المقاومة هي الحل.. والتفاف الأمة حولها ضمان النجاح أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي أمة، أن يتمكن أعداؤها من تشويه تاريخها. ولست في حاجة إلى إعادة التأكيد على حقيقة أصبحت من فرط وضوحها بديهية، لا تحتاج إلى أي برهان، وهي أن الأمة العربية تعرضت في الماضي القريب والبعيد - ولا تزال تتعرض حتى هذه اللحظة- لحملات شرسة تستهدف عقلها وذاكرتها، أملاً في أن تنسيها تاريخها لتستبدل به تاريخا مصنوعا في معامل الأعداء، ومراكز دراساتهم الاستراتيجية، في إطار حرب نفسية تستهدف هزيمة إرادتها قبل سلاحها، وإذا كانت حملات تشويه التاريخ هذه، قد اتخذت في الماضي أشكالا مختلفة، فها هي تعود اليوم لتتجدد في أشد أشكالها فتكاً وخطورة، وذلك من خلال ربط العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان بالصراع العربي- الإيراني، وليس بالصراع العربي- الإسرائيلي، وبالخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة، وليس بخطر التوسع اليهودي على الإسلام والمسلمين ككل، فهناك من بين الكتاب والمحللين المصريين والعرب، من يحاول توجيه الرأي العام المصري والعربي، لفهم ما يجري على الأرض اللبنانية اليوم من منظور طائفي، بالترويج لمقولة: «إن حزب الله تنظيم شيعي يدين بالولاء لإيران، التي تستخدم كأداة لبسط نفوذها، وإحكام سيطرتها على الدول العربية المجاورة، تحت غطاء مقاومة إسرائيل»! أو من منظور أيديولوجي، بالترويج لمقولة: «إن حزب الله تنظيم إسلامي أصولي متطرف، لا هم له سوى تفجير ثورة إسلامية في لبنان، على نمط الثورة الخمينية ومرتبطة بها». المقولة الأولي هدفها تأليب السنة ضد حزب الله، والمقولة الثانية هدفها تأليب المسيحيين والعلمانيين ضده. وفي تقديري أن كل من يروج لهذه المقولة، خصوصاً في هذا الوقت بالذات، يقف في نفس الخندق الذي تقف فيه إسرائيل، ويقدم لهذه الدولة البربرية خدمة جليلة في أشد مراحل الصراع العربي- الإسرائيلي حساسية وخطورة.
صحيح أن إيران دولة غير عربية، ولها مصالح قد تختلف إلى حد التناقض أحياناً مع مصالح دول عربية، غير أن الحرب الهمجية التي تتعرض لها لبنان الآن لم تشنها إيران، وإنما تشنها إسرائيل، بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن الولايات المتحدة، وهي حرب لا تستهدف طائفة أو تياراً بذاته، ولكنها تستهدف الجميع على اختلاف طوائفهم وتياراتهم، وامتداد لنفس الحرب التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني بمسلميه (السنة!) ومسيحييه. ومن الواضح أن إسرائيل، لا تستهدف من حربها في لبنان وفلسطين، سوى شيء واحد فقط وهو: ضرب فكرة المقاومة من أساسها، أيا كان من يحمل لواءها، وتدمير البنية السياسية والعسكرية لكل فصائلها، بصرف النظر عن ألوانها ومرجعياتها الفكرية، بل إن المقاومة، حتى بالوسائل السلمية، مرفوضة إسرائيلياً، بدليل ما جرى لياسر عرفات.
وصحيح أيضا أن حزب الله هو حزب شيعي، يقتصر في عضويته على مواطنين ينتمون للمذهب الشيعي، غير أن السمة الطائفية لا تقتصر على حزب الله وحده، ولكنها تمتد لتشمل النظام السياسي والحزبي اللبناني برمته. وعندما يشكك أحد في ولاء حزب الله، لمجرد أنه حزب شيعي، عليه أن يدرك أن التشكيك يمتد ضمناً ليشمل ولاء كل الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية الأخرى، المسلمة منها والمسيحية على اختلاف ألوانها، لأنها جميعاً تقوم على أسس طائفية، وهكذا يتحول شركاء الوطن إلى عملاء، لا ولاء لأي منهم للوطن الذي يضمهم جميعاً. فكما يسهل اتهام الشيعة بالولاء لإيران، يسهل اتهام السنة بالولاء للسعودية ومصر، والمسيحيين بالولاء للغرب، ولا يشكل هذا المنحي إلا نوعاً من العبث الملغوم. فكل مواطن لبناني، أياً كانت انتماءاته الحزبية أو الأيديولوجية، هو لبناني أولاً وعربي ثانياً، قد تختلف اجتهادات وأطروحات الأحزاب، حول أنسب الطرق والوسائل التي تحفظ للبنان أمنه واستقراره، لكن لا يحق لأي منهم أن يزايد على وطنية الآخرين أو يشكك فيها. وإذا كان حزب الله يتميز عن غيره فلأنه حمل لواء المقاومة ضد إسرائيل. صحيح أنه ليس أول من رفع راية المقاومة في لبنان، فقد سبقه إلى ذلك كثيرون، لكنه هو الذي تسلم رايتها ممن سبقوه وحمل أمانتها، كما لم يحملها أحد من قبله، ولأنه ليس بوسع أحد أن يعلن رفضه للمقاومة، أو يعبر عن عدائه الصريح لها، فقد اختار من يريدون تصفية المقاومة ضرب الحزب، الذي يحمل لواءها، بإثارة النعرة الطائفية ضده. وهنا مكمن الخطورة.
