إتحاد المحاكم الإسلامية.. هل يحقق إستقرار الصومال؟
أحمد إبراهيم محمود
“كان توقيع اتفاق جيبوتي للمصالحة الوطنية في الصومال في عام 2000 بمثابة خطوة بالغة الأهمية في مسار تطور نظام المحاكم الإسلامية، لأن الرئيس الانتقالي الذي انْتُخب بموجب هذا الاتفاق، عبد القاسم صلاد حسن، كان واحداً من الرعاة الرئيسيين لنظام المحاكم، وممن يرتبطون بعلاقات وثيقة مع أقطابه.
وقد لعبت المحاكم الإسلامية دوراً مهماً في تأمين حكومة صلاد حسن وحمايتها من الفصائل المناوئة لها، إذ إن تلك الفصائل كانت ترغب في منع الحكومة من دخول مقديشو، ومنعها من ممارسة صلاحياتها، وهو ما دعا المحاكم الإسلامية إلى حشد الميليشيات التابعة لها لحماية الرئيس وأفراد حكومته لدى وصولهم للعاصمة مقديشو، ثم دعمهم ومساندتهم في أنشطتهم.
والتطور الأكثر أهمية عقب ذلك يتمثل في دمج ميليشيات المحاكم في قوات الحكومة الانتقالية، كما أن المحاكم الإسلامية ذاتها اندمجت في الجهاز القضائي الحكومي، وهو الأمر الذي لم يكن مرتبطاً بالضرورة بالرغبة في تحقيق وحدانية النظام القضائي، بقدر ما كان مرتبطاً بالضغوط العنيفة التي وقعت على حكومة صلاد حسن بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول في الولايات المتحدة، حيث اتهمت إدارة بوش المحاكم الإسلامية بأنها ترتبط بعلاقات بجماعة الاتحاد الإسلامي، والتي بدورها ترتبط بعلاقات تنظيمية مع تنظيم القاعدة، مما دفع الحكومة الانتقالية وقتذاك لإجراء مفاوضات مطولة مع عدد كبير من رؤساء المحاكم الإسلامية من أجل ضمهم إلى النظام القضائي الحكومي”.
شكلت الانتصارات السريعة وغير المسبوقة التي حققتها ميليشيات اتحاد المحاكم الإسلامية على خصومها في العاصمة الصومالية مقديشو، مفاجأة كاملة لمعظم المراقبين، ودفعتهم للاعتقاد بأن هناك قوة جديدة صاعدة قد برزت على الساحة الصومالية، وأن هذه القوة ربما تمثل متغيراً جديداً من شأنه إعادة توجيه دفة التفاعلات في الصومال، بما في ذلك إمكانية نشوء قوة دفع جديدة في اتجاه إنهاء حالة الانهيار والفراغ السياسي الذي أصاب الصومال منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن. ولكن هذا الاعتقاد الذي ساد في أغلب التحليلات الصحافية والإعلامية لم يكن صحيحاً تماماً، في الكثير من عناصره، فاتحاد المحاكم الإسلامية لم يكن قوة جديدة على الساحة الصومالية، وإنما كانت هذه المحاكم موجودة منذ فترة طويلة من الزمن في الساحة الداخلية الصومالية، للتعويض عن حالة الفراغ الحكومي والمؤسسي التي أعقبت انهيار نظام حكم سياد بري في العام ،1991 ولعبت المحاكم أدواراً مهمة للغاية في عمليات التقاضي وتسوية المنازعات وفرض الأمن، مستندة في أحكامها إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، ونجحت بالفعل في الحد من نفوذ الفصائل المسلحة ولوردات الحرب في العديد من المناطق.
وربما يكون الجديد في الأمر هنا أن هذه المحاكم اتجهت منذ عام 2004 نحو بناء إطار مؤسسي موحد يجمع فيما بينها، بعدما كانت عبارة عن وحدات متفرقة في مناطق متباعدة. والأمر الجديد أيضا ربما يتمثل في بروز درجة أعلى من التسييس على أعمال وتوجهات قادة المحاكم، سواء على صعيد مواجهة نفوذ قادة الفصائل المسلحة أو على صعيد الإعلان بقوة عن السعي لإقامة حكومة إسلامية في الصومال.
وهذا التسييس المتزايد كان واحداً من العوامل الرئيسية وراء جولات الصراع المسلح العديدة التي نشبت بينها وبين خصومها، والتي نجحت ميليشيات الاتحاد خلالها في فرض سيطرتها شبه الكاملة على العاصمة، وتوجهت بعد ذلك نحو السيطرة على المزيد من المناطق من أجل استئصال نفوذ قادة الفصائل المسلحة الذين عطلوا كافة جهود التسوية والمصالحة الوطنية في الصومال لسنوات طويلة، إلا أن ذلك لا ينفي أن هناك العديد من القيود والمعوقات التي قد تواجه محاولة اتحاد المحاكم الإسلامية استكمال السيطرة على الحكم أو فرض هيمنتها على سائر أنحاء الصومال.
يتبع ..