جامعة دمشق
كلية العلوم السياسية
قسم العلاقات الدولية
العام الدراسي2006 - 2005
عملية السلام في الصحراء الغربية وآفاقها
دراسة أعدت لنيل الإجازة في العلوم السياسية
إعداد
حمادي عبد الرحمن موسى
بإشراف
الدكتور فادي خليل
بسم الله الرحمن الرحيم
) "وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلو ا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون
صدق الله العظيم
الآيتان 9 و 10 من سورة الحجرات
الإهداء
إلى الوطن الذي عانى ظلم ذوي القربى وقاسى تعسف ذوي المعتقد
إلى من علمتنا سنين القربى معنا هو زادتنا يوميات المنفى شوقا إليه وألهمتنا معاناة اللجوء أن " الذي ماله وطن ماله في الثرى ضريح "
إلى الوطن الذي يسكن فينا ولا نسكن عليه: الصحراء الغربية
إلى الشعب الصحراوي الجريح :الذي يعاني الشتات ..
إلى وجوه لا زالت تتيبس تحت قناع الكآبة بفعل الاحتلال..
والى كل شعب يستسقي السلام
اهدي هذا العمل
إلى أطفال في عمر الربيع سرقت ألعابهم في ذلك الخريف الأسود ..
إلى أمهات طاعنات في السن هجرن من أرضهن في ذات الخريف ..
إلى كل شهيد قضى.. من اجل أن تعود البسمة لشفاه الأطفال وتجف الدمعة من عيون الأمهات..
إلى كل هؤلاء اهدي هذا العمل
خطة البحث
المقدمة
الفصل الأول: طبيعة نزاع الصحراء الغربية
المبحث الأول : جذور نزاع الصحراء الغربية
المبحث الثاني : الصحراء الغربية مشكلة تصفية استعمار
المبحث الثالث : نزاع الصحراء الغربية من منظور القانون الدولي
الفصل الثاني: القضية الصحراوية في المنظمات الدولية
المبحث الأول : الصحراء الغربية ومنظمة الأمم المتحدة
المبحث الثاني : الصحراء الغربية ومنظمة الوحدة الإفريقية
المبحث الثالث : الصحراء الغربية وجامعة الدول العربية
الفصل الثالث: الحلول المقترحة لحل نزاع الصحراء الغربية
المبحث الأول : مخطط السلام (الاستفتاء)
المبحث الثاني : مخطط بيكر الأول ( الاتفاق الإطار (
المبحث الثالث : التقسيم ( الحل الرابع (
المبحث الرابع : إنهاء مهمة الأمم المتحدة (المينورصو(
المبحث الخامس: مخطط بيكر الثاني (تقرير مصير شعب الصحراء الغربية(
الفصل الرابع: نزاع الصحراء الغربية وآفاق الحل السلمي
المبحث الأول : مستقبل التسوية السلمية
المبحث الثاني : الصحراء الغربية الخروج من الأزمة
الخاتمة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
على الرغم من إن قضية الصحراء الغربية تعد قضية تصفية استعمار تم تسجيلها منذ العام 1963 في لائحة الدول التي يجب تصفية الاستعمار منها, وبالتالي منحها الاستقلال إلا أنها والى حد اللحظة لم تتمتع بذلك. وحتى في الأفق لا تلوح أية بوادر جدية وصادقة اللهم إلا ما نذر تنبئ بقرب حل هذا النزاع الذي عمر أكثر مما تريد شعوب هذه المنطقة المتعطشة للسلام والاستقرار وإصلاح ذات البين لتتمكن من العيش في كنف صرح مغاربي يستوعب جميع شعوبه.
