل الاستعمار الفرنسي وقد حكم التشاد بواسطة القبائل العربية السودانية". ويكمل تحليله الرائع بأن:" قوات الأطلسي ليست بحاجة إلى دارفور وإنما إلى ضبط المنطقة المجاورة لدارفور وطريقة إحلال السلام في ليبيا لا يضبطها إلا وجود قوات الأطلسي، ولا يحتملون توقف النفط ليوم واحد ووجود هذه القوات سيضبط ليبيا ومصر وتشاد وجنوب السودان.

إن الحلف الأطلسي موجود في أفغانستان ويريدون أن يصبح في وسط وغرب وشرق، في المحيطات وأعالي البحار وهذا جزء من استراتيجية حفظ النفط وتدفقه".

والباحث السوداني - إبراهيم الأزرق- يقول: "أمريكا لا تريد خيراً للسودان العربي المسلم بالأغلبية والذي لم يخضع لها حق الخضوع وهذا لا يتواءم مع العقيدة البروتسانتية في أرض "كوش" ولا المصالح الأمريكية النفطية والمائية".

ولمزيد من التأكيد على ما ذكرنا فحركة التمرد في الجنوب والتي وقعت اتفاقاً مع الحكومة السودانية وتناغماً مع المخططات اشترطت أثناء المباحثات إيقاف ضخ النفط وتصديره شرطاً لازماً لوقف إطلاق النار الدائم، ومجموعات الضغط المسيحي "البروتستانتي" المؤيدة لجون قرنق "رئيس حركة التمرد والذي صار نائبا لرئيس الجمهورية بعد الاتفاق وتوفي في حادث طائرة" طالبت الإدارة والكونغرس بالضغط على الشركات الكندية والأوربية لوقف العمل والانسحاب من المشروع جملة وإلا خضعت لعقوبات منها الحرمان من تداول الأسهم في بورصة نيويورك، إضافة إلى قرارات الكونغرس التي طالبت بتجنيد عائدات النفط ووضعها في حساب خاص حتى تكتمل عملية السلام.

وفي التقرير الذي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن في كانون الثاني 2004 بناءً على قرار صدر عن الكونغرس بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في القارة الأفريقية، أوصى التقرير اعتبار السودان قاعدة انطلاق جديد للسياسة الأمريكية في القارة الأفريقية يكون السودان نموذجاً للديموقراطية بعد إحلال السلام، وتنتقل عدواه إلى القارة الأفريقية التي إذا استقرت أمنت المصالح الأمريكية، وسيكون السودان البلد الرئيسي ضد الإرهاب والأنظمة الفاشية.

وبذا يصبح السودان نقطة ارتكاز للمصالح النفطية الأمريكية التي يتعاظم الطلب عليها، ويسهم في تأمين خط النفط المزمع إقامته من ينبع المرفأ السعودي عبر السودان ودارفور إلى تشاد ثم الأطلسي.

والتنافس النفطي على أشده بين فرنسا وأمريكا سيما وأن فرنسا تعتبر أن لها الحظوة لأن أغلب البلدان الأفريقية خضعت لها سابقاً وكانت ضمن محمياتها، ودخلت مؤخراً الصين على الخط لتزايد حاجاتها للنفط.

إنها المصالح وما عداها من تبريرات دجل في دجل.

وماذا عن الحليف الآخر "إسرائيل"؟!....... إن عَداء اليهود للأمة العربية وللمسلمين بدأ وكما أصبح معروفاً منذ زمن لعنة كنعان، وأحلام العودة إلى أرض الميعاد وبناء هيكل سليمان ومعركة هر مجدون في جنوب فلسطين والتي يقتل فيها الملايين وأسطورة شعب الله المختار كلها دوافع عقائدية مزيفة تتماشى معها المصالح، فنظريات التفتيت والتقسيم الطائفي ومشروع الشرق الأوسط كلها قديمة قِدم معتقداتهم وبروتوكولاتهم عدا مشروع الشرق الأوسط فهو مستحدث في نهاية القرن الماضي.إذاً لتحيا من جديد أسطورة كوش وليس غريباً أن نسمع مع الأيام القادمة بأنها أرض موعودة لهم لأنها عربية.

وماذا عن المصالح؟!...............

1- المياه:

السودان وجنوبه مصدر أساسي من مصادر مياه نهر النيل ومصر هبة النيل ومن يسيطر على منابع النيل يمسك بهذا الشريان، وقد تنبعث مستقبلاً مشاريع جرّ مياه النيل إلى إسرائيل.

