المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: هل سيتحقق الأمن في الصومال
منتدي الحلم العربي > منتديات سياسية > القسم الاخباري > اخبار عالمية
نــون
إتحاد المحاكم الإسلامية.. هل يحقق إستقرار الصومال؟

أحمد إبراهيم محمود

“كان توقيع اتفاق جيبوتي للمصالحة الوطنية في الصومال في عام 2000 بمثابة خطوة بالغة الأهمية في مسار تطور نظام المحاكم الإسلامية، لأن الرئيس الانتقالي الذي انْتُخب بموجب هذا الاتفاق، عبد القاسم صلاد حسن، كان واحداً من الرعاة الرئيسيين لنظام المحاكم، وممن يرتبطون بعلاقات وثيقة مع أقطابه.
وقد لعبت المحاكم الإسلامية دوراً مهماً في تأمين حكومة صلاد حسن وحمايتها من الفصائل المناوئة لها، إذ إن تلك الفصائل كانت ترغب في منع الحكومة من دخول مقديشو، ومنعها من ممارسة صلاحياتها، وهو ما دعا المحاكم الإسلامية إلى حشد الميليشيات التابعة لها لحماية الرئيس وأفراد حكومته لدى وصولهم للعاصمة مقديشو، ثم دعمهم ومساندتهم في أنشطتهم.

والتطور الأكثر أهمية عقب ذلك يتمثل في دمج ميليشيات المحاكم في قوات الحكومة الانتقالية، كما أن المحاكم الإسلامية ذاتها اندمجت في الجهاز القضائي الحكومي، وهو الأمر الذي لم يكن مرتبطاً بالضرورة بالرغبة في تحقيق وحدانية النظام القضائي، بقدر ما كان مرتبطاً بالضغوط العنيفة التي وقعت على حكومة صلاد حسن بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول في الولايات المتحدة، حيث اتهمت إدارة بوش المحاكم الإسلامية بأنها ترتبط بعلاقات بجماعة الاتحاد الإسلامي، والتي بدورها ترتبط بعلاقات تنظيمية مع تنظيم القاعدة، مما دفع الحكومة الانتقالية وقتذاك لإجراء مفاوضات مطولة مع عدد كبير من رؤساء المحاكم الإسلامية من أجل ضمهم إلى النظام القضائي الحكومي”.

شكلت الانتصارات السريعة وغير المسبوقة التي حققتها ميليشيات اتحاد المحاكم الإسلامية على خصومها في العاصمة الصومالية مقديشو، مفاجأة كاملة لمعظم المراقبين، ودفعتهم للاعتقاد بأن هناك قوة جديدة صاعدة قد برزت على الساحة الصومالية، وأن هذه القوة ربما تمثل متغيراً جديداً من شأنه إعادة توجيه دفة التفاعلات في الصومال، بما في ذلك إمكانية نشوء قوة دفع جديدة في اتجاه إنهاء حالة الانهيار والفراغ السياسي الذي أصاب الصومال منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن. ولكن هذا الاعتقاد الذي ساد في أغلب التحليلات الصحافية والإعلامية لم يكن صحيحاً تماماً، في الكثير من عناصره، فاتحاد المحاكم الإسلامية لم يكن قوة جديدة على الساحة الصومالية، وإنما كانت هذه المحاكم موجودة منذ فترة طويلة من الزمن في الساحة الداخلية الصومالية، للتعويض عن حالة الفراغ الحكومي والمؤسسي التي أعقبت انهيار نظام حكم سياد بري في العام ،1991 ولعبت المحاكم أدواراً مهمة للغاية في عمليات التقاضي وتسوية المنازعات وفرض الأمن، مستندة في أحكامها إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، ونجحت بالفعل في الحد من نفوذ الفصائل المسلحة ولوردات الحرب في العديد من المناطق.
وربما يكون الجديد في الأمر هنا أن هذه المحاكم اتجهت منذ عام 2004 نحو بناء إطار مؤسسي موحد يجمع فيما بينها، بعدما كانت عبارة عن وحدات متفرقة في مناطق متباعدة. والأمر الجديد أيضا ربما يتمثل في بروز درجة أعلى من التسييس على أعمال وتوجهات قادة المحاكم، سواء على صعيد مواجهة نفوذ قادة الفصائل المسلحة أو على صعيد الإعلان بقوة عن السعي لإقامة حكومة إسلامية في الصومال.
وهذا التسييس المتزايد كان واحداً من العوامل الرئيسية وراء جولات الصراع المسلح العديدة التي نشبت بينها وبين خصومها، والتي نجحت ميليشيات الاتحاد خلالها في فرض سيطرتها شبه الكاملة على العاصمة، وتوجهت بعد ذلك نحو السيطرة على المزيد من المناطق من أجل استئصال نفوذ قادة الفصائل المسلحة الذين عطلوا كافة جهود التسوية والمصالحة الوطنية في الصومال لسنوات طويلة، إلا أن ذلك لا ينفي أن هناك العديد من القيود والمعوقات التي قد تواجه محاولة اتحاد المحاكم الإسلامية استكمال السيطرة على الحكم أو فرض هيمنتها على سائر أنحاء الصومال.