إن المتأمل لتطور الأحداث في المنطقة على مدى الشهور القليلة الماضية، لابد وأن يلحظ وجود أصابع خفية كانت تدفع بعدد من الدول العربية لتصوير إيران، باعتبارها الخطر الرئيسي على أمن المنطقة، واستخدام كل الوسائل الشريفة وغير الشريفة لتعميق التناقضات العربية الإيرانية إلى أقصى حد ممكن، حتى لو أدى الأمر إلى إثارة النعرات الطائفية. وفي هذا السياق لم يكن غريباً أن تقود الأردن الهجوم في هذا الاتجاه، وأن تتبعها في ذلك كل من السعودية ومصر. فمنذ شهور صدرت عن الملك عبد الله تصريحات، يحذر فيها من هلال شيعي تقوده إيران، ثم تبعتها تصريحات الأمير سعود الفيصل عن أخطاء السياسة الأمريكية، التي حولت إيران إلى دولة إقليمية عظمى في المنطقة، قبل أن يدلي الرئيس مبارك لقناة العربية بتصريحاته الخطيرة، التي اتهم فيها شيعة العراق صراحة، بأن ولاءهم لإيران وليس للعراق. كما لم يكن غريباً، في السياق نفسه، أن تكون هذه الدول الثلاث هي ذات الدول، التي قبلت توجيه اللوم علناً إلى حزب الله، واعتبرته مسؤولاً عن اندلاع الحرب، بسبب ما اعتبرته مغامرة عسكرية غير محسوبة، فإذا ربطنا بين تصريحات الأمس ومواقف اليوم، لسهل علينا أن نكتشف أنها تندرج في إطار رؤية أمريكية استهدفت عزل إيران، بإقامة تحالف عربي سني في مواجهتها، وإضعاف نفوذها في لبنان، بضرب وتصفية ما تتصور أنه أهم ركائز هذا النفوذ وهو حزب الله، والذي وفرت عمليته العسكرية النوعية ذريعة لشن حرب همجية، لتدمير لبنان كله فوق رؤوس أهله جميعاً.
لن تنطلي اللعبة الطائفية على أحد، وهي بالمناسبة لعبة خطرة تشكل أساس الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى، ولن تنجر لها الشعوب العربية، التي تدرك بحسها المرهف أن تصفية حزب الله في لبنان، لن يكون بداية لانحسار النفوذ الشيعي والإيراني عن عالم عربي «سني»، بقدر ما سيكون بداية لإخضاع المنطقة كلها للنفوذ الإسرائيلي، بعد استئصال فكرة المقاومة من تربتها.
لقد كنت واحداً من كثيرين تابعوا عن بعد، وبإعجاب يصل إلى حد الانبهار، قصة نجاح وصعود حزب الله في المنطقة، والذي لم أنظر إليه فقط، باعتباره تنظيماً شيعياً، بقدر ما هو تيار عربي مقاوم، لفت نظري في حزب الله: 1- أن خطابه السياسي كان أقل الخطابات استخداماً للنعرة الطائفية على الساحة اللبنانية أو ترويجا لها. 2- أنه ارتبط منذ لحظة قيامه بفكرة مقاومة المشروع الصهيوني، وربما يكون الحزب الوحيد الذي رأى فيه مصدر التهديد الرئيسي للعالمين العربي والإسلامي، وآمن بأن التصدي له هو السبيل الوحيد للخلاص والتقدم. 3- أن خطابه الاجتماعي والعقائدي، وعلى عكس خطاب الجماعات الأصولية، كان متفتحاً ومنفتحاً على الآخر، لم يشغل نفسه بصغائر الأمور وتفرغ لقتال العدو الحقيقي. 4- أنه، وعلى عكس كل التنظيمات والمؤسسات والنظم العربية، فعل أكثر مما تكلم وأنجز أكثر مما ادعى، خاصة في مواجهة العدو الإسرائيلي. 5- أنه يتمتع بقيادة تحظى بقبول وثقة، وإجماع الشعوب العربية، مثلما لم تحظ به أي قيادة عربية أخرى منذ جمال عبدالناصر.
وفي اعتقادي أن إسرائيل، والتي لم تنس لحزب الله مطلقاً هزيمتها واندحارها أمامه عام 2000 إلى درجة عجزها، حتى عن حماية عملائها من جيش لبنان الجنوبي، كانت تخطط للانتقام منه، وترى في وجوده واستمراره روحاً ملهمة يتعين إخمادها، لذلك كله فإنني لا أتردد مطلقاً في أن أقول بكل صراحة ووضوح، إن كل الذين قاموا بإلقاء اللوم على حزب الله، وتحميله مسؤولية ما جرى، قدموا لإسرائيل خدمة جليلة، ووفروا لها مظلة عربية كانت تحتاجها لتبرير همجيتها، التي فاقت كل الحدود. وبهذه المناسبة فإنني، كمواطن مصري، أشعر إنني بحاجة للاعتذار عن التصريحات التي أدلى بها الرئيس مبارك مؤخراً، لأنها لا تعبر عن موقف الشعب المصري، الذي يدرك جيداً أنه كان بمقدور مصر الرسمية، أن تبلور موقفاً أكثر احتراماً لمشاعره ودعمًا لصمود الشعب اللبناني البطل، دون أن تعرض نفسها لأي مخاطر أو تلقي بنفسها في أتون الحرب.