وهنا أذكر لكاتب مصري يتحدث عن أوهام السلام فيقول: "بأن الحدود الاستراتيجية لمصر ومن زمن الفراعنة كانت من بلاد الشام شمالاً إلى السودان جنوباً وإلى برقة في ليبيا غرباً فأي طارئ يطرأ في هذه المناطق وعلى بعدها تتحرك القوى للدفاع عن مصر".... والموقف المصري زمن الراحل العظيم جمال عبد الناصر كان يجسد نبض العروبة يكاد دوره لا وجود له أو معدوماً الآن سيما وأن السودان من حدود أمن مصر الإقليمي بغض النظر عن النظرة القومية.

2- في مقال للسيد أحمد تهامي عبد الحي (إسرائيل في السودان) يقول حقائق وتبريرات إلى اعتماد الصهاينة مبدأ شدّ الأوطان أو ما يطلق عليه الصهاينة نظرية التخوم أو التحالف المحيط باعتبار أنهم محاصرون بدول عربية معادية لهم ولذا عليهم البحث عن حلفاء في الدائرة الخارجية خلف الدائرة العربية المحيطة فلا غرابة من أن يسعوا لإقامة دولة في دارفور تساند مخططاتهم.

و"الصادق هارون" المنشق عن حركة تحرير دارفور تحدث في صحيفة البيان: "في 14/4/2004 عن لقاء بين مسلحين من دارفور مع مسؤولين صهاينة بتنسيق أريتيري - وأريتيريا والتي دعم استقلالها العرب- هي اليوم العميل الأول لأمريكا والصهاينة في القرن الأفريقي، وتم الاجتماع في سفارة صهيونية بإحدى دول غرب أفريقيا وأسفر اللقاء عن دعم التمرد بكل الوسائل".

هي حكاية من السودان وتحديداً من "دارفور" والأحداث مستمرة.... والتآمر يتمادى، والإساءات لهذا البلد العربي وشعبه تتكاثر، والسبب الرئيسي لكل ذلك النفط.... إنه النعمة النقمة على هذه الأمة..... وحيثما رحلنا وإلى أي بقعة انتقلنا قرأنا ووجدنا الخطط والأهداف للمصالح مغطاة ببريق زيف عقائد.

وحكاية العراق يراد لها أن تتكرر هنا من أجل الديمقراطية...... لقد حصدنا جميعنا نحن والشعب العربي العراقي الشقيق على يد المحتلين والمتعاونين معهم الحصاد المر....... قتلى ودمار وهجرات ونزوح ورواسب ماضية أحييت وفتن تزرع.

ألا يصب جميع ذلك في استراتيجية الحلفين الاستراتيجيين أمريكا وإسرائيل؟!....

ولنتابع الجولة من لبنان إلى فلسطين حيث يُرفض استقبال قادتهم المؤمنين بالله والوطن بينما تتطاير كلمات الدعوات لرئيس وزراء العدو...... ويتباهى البعض بدعم مالي يقدمه وله كل الشكر على ما قدم وسيقدم في هذا الزمن التعيس حيث الواجب تحول إلى ضرورة الحديث عنه في زمن الذل والهوان، في زمن الضعة والوضاعة، في عصر مُسحت من قاموسه كلمة الخجل.

قديماً كان السيئون يسترون عوراتهم، لكن اليوم يبدو أنه ومن كثرة الإرتكابات زالت الحجبُ والأستار وحتى البراقع عن العورات.

وقد يستغرب البعض أن أقول بأنني وجدت الحلول للواقع الأليم في الشعر العربي، والشعر يقال عنه بأنه صناعة عبقري، وفي معجم الصحاح "فإن العبقري ينسب إلى كل شئ، يتعجب من حذقه أو جودة صنعه وقوته".

وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلم أر عبقرياً يفري فريه".

ثم خاطبهم الله تعالى بما تعارقوه فقال: "وعبقري حسان" سورة الرحمن الآية 76.

والشاعر إبراهيم الحضرمي - من حضرموت توفي عام 1082 م يقول:

وأي حيــاة للكـريم إذا رأى دناة الورى أرباب أهل المساجد

كفى المرء عاراً أن تراه مروعاً تروعـه السـفاه بين الخرائد

أبو القاسم الشابي 1906 - 1934 شاعر تونسي من قرية الشابية يقول:

هـذا قلـيل مـن حـياة مـرة فـي دولـة الأنصاب والألقاب

الأنصاب: وهي حجارة تنصب تصبّ عليها دماء الذبائح وتعبد.