ثلاث عقود من الزمن تمر من عمر النزاع على الصحراء الغربية بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي, والذي اندلعت شرارته – النزاع – منذ الاجتياح المغربي لأراضي الصحراء الغربية فيما بات يعرف بالمسيرة الخضراء بتاريخ تشرين الثاني 1975 لتدخل المنطقة منذ ذلك التاريخ دوامة من عدم الاستقرار نتج عنها حقبة زمنية مظلمة من العمل العسكري دامت لفترة غير قصيرة من الزمن إلى أن تم الإعلان عن وقف إطلاق النار من الجانبين في العام 1991 لتشهد المنطقة مرحلة أخرى تختلف عن سابقتها وهي مرحلة "اللا حرب واللا سلم" تعهدت خلالها الأطراف المعنية بالبدء في تنظيم استفتاء تقرير المصير(مخطط السلام) الذي ترعاه منظمتا الأمم المتحدة والوحدة الإفريقية مرت فيها عملية السلام بمحطات هامة تقاربت فيها وجهات النظر بين الأطراف وقارب فيها النزاع من الانفراج والحلحلة خاصة بعد إبرام الجانبين اتفاقيات هيوستن 1997 والتي مثلت أرضية هامة وأساسية لعملية السلام بالإضافة إلى ذلك إن شئنا مخطط بيكر الثاني 2003والذي وصف من بعض المراقبين بأنه حلا وسطا بين المتنازعين, إلا أن ومن وجهة أخرى أصيب المسلسل بانتكاسات وتعرضت مسيرة التسوية السلمية أيضا إلى المزيد من العراقيل في وجهها ومن زرع الأشواك في طريقها ولهذا السبب وغيره من الأسباب دخل مسار التسوية السلمية المنعطف الخطير والحلقة المفرغة الأصعب التي بات الجمود فيها السمة الغالبة بدل المرونة بل إلى ابعد من هذا بحيث أصبح اللاحل فيها اقرب منه إلى الحل على حد قول الأمين العام الحالي للأمم المتحدة كوفي عنان, وان على الصحراويين أن لا ينتظروا الشيء الكثير من الأمم لمتحدة على حد قول سلفه بطرس غالي.
هكذا ليبقى مستقبل النزاع تطبعه أكثر من علامة استفهام في عالم فيه سياسة القوة أعلى سقفا من قوة القانون والحق, ولتبقى شعوب المنطقة ستسقي غيمة سلام علها تمطر بحل يكون بمقدوره أن يضع نهاية وحدا لنزاع "الأشقاء – الأعداء" الذي طال أمده وتطوى بذلك صفحة طالما خيمت لتفتح أخرى يطبعها الاحترام المتبادل والعلاقات المتميزة بين الإخوة الأشقاء.ولنا أمل والحال هكذا أن يسوى النزاع على أساس من العدل, وفق القانون ,التاريخ والحقيقة على أساس من الديمقراطية والسلام لان ذلك يعد في الحقيقة انتصاراً للشعب المغربي والشعب الصحراوي معاً بل كل شعوب المنطقة والعالم.
وفي الأخير تجدر الإشارة والتنويه إلى أنني في هذه الدراسة ركزت على حاضر النزاع أكثر مما تعرضت إلى سرد ماضيه على الرغم من أهميتها البالغة بقية أن تكتمل صورة النزاع بكل حيثياتها في ذهن القارئ واكتفيت باجتهاد مني وأرجو أن أكون صائبا في ذلك على تسليط الضوء على لمستجدات الحديثة والمتغيرات الآنية التي طبعت وجه النزاع لاسيما في الفترة لأخيرة من عمره وتحديدا منذ العام 1991 تاريخ نهاية الحرب بداية عملية السلام.
-1 مشكلة الدراسة وتساؤلاتها :
منذ 1963 وقضية الصحراء الغربية موضوعة بين يدي الأمم المتحدة, وابتداء من هذا التاريخ ظلت هذه المنظمة العالمية تلح سنويا على حق لشعب الصحراوي في تقرير المصير, لكنها بالمقابل لم تقم بأي فعل عمودي من شانه أن يفرض هذا الحق على ارض الواقع, ونتج عن هذا أن ظل النزاع يراوح مكانه، وعملية السلام لم يطرأ عليها جديد يدفعها خطوة للأمام, والأفق باتت معالمه أكثر ضبابية وغموض , وما تحقق بالفعل طيلة هذه العقود هو أن ظلت أحلام الصحراويين في تقرير مصيرهم والعودة إلى أرضهم مجرد أحلام, بل وتولدت لدى غير الصحراويين من مراقبين ومتابعين للقضية شبه قناعة بان النزاع ما لم يحل نفسه بنفسه فلن تحله الأمم المتحدة المخولة الأولى بحفظ السلام, لأسباب أو لأخرى .
-2 منهجية الدراسة:
لقد تم اعتماد المنهج التاريخي في هذه الدراسة لاسيما الفترة الأخيرة من عمر النزاع, أي الفترة السلمية من صيرورته أو ما بات يعرف لاحقا بفترة "اللاحرب واللاسلم " وانتهجت أيضا أسلوب الملاحظة والتحليل وكان ذلك من خلال قراءة للأحداث المستقبلية وتحليل للمعطيات الواقعة .
-3 ا لإطار الزمني:
كان الإطار الزمني لهذه الدراسة محصورا بالتحديد في الحقبة الزمنية المعاصرة منه, أي منذ تاريخ وقف إطلاق النار العام 1991 وحتى العام الحالي 2006 تاريخ صدور آخر قرار لمجلس الأمن متعلق بالنزاع.