لقد أثبت حزب الله بصموده الرائع، أن المقاومة المسلحة هي الاسترايتجية الوحيدة القادرة على هزيمة المشروع الصهيوني، أو وقف تمدده على الأقل، وأن التفاف الشعوب العربية حول المقاومة في لبنان وفلسطين، هو الضمان الوحيد لنجاحها في تحقيق غاياتها.. تحية للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وتحية لسماحة السيد حسن نصر الله القائد الملهم لملحمة الصمود الراهنة.
د. حسن نافعة (أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة)
تاريخ الماده:- 2006-07-31
رايس.. مبعوثة الشيطان.. خادمة الصهاينة * عنصرية صليبية.. مهووسة بحلم تدمير الدول العربية
* اسرار التآمر الامريكي مع العدو في التخطيط للعدوان
* هذه هي رؤيتها الشيطانية لـ«الشرق الاوسط الجديد»
* رسالة امريكا لكل مواطن عربي: الطاعة او الموت
* لم يخطر ببالهم ابدا ان المقاومة يمكن ان تنتصرعندما زارت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس بيروت في الاسبوع الماضي، وبعد ان انتهت زيارتها اكتشفت شيئا عجيبا. اكتشفت انها في كل المحادثات التي اجرتها لم تأت بذكر ولا بكلمة واحدة على موضوع الجنديين الاسرائيليين الاسيرين لدى حزب الله. وبحسب المصادر اللبنانبة تذكرت رايس هذا فقط قبل ان تستقل الطائرة في طريق المغادرة، فاتصلت بنبيه بري وقالت له: «لا تنس قضية الجنديين الاسرائيليين».
بالطبع، كان لابد ان تنسى موضوع الاسيرين، فهي لم تذهب الى بيروت وتأتي الى المنطقة من اجلهما، ولا من اجل البحث عن تسوية. اتت كي تتأكد ان الدمار للبنان سوف يستمر وان ذبح الشعب اللبناني لن يتوقف. اتت رايس الى المنطقة كي تبحث وسط بحر دماء الشهداء في لبنان ووسط انقاض الخراب والدمار عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي قالت انه يولد الان مع العدوان.
السؤال المهم الذي من المفروض ان نكون قد انشغلنا به، وانشغلت به حكوماتنا العربية، هو: ما معنى ما قالته رايس بالضبط؟ ما الذي قصدته تحديدا عندما تحدثت عن «شرق اوسط جديد» يولد مع العدوان وانه لا عودة الى الشرق الاوسط القديم؟
القضية هنا ليست فقط ان مشروع «الشرق الاوسط الجديد» هو مشروع صهيوني امريكي قديم معروفة ابعاده. وليست فقط ان الهدف النهائي لهذا المشروع هو الهيمنة الصهيونية الامريكية الكاملة على كامل مقدرات العربي دولا وشعوبا. فهذه امور معروفة منذ زمن وليست بحاجة الى طول شرح او تفصيل.
السؤال الآن: اي افكار ومخططات شيطانية شريرة تكمن بالضبط وراء كلام رايس هذا؟ ما هو المخطط الذي يستهدف الدول العربية بالضبط، الذي قصدته رايس بحديثها عن العدوان كانطلاقة ميلاد لشرق اوسط جديد؟
***
افكارها الشيطانية بعد ادلاء رايس بتصريحاتها هذه عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي يولد، عكفت في الايام القليلة الماضية على اعادة قراءة عدد هائل من محاضراتها المطولة التي القتها في جامعات ومراكز ابحاث في العالم في العامين الماضيين، ومراجعة عدد كبير من مقالاتها واحاديثها الصحفية. فعلت هذا للوصول الى اجابة عن سؤال محدد: ما هي الافكار التي تحملها في ذهنها بالضبط عن الدول والشعوب العربية حاضرها ومستقبلها؟ وما هو بالتالي هذا الشرق الاوسط الجديد كما تتصوره؟ الاجابة عن السؤال مهمة لاسباب كثيرة. فرايس عندما تطرح افكارا بهذا الخصوص فهي بالطبع لا تعبر عن قناعاتها الشخصية فقط، وانما تعبر عن الادارة الامريكية بصفة عامة، والتي بدورها تعبر عن افكار وتتبنى تصورات صهيونية في جوهرها وابعادها. وغير هذا، معروف ما لدى رايس من تاثير كبير على الرئيس الامريكي شخصيا.
المهم، من المراجعة التي قمت بها لمحاضرات رايس وكتاباتها واحاديثها، وجدت ان لديها رؤية واضحة متكاملة لحاضر الدول العربية ومستقبلها الذي يجب ان تكون عليه بحسب التصور الامريكي الصهيوني. هذه الرؤية تقوم على افكار حاكمة محددة تلح عليها رايس في كل محاضراتها واحاديثها، وفي اغلب الاحيان بنفس العبارات بالنص.
تتلخص هذه الافكار في اربعة بصفة اساسية:اولا: ان الدول العربية هي منبع الارهاب والشر والخطر الارهابي الذي يتهدد امريكا والعالم كله. وان هذا المنبع يكمن بالذات فيما سمته رايس مرة بـ «ايديولوجية الشر»، ومرة بـ «ايديولوجية الكراهية والحقد»، ومرات بـ «ايديولوجية الارهاب». بالطبع، هي تقصد هنا الايديولوجية العربية الاسلامية والثقافة العربية الاسلامية عموما. ولهذا، لم يكن غريبا ان نجد الرئيس الامريكي في كثير من خطاباته المكتوبة يربط بين الايديولوجية الاسلامية وبين الفاشية والنازية. بحديثها على هذا النحو عن ايديولوجية الشر والحقد، فهي بالطبع تدعو الى العمل على استئصالها من جذورها. ومثلا، في خطاب القته في جامعة بريستون في 30 سبتمبر 2005م قالت: «اذا كنتم تؤمنون مثلي ومثل الرئيس بوش بأن جذور واسباب هجمات سبتمبر تكمن في ايديولوجية متطرفة متجذرة في الشرق الاوسط، فان معنى هذا ان علينا ان نزيل هذه الاسباب من جذورها بتغيير هذه المنطقة جذريا».
