قوله تعالى: «و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين و لتعلن علوا كبيرا» قال الراغب في المفردات،: القضاء فصل الأمر
قولا كان ذلك أو فعلا، و كل واحد منهما على وجهين: إلهي و بشري فمن القول الإلهي قوله: «و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه» أي أمر بذلك، و
قال: «و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب» فهذا قضاء بالإعلام و الفصل في الحكم أي أعلمناهم و أوحينا إليهم وحيا جزما و على هذا «و قضينا
إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع».
و من الفعل الإلهي قوله: «و الله يقضي بالحق و الذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء» و قوله: «فقضاهن سبع سماوات في يومين» إشارة إلى
إيجاده الإبداعي و الفراغ منه نحو: «بديع السماوات و الأرض».
قال: و من القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا فإن حكم الحاكم يكون بالقول، و من الفعل البشري «فإذا قضيتم مناسككم» «ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا
نذورهم» انتهى موضع الحاجة.
و العلو هو الارتفاع و هو في الآية كناية عن الطغيان بالظلم و التعدي و يشهد بذلك عطفه على الإفساد عطف التفسير، و في هذا المعنى قوله: «إن
فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا.
و معنى الآية و أخبرنا و أعلمنا بني إسرائيل إخبارا قاطعا في الكتاب و هو التوراة: أقسم و أحق هذا القول أنكم شعب إسرائيل ستفسدون في الأرض
و هي أرض فلسطين و ما يتبعها مرتين مرة بعد مرة و تعلون علوا كبيرا و تطغون طغيانا عظيما.
قوله تعالى: «فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا» إلخ، قال الراغب: البؤس و البأس و البأساء الشدة و المكروه إلا أن البؤس في الفقر و
الحرب أكثر و البأس و البأساء في النكاية نحو و الله أشد بأسا و أشد تنكيلا. انتهى موضع الحاجة.
و في المجمع: الجوس التخلل في الديار يقال: تركت فلان يجوس بني فلان و يجوسهم و يدوسهم أي يطؤهم، قال أبو عبيد: كل موضع خالطته و وطأته
فقد حسته و جسته قال: و قيل: الجوس طلب الشيء باستقصاء.
انتهى.
و قوله: «فإذا جاء وعد أولاهما» تفريع على قوله: «لتفسدن» إلخ، و ضمير التثنية راجع إلى المرتين و هما الإفسادتان فالمراد بها الإفسادة الأولى،
و المراد بوعد أولاهما ما وعدهم الله من النكال و النقمة على إفسادهم فالوعد بمعنى الموعود، و مجيء الوعد كناية عن وقت إنجازه، و يدل ذلك على
أنه وعدهم على إفسادهم مرتين وعدين و لم يذكرا إنجازا فكأنه قيل: لتفسدن في الأرض مرتين و نحن نعدكم الانتقام على كل منهما فإذا جاء وعد المرة
الأولى «إلخ» كل ذلك معونة السياق.
و قوله: «بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد» أي أنهضناهم و أرسلناهم إليكم ليذلوكم و ينتقموا منكم، و الدليل على كون البعث للانتقام و الإذلال
قوله: «أولي بأس شديد» إلخ.
و لا ضير في عد مجيئهم إلى بني إسرائيل مع ما كان فيه من القتل الذريع و الأسر و السبي و النهب و التخريب بعثا إلهيا لأنه كان على سبيل المجازاة
على إفسادهم في الأرض و علوهم و بغيهم بغير الحق، فما ظلمهم الله ببعث أعدائهم و تأييدهم عليهم و لكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم.
و بذلك يظهر أن لا دليل من الكلام يدل على قول من قال: إن المراد بقوله: «بعثنا عليكم «إلخ» أمرنا قوما مؤمنين بقتالكم و جهادكم لاقتضاء ظاهر
قوله: «بعثنا» و قوله «عبادا» ذلك و ذلك لما عرفت أن عد ذلك بعثا إلهيا لا مانع فيه بعد ما كان على سبيل المجازاة، و كذا لا مانع من عد الكفار
عبادا لله مع ما تعقبه من قوله: «أولي بأس شديد».