-4 تقسيم الدراسة:
جاء بين دفتي هذه الدراسة مقدمة وأربعة فصول بالإضافة إلى خاتمة, تطرقت في الفصل الأول منها, والذي يحتوي على ثلاث مباحث إلى لتعريف بطبيعة نزاع الصحراء الغربية من كونه قضية تصفية استعمار لم تكتمل فصولها بعد, حاولت بذلك تسليط الضوء على جذور النزاع والأسباب الحقيقية الخفية والكامنة وراء تفاقم الأزمة, وامتداد عمرها, ثم رأي القانون الدولي في ذلك, وتناولت في الفصل الثاني والذي يضم أيضا ثلاث فصول, أزمة الصحراء الغربية في المنظمات الدولية وعن كيفية تعاطي كل منظمة على حدة وتعاملها مع النزاع واكتفيت هنا بثلاث منظمات دولية - الأمم المتحدة, الوحدة الإفريقية, والجامعة العربية - كون كل واحدة منهم لها علاقة بشكل أو بآخر بالنزاع, وتلعب دور ومسؤولية فيه, أما الفصل الثالث والذي كان يشتمل على خمس مباحث كلها كانت استعراض لجملة من الحلول والمقترحات المقدمة على صعيد النزاع من اجل إنهائه المساهمة في حله, وفي الأخير خلصت في الفصل الرابع منه, والذي يحوي مبحثين الأول كان عن رؤية استشفافية للأفاق المستقبلية للنزاع , وختمت الدراسة بالثاني الذي تحدثت فيه عن الآلية أو الكيفية التي ارتأيت أن من خلالها يمكن معالجة الأزمة والخروج من النزاع القديم الجديد نزاع "الأشقاء الأعداء " الصحراويون والمغاربة.
ولله ولي التوفيق
20 مايو /أيار
2006
الفصل الأول
طبيعة نزاع الصحراء الغربية
المبحث الأول
جذور نزاع الصحراء الغربية
أصبح النزاع الدائر بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو (الممثل الشرعي للشعب الصحراوي) للسيطرة على إقليم الصحراء الغربية المستعمرة الإسبانية السابقة " تشكل بين قضايا القارة الإفريقية النزاع الأطول والاهم تلك المشكلة العائدة في أصولها إلى الحقبة الاستعمارية, ولا تزال تنظر لحل النهائي من قبل الأمم المتحدة, وكان ابرز ما حققته المنظمة الأممية في مسعاها السلمي بالصحراء الغربية, تمكنها في العام 1991 من إقناع لطرفين المتحاربين البوليساريو والمملكة المغربية بوقف إطلاق النار واستمر التزامهما به قائما حتى الآن.هذا وكانت حرب التنازع بين الاثنين قد اندلعت في العام 1975 على اثر انسحاب المستعمرين الأسبان من الصحراء الغربية ... تلك البقعة من الأرض يعتبرها المغرب جزءا لا يتجزأ من رابه الوطني , بينما تتمسك البوليساريو حركة التحرير الوطني والممثل الشرعي والوحيد عن الشعب الصحراوي بملكيتها لها وتطالب باسم سكانها الأصليين (الصحراويين) بالاستقلال وتقرير المصير, طبقا للقرار آلامي 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع عشر من كانون الأول ديسمبر 1960, والقاضي بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.ومن مفارقات القضية, أن المغرب نفسه يطالب بتطبيق ذات القرار لصالحه على الصحراء الغربية معتمدا عليه من بين حججه التاريخية في تأكيد أحقيته باسترجاع المنطقة, حيث يتضمن القرار المذكور بنداً نص على أن المستعمرة التي كانت قبل فترة استعمارها تشكل جزءا من دولة أخرى لا يطبق عليها مبدأ تقرير المصير , إذ تلحق مباشرة بالدولة الأم ويريد المغرب تطبيق هذا البند على الصحراء الغربية .