يتبع ..
عبدالغفور الخطيب
الكل يعلم أن فكرة الحكم الأساسية هي ( القضاء ) .. فلذلك يقوى الحكم (السياسي) ويستقر عندما يسود العدل ( القضاء )

عندما قنط أهل الصومال من تقلب سوء الأوضاع عليهم .. وعندما أصبح المظلوم لا يجد من يحتكم لديه .. وإن وجد فان نفاذ الحكم لا يتم .. لأن من ظلمه هم أمراء الحرب و الهالات المحيطة بهم .. والذين اقتسموا (مقديشو) كل كيلومتر مربع ، يقف عليه أحدهم يجبي و يسلب و يظلم ..

وعندما انتبه الناس ، والعقلاء المسلمون منهم ، وجدوا أن أساس عودة الهدوء الى الصومال يكمن في سيادة القانون .. لكن أي قانون .. فانبرى الأخيار للالتفاف حول القضاة ، لينفذوا أحكامهم .. فأصبح لدى القضاء ذراع قوي يفرض به تنفيذ أحكامه ..

هنا كان لا بد من المتضررين أن يقفوا في وجه رجال المحاكم الاسلامية .. والذين استطاعوا بدعم الله عز وجل .. أن يجمعوا حولهم قوى الخير ، والتي أصبحت انتصاراتها واضحة وضوح الشمس ..

اللهم احمي أهل الصومال و ارحمهم و أبعدهم عن الشر و أبعد الشر عنهم
نــون
اللهم آمــيـــــــــن
نــون
ظروف النشأة

من المعروف أن الحرب الأهلية الصومالية اتسمت بخصائص استثنائية من بين كافة حالات الصراع في إفريقيا والعالم الثالث، حيث إن انهيار نظام سياد بري في مقديشو عام ،1991 لم يعقبه بروز نظام حكم بديل قادر على سد الفراغ السياسي والنهوض بأعباء الحكم، وإنما تمزقت العاصمة فيما بين العديد من الفصائل المسلحة، التي استمرأت هذا الوضع مع مرور الوقت، بل وحققت من خلال ذلك مكاسب مالية طائلة ونفوذاً سياسياً هائلاً. أ ما بالنسبة لباقي مناطق الصومال، فإنها تمتعت بقدر أعلى نسبياً من الأمن والاستقرار، بالمقارنة مع مقديشو والمناطق الجنوبية، واتجهت نحو مسارات متباينة في تطورها السياسي، إذ أعلنت مناطق شمال الصومال الانفصال وتكوين ما يعرف ب “جمهورية أرض الصومال”، في حين أعلنت بلاد بونت وبلاد جوبا إقامة كيانات حكم ذاتي في إطار الدولة الصومالية.


