الدكتور حسين حسين شحاتة
الإسراف والتبذير محرمان شرعًا
الإسراف والتبذير من أعظم المخاطر الاجتماعية والاقتصادية السيكولوجية التي تهدد الإنسان والدول والأمم، لذلك يجمع جمهور الفقهاء والعلماء والدعاة وغيرهم أنهما من نماذج الفساد الاقتصادي والاجتماعي.
ويرى علماء الاقتصاد الإسلامي أن الإسراف والتبذير من السفه الذي يعتبر من نماذج الفساد للموارد الاقتصادية، وهلاكًا للأموال وزيادة في النفقات بدون عائد، وتبديدًا للطاقات، ولذلك فإنهما يسببان التخلف والإرهاق لميزانية الأسرة الدولية، ويعوقان التنمية، ويسببان الحياة الضنك، ولا سيما للطبقة الفقيرة والتي تشقى بفعل السفهاء من الأغنياء.
ويرى الفقهاء أن الإسراف محرمٌ بنص قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)﴾ (الفرقان)، كما يعتبر التبذير من الكبائر التي نهى الله عنها، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)﴾ (الإسراء)، وبالرغم من تيقن معظم المسلمين من حرمة الإسراف إلا أن هناك مليارات الدولارات التي تبدد في هذا المجال، في الوقت الذي تعانِي بعض الدول الإسلامية من الفقر المدقع، ونقص في الضروريات والحاجات الأصلية للحياة العادية، كما أن بعضها يئِن من ظلم الاحتلال بين مشرد ومسجون ولاجئ ومطرود كما هو الحال في فلسطين وأفغانستان.. فماذا يحدث لو أن ما ينفق على أوجه الإسراف والتبذير يوجه إلى دعم الشعب الفلسطيني المحاصر من جميع المحاور لتوفير ضرورياته وحاجاته.
هذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسة بشيء من الإيجاز في ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
ماذا يحدث لو تمَّ ترشيد النفقات من أجل دعم الشعب الفلسطيني
الشعب الفلسطيني يعاني المجاعة والحصار
يعاني الشعب الفلسطيني من مشكلات عديدة منها:
- قضية الاحتلال من الصهاينة والصليبيين المعتدين ومن يعاونهم.
- قضية القتل وهدم المنازل وتجريف الأراضي وغير ذلك من الاعتداءات بكافة صورها.
- قضية أسر الشهداء والمعتقلين المعوزين الذين لا يجدون ضروريات الحياة.
- قضية الفلسطينيين اللاجئين والذين يعيشون تحت خط الفقر.
- قضية الحصار الذي أوصل الفلسطينيين إلى مرحلة عدم توافر الضروريات.
- قضية التنازل عن الحقوق مقابل المال وفك الحصار الاقتصادي.
- قضايا أخرى يعلمها الجميع.
هذا الحصار يذكِّرنا بما حدث مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا معه في شِعب مكة، ويحتاج الشعب الفلسطيني لمعالجة القضايا السابقة وغيرها، ما يعادل 150 مليون دولار شهريًّا، وهذا لا يزيد عن 0.01% مما ينفق في مجالات الإسراف والتبذير في بعض الدول العربية أو دولار واحد عن كل برميل نفط، فهل تستجيب الأمة الإسلامة بتجنب الإسراف والتبذير لدعم الشعب الفلسطيني.
والتكييف الشرعي لما يقدم للشعب الفلسطيني المجاهد يعتبر من نماذج الجهاد بالمال أو من نماذج التكافل والتضامن الاجتماعي أو من نماذج التعاون على البر والتقوى أو من نماذج تقوية أواصر الأخوة في الله.
أيهما أولى أن ندعم مشروعات اللهو والفسوق والعصيان، وندعم صالات القمار وحمامات السباحة، أم ندعم الشعب الفلسطيني الذي لا يجد مالاً لشراء الضروريات والحاجيات مثل: الطعام والشراب والدواء والملبس والمأوى والتعليم؟!!