وحول هذه النقطة يعلق السيد جوفي مدير الدراسات في المعهد الملكي للشؤون الدولية بلندن في بحث قدمه إلى كلية ((سانت انطوني)) في الرابع عشر من آذار مارس 1997 تحت عنوان (البوليساريو والصحراء الغربية) حيث قال* " إن اعتماد المغرب على القرار الأممي رقم 1514 لتبرير سيطرته على الصحراء الغربية يعني تجاهل المضمون الحقيقي لنص القرار المذكور.. حيث كان الهدف منه أن يطبق فقط على أجزاء صغيرة من الأراضي وليس على منطقة في حجم الصحراء الغربية, وان نظام الحكم الملكي المغربي قبل الاستعمار كان يعتمد في ممارسة نفوذه على فرض السيادة على الشعب وليس على الأرض, ومسألة ما إذا كان الفرد مصنفا باعتباره مغربيا في إطار هذا النظام كانت تعتمد على الولاء للسلطة المغربية وليس بالضرورة على المكان الموجود فيه وهذا يتعارض مع القانون الدولي الحديث الذي تعتمد السيادة فيه مبدأ السيطرة على الأرض. "
وهناك قضية أخرى تجرد المطالب المغربية من قيمتها في نظر القانون الدولي الذي يربط تصفية الاستعمار بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار, ففي قضايا تصفية الاستعمار, يأخذ القانون الدولي دائما بالحدود الترابية الموروثة عن الاستعمار ويرفض مبدأ المساس بها.ومن سؤ حظ المملكة المغربية أن لإقليم الصحراء الغربية حدوده المرسمة استعماريا والمعترف بها دوليا, وكانت اتفاقية عام 1912 الموقعة بين فرنسا وإسبانيا قد رسمت حدود الإقليم الصحراوي - الصحراء الغربية- مع المملكة المغربية.وكانت منظمة الوحدة الإفريقية قد تبنت هذا المبدأ وأقرته في المادة الثالثة من ميثاقها وذلك لتفادي المشاكل التي كان لها أن تنشأ عقب خروج الاستعمار الغربي من القارة السمراء.. إذ قلما تخلو دولة إفريقية من مشاكل حدودية مع جيرانها وسبب ذلك يعود إلى أن القوى الاستعمارية قد رسمت خريطة البلدان الإفريقية بفعل تقاسم المصالح فيما بينها دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات وحقوق تلك البلدان المستضعفة.إن ترجيح الحدود التاريخية في قضية تصفية الاستعمار يقتصر على حالة وحيدة, وهي أن يتوافق مطلب الحق التاريخي مع إرادة السكان المعنيين ورغباتهم, فالقانون الدولي يغلب الحق الراهن لشعب المستعمرة في تقرير مصيره على الحق التاريخي.. ورأيه في ذلك هو أن "السكان هم الذين يقرون اليوم مصير إقليم ما, وليس الإقليم هو الذي يقرر مصير سكان ما", وفي ذلك يقول القاضي اللبناني في محكمة العدل الدولية السيد أمون "أن الحجج المتعلقة بمطالب ترابية مهما كان وزنها التاريخي, عليها أن تنحني أمام حق الشعوب في أن تعبر عن نفسها وفق القواعد التي وضعتها الأمم المتحدة"( )في هذا السياق عرف العالم العربي ثلاث حالات تمثل نموذجا واضحا لهذه القضية يمكن مقاربته والقضية الصحراوية, الحالة الأولى كانت انفصال السودان عن مصر والثانية استقلال جزر القمر عن مدغشقر وأما الثالثة فهي انسلاخ دولة الإمارات العربية المتحدة عن سلطنة عمان .( ) ففي الحالة الأولى كان السودان يشكل بجميع أقاليمه جزءاً من الدولة المصرية منذ العام 1520 ودامت هذه التبعية طول فترة الحكم الاستعماري البريطاني على مصر والسودان. وقد اعترفت السلطات الاستعمارية بحق مصر في ملكيتها لأقاليم السودان وهو ما عبرت عنه اتفاقيتا (كر ومر) الموقعتين بين السلطات المصرية وسلطات الاستعمار البريطاني وكدليل على السيادة المزدوجة المصرية – الإنجليزية، كان العلم الوطني المصري مرفوعا فوق جميع أنحاء أقاليم السودان إلى جانب العلم البريطاني.لكن عندما أعلن عن انتهاء فترة الحماية البريطانية على مصر، ترك شأن السيادة في السودان بيد سكانه ولم يستطع المصريون فعل أي شيء سوى استنكار النيل من وحدتهم الترابية.. فقد غلب مبدأ تقرير المصير على حجج مصر القانونية الحاسمة وغير القابلة لأي جدال.
وفي عهدها الجمهوري، اعترفت الدولة المصرية بحق تقرير المصير للسودان في اتفاقية القاهرة الموقعة بين الحكومتين المصرية والبريطانية في الثاني عشر من شباط 1953. وما حدث لمصر والسودان ،ينطبق على حالة جزر القمر ومدغشقر.. فقد كانت جزر القمر قبل خضوعها تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية إحدى توابع مملكة (الهوغا)- مدغشقر- خلال القرن التاسع عشر. وقد منح الفرنسيون سكان الأرخبيل حق تقرير لمصير، بموجب اتفاقية (باريس)عام 1973، وهو ما أدى إلى استقلال جزر القمر في 22من كانون الأول (ديسمبر)1974، وأصبحت ذات سيادة مستقلة .