ونظراً لأن مناطق جنوب الصومال، ظلت نهباً للعنف والفوضى والنهب والابتزاز من جانب الفصائل المسلحة، والتي هي في أغلبها عصابات إجرامية، فقد تفتقت الجهود الشعبية عن أفكار بإنشاء محاكم إسلامية شرعية في المناطق التي تفتقر إلى الأمن والنظام، إلا أنها كانت لا تزال تصطدم في معظم الأحيان مع نفوذ قادة الفصائل. وجاءت إرهاصات إنشاء هذه المحاكم عقب انهيار الحكم المركزي مباشرة، حيث تعود المحاولات الأولية لذلك إلى عام ،1991 أي في ظروف الاقتتال العنيف بين فصيلي محمد فارح عيديد وعلي مهدي محمد في العاصمة مقديشو، وجاء طرح الفكرة في بادئ الأمر من جانب الشيخ محمد معلم حسن، الذي حاول تطبيق هذه الفكرة في جنوب مقديشو، ليس فقط لتحقيق الأمن وفرض النظام في تلك الأنحاء، ولكن حتى للمشاركة في احتواء القتال المدمر الذي اندلع وقتذاك بين الفصائل المتصارعة، إلا أن الفكرة قوبلت بالرفض والمقاومة من جانب الجنرال فارح عيديد، الذي كان يسيطر على تلك المناطق، ورأى في هذه المحاولة إضعافاً لنفوذه وسلطته. وعلى الرغم من أن هذه المعارضة لم تمنع تماماً إنشاء وتفعيل هذه المحاكم، إلا أن القتال الضاري الذي اندلع في المناطق الجنوبية أدى إلى منعها من الاستمرار في العمل. وقد أعيد إحياء فكرة إنشاء المحاكم الإسلامية مرة أخرى، بل وبقوة دفع أكبر، عقب فشل عملية التدخل الدولي خلال الفترة (1992 1994)، إذ بدا واضحا عقب انسحاب القوات الدولية أنه أصبح على الصوماليين أن يتحملوا بأنفسهم عبء إدارة شؤونهم في ظل انهيار الدولة، لاسيما في المناطق الجنوبية، بحيث أصبحت كل قبيلة أشبه بدويلة صغيرة، لها مؤسساتها وأجهزتها الخاصة بها، والتي تتولى تسيير شؤونها في المجالات المدنية والتجارية والأمنية.. وغيرها، بما في ذلك امتلاك قوات مسلحة خاصة ومؤسسات سياسية وتجارية وقضائية. ولذلك، برزت مجدداً فكرة إنشاء المحاكم الإسلامية في عام ،1994 وانتشرت في بعض المناطق، بل وحققت نجاحات ملموسة في مجال إشاعة الأمن والاستقرار بها. وجاء التجسيد العملي لهذا التوجه من خلال إنشاء محكمة إسلامية في شمال مقديشو في أوائل عام ،1994 برئاسة الشيخ علي محمود، وأنشئت معها ميليشيا مسلحة لتوفير الحماية لها ولتنفيذ الأحكام الصادرة عنها، ونجحت هذه المحكمة في توسيع نطاق عملها، بحيث شملت مساحة واسعة من شمال مقديشو، وحققت نجاحات ملموسة في مجال فرض الأمن والفصل في المنازعات.


وعقب ذلك، كان يتم إنشاء هذه المحاكم من خلال كل قبيلة على حدة، ويكون نشاطها ومجال عملها قاصراً على المناطق التي تقطنها القبيلة التي تتبعها، ويتولى مسؤولية التقاضي والفصل في المنازعات في هذه المحاكم رجال دين، أغلبهم من الأزهريين، وتستمد أحكامهم فاعليتها من استنادها إلى أحكام الشريعة الإسلامية، ومن القبول الطوعي لهذه الأحكام من جانب الأطراف المعنيين.

ويتم تمويل أنشطة المحاكم من خلال مساهمات رجال الأعمال والأنشطة التجارية التي تقوم بها كل قبيلة.
وكان من الطبيعي أن يتأثر عمل المحاكم الإسلامية بالتطورات الرئيسية الجارية في الصومال، بل إنها أصبحت طرفاً في الصراعات الجارية، سواء بسبب تناقضات المصالح فيما بينها وبين بعض قادة الفصائل أو بسبب العلاقات الشائكة التي ربطت بين المحاكم وبين أطراف أخرى محسوبة على التيار الأصولي، لاسيما جماعة الاتحاد الإسلامي.


ولذلك، فقد تحالف بعض قادة الفصائل في عام ،1996 لاسيما علي مهدي محمد، الذي كان يتزعم جماعة المؤتمر الصومالي الموحد وقتذاك، مع إثيوبيا للقضاء على جماعة الاتحاد الإسلامي والمحاكم الإسلامية في آن واحد معاً، بحجة أن جماعة الاتحاد كانت قد شنت هجمات مسلحة داخل إثيوبيا. وقامت القوات الإثيوبية بمهاجمة معسكرات الاتحاد الإسلامي في إقليم جيدو في أغسطس/ آب ديسمبر / كانون الأول ،1996 كما دعمت جهود علي مهدي محمد في صراعه مع المحكمة الشرعية في شمال مقديشو. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن إثيوبيا زودت علي مهدي محمد وقتذاك بحمولة 6 شاحنات من الأسلحة والذخائر، مما أتاح له القضاء على الميليشيا التابعة للمحكمة وإنهاء أعمالها في تلك المناطق.