هادي كاشف الغطاء 1872 - 1941 م من النجف يقول:

طـاب وراق لهـم الممـات والموت فـي نصر الهدى حياة

وأحمد محرم 1877-1945 شاعر مصري من قرى الدلنحات قدّم صورةً للمستقبل المتوقع فقال:

ثارت عليـه شعـوبه وهمـومه

فتألـب الطوفــان والبــركان

عبدوه فـوق سـريره مـن هيبة

حتـى هـوى فإذا بـه إنسـان

ولحكـم إن وزن الأمـور بواحـد

غبـن الشـعوب وخانـه الميزان

في عصمة الشورى وتحت ظلالها

تحمـى الممالك كلـها وتصـان

وقديماً قال قطري بن الفجاءة المتوفى عام 697 م وهو شاعر من الخوارج:

وما للمـرء خيـر فـي حيـاة إذ ما عـدّ مـن سَقط المتـاع

إنه الطوفان قادم ولن يكون دناة الورى أرباب أهل المساجد، وستسود الحرية كل أرجاء العالمين العربي والإسلامي، وستزول دول الأنصاب والألقاب......

اللهم اشهد فأنت الحق ووعدك الحق حيث قلت جل جلالك: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين". سورة الصف الآية 13.

"إذا جاء نصر الله والفتح". سورة النصر الآية 1.



محمد علي الحلبي
تاريخ الماده:- 2006-04-25
يوشع بن نون
لك الله
merry
جزاك الله خيرا علي هذه المعلومات الرائعة.
عبدالغفور الخطيب
دارفور ..ملتقى الإرادات ومنتهى الغايات!!





لم يكن القرار 1706 الداعي لإرسال قوات دولية لولاية دارفور غرب السودان هو القرار الوحيد الذي ناضلت الولايات المتحدة وحلفائها لإخراجه من طيات مجلس الأمن ويتعلق بالإقليم انف الذكر.

فقد سبق وأصدر مجلس الأمن قراره الذي حمل رقم 1556 في يوم الجمعة30/7/2004، وهدد بفرض عقوبات على السودان في غضون 30 يوما إذا لم ينزع سلاح ميليشيا الجنجويد في دارفور ويحاكمها, ويوم السبت 18/9/2004 صدر قرار آخر يحمل الرقم 1564 ويحذر من أنه سيفرض عقوبات علي صناعة النفط في السودان في حال لم تنفذ الحكومة السودانية تعهداتها بحماية السكان في دارفور.



ولكن هذا القرار 1706 كان له نكهة خاصة لاسيما عند اللوبي الصهيوني المسيطر والمتنفذ في الإدارة الأمريكية.

فقد أعلن, عقب صدور القرار, تحالف المجلس اليهودي الأمريكي للعلاقات العامة عن تنظيم عشرة أيام من الاحتفالات المستمرة احتفاء بالقرار 1706.

وقال رئيس المجلس اليهودي إن الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة يحق لها الاحتفال بالنصر، لأنها 'قادت جهود التعريف بالمذابح التي ارتكبتها الحكومة السودانية والميليشيات الموالية لها في دارفور', وأن الاحتفالات التي ينظمها المجلس اليهودي وتحالف 'أنقذوا دارفور' الذي يضم 160 جمعية دينية وحقوقية بقيادة اللجنة الأمريكية اليهودية ومؤسسات تحالف اليمين المسيحي الصهيوني ومتاحف ومعاهد الهولوكوست، ستبدأ بـ 'إضاءة الشموع' وصلوات شكر، ومظاهرة أمام البيت الأبيض.

ويعتبر أنصار اللوبي 'الإسرائيلي' الأمريكي أن نشاطهم لما يوصف بحملة إنقاذ دارفور كان وراء تكوين رأي عام عالمي وزخم سياسي على الساحة الأمريكية والدولية لدفع المجتمع الدولي نحو اتخاذ قرار أممي لإرسال قوات دولية إلى دارفور.



فعند دارفور إذن تلاقت الإرادة الأمريكية مع الرغبة 'الإسرائيلية' في صورة فريدة, حتى وان اختلف منظور الرؤية وترتيب الأولويات الداعية لسلخ الإقليم عن السودان وإنهاء الدور الإفريقي ـ بعد إنهاء الدور العربي ـ فيه ووضعه تحت الانتداب الدولي الذي هو بطبيعة الحال رهن إشارة الولايات المتحدة وربيبتها 'إسرائيل'.



دارفور في المنظور 'الإسرائيلي'

في مقال نشرته صحيفة 'الرأي العام' السودانية في عددها الصادر بتاريخ 14/7/2004 للكاتب والأكاديمي الدكتور الطيب زين العابدين تناول بإسهاب الدور الذي قام به اللوبي الصهيوني في حشد الرأي العام العالمي حول قضية دارفور وإعطائها زخما وبعدا أكثر مما تحتمل.

وتحدث الكاتب في مقاله عن اجتماع دعت إليه في واشنطن منظمة اليهود الأمريكية العالمية لتنظيم حملة للتبرع لأهل دارفور ومناصرتهم، وبادر المركز اليهودي للإصلاحات الدينية إلى تنظيم مظاهرة احتجاجية صاخبة أمام السفارة السودانية في العاصمة الأمريكية، وشارك في الحملة المخططة بعض الأسماء اللامعة مثل القيادي اليهودي 'ايلاي ويزيل' الحاصل على جائزة نوبل للسلام, بحجة أنه يريد تسليط الضوء على العنف في السودان تحت شعار 'أنا لا يمكن أن أكون منعزلا'.