و نظيره قول من قال: يجوز أن يكون هؤلاء المبعوثون مؤمنين أمرهم الله بجهاد هؤلاء، و يجوز أن يكونوا كفارا فتألفهم نبي من الأنبياء لحرب هؤلاء،
و سلطهم على أمثالهم من الكفار و الفساق، و يرد عليه نظير ما يرد على سابقه.
و قوله: «و كان وعدا مفعولا» تأكيد لكون القضاء حتما لازما و المعنى فإذا جاء وقت الوعد الذي وعدناه على المرة الأولى من إفسادكم مرتين بعثنا و
انهضنا عليكم من الناس عبادا لنا أولي بأس و شدة شديدة فدخلوا بالقهر و الغلبة أرضكم و توسطوا في دياركم فأذلوكم و أذهبوا استقلالكم و علوكم و
سؤددكم و كان وعدا مفعولا لا محيص عنه.
قوله تعالى: «ثم رددنا لكم الكرة عليهم و أمددناكم بأموال و بنين و جعلناكم أكثر نفيرا» قال في المجمع،: الكرة معناه الرجعة و الدولة، و النفير العدد
من الرجال قال الزجاج: و يجوز أن يكون جمع نفر كما قيل: العبيد و الضئين و المعيز و الكليب، و نفر الإنسان و نفره و نفيره و نافرته رهطه الذين
ينصرونه و ينفرون معه انتهى.
و معنى الآية ظاهر، و ظاهرها أن بني إسرائيل ستعود الدولة لهم على أعدائهم بعد وعد المرة الأولى فيغلبونهم و يقهرونهم و يتخلصون من استعبادهم
و استرقاقهم و أن هذه الدولة سترجع إليهم تدريجا في برهة معتد بها من الزمان كما هو لازم إمدادهم بأموال و بنين و جعلهم أكثر نفيرا.
و في قوله في الآية التالية: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و إن أسأتم فلها» إشعار بل دلالة بمعونة السياق أن هذه الواقعة و هي رد الكرة لبني
إسرائيل على أعدائهم إنما كانت لرجوعهم إلى الإحسان بعد ما ذاقوا وبال إساءتهم قبل ذلك كما أن إنجاز وعد الآخرة إنما كان لرجوعهم ثانيا إلى
الإساءة بعد رجوعهم هذا إلى الإحسان.
قوله تعالى: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و إن أسأتم فلها» اللام في «لأنفسكم» و «فلها» للاختصاص أي إن كلا من إحسانكم و إساءتكم يختص
بأنفسكم دون أن يلحق غيركم، و هي سنة الله الجارية أن العمل يعود أثره و تبعته إلى صاحبه إن خيرا و إن شرا فهو كقوله: «تلك أمة قد خلت لها ما
كسبت و لكم ما كسبتم»: البقرة - 141.
فالمقام مقام بيان أن أثر العمل لصاحبه خيرا كان أو شرا، و ليس مقام بيان أن الإحسان ينفع صاحبه و الإساءة تضره حتى يقال: و إن أسأتم فعليها
كما قيل: «لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت»: البقرة: 286.
فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم أن اللام في قوله: «و إن أسأتم فلها» بمعنى على، و قول آخرين: إنها بمعنى إلى لأن الإساءة تتعدى بها يقال: أساء إلى
فلان و يسيء إليه إساءة، و قول آخرين: إنها للاستحقاق كقوله: «و لهم عذاب أليم».
و ربما أورد على كون اللام للاختصاص بأن الواقع على خلافه فكثيرا ما يتعدى أثر الإحسان إلى غير محسنه و أثر الإساءة إلى غير فاعلها و هو
ظاهر.
و الجواب عنه أن فيه غفلة عما يراه القرآن الكريم في آثار الأعمال أما آثار الأعمال الأخروية فإنها لا تتعدى صاحبها البتة قال تعالى: «من كفر فعليه
كفره و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون»: الروم: 44، و أما الآثار الدنيوية فإن الأعمال لا تؤثر أثرا في غير فاعلها إلا أن يشاء الله من ذلك شيئا
على سبيل النعمة على الغير أو النقمة أو الابتلاء و الامتحان فليس في مقدرة الفاعل أن يوصل أثر فعله إلى الغير دائما إلا أحيانا يريده الله لكن
الفاعل يلحقه أثر فعله الحسن أو السيىء دائما من غير تخلف.