ولا يختلف كثيرا أمر سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة عن الحالتين السابقين.. إذ كانت الإمارات العربية تشكل جزءا حيا من سلطنة عمان، إلا أن الاستعمار البريطاني لدى انسحابه من منطقة الخليج العربي عام 1971، فصل ذلك الجزء نهائيا عن الوطن الأم، ليخلق منه دولة نافسة، وليضعف بالمقابل الدولة العمانية العريقة، كي يفسح المجال أيضا أمام تقوية نفوذ المملكة السعودية - حديثة العهد - في المنطقة الخليجية, وفي عام 1991, تبادلت سلطنة عمان ودولة اتحاد الإمارات العربية السفراء فيما بينهم .وضمن هذا السياق، نجد أن المملكة المغربية ذاتها قد اعترفت استقلال موريتانيا وكذلك تعترف باستقلال كل من الجزائر ومالي وقال الملك الحسن الثاني في تصريح له أن الصحراء الغربية إذا نالت استقلالها ستكون المملكة المغربية أول من يعترف بها.لقد كان للملك الحسن الثاني من المهارة والذكاء, ما مكنه من فرض إرادته على مسار عملية تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية, على حساب شرائع القانون الدولي, بحيث استطاع تجميد تطبيق مبدأ تقرير المصير والاستقلال على إقليم الصحراء الغربية, عبر قيامه من بعض الإجراءات الناجحة, وكان من بينها إحالة المشكلة الصحراوية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي للبت بها, وهو بهذا التصرف قد شتت الجهود القائمة لمنح شعب الإقليم الصحراوي استقلاله, ووجه الأمر نحو وضعية جديدة أساسها تفسير وتأويل رأي المحكمة الدولية. وهنا دخلت قضية الصراع الصحراوي في متاهات اللعبة القانونية التي يجيد المغاربة التعامل معها, وقد زاد من تعقيدات المشكلة وتشعباتها طبيعة الأجوبة الفضفاضة التي أعطتها المحكمة في رأيها الاستشاري والتي قالت بعد خمسة شهور من المداولات أصدرت بعدها المحكمة رأيها الاستشاري الخاص بالصحراء الغربية والذي أفشل مناورات المغرب، ففي الإجابة على السؤال الذي مفاده "هل كانت الصحراء الغربية غداة استعمارها من قبل إسبانيا أرضا بدون سيد؟ " أجابت المحكمة بما يلي: "إن المعلومات التي قدمت للمحكمة توضح انه غداة استعمارها من طرف إسبانيا كانت الصحراء الغربية مسكونة من طرف سكان، ورغم أنهم كانوا بدواً إلا أنهم كانوا منظمين سياسيا واجتماعيا تحت سلطة مسؤولين منهم، لهم صلاحية تمثيلهم، وتوضح هذه المعلومات أيضا انه غداة استعمار الصحراء، فان إسبانيا لم تبسط نفوذها على ارض بدون سيد، ففي المرسوم الملكي الصادر في 26 ديسمبر 1984 يؤكد أن الملك الإسباني بسط حمايته على وادي الذهب بنا على اتفاقيات مع مسئولين السكان.
أما السؤال الأخير فكان "ما هي الروابط القانونية لهذا الإقليم مع المملكة المغربية والمجموعة الموريتانية" فأجابت المحكمة بمايلي: " إن الاستنتاجات التي خرجت بها المحكمة بالرجوع إلى المعاهدات الداخلية الخاصة بسيادة المملكة المغربية، وكذا المعاهدات الدولية فإنها كلها الاتفاق، لم توضح وجود أية رابطة قانونية في تلك المرحلة بين المملكة المغربية والصحراء الغربية،( ) وفي نفس الوقت فان بعض ما توصلت إليه من وثائق يرى أن هناك ما يشبه رابطة بين القليل والقليل من السكان مع السلطان " وبذلك وانطلاقا من حكم محكمة لاهاي انحرف الاهتمام عن الجوهر إلى الهامش في تلك القضية . وعلى أساس حكم المحكمة هذا, نفذ المغرب تظاهرته الشهيرة "المسيرة الخضراء" التي اكتسح من خلالها مئات الآلاف من المواطنين المغاربة غالبيتهم عسكريين في زي مدني الحدود بين مملكتهم وإقليم الصحراء الغربية , واجتاحوا العديد من المواقع الصحراوية مطالبين باستعادة الإقليم المحتل إلى وطنهم - المغرب - وبدا الأمر على أنه مطلب شعبي عارم. وقد أفضت المسيرة الخضراء إلى توقيع اتفاقية بين الحكومتين المغربية والإسبانية عرفت باسم اتفاقية مدريد الثلاثية 14 تشرين الثاني 1975, ودخلت فيها موريتانيا كشريك مؤقت, وبمقتضى هذه الاتفاقية, تخلت إسبانيا للدولتين عن مستعمرتها الصحراوية. ومن الناحية القانونية فان تلك الاتفاقية لا تحمل الصفة الشرعية الواضحة, باعتبار أن صلاحيات إسبانيا لا تخولها حق التصرف بأرض الإقليم على هذا النحو ولا تملك التفويض بذلك.. إذ تقتصر سلطاتها على الإدارة فقط .( )
وقد اتخذ المغاربة اتفاقية مدريد الثلاثية كوثيقة رسمية أسسوا عليها المبرر القانوني لدخول جيشهم إلى الصحراء الغربية بقوة السلاح وهذا لتصرف من قبل المغرب يعتبر في نظر القانون الدولي عملا حربيا وهو ما ينص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: 3314المتخذ في 14 من ديسمبر 1974.