وشاركته في الحملة 'روث ميسنجر' رئيسة منظمة اليهود الأمريكية, التي صرحت بأنها تستطيع عن طريق هذه الحملة جمع أموال طائلة لأكثر من غرض, خاصة وأن مشكلة السودان أصبحت شأنا عالميا، واعتذرت بأن الحملة قد تأخرت لأننا لم نفهم مشكلة غرب السودان إلا أخيرا, هكذا.

وساهمت مجموعة 'يهود منطقة واشنطن' بتنظيم ورشة عمل دينية لتتخذ مواقف احتجاجية ضد ما وصفته بالعنف المستشري في غرب السودان، وعلق الحاخام 'ديفيد سابرستين' على أحداث دارفور بقوله: عندما ترتكب أعمال ابادة عرقية ينبغي على اليهود أن يكونوا في مقدمة المحتجين, لأننا سبق أن كنا ضحايا وشهودًا لمثل تلك الأعمال!!

كما قام جيري فاولر مدير لجنة 'الضمير اليهودي' بزيارة معسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد ثم كتب بعدها لجريدة 'واشنطن بوست' يقول: لقد صدرت إشارات وتحذيرات مهمة قبيل محرقة راوندا ولكنها لم تحرك ساكنا، وها نحن نقول لا مرة أخرى, فهل سيتم تجاهل هذه التحذيرات المبكرة وأفارقة دارفور يبادون.

ولم يفسر مدير لجنة 'الضمير اليهودي' لماذا لم يتحرك اللوبي الصهيوني في تلك المحرقة الأفريقية التي ذهب ضحيتها 800 ألف قتيل على مدى سنتين.

كما أوقف متحف المحرقة اليهودي نشاطه اليومي لمدة نصف ساعة ليلفت الأنظار إلى أحداث دارفور.



وقامت مجموعة 'ائتلاف' اليهودية التي تضم 45 مجموعة بإنشاء مكتب خاص مهمته جمع التبرعات لدعم احتياجات اللاجئين السودانيين في تشاد.

وعلق الدكتور الطيب زين العابدين على هذه الحملة قائلا: هل يعقل أن اللوبي الصهيوني فجأة أدرك ما يعانيه الزغاوة والفور والمساليت في غرب السودان ومن ثم هب لنجدتهم؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟



وقد يفسر الأهمية التي توليها 'إسرائيل' لهذا الإقليم ما جاء في كتاب أصدره مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا, التابع لجامعة تل أبيب, حول 'إسرائيل وحركة تحرير السودان'، كتبه ضابط الموساد السابق العميد المتقاعد موشي فرجي, ونقل مقتطفات منه الكاتب والصحفي المصري فهمي هويدي في مقال بتاريخ 8/6/2004, حيث سرد المؤلف مجموعة من الحقائق التي توضح أن الأصابع اليهودية ما عبثت بأفريقيا, لاسيما السودان, إلا من أجل أن تضع حذائها علي العتبة الجنوبية لمصر.



فقد شرح كتاب العميد فرجي بتفصيل ما فعلته 'إسرائيل' لكي تحقق مرادها في إضعاف مصر وتهديدها من الظهر، وكيف أنها انتشرت في قلب إفريقيا لكي تحيط بالسودان وتخترق جنوبه.

ففي الفصل الأول من الكتاب الذي حمل عنوان 'إفريقيا كمدخل إلى السودان', يقول إن 'إسرائيل' قررت احتواء إفريقيا والانتشار في قلبها للاقتراب من السودان و الإحاطة به، ومن ثم يتسنى لها الضغط على مصر وتهديد بعدها الاستراتيجي الجنوبي, و قد استطاعت 'إسرائيل' في الفترة من عام 56 إلى 77 إقامة علاقات مع 32 دولة إفريقية.

وأشار المؤلف إلى أن هذا المخطط بدأ تنفيذه في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات, وأن مهندس العملية كلها 'اروي لوبراني' فهو مستشار بن جوريون للشؤون العربية.

وهو الذي قال بوضوح: 'لا بد من رصد وملاحظة كل ما يجري في السودان، ذلك القطر الذي يشكل عمقا استراتيجيا لمصر، بالإضافة إلى سواحله المترامية على البحر الأحمر، وهو ما يوفر للسودان موقعا استراتيجيا متميزا, لذلك فمن الضروري العمل على إيجاد ركائز إما حول السودان أو في داخله, ولأجل ذلك فان دعم حركات التمرد والانفصال يغدو مهما لأمن إسرائيل'.