ولكن على الرغم من الهزيمة التي لحقت بالمحكمة، إلا أن أدوارها القضائية والأمنية المهمة أعادت لها الاعتبار بسرعة شديدة عقب ذلك، لاسيما أن إنهاء دور المحكمة الشرعية بشمال مقديشو لم يعقبه نشوء مؤسسات قضائية بديلة، وإنما برزت حالة من الفراغ المؤسسي، مما دفع كل قبيلة إلى إنشاء محكمة شرعية لحل الخلافات وتسوية المنازعات التي تنشب فيما بين أبنائها، وهو ما تسبب في انتشار المحاكم الشرعية كمنظومة قضائية للتعويض عن حالة الفراغ السياسي والحكومي في العاصمة والمناطق الجنوبية، كما نفذت الميليشيات التابعة للمحاكم الإسلامية عمليات مشتركة لإرساء الأمن والنظام في العديد من المناطق، مما أكسبها قدراً كبيراً من القبول والمصداقية لدى قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي.

يتبع..
نــون
الاندماج مع حكومة صلاد حسن

كان توقيع اتفاق جيبوتي للمصالحة الوطنية في الصومال في عام 2000 بمثابة خطوة بالغة الأهمية في مسار تطور نظام المحاكم الإسلامية، لأن الرئيس الانتقالي الذي انتُخب بموجب هذا الاتفاق، عبد القاسم صلاد حسن، كان واحداً من الرعاة الرئيسيين لنظام المحاكم، وممن يرتبطون بعلاقات وثيقة مع أقطابه.
وقد لعبت المحاكم الإسلامية دوراً مهماً في تأمين حكومة صلاد حسن وحمايتها من الفصائل المناوئة لها، إذ إن تلك الفصائل كانت ترغب في منع الحكومة من دخول مقديشو، ومنعها من ممارسة صلاحياتها، وهو ما دعا المحاكم الإسلامية إلى حشد الميليشيات التابعة لها لحماية الرئيس وأفراد حكومته لدى وصولهم للعاصمة مقديشو، ثم دعمهم ومساندتهم في أنشطتهم.


والتطور الأكثر أهمية عقب ذلك يتمثل في دمج ميليشيات المحاكم في قوات الحكومة الانتقالية، كما أن المحاكم الإسلامية ذاتها اندمجت في الجهاز القضائي الحكومي، وهو الأمر الذي لم يكن مرتبطاً بالضرورة بالرغبة في تحقيق وحدانية النظام القضائي، بقدر ما كان مرتبطاً بالضغوط العنيفة التي وقعت على حكومة صلاد حسن بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، حيث اتهمت إدارة بوش المحاكم الإسلامية بأنها ترتبط بعلاقات بجماعة الاتحاد الإسلامي، والتي بدورها ترتبط بعلاقات تنظيمية مع تنظيم القاعدة، مما دفع الحكومة الانتقالية وقتذاك لإجراء مفاوضات مطولة مع عدد كبير من رؤساء المحاكم الإسلامية من أجل ضمهم إلى النظام القضائي الحكومي.


وبموجب هذه الخطوة، جرى ضم محكمة “شيركولي” الإسلامية، التي كانت تعمل في جنوب مقديشو، بحيث أصبحت جزءاً من وزارة العدل، كما جرى ضم قضاة المحكمة الإسلامية إلى المحكمة العليا الصومالية كقضاة للشريعة الإسلامية في مجال الأحوال الشخصية والأسرية. وفي الوقت نفسه، جرى ضم بعض أفراد الميليشيا التابعة لهذه المحكمة للجيش النظامي، والبعض الآخر في جهاز الشرطة. وجرى أيضاً تحويل ملفات المتهمين والسجناء لدى المحكمة الإسلامية إلى السجن المركزي الحكومي في العاصمة.


