لعنة رفيق الحريري تلاحق لبنان
يتساءل المرء بمرارة عن سر العشق الذي يتبادله رفيق الحريري حياً وميتاً مع المصائب التي تصيب لبنان .
فقد سمع الشعب اللبناني بإسم هذا الرجل بالتزامن مع الإجتياح الإسرائيلي عام 1982. حيث ظهر إسمه في اول الأمر كمحسن يوزع أكياس الطحين والإعاشات الغذائية على سكانها المنكوبين بإحتلال عدوهم لمدينتهم وبحصار شريك الوطن وغدره بهم.
تميّزت حركة الحريري في ذلك الوقت بالتركيز على خدمات إنسانية أحبّه الناس من خلالها بوصفه محسناً لوجه الله تعالى، قبل أن تكشف بعض الصحف في ذلك الوقت، أن الرجل لا يصرف من ماله بل من أموال العربية السعودية التي يمثل الحريري طرفاً قوياً في نظامها ألا وهو الملك فهد شخصياً.
وقد ظهرت إلى العلن وبسرعة محاولاته لإستثمار نتائج الغزو الإسرائيلي المتمثلة بتفكيك البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وخروج سوريا من بيروت، فتقدمت المملكة في طرحها السلمي ملتحقة بنهج "كامب دايفيد" الذي إدعت رفضها له بما عرف يومها بخطة فهد – ريغان للحل في الشرق الأوسط.
ولقد إستنكر العديد من اللبنانيين مساعدات الحريري المبكرة تلك بعد شيوع أنباء عن لقاءه لبشير الجميّل وتسفيره إلى جدة بطائرته الخاصة للقاء الملك فهد. ومعروف بأن بشير الجميل كان بمثابة رمز إسرائيلي في لبنان، إتهمته الأغلبية المسلمة واليساريون العلمانيون والمسيحيون الوطنيون وشركاؤه في التيار اليميني الموالي لإسرائيل بإرتكاب مجازر ضد الإنسانية.
وصل بشير الجميّل إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية بواسطة رافعتين، الدبابات الإسرائيلية والتغطية السياسية السعودية التي سهّلت له الحصول على تأييد زعيم السنّة في ذلك الوقت صائب سلام الموالي أصلاً للسعودية وللأمريكيين بعد وصوله للزعامة بإسم الناصرية في أواخر الخمسينيات. علماً بأن الوسيط السعودي لتسويق بشير لبنانياً وعربياً كان رفيق الحريري نفسه الذي كان يحمل لقب مستشار الملك للشؤون السرية (..) وليس مستشاره للأعمال مثلاً وقد ورث الحريري عن بشير الجميل طاقمه الأمني المرتبط بالموساد ممثلاً بالعقيد "جوني عبدو" أول من أدخل اسلوب تفجير السيارات المفخخة في التجمعات الأهلية غرب بيروت، وهو ما زال مستشاراً أمنياً لولده سعد.
وما يثير الريبة من رفيق الحريري أنه اشتهر بعد ذلك من خلال تزويده لجناحي الحرب الأهلية بالسلاح (أنشيء الجيش الشعبي في صيدا بالتعاون مع جنبلاط ومصطفى سعد وزوّده بالسلاح في نفس الوقت الذي إعترف فيه قادة المسيحيين بأنه زوّدهم بالمال والسلاح ). تلك الحرب التي تجدّدت كنتيجة لركون بعض اللبنانيين إلى فكرة الإستقواء بالإحتلال (كما يحصل اليوم تماماً ) وقد ذاع صيته المالي بطريقة جعلت كل من يطمح للمال في لبنان يسعى لعرض خدماته على مغارة "علي بابا" كما تصالح اللبنانيون على تسمية رفيق الحريري في الثمانينات.
رفيق الحريري كان يرسل الطلاب للتعلم في الخارج مشكوراً وفي نفس الوقت يموّل صفقات الأسلحة التي تدمّر بيوتهم وتقتل أهلهم وهي أسلحة إحتاجها طرفا معادلة الحرب الأهلية وإعترفا بتلقيها منه (إعترف وليد جنبلاط بذلك في مقابلته مع برنامج من فضائية الجزيرة عن حرب لبنان ) .
وهو أيضاً تولى ولأكثر من عشر سنوات دفع رواتب موازية لمجموع ضباط الجيش اللبناني وأعضاء السلك القضائي بما جعل من نفوذه منذ الثمانينات نفوذاً لا يضاهيه أي نفوذ آخر لأي طرف محلي أو إقليمي أو دولي .