وقد تبنت 'إسرائيل' في سبيل ذلك إستراتيجية 'شد الأطراف ثم بترها'، على حد تعبير الكاتب, بمعنى مد الجسور مع الأقليات وجذبها خارج النطاق الوطني، ثم تشجيعها على الانفصال، لإضعاف العالم العربي وتفتيته، وتهديد مصالحه في الوقت ذاته.



ما أهمية دارفور للولايات المتحدة؟

ركيزتان أساسيتان يمكن أن تشكلا مدخلا للوقوف على الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لانتزاع إقليم دارفور من السيادة السودانية ووضعه تحت مظلة الانتداب الذي يتحرك كدمية في يد صناع القرار في البيت الأبيض.



أولهما: مشروع الشرق الأوسط الجديد

فالسودان الذي يعد اكبر دولة عربية وإسلامية من حيث المساحة, بما فيها من موارد اقتصادية متعددة ومتنوعة يتعارض مع ما تريده الولايات المتحدة من شرق أوسط جديد لا يسمح بالكيانات الكبرى التي يمكن أن تشكلا نفوذا يهدد الكيان 'الإسرائيلي' أو يقفز خارج القفص بعيدا عن الأسر والهيمنة الأمريكية.

فالسودان, على سبيل المثال, بما يملكه من موارد وثروات غير مستغلة يمكنه أن يخرج العالم العربي من التبعية الاقتصادية للغرب ويحقق له الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية, إذا ما تم استغلال تلك الموارد وتوجيهها, وهذا بطبيعة الحال يشكل أرقا مزمنا لصانع القرار, رغم الصعوبات التي تكتنفه والتحديات التي تواجهه.

ومن ثم فانه قبيل الفراغ من الجنوب كانت مشكلة الغرب السوداني, وتحضير الوجبة القادمة في الشرق يجرى على نار هادئة ليخرج من تحت المشرط الأمريكية وبمخاض ترعاه الآنسة العجوز كونداليزا رايس ثلاث دويلات طائفية في الجنوب والشرق والغرب.

وهي قصة قريبة الشبهة لما يحدث في العراق, ويجرى التحضير لها في مصر وعدة بلدان عربية وإسلامية أخرى, ليكون 'الشرق الأوسط الأمريكي' دويلات طائفية, تدور في الفلك المرسوم تقوده الربيبة 'إسرائيل'.



ثانيهما: العامل الاقتصادي

اكتشاف النفط في السودان وبكميات كبيرة، جعله هدفا لمخططات أمريكية تذكر بما دار ويدور في العراق.

فقد دخل السودان بقوة مجال التنقيب عن النفط، وأصبح يستخرج نحو 345 ألف برميل يوميا, ولديه احتياطي يقدر بـ 183.2 مليار برميل, وهو بذلك يتفوق على احتياطي كثير من الدول المتربعة على عرش الإنتاج حاليا.

ووفقًا للموجز الإحصائي للتجارة الخارجية السنوي لعام 2000 الذي أصدره بنك السودان فقد سجلت صادرات النفط بمشتقاته نسبة 75 % من جملة الصادرات, بعائد بلغ حوالي 1.35 مليار دولار.

وقد أصبح النفط أهم إيرادات الدولة، وبلغت إيراداته في ميزانية عام 2003 حوالي 367 مليار دينار سوداني.

وقدرت ميزانية عام 2004 إيرادات النفط بـ373 مليارا بسبب الزيادة المطردة في الإنتاج، ودخول آبار جديدة دائرة الإنتاج.



واللافت للنظر أن الحديث يجرى حاليا عن بحيرة من البترول يعيش فوقها الغرب السوداني, في حين ما زالت عمليات التنقيب الجارية في الجنوب متمركزة في يد شركات صينية وهندية وماليزية, ومن هنا كان لابد, وفق رؤية الطامعين, من ضمان عدم امتداد هؤلاء إلى بحيرة الغرب السوداني‏.

أضف إلى ذلك الرغبة الأمريكية في الخروج من أسر الإمدادات البترولية من دول الخليج, حيث تعاني تلك البقعة من التهاب مزمن يساعد في توتير أسعار النفط وارتفاعها, ومن ثم كان تامين الاحتياجات من أماكن أخرى, لاسيما أفريقيا, أولوية في المنظور الأمريكي.



وقد أشار ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي, في تقرير أعده عام 2001 حول السياسة القومية الأمريكية بالنسبة للطاقة أن أفريقيا ستكون 'أحد المصادر الأمريكية المتنامية بسرعة من النفط والغاز'.

كما نشرت مجلة 'أسيا تايمز أون لاين' في عام 2003، حوارا مع المحلل الأمني الأمريكي 'مايكل كلير'، مؤلف كتاب 'حروب مصادر الثروة '، نوه فيه إلى احتمالية زيادة النفوذ الأمريكي في إفريقيا, حيث رأى أنها ستكون هي الهدف, وستكون مصرحا للحروب القادمة بين القوى المتصارعة.