ثانيا: ان النظم العربية القائمة حاليا هي في مجملها نظم استبدادية هي التي تحمي ايديولوجية «الشر والكراهية» وان هذه النظم لا تستحق البقاء، ويجب ان تغيرها امريكا. ومفهوم طبعا انه مطلوب ان يحل محل هذه النظم نظم اخرى تابعة لامريكا وعميلة لها. ومثلا، في خطاب طويل القته في معهد السياسة الخارجية « شاتام هاوس» في بريطانيا في 31 مارس الماضي، قالت: «من يستطيع ان يدافع اليوم بصدق عن النزعة الاستبدادية العربية التي تثير حالة من اليأس الشديد تغذي ايديولوجية الحقد التي تدفع الناس الى لف اجسادهم بالقنابل او الى مهاجمة مباني بطائرات؟ ان الانظمة الاستبدادية اغلقت لعقود الافاق السياسية في دولها».
ثالثا: انه ليس هناك اي معنى للحديث عن استقرار وامن في الدول العربية. هذا الاستقرار والامن آن له ان يتقوض. رايس هنا لديها فكرة جوهرية ترددها في كل محاضراتها واحاديثها بلا استثناء، وهي ان الادارات الامريكية المتعاقبة ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا عبر العقود الماضية عندما احجمت عن تغيير النظم وتغيير المنطقة جذريا تحت دعوى ضرورات الحفاظ على الامن والاستقرار في المنطقة. وفي محاضرة شهيرة القتها في الجامعة الامريكية في القاهرة في يونيو 2005م، عبرت عن ذلك بوضوح عندما قالت: «لمدة ستين عاما، فضلت الولايات المتحدة الاستقرار على حساب الديمقراطية في الشرق الاوسط، وانتهى بنا الامر الى اننا لم نحصل على اي منهما. الآن لدينا نهج وطريق مختلف».
رابعا: انه في سبيل تحقيق هذه الاهداف وفي سبيل تغيير المنطقة جذريا، فان كل الوسائل مباحة بما فيها استخدام القوة العسكرية. وعلى سبيل المثال، في المحاضرة التي القتها في جامعة بريستون، قالت انه في سبيل تغيير المنطقة «يجب استخدام كل وسائل القوة في كل صورها السياسية والاقتصادية والثقافية وايضا العسكرية».
هذه، بأشد ما يكون الاختصار هي رؤية رايس وتصوراتها هي واسيادها الصهاينة لمستقبل الدول العربية، او ما تسميه بــ «الشرق الاوسط الجديد». تتصور عروشا ونظما عربية تتهاوى وتسقط.. دولا غارقة في الفوضى بلا استقرار ولا امن.. حربا مفتوحة على الثقافة العربية والاسلامية.. وفي المحصلة النهائية دول عربية خاضعة تماما للهيمنة الامريكية الصهيونية.
بعبارة اخرى، رايس كما نرى، كارهة للاسلام والعرب والمسلمين، مهووسة بحلم تدمير الدول العربية والنظم العربية. ولكن كيف؟ ماذا كانت الحسابات قبل عدوان لبنان لتحقيق هذه الرؤية الشيطانية لمستقبل الدول العربية؟
***
حسابات خابتبطبيعة الحال، حين كانت رايس تطرح هذه الافكار الاساسية التي اشرت اليها، كانت تطرحها تحت لافتة عامة خادعة هي الديمقراطية وضرورة نشرها في الدول العربية. كان وراء ذلك حسابات وتصورات معينة لتطورات يمكن ان تحدث على ساحة الدول العربية وتقود في نهاية المطاف الى تحقيق هذا المخطط.
كان التصور بداية هو ان الشعوب العربية سوف تنخدع باحاديث امريكا عن الحرية والديمقراطية وسوف تتبنى الخطاب الامريكي وتحتضن القوى والجماعات التابعة لامريكا والموالية لها في اي انتخابات تجري. ولهذا السبب، انفقت امريكا اموالا طائلة على ما سمتها «حملة كسب القلوب والعقول» وعلى شراء وتجنيد التابعين والعملاء في مختلف الدول العربية. كان التصور ان الانتخابات عندما تجري في اي بلد عربي، فانها سوف تأتي الى مقاعد السلطة بالقوى التابعة والعميلة لامريكا والتي ستتولى بعد ذلك تنفيذ الاجندة الامريكية في الدول العربية بكاملها. كان الرهان كبيرا جدا مثلا في لبنان على القوى الموالية لامريكا المسماة « قوى 14 آذار» في انها بعد الانسحاب السوري وبعد الانتخابات التي جرت سوف تتمكن من تنفيذ الاجندة الامريكية الاسرائيلية بنزع سلاح المقاومة واقامة نظام موال في لبنان.
لكن رايس، وكل اركان الادارة الامريكية فوجئوا بأن هذه الحسابات خابت. فوجئوا بأن حملتهم لخداع الشعوب العربية بخطاب الحرية الامريكي لم تخدع احدا الا الزمرة التي اشتروها مباشرة.
