نقلا عن مجلة العربى ..
تعبنا من القول إننا نعيش في الزمن العربي الرديء.. فهل من ضرورة لذكر مراحل هذا الخط المنحدر ?.. هذه بضعة من تساؤلات أستاذنا المؤرخ العريق د. شاكر مصطفى وهو يلقي بنظرة طائر على مجمل التاريخ العربي, ويشاركه في هذه التساؤلات بقية كتاب هذا الملف الذين لا يريدون وضع الملح على الجرح العربي بقدر ما يبحثون عن بلسم يصلح لانقاذ ما يمكن إنقاذه. إن "العربي" تفتح بهذا الملف ثغرة في أغوار اللاوعي العربي لعله يفيق من استغراقه الطويل في البكاء على الماضي مديرا ظهره للحاضر. إننا نعيش الزمن الرديء لأننا نفكر في كل شيء بصورة رديئة ونتعامل مع كل شيء تعاملا رديئا, لذلك فإن علينا تصفية كل حساباتنا مع الماضي حتى يمكن إن نتحمل إقدارنا الجديدة, ونكف عن القول برداءة الزمن.
الملحمة العربية الكبرى مع التاريخ بدأت إذن وباسمها الذي نعرفها به إلى اليوم. بعد أن حملت من قبل عدداً من الأسماء! لانعرف اليوم هذا الجندب العربي ولا جماله. ولكنا نعرف أن هناك في عصر قريب منه:
ـ ركن حضارة عربيا في منطقة حائل من ملكاته المحاربات شمسو وزينب. والآشوريون يزعمون أنهم خزموا أنوف الملوك في هذه المنطقة وربطوهم على أبوابهم 35 سنة!
ـ ركن حضارة في اليمن استمر أكثر من ألف ومائتي سنة: له لغته العربية وكتابته الخاصة, وزراعات كالجنات, وسدود للمياه, وأقنيه ممدودة, ومعابد مشيدة وعلم وصل إلى التحنيط وتجارة في البر والبحر إلى الشام وإلى شرقي إفريقية والهند, وعلاقات مع مصر والعراق وقد عرف المسيحية واليهودية. هناك قامت حضارة سبأ ومعين وحمير وقتبان.
ـ حضارة ثمود حول تيماء ومدين في أعالي الحجاز تركت لنا 12ألف نقش في الصخور وبقيت فيها المساكن والمقابر ولها التجارة الواسعة مع اليمن والشام ومثلها ددان ولحيان.
ـ المثلث الحضاري الضخم الممتد بين أقصى جنوب الشام وأعلى شمال العراق قبل الميلاد وبعده, بمراكزه التجارية المشهورة: بطرا الأنباط, وتدمر الزباء, وحضر في غربي الموصل ـ ولكل بلد في هذا المحور الثلاثي آثاره المنقورة في الوادي ومخازن مياهه, وقبوره وتماثيله ومسارحه وهياكله الممردة المتأثرة بالطراز الروماني ـ الإغريقي السائد يومذاك.
وكان في حضر أيضا كعبة يحج إليها العرب. ولاتزال أسوارها ومعابدها وكعبتها المهجورة قائمة.
ـ وكان اليطوريون ملوك "مجدل عين جر" في سهل البقاع وآل شمس الكرام في حمص وبنو الأبجر في الرها "أو رفد في شرق الأناضول" من ديار بكر في العهد الهلينستي.
ـ ثم كان آل الجلندي في عمان يحملون التجارة للهند وكان ملوك كندا مابين الأحساء وجنوب فلسطين. ولعل من هؤلاء الملوك امرؤ القيس, لا الشاعر ولكن الذي وجد نقش باسمه في اللجاه "أواسط الشام". وكان المناذرة والغساسنة في جنوب العراق "الحيرة" وأواسط الشام "في بصرى" الذين حملوا عبء الخلاف في المنطقة مابين الفرس والروم قرناً من الزمن.
ـ وكانت أخيراً نهضة الجاهلية المظلومة التي أوصلت إلينا من لغاتها: اللغة العربية القرشية مكتملة, والشعر العربي تام الموسيقى والوزن والقافية. ومعابد الحج في مكة ونجران وغيرهما وتنظيم مواسمها والاتجاه للإله الواحد واعتناق الأديان السماوية وتنظيم أسواق التجارة السنوي والاحتساب في الأسواق وتنظيم المباريات الشعرية والرأي السياسي العربي الذي تجلى في حروب الردة بين الحجاز ونجد واليمن وشمال الحجاز. وتجلى في ذي قار وفي أيام العرب الحربية.. بالإضافة إلى معلومات العرب الفلكية ومعارفهم الطبية.
من مجموع هذه الحضارات وعناصرها المتفاعلة تكاملت في نهاية العصر الجاهلي, أواخر القرن السابع للميلاد عوامل ظهور عقيدة الإسلام. بعد طول إرهاص وتجارب. كانت وقدتها الأولى يوم الوحي الأول. إذ أوحى للرسول الأعظم أن: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم .
وتألقت الرسالة المحمدية. وكان عصر الرسالة بداية القدر التاريخي للعرب أجمعين. ارتبطوا برباط قدسي واحد مع تراثهم العريق وحضاراتهم المحلية. ومع ماأتقنوا من الفكر واللغة والشعر والتنظيم الاقتصادي وماشعروا به من التزايد الديمغرافي "بدليل أيام العرب والحروب الداخلية" ومن الرغبة في الحياة الأفضل بالفتوح الإسلامية "كان ذلك بدء القوة السياسية التي اندفعت كالسيول في شرايين العالم المتمدن حول البحر المتوسط وغرب آسيا وراء صيحة واحدة: الله أكبر"!