هذا فضلا عن اليورانيوم الذي يعيش فوقه الغرب السوداني, والذي تسعى الولايات المتحدة للإفادة منه في برامجها النووية من ناحية, كما تخشى من وصوله إلى أيدي جماعات مناهضة أو دول يحلو لها أن تطلق عليها متمردة أو مارقة‏.‏



بقي أن نقول أن عين الصقر الأمريكي الساهرة على تحقيق أهدافه ومراميه, والأفعى الصهيونية التي تلتف حول النيل والفرات, لابد وأن تقابلهما يقظة وهمة من أبناء العروبة والإسلام, لأنهم القصعة التي يرى الغرب وأمريكا على وجه الخصوص أنها مستباحة, وإن لم يقفوا اليوم رغبة مستأسدين للحوض عن ديارهم ودينهم, فسوف يقفون غدًا قهرًا على الأطلال يبكون أندلسًا جديدة.

منقول
يوشع بن نون
وعلينا أن نترقب ، ونتفرج ، ونستعد للطم الخدود وشق الجيوب ، ونشرب الزنجبيل والينسون كى نجلى أصواتنا للصراخ ونهيئ ذاكرتنا للنسيان ونستعد بألبوم الذكريات الذى بدأ بألأندلس ولن ينتهى أبدا بغرب السودان
أحيى صمودك وإصرارك أستاذنا وحكيم منتدانا
عبدالغفور الخطيب
أشكرك أخي العزيز .. على المرور والكلمات الطيبة

احترامي وتقديري
عبدالغفور الخطيب
محور الشر هل يفرض خياره العسكري على السودان؟



أثار النبأ لذي أوردته صحيفة فاينانشيال تايمز في عددها الصادر يوم الأربعاء 13/12/2006 من جديد إمكانية التدخل العسكري السافر من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في السودان تحت ذريعة حماية المدنيين في إقليم دارفور غربي البلاد.



السيناريو الذي طرحته الصحيفة والذي أيده فيما بعد بعض سا سة واشنطن ولندن لا يبعد كثيرا عن السيناريو السابق الذي رسمته ونفذته الولايات المتحدة في العراق والذي يبدأ بفرض منطقة للحظر الجوي وحصار بحري, على أن يأتي لاحقا التدخل العسكري المباشر بدعوى حماية المدنيين.



وهذا السيناريو في حقيقته يعد جديدا نوعا ما وتصعيدا من قبل واشنطن ولندن حيال حكومة الخرطوم, إذ أن المطروح من قبل والحديث كان يدور حول فرض وجود قوات حفظ سلام دولية في إقليم دارفور, وهو ما صدره بشأنه القرار المثير للجدل والمعروف بالقرار 1706 والذي رفضته الخرطوم جملة وتفصيلا.



ورغم ما يكتنف العملالعسكري من عقبات لعل أهمها المأزق الذي وجدت قوات الاحتلال نفسها فيه في العراق بعد ثلاث سنوات من التدخل العسكري, وهو ما يمكن بلا تردد أن نصف به حال قوات الاحتلال في أفغانستان كذلك, فان التدخل العسكري على الأقل في الوقت القريب لعله يكون خيارا بعيدا عن يد صانع القرار في البيت الأبيض أو 10 داونج ستريت.



وحينما نقول أن هذا الخيار بعيد , فهذا لا يعنى انه مستبعدا, إذ يظل على طاولة الخيارات ولكنه أبعدها مؤقتا, ومن ثم فان هذا التسريب لا يبعد أن يكون نوعا من تكثيف الضغط على حكومة الإنقاذ من أجل تسييل موقفها من قوات السلام ذات القبعات الزرقاء والتي هي في النهاية تأتمر بما يصدر عن زعيم البيت الأبيض وصاحبه البريطاني توني بلير.



وإلى جانب هذا التهديد بالتدخل العسكري المباشر في السودان بما له من تداعيات خطيرة على السلطة الحاكمة المهددة من داخلها, تملك الولايات المتحدة وبريطانيا عدة سيناريوهات بديلة لفرض ما تريده من وجود قوات زرقاء في هذا الإقليم المترامي الأطراف, وقبل العروج عليها كان لزاما أن نعرض للازمة التي اصطنعتها واشنطن ولندن بمحاولة فرض هذه القوات الدولية على حكومة الخرطوم, ورد فعل الحكومة على هذه الضغط والمخاوف التي أثارها لديها.