وفوجئوا الى حد الهلع بان اي انتخابانت عربية تجري تأتي بالمعارضين والرافضين للمشروع الامريكي الصهيوني. وكانت الضربة القاصمة بالنسبة لهم هي فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات الفلسطينية، ثم الفشل الذريع لحرب التجويع والحصار الاجرامية التي فرضوها على الشعب الفلسطيني على امل ان تقود لسقوط الحكومة الفلسطينية.
وفوجئوا بان العراق الذي ظنوا انه سيكون انطلافا لحملتهم على العالم العربي، تحول الى كابوس لا تبدو في الافق نهاية له وايضا بسبب المقاومة.
اذن، حسابات امريكا بامكانية تطويع واخضاع الدول العربية للهيمنة عن «الطريق الديمقراطي» خابت وانهارت. فماذا كانت نتيجة ذلك؟ كانت نتيجة ذلك حدوث تحول اساسي في التفكير الاستراتيجي الامريكي فيما يتعلق بمستقبل المنطقة. تحول جوهره ثلاثة جوانب:
الجانب الاول: التخلي عن اوهام كسب عقول وقلوب الشعوب العربية والتخلي عن اوهام تغيير المنطقة وخلق «الشرق الاوسط الجديد» عن طريق الانتخابات.
والجانب الثاني: ادراك ان العقبة الكبرى الكأداء في مواجهة مشروع الهيمنة هو جماعات المقاومة وبالاخص حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، وروح المقاومة والرفض بصفة عامة في الدول العربية. وبالتالي استقر التفكير الامريكي على انه ما من سبيل للمضي قدما في مشروع الهيمنة قبل تصفية جماعات المقاومة هذه نهائيا.
والجانب الثالث: انه ان الاوان للانتقال الى استخدام اقصى القوة والعنف والارهاب لتحقيق هذه الاهداف والانتقال بعد ذلك الى الخطوات التالية. في هذا الاطار بالضبط، اتى العدوان الهمجي على لبنان، واتى حديث رايس عن «ميلاد الشرق الاوسط الجديد».. كيف؟
***
المخطط الاجراميحين اعتبرت رايس ان ما يجرى في لبنان من ذبح وابادة هو ايذان بميلاد «شرق اوسط جديد»، فانها بالاضافة الى ما كشفت عنه من همجية امريكية وعن مشاركة فعلية في الجرائم التي يرتكبها العدو ضد لبنان وشعبه، فانها كشفت من حيث لا تقصد او تقصد عن جانب اخر. كشفت عن ان هذا العدوان الهمجي تم التخطيط والاعداد له اصلا ومنذ وقت طويل من جانب امريكا والعدو معا. فالاعداد لـ «ميلاد شرق اوسط جديد» لن يظهر او تكتشفه رايس هكذا فجأة ومن دون مقدمات طويلة.
تانيا راينهارت استاذة اسرائيلية بجامعة تل ابيب. نشرت امس دراسة تحت عنوان «الشرق الاوسط الاسرائيلي الجديد». في دراستها كشفت عن جوهر التفكير الامريكي الذي يقف وراء التآمر مع العدو في شن العدوان على لبنان. الذي طرحته في الدراسة يتلخص، وانقل هنا عنها بالنص، فيما يلي:
اولا: انه بالنسبة للولايات المتحدة يعتبر الشرق الاوسط حقلا للعبة استراتيجية كبرى. هدف هذه اللعبة هو تحقيق الهيمنة الامريكية الكاملة. وامريكا تسيطر بالفعل على افغانستان والعراق، وفي نفس الوقت تعتبر دولا مثل مصر والسعودية والاردن وبعض الدول العربية الاخرى، دولا بها نظم صديقة متعاونة مستعدة للسير في الركاب الامريكي.
ثانيا: لكن على الرغم من كل هذا النفوذ والوجود الامريكي المكثف، تعتبر امريكا ان هيمنتها في المنطقة هي ابعد ما تكون عن التحقق. والسبب انه في كل انحاء العالم العربي، وحتى في الدول التي تعتبر نظمها نظما صديقة يغلي الشارع العربي بالغضب ضد امريكا بسبب احتلال العراق والقمع الوحشي للشعب الفلسطيني والتأييد الامريكي الاعمى لاسرائيل. والشعوب العربية تنظر الى حماس وحزب الله باعتبارهما حركات مقاومة تتصدى للمخططات الامريكية والاسرائيلية وتسعى لتحقيق التحرر العربي.
ثالثا: بالنسبة للرئيس الامريكي بوش فانه امامه عامان فقط لتحقيق هدفه بالهيمنة الكاملة على مقدرات الشرق الاوسط. ولكي يتحقق هذا، فلابد ابتداء من اقتلاع اي بذور للمقاومة العربية.. يجب ان يتم تصفية جماعات المقاومة باقصى قدر من العنف والقوة، وبحيث تكون هذه رسالة لكل مواطن عربي بانه ليس امامه من خيار سوى الطاعة الكاملة للسيد الامريكي اذا كان يريد ان يبقى على قيد الحياة اصلا.
رابعا: طالما ان اسرائيل على استعداد لان تقوم بهذه المهمة، اي على استعداد ليس فقط لسحق المقاومة في فلسطين وانما في لبنان ايضا بالقضاء على حزب الله، فان هذا هو عين المطلوب بالنسبة لامريكا المنهكة اصلا في العراق.
تقول الاستاذة الاسرائيلية انه في هذا الاطار بالضبط يندرج ما قالته رايس عن «ميلاد الشرق الاوسط الجديد» واضافت انه يجب ان يؤخذ في الاعتبار ان حلم الهيمنة عبر ما يسمى بـ «الشرق الاوسط الجديد» هو اصلا حلم اسرائيلي.