أما البوليساريو على الطرف الآخر فلم تكن ذلك الخصم السهل الذي يمكن اعتباره خارج نطاق الحسابات, بل في مواجهتها للمغرب ظهر كند قوي تصعب هزيمته ,واستطاعت بآلية تحرُكِها المنظمة أن تقلق جيش المملكة وأن تخرج دبلوماسيتها المتألقة, وقد حققت البوليساريو نجاحات ملموسة على صعد عدة. حيث أقدمت في 27 فبراير 1976إلى قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في توقيت تزامن مع خروج الاستعمار الإسباني نهائيا من المنطقة وقد أعطى هذا العمل الجبهة صفة دولية رسمية, خاصة بعدما حظيت الدولة الوليدة باعتراف عدد كبير من دول العالم فاق أكثر من ثمانيين دولة, وحصلت على عضوية تامة في منظمة الوحدة الإفريقية.
وبعد ذلك أخذت الحرب بين المغرب والبوليساريو بعدا تدميرياً خطيرا إلى أن تم إيقافها من قبل الأمم المتحدة عام 1991 .وعلى صعيد حرب السياسة والإعلام بين الطرفين كانت الدبلوماسية المغربية قد عمدت إلى محاولة عزل واحتواء جبهة البوليساريو داخل الوسط العربي فتحركت على محورين اثنين.. الأول باتجاه الدول المحافظة والثاني نحو الدول القومية - الوحدوية - وتوجهت لكل طرف منهما بلغة تخاطب خاصة تعرف انه يرغب بها ويسعى إلى تحقيقها.. فأمام المحافظين ركز المغاربة على إظهار البوليساريو باعتبارها جماعة ثورية يسارية تسعى إلى إقامة دولة لها في الصحراء الغربية تكون قاعدة ومنطلقا للمد الشيوعي "المكروه" في المنطقة.أما إلى القوميين العرب فقد غلبت لهجة التأثير العاطفي على الخطاب المغربي الموجه إليهم.. حيث صورت جبهة البوليساريو على أنها حركة "انفصالية" غايتها الانسلاخ عن المغرب وإنشاء كيان دولة مصطنعة فوق جزء من التراب الوطني المغربي ويأتي هذا العمل بحسب المنطق المغربي تنفيذا لمخطط استعماري تخريبي يجري عبره تفتيت وحدة أقطار الوطن العربي وتجزئتها إلى دويلات صغيرة ومتناحرة .
وقد حازت سياسة المغرب تلك على دعم ومساندة الدول العربية المحافظة لكنها فشلت مع الدول العربية القومية في تحقيق غاياتها رغم البراعة الفائقة التي أدار بها المغاربة حملتهم الاستقطابية الهادفة إلى تشويه صورة خصمهم الصحراوي, بل إن هذه الدول القومية لم تجد حرجا في لاعتراف الجمهورية الصحراوية.. وتأييد توجهاتها الاستقلالية .
هذا من جهة ومن وجهة أخرى فجبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي ترد على الاتهام المغربي بعدم شرعية دولتها بالقول أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية إنما تقوم على كافة الأركان القانونية الشرعية التي تقوم عليها بقية دول العالم .. فللدولة الصحراوية دستور حديث , وبنية سياسية وإدارية تمارس من خلالها سلطاتها كاملة وبمنتهى الاستقلالية من فوق ترابها الوطني "المناطق المحررة من الصحراء الغربية" وان تنظيمها الإداري والسياسي يستقطب الغالبية من أبناء الشعب الصحراوي, ولها حدود معترف بها دوليا, وكذلك تحظى الدولة الصحراوية بمكانة دولية محترمة حيث يعترف بها أكثر من ثمانين دولة تنتمي إلى مناطق جيوسياسية مختلفة ولها علاقات جيدة مع العديد من الدول حتى مع التي لا تعترف بها رسميا, كما وتتمتع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بعضوية كاملة في منظمة الوحدة الإفريقية, وهي عضو مؤسس للاتحاد الإفريقي, وتلاقي التقدير والاحترام من كافة المنظمات والهيئات الدولية.