فللمحسن نصيب من إحسانه و للمسيء نصيب من إساءته، قال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره»: الزلزال: 8
فأثر الفعل لا يفارق فاعله إلى غيره، و هذا معنى ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ما أحسنتم إلى أحد و لا أسأت إليه و تلا الآية.
قوله تعالى: «فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة و ليتبروا ما علوا تتبيرا» التتبير الإهلاك من التبار بمعنى
الهلاك و الدمار.
و قوله: «ليسوؤا وجوهكم» من المساءة يقال: ساء زيد فلانا إذا أحزنه و هو على ما قيل متعلق بفعل مقدر محذوف للإيجاز، و اللام للغاية و التقدير
بعثناهم ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن و الكآبة فيها و بدو آثار الذلة و المسكنة و صغار الاستعباد عليها بما يرتكبونه فيكم من القتل الذريع و السبي
و النهب.
و قوله: «و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة» المراد بالمسجد هو المسجد الأقصى - بيت المقدس - و لا يعبأ بما ذكره بعضهم أن المراد به جميع
الأرض المقدسة مجازا، و في الكلام دلالة أولا أنهم في وعد المرة الأولى أيضا دخلوا المسجد عنوة و إنما لم يذكر قبلا للإيجاز، و ثانيا أن دخولهم
المسجد إنما كان للهتك و التخريب، و ثالثا يشعر الكلام بأن هؤلاء المهاجمين المبعوثين لمجازاة بني إسرائيل و الانتقام منهم هم الذين بعثوا عليهم
أولا.
و قوله: «و ليتبروا ما علوا تتبيرا» أي ليهلكوا الذي غلبوا عليه إهلاكا فيقتلوا النفوس و يحرقوا الأموال و يهدموا الأبنية و يخربوا البلاد، و احتمل
أن يكون ما مصدرية بحذف مضاف و تقدير الكلام: و ليتبروا مدة علوهم تتبيرا، و المعنى الأول أقرب إلى الفهم و أوفق بالسياق.
و المقايسة بين الوعدين أعني قوله: «بعثنا عليكم عبادا لنا» إلخ و قوله: «ليسوؤا وجوهكم» إلخ يعطي أن الثاني كان أشد على بني إسرائيل و أمر و
قد كادوا أن يفنوا و يبيدوا فيه عن آخرهم و كفى في ذلك قوله تعالى: «و ليتبروا ما علوا تتبيرا».
و المعنى فإذا جاء وعد المرة الآخرة و هي الثانية من الإفسادتين بعثناهم ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن و الكآبة و بدو الذلة و المسكنة و ليدخلوا
المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة و ليهلكوا الذي غلبوا عليه و يفنوا الذي مروا عليه إهلاكا و إفناء.
قوله تعالى: «عسى ربكم أن يرحمكم» و إن عدتم عدنا و جعلنا جهنم للكافرين حصيرا» الحصير من الحصر و هو - على ما ذكروه - التضييق و الحبس
قال تعالى: «و احصروهم»: التوبة: 5 أي ضيقوا عليهم.
و قوله: «عسى ربكم أن يرحمكم» أي بعد البعث الثاني على ما يفيده السياق و هو ترج للرحمة على تقدير أن يتوبوا و يرجعوا إلى الطاعة و الإحسان
بدليل قوله: «و إن عدتم عدنا» أي و إن تعودوا إلى الإفساد و العلو، بعد ما رجعتم عنه و رحمكم ربكم نعد إلى العقوبة و النكال، و جعلنا جهنم للكافرين
حصيرا و مكانا حابسا لا يستطيعون منه خروجا.
و في قوله: «عسى ربكم أن يرحمكم» التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة و كأن الوجه فيه الإشارة إلى أن الأصل الذي يقتضيه ربوبيته تعالى أن
يرحم عباده إن جروا على ما يقتضيه خلقتهم و يرشد إليه فطرتهم إلا أن ينحرفوا عن خط الخلقة و يخرجوا عن صراط الفطرة، و الإيماء إلى هذه
النكتة يوجب ذكر وصف الرب فاحتاج السياق أن يتغير عن التكلم مع الغير إلى الغيبة ثم لما استوفيت النكتة بقوله: «عسى ربكم أن يرحمكم» عاد الكلام
إلى ما كان عليه
المصدر