القبعات الزرقاء.. أزمة مصطنعة


عند التحقيق سنجد أن الحديث عن قوات دولية في دارفور بدا منذ مطلع العام الحالي 2006 حينما أشار يان برونك المسئول عن بعثة الأمم المتحدة في السودان إلى الحاجة إلى قوات دولية بعد ما وصفه بفشل محادثات السلام بين الحكومة والمتمردين ووصولها لطريق مسدود, في حين كانت طاولة المفاوضات ما زالت ممدة.



وبعد ما يقرب من شهر وفي فبراير 2006 طالب جان بولتون السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة من مجلس الأمن وضع خطة عاجلة لإرسال قوات دولية لإقليم دارفور تكون بديلا لقوات الاتحاد الإفريقي التي وصفها بالعجز عن أداء مهامها .



وصوت مجلس الأمن فعليا على مشروع قرار أمريكي ـ بريطاني في 31 أغسطس لنشر قوات الأمم المتحدة في دارفور وهو ما عرف بالقرار 1706 والذي حمل في طياته عدة قنابل موقوتة, بل لا نبعد إن قلنا أن كل بند من بنوده قنبلة ستنفجر أجلا أو عاجلا مفجرة الوضع برمته في السودان ودول الجوار وليس في دارفور فحسب.



ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة وبريطانيا تجاهلتا اتفاق ابوجا الذي سبق في صدوره قرار مجلس الأمن رقم 1706, حيث تم توقيع الاتفاق في 5 مايو 2006, وكان من المفترض أن يراعى مجلس الأمن هذا الاتفاق وكذلك واشنطن ولندن, ولكن من الواضح بطبيعة الحال أنهما كانتا راغبتين في نشر تلك القوات على كل حال وبغض النظر عن سير المفاوضات بين الحكومة والمتمردين أو استقرار الوضع من عدمه.



فإذا كان الهدف النهائي هو حقيقة حفظ الأمن وحياة المدنيين العزل فان الأقرب إلى التصور والفهم المنطقي أن يتم تدعيم القوات الأرضية المتواجدة فعلا , وهي القوات الإفريقية التي قبلتها الخرطوم على مضض,كي تؤدي دورها على أكمل وجه, خاصة إذا كان "عامل الزمن" مهم في حفظ أرواح الدارفوريين كما تدعي الولايات المتحدة وبريطانيا, بيد أن الإصرار على تغيير القبعات والقيادات أكد بصورة نهائية أن ثمة أجندة للغرب يسعى حثيثا لإنفاذها ولو على أرواح الدارفوريين وأهل السودان جميعا.



القوت الدولية والداخل السوداني



منذ بداية الحديث عن القوات الدولية, اتخذت حكومة الرئيس عمر البشير موقفا معارضا على طول الخط, وتوعدت بفتح باب الجهاد في حالة الإصرار على إرسال تلك القوات وفرضها على الحكومة.



وفي الشق السلمي طرحت الحكومة المركزية عدة خيارات بديلة لوجود تلك القوات منها تدعيم قوات الاتحاد الإفريقي بما يؤهلها لممارسة عملها بصورة فاعلة, كما لم تمانع من وجود خبراء ومستشارين من الأمم المتحدة يعملون تحت قيادة قوات الأمم الإفريقية وليسوا كمستقلين رهن الإرادة الأمريكية والبريطانية.



ولعل القرار 1706 الذي فرضته أمريكا وبريطانيا, هو الذي عزز مخاوف الحكومة وزاد من شكوكها في النية المبيتة من إرسال هذه القوات وتأكد لديها أن الموضوع أكبر من دارفور ومشاكله, وأن الهدف في الأساس هو إعادة تشكيل الأراضي السودانية جغرافيا وديموجرافيا كذلك, وفق رؤية محددة سلفا لدى الإدارة الأمريكية والبريطانية لخريطة المنطقة برمتها, وليس السودان فحسب.



فالقرار في طياته يسلب الحكومة المركزية أي سلطة على الإقليم ويتحدث عن "هيكلة الشرطة", و"إقامة جهاز قضائي مستقل, و"وضع إستراتيجية شاملة ومنسقة تهدف إلى مكافحة الإفلات من العقاب", و"المساعدة في معالجة القضايا الأمنية الإقليمية بين السودان وتشاد..", كما أن للبعثة الأممية (الأمريكية على وجه الدقة والواقعية) استعمال جميع الوسائل اللازمة في مناطق انتشارها...".



هذه البنود الملغمة وغيرها عززت من فهم السودان لطبيعة عمل البعثة, وأنها في الأخير ستقوض من شرعية الحكومة المركزية ليس على إقليم دارفور فحسب, وإنما على السودان ككل, حيث أن بنود القرار جاءت معممة وليست قاصرة على الإقليم محل المشكلة.



المشكلة الرئيسة التي تواجه الحكومة السودانية حيال هذه المؤامرة الخارجية هي تفتت الداخل, وقبول عدة أطراف محسوبة على الشمال, المفترض أن يكون مواليا للحكومة, لوجود تلك القوات, حيث أعلن تحالف "لقوى الوطنية" الذي يضم حزب "الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي, والمؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي وغيرهما عدم ممانعته بل وترحيبه بوجود تلك القوات.