دعم الشعب الفلسطيني فريضة شرعية وليس هبة تفضلية
الشعب الفلسطيني يقاوم قوات الاحتلال الصهيوني
يعتبر شعب فلسطين رمزًا للمقاومة الباسلة ضد الاحتلال الصهيوني المجرم، وهو يضحي بكل عزيز من أجل عزته وكرامته، ومن أجل حماية المقدسات الإسلامية، وهو يجاهد حتى يتحقق بناء دولته الحرة المستقلة وعاصمتها القدس وعودة المبعدين إلى بلادهم أخرجوا منها بغير حق.
ويُضحي الشعب الفلسطيني المجاهد بالأنفس وبالأموال وبكل عزيزٍ لديه من أجل مقاومة العدو مستشعرًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).
وبسبب الاحتلال الصهيوني الغاشم يعاني الاقتصاد الفلسطيني اليوم العديد من المشكلات ومنها مالية، حيث يحرم من كل مقومات التنمية الاقتصادية، وأصبح لا يستطيع أن يوفر الحجات الأصلية للحياة مثل المأكل المشرب والمأوى والملبسن والعلاج والتعليم والزواج، ونحو ذلك مما تحفظ له دينه ونفسه وعقله، وعرضه وماله، وبسبب هذا اضطر هذا الشعب المحتل المجاهد أن يعتمدَ على الدعم المالي من الدول العربية والإسلامية، وهذا حق له وليست منةً أو هبةً، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء)، وقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (متفق عليه).
ولقد قدَّمت بعض الدول الأوروبية وكذلك أمريكا بعض الأموال للشعب الفلسطيني لتكفِّرَ عن سيئاتها وظلمها، لأنها هي التي غرست الصهيونية في أحشاء الأمة العربية والإسلامية وزودتها بالسلاح وبالمال، وتعتبر هذه الأموال حقًّا لهذا الشعب وليست هبةً أو منةَ أًو تفضلاً منها، ولا ينبغي لأمريكا وأوروبا أن يضغطا على الشعب الفلسطيني بقطع هذه الأموال إن لم يتنازل عن حقوقه المشروعة وثوابته العادلة.
ويثار التساؤل الآتي: هل يقبل الشعب الفلسطيني التنازل عن حقوقه مقابل المال؟ لا يجوز ذلك شرعًا ويعتبر كل المسلمين آثمين عندما يتخلوا عنه بكافة وسائل الدعم والغوث.
لا تبخلوا بأموالكم لدعم إخوانكم في فلسطين
دعم الشعب الفلسطيني واجب شرعي
يجمع فقهاء الأمة أن دعم الشعب الفلسطيني المجاهد فريضة على كل مسلم ومسلمة، ومن نماذج هذا الدعم المالي، ومن مصادره المشروعة ما يلي:
- زكاة المال لأنه تتوافر في الشعب الفلسطيني شروط استحقاقها.
- الصدقات المتطوعة والكفارات والنذور.
- الصدقات الجارية والأوقاف الخيرية.
ويضاف إلى ذلك ما قد يتوفر من الترشيد الاقتصادي في النفقات الجارية، فلو أن كل مسلم وفَّر من نفقات طعامه وشرابه ما يسد به جوعة أخيه الفلسطيني ما حدث ما يحدث الآن، إنما يشقى الشعب الفلسطيني بصنيع إخوانه المسلمين القادرين على دعمه.
ونوجه التساؤلات الآتية إلى العربي المسلم وغير ذلك:
- هل تستشعر شهية الطعام الذي فيه إسراف، وأخوك في فلسطين يموت جوعًا ومرضًا؟!
- هل تستشعر أنك آمنٌ في سربك وأخوك في فلسطين يعيش ليل نهار تحت رعب الدبابات والمدافع؟!
- هل تستشعر بهجة حفلات أعياد الميلاد والرقص والغناء وأختك الفلسطينية أم الشهيد أو أخته تبكي حزنًا؟!
- هل أنت رشيد في تصرفك عندما تسرف وتبذر وأخوك لا يجد الضروريات؟!
ألم تؤمن بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (الحجرات).
ندعو الله سبحانه وتعالى أن يثبتَ أقدامَ إخواننا المجاهدين في فلسطين، ويبارك في أموال من يدعمهم بالمال والدعاء، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
اخوان اون لاين