وكان من شأن هذه التطورات أن أنهت وجود المحاكم الإسلامية مؤقتاً، بحيث أنها لم تعد قائمة بصورة مستقلة، بعدما اندمجت عضوياً في الجهاز القضائي والأمني والعسكري لحكومة صلاد حسن، ولا ينفي ذلك أن عملية دمج المحاكم الإسلامية في الجهاز القضائي الحكومي قد شهدت بعض الخلافات الحادة، كان أبرزها حينما اشترطت وزارة العدل الصومالية على قضاة المحاكم الإسلامية اجتياز اختبارات تأهيل لتولي الوظائف القضائية، بموجب قرار من البرلمان الانتقالي، وهو ما رفضه القضاة، واعتبروه مخالفاً للاتفاق المبرم مع الحكومة الانتقالية، وبدأوا بالفعل محاولات لإعادة نظام المحاكم الإسلامية من خارج المظلة الحكومية، إلا أن الحكومة سارعت عقب ذلك إلى تسوية هذه الأزمة.


ولكن التطورات السياسية التي شهدتها مقديشو بعد ذلك أدت لاحقاً إلى إعادة إحياء نظام المحاكم الإسلامية مجدداً، حيث ازداد نفوذ الفصائل المناوئة لحكومة صلاد حسن، وتمكنت من الحصول على دعم إقليمي قوي، لاسيما من إثيوبيا، كما قامت بتحريض القوى الدولية، لاسيما الولايات المتحدة، ضد الحكومة الانتقالية، وهو ما أفضى إلى تحجيم سلطة هذه الحكومة، بحيث اقتصرت سلطتها على مناطق محدودة من العاصمة مقديشو، وتحولت إلى ما يشبه فصيلا من الفصائل المتصارعة.


وازدادت حدة الوضع في مقديشو بعدما انتهت الولاية القانونية لحكومة صلاد حسن في
أغسطس/ آب ،2003 من دون أن تحل محلها حكومة وطنية معترف بها، لاسيما أن مفاوضات المصالحة الوطنية التي كانت جارية وقتذاك في نيروبي لم تكن قد أفلحت في الوصول إلى نتيجة حاسمة.هذا الوضع كان من شأنه إعادة الفوضى والصراع المسلح إلى العاصمة مقديشو، من دون أن تكون حكومة صلاد حسن الانتقالية قادرة على التصدي له، وهو ما دفع العديد من القيادات الشعبية من زعماء العشائر ورجال الأعمال والمواطنين في مقديشو في أوائل مارس/ آب 2004 إلى البحث في كيفية التعامل مع الوضع الأمني المتدهور في العاصمة، وخلصوا من ذلك إلى أهمية إحياء نظام المحاكم الإسلامية. وقامت هذه القيادات الشعبية بالفعل بإقناع عدد كبير من علماء الدين بالعمل في هذه المحاكم، وجرى فوراً الإعلان عن تشكيل 7 محاكم إسلامية في 7 أحياء بالعاصمة الصومالية.