وفي الجنوب أعلن رئيس الحكومة وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان سلفا كير عن ترحيبه لوجود تلك القوات معللا ذلك بوجود قوات مماثلة في الجنوب طبقا للاتفاقية الموقعة مع الحكومة المركزية والمعروفة باسم اتفاقية نفاشا, متجاوزا ومتغافلا عن الفروقات الظاهرة بين الحالتين.



ومنى اركوي الطرف الوحيد من متمردي دارفور الذي وقع اتفاق ابوجا مع حكومة الخرطوم هو الأخر رحب بوجود تلك القوات,على اعتبار أنها ستدعم موقفه على ارض دارفور, أو على الأقل سيمكن من خلال هذا الإعلان رفع سقف مطالبه وإجبار الحكومة على تنفيذ ابوجا بصورة يرتضيها.



تلاحم هذه الأطراف خذل بلا شك حكومة عمر البشير, وقوض من عزيمتها في رفض وجود تلك القوات, وأظهر هشاشة الوضع الداخلي الذي يمكن أن تواجه به الحكومة الإصرار الغربي على فرض القبعات الزرقاء.



سيناريوهات فرض القوات الدولية على الخرطوم



لاشك أن محاولة فرض القوات الدولية على حكومة الخرطوم تكتنفه عدة عقبات ومصاعب بالنسبة لصانع القرار الأمريكي والبريطاني, لعل أهمها التهديد الذي أعلنته الحكومة باعتبار تلك القوات في حال قدومها قوات احتلال غازية, وهو ما يصعب عمليا من تمركزها في الإقليم الذي ما زالت الكلمة العليا فيه للقوات الحكومية والقبائل العربية الرافضة بطبيعة الحال لوجود قوات أجنبية لأنها ستكون المستهدفة في المقام الأول باعتبارها "قبائل معتدية".



كما أن حركة العدل والمساواة أعلنت هي الأخرى رفضها لوجود تلك القوات في الإقليم, وهو ما يمكن أن يضع القوات الدولية حين الإصرار على وجودها وفرضها بالقوة على ارض الإقليم بين فكي الرحى.



أضف إلى ذلك أن نار الحرب إلى ستوقدها الولايات المتحدة بإصرارها على إرسال تلك القوات ستجذب بلا شك "فراشات التيارات الجهادية" في منطقة هي في الأساس تثير المخاوف من وجود نشاط قوي لتلك الجماعات فيها.



وفي الداخل الأمريكي والبريطاني فان بوش وبلير تكتنفهما عقبات مؤسساتية ومزاج شعبي مناهض لفرض الحلول العسكرية بعد فشلها في العراق وأفغانستان, وهو ما يمكن أن يغل أيديهما في اللجوء إلى سيناريو المواجهة , أو يجعل في سبيله عراقيل عدة على اقل تقدير.



بقي إذن أمام الحلف الأمريكي البريطاني أن يبحث عن حلول أخرى أقل كلفة من فرض الأمر على حكومة الخرطوم الذي قد يقود لمواجهة مسلحة, ولعل التلويح بفرض الحصار البحري, وفرض مناطق للحظر الجوي هي احدي الخيارات الصعبة المطروحة في هذا الصدد إضافة إلى خيارات أخرى.



ومن بين تلك الخيارات المطروحة محاولة تليين موقف حكومة الخرطوم بحزمة مناسبة من الإغراءات, وهو ما يمكن أن نقول انه بدا فعلا خلال الزيارة الأخيرة التي قامت بها "جينداي فريزر" مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للخرطوم, حيث عرضت على القيادة السودانية رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد تدريجيا , ورفع اسمها من الدول الراعية للإرهاب وتحسين وضع السودان على الخريطة الدولية.



وقد تلجا الولايات المتحدة كذلك لرفع سقف التطمينات لحكومة البشير, وذلك بوضع إطار زمني محدد لهذه القوات, وتحديد أطر عملها بإقليم دارفور, على أن تحتفظ الأمم المتحدة بالدور الاستشاري والتخطيطي وتكون غالبية أفراد البعثة من القوات الإفريقية, مع إعطاء الحكومة بعض الأدوار الشكلية التي لا تمس جوهر القرار 1706 ومضمونه.



وسيكون الخيار الأخير لدى واشنطن ولندن, على ما يبدو, توجيه ضربات عسكرية مؤثرة تجهض أي محاولة من جانب الحكومة المركزية في عرقلة وصول تلك القوات لدارفور,وهو القرار الذي من شأنه أن يحدث التهابا شديدا في بقعة شديدة التوتر من الأساس..
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.