لعنة الحريري على لبنان ظهرت في المرة الثانية من خلال إستعار الحرب الأهلية في العام 1984 وهزيمة التيار اليميني الحاكم بدعم أميركي إسرائيلي على يد الوطنيين. وقد عاد الحريري إلى الواجهة في مؤتمرات لوزان وجنيف التي كانت من تدبيره وتسويقه للمحافظة على "ستاتيكو" طائفي لا يستطيع من خلاله أي طرف داخلي أن يحسم الأمور لصالحه.
هدأ القتال في كل لبنان بعدها إلا أن الحرب بقيت مشتعلة في منطقة واحدة هي منطقة الوسط التجاري التي يعرفها اللبنانيون قديما بإسم "البلد" أو "ساحة البرج" وكانت لم تدمّر خلال الفترة الأولى للحرب الأهلية.
وما أثار الإستغراب أن المنطقة خالية من السكان والمسلحين على السواء إلا ان القذائف الضخمة لم تتوقف عن التساقط على ذلك المربع التجاري الذي لم تنتهِ الحرب عام 1990 إلا بعد أن سوّته قذائف المتحاربين بالأرض. ما سهل على الحريري مهمة إستملاكه بحجّة إعماره في العام 1992 عبر شركة "سوليدير" التي يملك هو مع عائلته تسعون بالمئة من أسهمها. علماً بأن الأرض ملك في الأساس لمواطنين مات نصفهم ظلماً وقهراً على رزقه المصادر بقرار من مجلس النواب اللبناني، الذي سنَّ قانون "سوليدير"، متيحاً إستبدال ملكية أرض تساوي مليارات الدولارات ببضعة ملايين. ولم تدفع نقداً حتى، بل أسهماً في الشركة الوليدة بمعدل خمسة آلاف سهم للمالك على أقل تقدير ( تساوي أقل من خمسة آلاف دولار).
علماً بأن شركة كورية عرضت بناء الوسط التجاري كله مقابل تأجيرها مساحة تنتج عن ردم البحر لتسعين عاماً فقط لا غير. رفض المشروع الكوري لم يكن نتيجة دراسات للجدوى بل نتيجة للرشوة التي دفعها الحريري الراحل للنواب فرداً فرداً إلا من رحم ربي. ثم عادت لعنة الحريري للظهور على لبنان من خلال أول إنتفاضة شعبية أسقطت الرئيس عمر كرامي من رئاسة الحكومة عبر ثورة "رعاع"، نزلوا إلى الشوارع وأحرقوا الدواليب دون أن يتدخل من يمنعهم. وقيل وقتها أن المنتفضين إعترضوا على إرتفاع سعر الدولار، فتبين بأن الأمر كان مدبراً بين الياس الهراوي ومساعديه، لتسهيل وصول الحل الإقتصادي للبنان رفيق الحريري الذي جلب معه إلى الحكم وعداً بتحويل لبنان إلى جنة معيشية فكانت النتيجة أنه حوَله إلى بلد مدين بأربعين مليار دولار لا طاقة لبلد ميزانيته لا تزيد عن أربعة مليارات على تسديدها. وقد صرّح الحريري عن أمواله وقتها فذكر بأنه كرئيس للوزراء يملك ثروة شخصية لا تزيد عن أربعة مليارات من الدولارات ليكتشف الشعب اللبناني أنه أغتيل في الجريمة الكبرى تلك على محبّيه فورث أولاده اثنان وعشرين ملياراً في لبنان فقط !! يستحق لنقل ملكيتها قانوناً إلى ورثته رسم للحكومة اللبنانية مقداره مليار ونصف المليار فما كان من ولده سعد حاكم لبنان الفعلي إلا أن أوعز الى ممثله في رئاسة الحكومة فؤاد السنيورة (كانت وظيفته محاسب خاص لرفيق الحريري في لبنان براتب شهري) لسنّ قانون معجّل لإعفاء نقل الملكيات الموروثة دون دفع الرسوم لمدة شهر غير قابل للتجديد.
لعنة رفيق الحريري الأخيرة على لبنان تمثلت بعد وفاته بوضع لبنان بإسم دمه على مذبح العمالة لإسرائيل وأميركا. وما يثير الدهشة والإستغراب، هو عدم مقدرة مجلس الأمن على إقرار أي إدانة لإسرائيل على جرائمها خلال أكثر من نصف قرن من زمن الصراع معها، وآخرها قرار حول مجزرة "دير حانون" التي تفاوض العالم بأسره عليه مخففاً لأسبوع كامل وفي النهاية لم يمر. بينما أصدر مجلس الأمن سبعة قرارات تتعلق بإغتيال الحريري !! وأقر المحكمة الدولية خلال ساعة ونصف فقط من طرحها على طاولة التشاور في لبنان !! فهل مجلس الامن الكاره للعرب مغرم بالحريري لعروبته ولإنسانيته أم أن وراء الأمر سراً لا نعرفه ؟! بل عرفناه...