اذن، بحسب التحليل الذي قدمته الاستاذة الاسرائيلية، وبحسب القراءة العامة التي قدمناها لافكار رايس ومخططات الادارة الامريكية، فقد كان المخطط الصهيوني الامريكي في الاعداد للعدوان على لبنان يقوم على ان هذا العدوان سوف ينجح ابتداء في القضاء على المقاومة وتوجيه ضربات قاصمة لها لا تقوم لها بعد ذلك قائمة، وان هذا بحد ذاته سوف يكون ردعا وارهابا لاي عربي يفكر في تحدي الهيمنة الصهيونية الامريكية. وكان المخطط هو ان ينتهي العدوان باعادة فعلية لاحتلال لبنان عن طريق القوة الدولية المقترحة التي تتولى بالنيابة عن امريكا واسرائيل تصفية ما يتبقى من سلاح المقاومة.
وكان المخطط هو ان ينتهي العدوان بتنصيب نظام عميل في لبنان يأتمر بأمر امريكا واسرائيل ويحول لبنان الى قاعدة انطلاق للهجمة الكبرى على العالم العربي وصولا الى «الشرق الاوسط الجديد» الذي تحدثت عنه رايس.
***
شيء واحد لم يخطر ابدا ببال وحسابات رايس والادارة الصهيونية الامريكية، ولا في حسابات العدو، ولا طبعا في حسابات الدول العربية التي اتخذت موقفا مخزيا من العدوان.
لم يخطر ببالهم ولا في حساباتهم ابدا ان المقاومة الباسلة من الممكن ان تصمد ومن الممكن ان تلحق بالعدو كل هذه الهزائم. ولم يخطر ببالهم كل هذا الالتفاف الشعبي العربي حول المقاومة.
حقيقة الامر ان رايس الصليبية مبعوثة الشيطان الاكبر خادمة الصهاينة تسرعت كثيرا جدا في حديثها عن «الشرق الاوسط الجديد» الذي ظنت انه يولد.
حقيقة الامر ان الذي يولد اليوم هو شيء اخر تماما غير الذي خططوا له وتآمروا من اجله. وهذا حديث طويل آخر سنعود اليه.
السيد زهره
تاريخ الماده:- 2006-07-31
"تبديد الوهم"للأسماء سحرها. وللتعبيرات دلالاتها. لذلك تناقل الناس الأقوال المأثورة والأمثال العامية. وعلقوها على جدران المنازل والمحلات العامة، يستشهدون بها في حياتهم اليومية لتفسير الأحداث وإعطاء شرعية لها.
وفي الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، والتي تدور الآن بين فلسطين ولبنان من ناحية والكيان الصهيوني من ناحية أخرى، بدا سحر الكلمات ودلالة العبارات. فقد تم أسر جندي من جيش الاحتلال وقتل آخرين في عملية فدائية نوعية نفذتها المقاومة الفلسطينية وأُطلق عليها "تبديد الوهم". وساندت المقاومة اللبنانية، ممثلة في "حزب الله"، المقاومة الفلسطينية ولتخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي عليها، فكانت بداية المواجهة المفتوحة في عملية "الوعد الصادق". وأطلق العدو الصهيوني على عدوانه ضد لبنان عملية "أمطار الصيف".
وأهم من الأسماء والتعبيرات هو مضمونها، أي فن الحرب. وقد كتب فيه علماء الاستراتيجية مثل كلاوشفتز وتسن سو والجنرال جياب وجيفارا تنظيراً للممارسات العسكرية التي أدت إلى انتصار الجيوش وضد الأساطير التي ينسجها الأعداء كنوع من الحرب النفسية لتحقيق النصر قبل أن تبدأ المعارك. فالمعارك ليست فقط بالسلاح حين المواجهة بل أيضاً بالصور النمطية التي يخلقها كل طرف للطرف الآخر.
وقد نسج العدو الصهيوني حول نفسه أسطورة "العدو الذي لا يُقهر" اعتماداً على الحروب العربية الإسرائيلية السابقة منذ عام 1948 وحتى عام 1967، مع أنه كان لكل حرب ظروفها؛ هزم فيها العرب ليس لقوة العدو، بل لضعف العرب. ففي هزيمة 1948 دخلت الجيوش العربية مفككة مفرقة في مواجهة عصابات منظمة، أركان حربها أقرب إلى قوات الاحتلال البريطاني لفلسطين. أسلحتها فاسدة. ومع ذلك حافظت على نصف فلسطين بعد أن رفض العرب قرار التقسيم. وفي العدوان الثلاثي عام 1956، كانت إسرائيل بمثابة دراجة ممسكة بعربة نقل كما صور موسى ديان. ولم تحدث مواجهة بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي بعد الأمر بالانسحاب. وفي هزيمة 1967 لم تحدث مواجهة أيضاً بعد الأمر بالانسحاب إثر تدمير سلاح الطيران المصري. أما حرب الاستنزاف في 1968 - 1969 فقد أوجعت إسرائيل. وفي حرب أكتوبر بدأت أسطورة العدو الذي لا يُقهر في الانقشاع نظراً للأداء العلمي العسكري خلال عبور سيناء والتنسيق العسكري المصري السوري على جبهتين في آن واحد.