ووصل إجمالي عدد هذه المحاكم إلى 11 محكمة في مقديشو، جرى تشكيل الأغلبية العظمى منها من جانب قبيلة الهاوية، على الرغم من الطابع الديني وغير العشائري لها.
نــون
تحولات تنظيمية وسياسية
في ظل ظروف الفراغ السياسي والأمني في العاصمة مقديشو، ومع ازدياد عمليات الخطف والنهب التي تقوم بها الميليشيات القبلية المسلحة، أصبحت المحاكم الإسلامية هي الجهاز الوحيد المخول بأعمال حفظ الأمن وفض المنازعات، واكتسبت المحاكم نفوذاً واسعاً وقبولاً متزايداً من جانب المواطنين الصوماليين، لاسيما في العاصمة مقديشو، وهو ما شجع بعض قادة المحاكم، لاسيما الشيخ شريف شيخ أحمد على التفكير في توحيد المحاكم الإسلامية المنتشرة في العاصمة، والتي وصل عددها إلى 13 محكمة، كان كل منها يمتلك ميليشيات مسلحة خاصة بها، بالإضافة إلى جهازها القضائي.
وقد احتاج الأمر إلى مفاوضات طويلة بين الأطراف المعنية، حتى تم إنشاء “اتحاد المحاكم الإسلامية” في عام ،2004 وانتخب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيساً لهذا الاتحاد. وكان الغرض الرئيسي لإنشاء هذا الاتحاد هو التعويض عن الغياب الكامل للمؤسسات الحكومية، ولمواجهة الهيمنة الكاملة للفصائل المسلحة التي يقودها لوردات الحرب في العاصمة مقديشو، مع إعطاء الأولوية للتصدي لعصابات الجريمة التي تستفيد من حالة الفراغ الأمني لتنفيذ جرائمها المختلفة ضد المواطنين.
وعلى الرغم من أن مفاوضات نيروبي للمصالحة الوطنية الصومالية أسفرت عن الاتفاق على دستور انتقالي في أغسطس/ آب ،2004 وتشكيل برلمان انتقالي، ثم انتخاب رئيس انتقالي في أكتوبر/ تشرين الأول ،2004 هو عبد الله يوسف أحمد، فإن ذلك لم يساعد قط على تحسين الأوضاع الأمنية والمعيشية في العاصمة مقديشو ومناطق جنوب البلاد، بل على العكس استمرت حالة الفراغ السياسي والأمني، لدرجة أن الحكومة والبرلمان لم يستطيعا الانتقال من نيروبي إلى الصومال إلا في فبراير/ شباط من العام الجاري، أي عقب قرابة عامين ونصف العام من تشكيلها، ثم جاء انتقالهما ليس إلى العاصمة، وإنما إلى مدينة بيداوا، بسبب الظروف الأمنية في مقديشو، وهو وضع تسبب إجمالاً في منع الحكومة من القيام بسلطاتها، لافتقارها إلى الموارد المالية اللازمة، وأيضاً بسبب استمرار المماطلة من جانب لوردات الحرب، والذين كان معظمهم ويا للمفارقة وزراء في الحكومة الانتقالية.
هذا الوضع يعني في جوهره أن انتخاب الرئيس عبد الله يوسف، وتشكيل حكومة علي محمد جيدي، لم يلغ الحاجة إلى المحاكم الإسلامية، بل على العكس أبرزت هذه المتغيرات أهمية وجود اتحاد المحاكم الإسلامية باعتباره عنصر التوازن الوحيد في مواجهة الفصائل المسلحة، إلا أن الاتحاد حرص من جانبه على تفادي الصدام مع زعماء الحرب، أو استفزازهم، مكتفياً بالتركيز على حفظ الأمن والنظام في المناطق غير الخاضعة لنفوذ قادة الفصائل، برغم أن زعماء الحرب لم يكونوا مهتمين كثيراً بتحقيق الأمن في المناطق التي يسيطرون عليها.