المبحث الثاني
الصحراء الغربية مشكلة تصفية استعمار
طبقا لمؤتمر برلين سنة 1884 والذي على ضوءه عملت القوى الأوربية على تقاسم إفريقيا، أصبحت الصحراء الغربية من نصيب إسبانيا، و نشير أنه في ذلك الزمن لم توجد أية سلطة مغربية على الصحراء الغربية بدأت الحماية الأسبانية في سنة 1884 ثم سجلت الصحراء الغربية ضمن لائحة الدول التي لم تتمتع بعد باستقلالها، بموجب الفقرة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة ( أ) 1514 ملحق 3 .."( )في تشرين الثاني سنة 1960 أعلن ممثل إسبانيا في الأمم المتحدة أن بلاده مستعدة للإدلاء بجميع المعلومات حول الصحراء الغربية، وفي 18 أيار 1961 قام الملحق بالممثل الإسباني في الأمم المتحدة ولأول مرة أمام لجنة المعلومات حول الدول التي لم تتمتع بعد باستقلالها بإعطاء معلومات حول الصحراء الغربية، و منذ 1961 وبمختلف المجالس المختصة قي الأمم المتحدة تولي اهتماما بملف الصحراء الغربية، على أنه مشكل تصفية استعمار و تعترف بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، وبموجب قرار الأمم المتحدة 1514 ومن بعد ذلك واظبت إسبانيا على تقديم تقارير بانتظام حول مستعمرتها الصحراء الغربية, فلقد اعترفت إسبانيا بمبدأ تقرير المصير وحق الشعب الصحراوي في ممارسته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنة 1963 وذلك بقبولها إدراج إقليم " الصحراء الغربية " ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالاستقلال وهي القائمة التي أعدتها لجنة تصفية الاستعمار, وبعد ذلك طالبت الجمعية العامة الحكومة الإسبانية بتطبيق حق تقرير المصير للشعب الصحراوي وأصدرت في ذلك عدة قرارات تحثها على ذلك .
وفي عام 1965 طلبت الجمعية العامة من القوة التي تدير الإقليم اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنهاء الاحتلال من الصحراء الإسبانية سابقا أي الصحراء الغربية، إجراءات حددت من خلالها القرارات( ) 2072 في تشرين الثاني 1966 و 2354 في 15 كانون الأول 1968 و 2591 في 16 كانون الأول 1969 وقرار 2711 في كانون الأول 1970. قرار 2983 في 14 كانون الأول 1972 وقرار 3162 في كانون الأول 1973.
و في قرارها في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1966 اللجنة الخاصة للأمم المتحدة " طلبت من القوة المديرة للإقليم "إسبانيا" العمل على خلق وبدون اجل الشروط الملائمة لتقرير مصير الصحراء الإسبانية (الصحراء الغربية).وفي كانون الأول من نفس السنة دعت الجمعية العامة " القوة المديرة إنهاء الاحتلال في أقرب وقت" ، وتماشيا مع إرادة ساكنة الإقليم و باستشارة مع الحكومة المغربية والموريتانية بحكم أنهم أطراف معنية، وتنظيم استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، يٌمكن سكان الإقليم من التعبير و بحرية في تقرير المصير ولهذا الغرض يجب :
- توفر جو سياسي ملائم للاستفتاء والذي سيجري على أسس حرة و ديمقراطية يسمح بعودة المنفيين من الإقليم .
- أخذ جميع التدابير الضرورية لمشاركة ساكنة الإقليم فقط في الاستفتاء.
- الكف عن أية محاولة لتعطيل تصفية استعمار الصحراء الإسبانية (الصحراء الغربية).
- توفير جميع التسهيلات الممكنة للجنة الأمم المتحدة من أجل المشاركة بفعالية في تنظيم و سير الاستفتاء ".