أقام العدو الصهيوني استراتيجيته العسكرية على الحرب الخاطفة بحد أقصى أسبوعاً كما حدث في حرب الأيام الستة. فلما طالت في حرب أكتوبر بدأ الانهيار التدريجي للأسطورة. وقامت خطتها على سلاح الطيران والقوة التدميرية الهائلة، الحرب عن بُعد ودون مواجهة. فلما صمم العرب دفاعاتهم الجوية على الصواريخ المضادة للطائرات في حرب أكتوبر سقط سلاح الجو الإسرائيلي أمام حائط الصواريخ. وانتهت أسطورة الذراع الطويلة.
وبعد عمليتي "تبديد الوهم" التي قامت بها المقاومة الفلسطينية وعملية "الوعد الصادق" التي قامت بها المقاومة اللبنانية، غيّر العرب استراتيجيتهم طبقاً لإمكانياتهم وتراثهم العسكري. فانهارت أسطورة العدو الذي لا يُقهر. ففي مقابل طيران العدو، ذراعه الطويلة، ظهر الصاروخ تجاه المدن. ولأول مرة تنتقل المعركة إلى داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948. وضُربت نهاريا وعفولة وطبرية وصفد وغيرها من مدن الشمال، وحيفا وعكا من مدن الساحل. فسماء العدو مفتوحة. تعودت على الهجوم وليس الدفاع. ولم تستطع صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ اقتناص صواريخ الكاتيوشا أو رعد، لاختلاف مستويات الارتفاع. ونزل الإسرائيليون إلى المخابئ. وغادر السياح. وتحول مليونان من العاملين إلى عاطلين. ونزحوا إلى الجنوب. وانتابهم الرعب. وذاقوا مما ذاق منهم الفلسطينيون واللبنانيون. فالسماء مفتوحة للجميع، ليس فقط لطيران العدو بل لصواريخ المقاومة. بالإضافة إلى دقة التصويب باستراتيجية سياسية محسوبة، تتوقف على مدى استهداف طيران العدو المدنيين اللبنانيين. مصافي حيفا ومصانعها البتروكيميائية والإلكترونية في المرمى. وتستطيع صواريخ المقاومة أن تنال ما هو أبعد من حيفا وعكا وطبرية، ومدن بئر سبع واللد والرملة وعسقلان، وإيلات قريبة من فلسطين ومصر والأردن والسعودية لو قامت الحرب الشاملة.
وتستطيع المقاومة الصمود شهوراً. والعدو الصهيوني لا يستطيع أن يصمد أسابيع. فالجند هم العاملون. والاحتياط يحارب ولا ينتج. وبالتالي انتهت استراتيجية الحرب الخاطفة. وقد كان الأسير الإسرائيلي الطيار يسأل بعد إفاقته: هل الحرب مازالت قائمة؟ فيُقال له: نعم، فيصاب بالإغماء. فإذا فاق مرة ثانية يسأل: وهل مصر مازالت تحارب؟ فيُقال له: نعم. فيُغشى عليه ولا يفيق.
كانت الحروب السابقة جيشاً في مواجهة جيش، ودولة في مواجهة دولة. بل دولة في مواجهة دولتين أو ثلاث أو اثنتين وعشرين دولة عربية. وأقام العدو استراتيجيته على التفوق عليها جميعا كيفا وكما في نوعية السلاح. والآن يقف شعب في مواجهة جيش، ومقاومة في مواجهة دولة. والشعب في كل مكان. والمقاومة تحت الأرض. لذلك لم يجد العدو أمامه إلا ضرب المدن وقتل المدنيين، أطفالاً ونساء وشيوخاً وشباباً، وتدمير البنية التحتية، جسوراً وطرقاً ومحطات طاقة وثكنات جيش ومحطات إرسال، بل وشاحنات خشية من نقل الصواريخ، وعربات مدنية خشية من حركة المقاومة. ولم يجرؤ العدو حتى الآن على القيام بغزو بري للجنوب كما فعل من قبل عند احتلاله بيروت عام 1982، والقضاء على المقاومة الفلسطينية واللبنانية فوق الأرض. يخشى المواجهة الأرضية وجها لوجه. لا يقاتل إلا في حصون حديدية أو عن بعد في عنان السماء أو في عباب البحر.
وإذا كانت الحروب العربية الإسرائيلية السابقة قد قامت على التخطيط من جانب العدو، والارتجال والخطابة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة من جانب العرب، فإن العرب، مصريين وسوريين، في حرب أكتوبر، عبروا القناة والجولان بناء على تخطيط علمي دقيق لخط بارليف، تيارات المياه في القناة، وسد فتحات اللهب، واختراع مدافع المياه لشق الساتر الترابي، والقوارب المطاطية، وضرب مراكز القيادة المتقدمة في عمق سيناء، والرجل في مواجهة الدبابة، والصاروخ في مواجهة الطائرة. فالعلم العسكري ليس حكراً على شعب دون شعب. ولا تمتاز به حضارة عن حضارة أخرى.
وإذا كان الإعلام العربي في الحروب العربية الإسرائيلية السابقة قد غلب عليه التهويل والكذب والخداع، في حين أن أعلام العدو كان أقرب إلى الصدق، إذ لا يحتاج المنتصر إلى دعاية لخداع الشعب، فإنه تحول منذ حرب أكتوبر 1973 إلى إعلام دقيق وصادق يخبر عن حقائق. واستمر ذلك في الحرب العربية الإسرائيلية السادسة. إذ تميز إعلام المقاومة بالصدق والدقة دون ادعاء حتى ولو كان إسقاط طائرة للعدو. في حين لجأ إعلام العدو إلى الحرب النفسية لرفع معنويات جنوده حتى يقبلوا المواجهة مدفوعين بأسطورة العدو الذي لا يُقهر.