الصدام المسلح وآفاق المستقبل
لم يؤد السلوك المحايد من جانب اتحاد المحاكم الإسلامية إزاء لوردات الحرب إلى الحيلولة دون وقوع الصدام بين الجانبين، إذ جاء الصدام عقب إنشاء ما يعرف ب “تحالف إرساء السلام ومكافحة الإرهاب” في 18 فبراير من العام الجاري، وهو يضم عدداً من أمراء الحرب الصوماليين، بدعم وتمويل من جانب الإدارة الأمريكية، في إطار السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي. وتبنى هذا الكيان الجديد أهدافاً تتمثل في التصدي للنفوذ الإسلامي الأصولي في الصومال، ومنع إقامة إمارة إسلامية في الصومال، والتصدي لتسلل أعضاء من تنظيم القاعدة وحلفائهم المحليين في الصومال. ووقع الصدام بين الجانبين، حينما شرعت ميليشيات “التحالف” في القبض على من وصفتهم ب “الإرهابيين الأجانب التابعين لتنظيم القاعدة”، ممن يؤويهم اتحاد المحاكم الإسلامية، وتسليم الكثيرين منهم لجهات أجنبية، وهو ما كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الصراع المسلح بين الجانبين، والتي حقق خلالها اتحاد المحاكم انتصارات سريعة ومفاجئة ضد ميليشيات التحالف، وتمكن من فرض سيطرته على العاصمة مقديشو، عقب 8 معارك رئيسية بين الجانبين.
ولاشك في أن نجاح الاتحاد في تحقيق هذه الانتصارات يعود بالأساس إلى التأييد الشعبي الواسع للمحاكم من ناحية، مع الرفض المتزايد لمواقف زعماء الحرب من قادة تحالف إعادة السلام ومكافحة الإرهاب ولروابطهم الخارجية.
فالمصادر المتاحة تقدر القوة العسكرية للميليشيات التابعة لاتحاد المحاكم بحوالي خمسة آلاف مقاتل نظامي، وينضم إليهم في ظروف الصراع المسلح أعداد كبيرة من المتدينين المتطوعين الذين يقاتلون إلى جانبهم، ثم يعودون إلى أعمالهم بعد انتهاء القتال، كما أن هناك أعداداً ضخمة من المواطنين المتعاطفين مع اتحاد المحاكم، ممن قاموا بإغلاق الشوارع الرئيسية في العديد من مناطق العاصمة، لصالح ميليشيات المحاكم، على حساب تحالف مكافحة الإرهاب، مما كان يخدم كثيراً الموقف العسكري للاتحاد.
أضف إلى ذلك، أن زعماء اتحاد المحاكم نجحوا في أن يصوروا قادة التحالف باعتبارهم تابعين للولايات المتحدة، ويسعون للقضاء على الإسلام.
وتثير الانتصارات التي حققها اتحاد المحاكم الإسلامية تساؤلات عديدة بشأن احتمالات المستقبل، لاسيما فيما يتعلق بالمسارات المحتملة للصراع المسلح بين الاتحاد وخصومه، وهل يندلع الصراع بين الاتحاد والحكومة الانتقالية أم أن الاتحاد سوف يستجيب لمحاولات إشراكه في الحكومة الانتقالية، وهل يسعى الاتحاد إلى فرض سيطرته على سائر أنحاء الصومال، وما هي الخطوات المحتملة من جانب الولايات المتحدة والقوى الإقليمية التي تنظر بامتعاض إلى الصعود المتزايد لاتحاد المحاكم الإسلامية، وتتهمه بدعم الإرهاب..؟ الواقع، أن هناك قدراً كبيراً من الغموض يكتنف مستقبل الصومال في ظل التطورات الجذرية الجارية، إلا أنه من الضروري التأكيد أولاً على أن من الصعب القطع بإمكانية نجاح اتحاد المحاكم في فرض سيطرته على سائر أنحاء الصومال، لأن هذا سوف يدخله في معارك لا نهائية، ليس فقط مع قوات الحكومة الانتقالية، ولكن أيضا مع القوات التابعة للكيان الانفصالي في الشمال، ومع قوات كيانات الحكم الذاتي في بلاد بونت وبلاد جوبا، وأيضا مع القوات التابعة لحكام المدن والعشائر التي قد تختلف مع توجهات قادة المحاكم، لاسيما بالنسبة للعشائر التي ما زالت تساند قادة الفصائل التابعين لها. وربما يتمثل السيناريو الأفضل لضمان الأمن والاستقرار في الصومال في إشراك قادة المحاكم في الحكومة الانتقالية، بما يحقق للحكومة قدراً أكبر بكثير من القوة والفاعلية، لاسيما على صعيد تحقيق الأمن ونزع السلاح وإعادة بناء مؤسسات الحكومة، إلا أن تنفيذ هذا السيناريو يصطدم بالخلاف الإيديولوجي القائم بين الجانبين، لاسيما مع تأكيد قادة اتحاد المحاكم القاطع برغبتهم في إقامة نظام حكم إسلامي في البلاد، ناهيك عن المعارضة الأمريكية والدولية والإقليمية المحتملة لضم قادة اتحاد المحاكم للحكومة.
ولذلك، فإنه إذا كانت هناك بالفعل رغبة جادة من كافة الأطراف المعنية لتحقيق الاستقرار للصومال، وإخراجه من حالة الانهيار والفراغ السياسي، فإنه يصبح من المتعين على الحكومة الانتقالية وقادة المحاكم الاتفاق على برنامج وسطي مقبول من الجانبين، يكون أساساً لحكومة موسعة، مع بذل جهد ضخم لحيازة القبول الدولي والإقليمي لمشاركة اتحاد المحاكم الإسلامية في الحكومة الصومالية.


أنتهى
نــون
هل سيتحقق الأمن في الصومال؟ هل سيتحقق الأمن في الصومال!

sad.gif sad.gif .. حماك الله يا صومالي .. حماك الله

مقديشو
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.