والتاريخ ليس تطابق أزمان بعضها فوق بعض أو تراكم طبقات صخرية كالطبقات الجيولوجية. إنه تركيب عضوي حي مستمر الحركة والتطور, لأنه الإنسان في تحولاته وفكره وأحداثه. وهذا يعني أنه في منتهى التعقيد, وفي الغاية من التوازن الدقيق. وإذا كنا نبحث في التاريخ فيجب أن نلغي كلمة "سبب" من مفرداتنا, ونتحدث عن مركب عضوي من الأسباب! ففي هذه الهبة العربية الإسلامية اجتمعت وتفاعلت أعداد من الأسباب والعوامل من كل نوع.. بعضها نفسي روحي ـ ولعله أهمها ـ يقوم على تفجر الإسلام وعقيدته السمحاء في القلوب ومايتبع ذلك من الإيمان بعقيدة واحدة جعلت للعرب قلباً واحداً ورسالة عالمية. ومن اليقين بالجهاد المؤدي إلى الجنة, وهو أن الموت في سبيل العقيدة والقول بكلمة "جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة" والرغبة في التحرر من ربقة العبودية الفارسية والبيزنطية. ومن العوامل ماهو اقتصادي يقوم على رفض الفقر وشح الموارد وارتفاع مستوى الأمل بالغد الأفضل والرغبة في التحول من نقل البضاعة إلى ملكها والمتاجرة بها. ومنها الاجتماعي الذي يقوم على ظهور جيل من القادة والأبطال أبناء مدرسة الرسالة وجدوا السبيل لإبراز مواهبهم الحربية والإدارية, مع التكاثر الديمغرافي الذي استطاع أن يحشد مئات الألوف من الجند بعد المئات. ومنها السياسي الذي يتصل باتحاد القوى بدل تصادمها, وتوجيهها نحو هدف أسمى بدل التفاني فيما بينها في الداخل بالحروب القبلية والأيام.. ومنها المادي البحت كاستغلال حركة الجمال والخيل السريعة والتكتيك العسكري المتقدم. وأخيراً ـ وليس آخراً ـ ماطوق كل ذلك من وعي للقدر التاريخي للعرب ولقدرة الأمة على التحدي والاستجابة.هذا المركب المشتبك من العوامل قد يكون مما ساعده, شيخوخة القوتين العالميتين في ذلك الوقت من الفرس والروم. ولكنهما ـ وهما العريقتان في الحروب والميادين ماادخرتا وسعا في صد الاندفاع العربي. القادسية واليرموك شاهدان عدلان. ولكن موجة العرب الإسلامية سحقت الطرفين سحقاً. هنا كانت اللحظة الانقلابية في التاريخ لأن الفتوح العربية لم تكن حروب تدمير كحروب الأمم الأخرى "من فرس وروم وغربيين ومغول" ولكن ما إن تنتصر حتى تنشر التسامح والمساواة والإسلامية.
ما من أحد يماري في أن هذه اللحظة التاريخية كانت لحظة الصعود الكبرى التي تجمعت فيها حصيلة كل تلك الحضارات العربية السابقة وتراثاتها الدهرية وتطلعاتها من خلال إطار واحد هو: الإسلام لابوصفه ديناً إلهياً فقط ولكن بوصفه أسلوب حياة كاملة, ومنهج حضارة وفكر للعالمين. كل الخطوط الصغيرة من المخزون الحضاري تجمعت في خط ضخم واحد.
مقاتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأوائل لم يكن لها أي تأثير على هذه اللحظة.كانت في عقيدتها أقوى من أن تهتز سواء كان القتل بفعل خارجي أو داخلي أو نتيجة تعصب لرأي. ولم تهتز بعد ذلك في أزمة الحكم الأموي بعد يزيد بن معاوية. بقيت ثابتة. وبدأت الحضارة العربية الإسلامية تبرعم على الفور. وتتفتح بشكل مذهل.
وكانت لحظة الصعود لاتزال قائمة في مركز الدولة دمشق, وعطاؤها الحضاري قد أخذ يثمر وخطها التاريخي يسير في القمة مستوياً. وقد ارتفع قليلاً بالتوسع الكبير الذي أصابته الدولة في الشرق والغرب. وإن كانت بعض العوامل الداخلية تحفزه. كان العرب في ظل الأمويين يعتبرون كل حد وصلوه بداية لانطلاقة جديدة حتى وصلوا أعماق فرنسا وسويسرا من جهة وأطراف تركستان واحتضنوا حوض السند من جهة أخرى. وتطابقت ثلاثة مفاهيم بعضها فوق بعض. فالدولة الإسلامية هي نفسها الخلافة الإسلامية. وهي ذاتها دار الإسلام. وهذه الدولة الأموية هي الدولة الكبرى والأولى والوحيدة في العالم.
أول شرخ حصل في هذه المفاهيم كان في ثورة العباسيين العربية ضد الأمويين. كانت ثورة عرب مبعدين محرومين ضد عرب المركز المتورمين بالسلطة والمال لاثورة فرس ضد عرب أبداً. ونقلت العاصمة من دمشق إلى بغداد التي بناها العباسيون في العراق. ولم يكن ذلك رمزاً لاتجاه الدولة نحو الشرق فقط, ولكن كان أيضاً ابتعاداً عن الاهتمام بالبحر والانصراف للبر وإشارة لاختلاف عصبية الدولة من العرب إلى الفرس.