ورغم استعمال العدو الصهيوني للأسلحة المحرمة دولياً، إلا أنه في لحظة يأس قد يستعمل مخزونه النووي، وله في تراثه ما يبرر ذلك في عقدة "الماسادا"؛ الانتحار ساعة الخطر، وكما فعل شمشون.
ومن الواضح أنه لا فرق بين يسار ويمين ووسط في إسرائيل. فوزير الدفاع من اليسار، ورئيس الوزراء من الوسط، وزعيم المعارضة من اليمين. والكل يجمع على ضرورة الاستمرار في الحرب حتى تحقق إسرائيل شروطها: الإفراج عن الأسرى الثلاثة، نزع سلاح "حزب الله"، وضع قوات دولية في جنوب لبنان تقوم بدور جيش لبنان العميل السابق الذي قضت عليه المقاومة بعد تحرير الجنوب. فاليسار الإسرائيلي أسطورة. وإذا كان الرأي العام العالمي، وقرارات الأمم المتحدة، والدول الثمان، والاتحاد الأوروبي كله لصالح إسرائيل، ولا أحد يذكر العشرة آلاف أسير عربي في سجون إسرائيل، وإذا كان الكل يعترف بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ولا أحد يذكر حق المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة طبقا لمواثيق الأمم المتحدة... فليس أمام العرب إلا أنفسهم. وكما جربوا الهزائم فإنهم قادرون على تجربة الانتصارات.
د. حسن حنفي
تاريخ الماده:- 2006-07-30
قانا... عرس الدم
(كتابة أولى)
(1)
شكراً للعالم وهو يغط في سباته العميق، يسحب أنفاسه صباح كل يوم جديد قائلاً بما يشبه الغزل: ما أحلى القذى في عيون القتلة.
ألهذه الأشلاء المتناثرة هنا وهناك ربٌّ يشبه ربنا القابع في سمائه مختبئاً خلف عباءته!.
أيُّهذي الكائنات المؤمنة بالحب، تمني لنا مساء مضمخاً بالدم...
يطغى على الحضور.
أتشمّون رائحة دمائهم تفوح مبشّرة بعالم جديد!
شكراً لإيمانكم أيها الساهرون بين الصخور بانتظار المزيد
هل العالم قادر على تدوين مذكراته بعيداً من القتل، والدم، والموت المجاني.
أيهذا المحارب
كفاكَ
كفاكَ
أما ترى الساعة الرملية مقلوبة، واللعبة شاملة...
إنهم يغادرون رمالك كي ينغرسوا عميقاً في ذاكرتك.
ولا مسيحٌ يسخِّر معجزة لتحوّل هذا الدمَ القاني نبيذاً، وتحول هذه الأشلاء خبزاً نطعمه من تبقى منا تحت شمس الله الساطعة.
ولا مسيحٌ ينفخ الروح في أطفالنا الجميلين الذين التحفوا صدور أمهاتهم وغطوا في سبات عميق...
أيهذا الشرق...
أيهذا السجن...
أيهذا الحصار...
فلتكن أغنياتنا بوحاً يشبه أنيننا ونحن عرايا مستباحون.
ألم يكن صوتك أيها الصغير مبحوحاً وأنت تنادي أمك: يا أماه، يا أماه... هنالك رعد يهز الغرفة، يهز العالم، يهز الكرة الأرضية!
ألم تكن عيناك دامعتين...
ألم يكن وجهك شاحباً!.
(2)
اسمع...
ذلك همس تحت حجارة بيت
هل هذا طفل
هل هذا كائن حيٌّ
أم حجر يتنفس...
ما هذا اللون الأحمر الينساب على الرمل
أهذا لون شقائق النعمان
أم لون الفجر الدامي!
ما هذا اللون الأحمر؟
اسمع...
خائفة تلك الوردة ترتعش بفعل البرد، وفعل الحب، وفعل الأغنية
أتصغي... اسمع تلك الأغنية تؤديها جوقة القتلة.
ويا للقتلة وهم يرون قداس الرحمة.
ارحمهم... يا الله الكامن هنالك حيث سماؤك واسعة مثل الحزن، ومثل القتل اليومي.
أتصغي... اسمع تأتأة، تلك حروف رضيع تتسرب بين بقايا النار،
أتبصر... انظر هذا الإصبع ليس سوى تاريخ يحتفل بآخر نزوات الحرية.
فلنرقص...
فهذي الموسيقا تجعل شجر الأرز يهتزّ
وتجعل صنين يلوح بذراعيه لما يمضي.
"هذي جثة طفل
عيناه
يداه
هذا وجهه... هل كان يحلم؟
وتلك المرأة المائلة كغصن اللوز أكانت أمه، لا تلك الأخت الكبرى، وأما الأم فكانت تعد الليل لنوم دافئ".
(3)
دوّن في آخر فصل من إنجيلك
(لم تأت ساعتي بعد)
وتمهّل... راقب ما أبقاه الليل
وجرّ قدميك المثقلتين بهذا العشق
تنزه بين الجثث
فالحفلة لا زالت قائمة...
حرّك قدميك قليلاً... ارقص، ارقص
أتدري... ثمة ما يشتعل هناك خلف التلة،
أتبصر تلك التلة!
ثمة عينان تجوسان الأفق، تنيران العالم،
تلك الطفلة تدعو العالم كي يحضر عرساً دموياً صنعته طيور من فولاذ.
فتعالوا يا عشاق، ويا عمال، ويا شعراء،
ولنشعل شمعة تنير ظلام المشهد.
ثائر زكي الزعزوع
تاريخ الماده:- 2006-07-31