محمد بن سيف الرحبي
يتملك الحسد غالبية المفكرين والعلماء العرب في أنهم مغمورون أمام شهرة نانسي عجرم وبقية بنات جيلها من حملة شهادات (العيون الحلوة والتدويرات الأحلى)، وبالطبع فأي قناة تلفزيونية لن تنال مشاهدين كثراً اذا حجبت أغنيات مثل (آه ونص) لتأتي لنا بوجه نجيب محفوظ وزكريا تامر وأحمد زويل وبقية أصحاب الوجوه المصابة بالتجاعيد، فالمشاهد يطلب متعة تتجلى فيها نظرات نانسي و(حركات فمها) كما تشتعل بمثيلاتها ذوات السيقان وما فوقهما من بقية قوام، ومؤكد أن غالبية المشاهدين لن تبتهج اذا تكلم عالم عن الذرة كما يكون الأمر مع أغنية لهيفاء.
ونظرة الى مئات المجلات العربية التي تتناسل أكثر مما هو حال المطربين والمطربات (على افتراض أنهم كذلك) نجد أن الأغلفة ملأى بصور نساء يبدون أنهن لم يخلقن من نفس التراب كما قدره الله لجميع البشر رجالا ونساء، بل لوحات جميلة متقنة لنساء يعشن في الحلم، ولا يمكن تصور غلاف مجلة لأحد العلماء الذين نحتاج اليهم في معركتنا مع الحياة ومع التطور البشري والعلمي الذي أجبرنا على استيراد حتى أعواد المشاكيك من الصين!!
وحين تشكو مراكز البحث العلمي في وطننا العربي من قلة الدعم المقدم لها، فإن جدول فنانات التعري والراقصات مزدحم، فتتمنى الواحدة منهن لو تتمكن من استنساخ نفسها لتشارك في أكثر من مناسبة تخرج منها بشيك يوازي ميزانية مركز بحث لعدة أشهر، وربما فإن الدعوة لتبني هذه المراكز لفنانة أو راقصة (تحشما تسمى الآن فنانة استعراضية) ليست سيئة على اعتبار أن الدخل سيغطي تكاليف ربما ستعود على الفنانة الراقصة بفوائد علمية فيما لو تمكنت البحوث من التوصل لكريمات تعطي أجسادهن نضارة أطول.
ان المآسي في الوطن العربي ليست ذات وجه واحد، وحين انتشرت وسائل الإعلام فإنها نشرت معها ثقافة التسطيح والرقص، فصار هز الأرداف أكثر نفعا من صخب العقول، ولا يكاد اسم فني ينوي (فقط) في عمل ما حتى تتسابق أجهزة الإعلام المرئي منه والمسموع والمقروء للفوز بحوار العمر مع النجمة فلانة، وما دامت هذه نجومنا فإن سماء الوطن العربي لها الحق في الظلمة التي تعيش فيها، وبديهي أن التسطيح ينتج عنه فكر ساذج يرى في مشروع نجم أغنية أهم من بحث علمي قد يخترع دواء لمرض مستعص أو يعود بالفائدة على المجتمع..
لنسأل جيل اليوم عن حياة مفكر أو أديب أو عالم ينتمي الى هذا الوطن العربي الواسع، ولنسأله عن محمد عطية وبشار الشطي وآخر أغنيات هيفاء، ستأتي الاجابات حاسمة ووافية لمصلحة أولئك الذين وهبهم اعلام التسطيح نجومية فباتوا حلم كل شاب وشابة.. ليكونوا محمد عطية وليس أحمد زويل، وليصعقوا مدهوشين اذا رأوا مايكل جاكسون في أحد المجمعات التجارية (كما حصل قبل أيام) وربما سيمر عليهم عالم لا يعرفون عنه أدنى شيء.
أتساءل: كم من كاتب عماني نال جوائز أدبية متفوقا على أقرانه في دول مجلس التعاون، فيما خرجت آلاف من البشر حاملين الأعلام واللافتات يرحبون بنجم الخليج.. في الأغنية؟
وأتساءل: هل نحتاج إلى أدوية وحلول لمشاكلنا الحياتية التي توفرها البحوث الجادة طالما أن لدينا كل هذا الجمال، أليست الألفية الثالثة أجمل بوجود صواريخ فنانات العري، لنقف بهن أمام التحديات التي تواجهنا.
وببساطة: لا يمكن إلغاء مثل هذه الثقافة في أي مجتمع، لكنها احتلت عربيا مساحة مدهشة من الاهتمام والرصد، بحيث تراجعت حاجتنا إلى تفعيل دور مراكز البحوث العلمية أمام سطوة العيون التي في طرفها.. فيديو كليب!.