تجدر الإشارة هنا إلى أن في هذا القرار لم تكن أية استشارة للدولة المغربية حول الصحراء الغربية ، و يجب الإشارة أيضا أن ممثل المغرب " داي ولد سيدي بابا "، قد أعلن أثناء اجتماع اللجنة الخاصة في 17 يونيو 1966 بأديس أبابا ( إثيوبيا) أن "الحكومة المغربية تؤكد على أنه يجب حرير جميع الأراضي التي تحت هيمنة الاستعمار الإسباني"، مضيفا " أن الحكومة المغربية تقترح استقلالها في أقرب الآجال" ، وخلال الدورة التي تلتها لِلجنة الخاصة أكد مفوض المغرب" على أنه منذ 1966 والمغرب يطالب بتقرير مصير سكان الصحراء الغربية وحرية الاستقلال" هذه الإعلانات الصادرة عن الحكومة تكتسي صبغة قانونية ، وكما عبر وزير الخارجية المغربي السيد بوطالب، على أن " المغرب وجيرانه قرروا لاتفاق على تسهيل تقرير مصير سكان الصحراء، وذلك بالتعاون مع المنظومة الدولية والقوة الإدارية، ولهذا فإن إسبانيا مدعوة إلى تنظيم استفتاء يمكن سكان الصحراء من التعبير بكل حرية عن إرادتهم " ما بين سنة 1967 و 1968 كررت الجمعية العامة الطلب إلى القوة المديرة للصحراء، وفي سنة 1969 تأسفت بأن الاستشارة مع القوة المديرة أي إسبانيا لازالت جارية حيث أكدت هذه الأخيرة على عدم توفر الظروف الملائمة لتنظيم الاستفتاء" وكررت الدعوة لإسبانيا بتنظيم استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي، وفي سنة 1970 لاحظت الجمعية العامة على أن الاستفتاء لم ينظم بعد، ودعت الدول إلى الكف عن الاستثمارات في الإقليم والاعتراف بشرعية كفاح الصحراويين " ومن أجل تنظيم حق تقرير المصير التعبير بكل حرية فعلى الدول التعاون بكل ما يلزمها لمروره في ظروف ملائمة" وفي قرارها لسنة 1972، حثت الجمعية العامة على مبدأ تقرير المصيرو الاستقلال للشعب الصحراوي، سنة بعد ذلك، وفي قرار آخر عبرت عن تضامنها مع الشعب الصحراوي، وفي 26 تشرين الثاني 1972 صرح ممثل إسبانيا أمام لجنة تصفية الاستعمار وقال بان حكومته ستنظم استفتاء في الصحراء الغربية.. ولابد من العمل على إعداد المناخ المناسب لذلك , وهو الأمر الذي أكدته الدول الثلاثة المجاورة للصحراء الغربية في العام الموالي 1973: المغرب، الجزائر، موريتانيا أكدوا " تمسكهم الغير قابل لتغيير بمبدأ تقرير المصير وأنهم يسهرون على أن يجري هذا المبدأ في جو يضمن لسكان الصحراء الغربية التعبير بكل حرية عن إرادتهم و ذلك طبقا لقرارات منظمة الأمم المتحدة ". وفي أيلول سبتمبر1973 صرح " الجنرال فرا نكو" أمام الجمعية العامة الصحراوية أي ما كان يعرف " بالجماعة " بأن مبدأ تقرير المصير سيكون تطبيقه عادياً وبإرادة إسبانيا وعلى هذا الأساس أعلنت الحكومة الإسبانية في 20 أيار مايو 1974 في منظمة الأمم المتحدة بان الاستفتاء في الصحراء الغربية سيكون تنظيمه تحت إشراف الأمم المتحدة خلال الفصل الأول من عام 1975 وقد أثار هذا التصريح الأخير ردود فعل لدى المغرب الذي أعلن ملكه الحسن الثاني عن صيغة الاستفتاء التي يجب أن تكون كالتالي " الاختيار ما بين البقاء تحت وصاية الأسبان أو الاندماج في المغرب " .فكان رد فعل الجنرال فرانكو أن أرسل رسالة إلى الجماعة الصحراوية قال فيها "إن الدولة الإسبانية تكرر بان الشعب الصحراوي هو الوحيد الذي يحدد اتجاهه, ولا يحق لأحد أن يغير إرادته والدولة الإسبانية تدافع عن الحرية والإرادة الحرة لقرار الشعب الصحراوي"( ). وفي 18 حزيران يونيو 1974 أرسلت الحكومة الإسبانية وهي المستعمرة السابقة للصحراء الغربية إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة رسالة ذكرت فيها بان الشعب الصحراوي هو وحده الذي يملك الثروات الطبيعية التي توجد في أرضه وستكون لهذا الشعب جميع الحقوق التي يتمتع بها مواطنو إسبانيا, وستعمل إسبانيا من جهتها على صيانة وحدة تراب الصحراء الغربية, كما أنها ستمثله في العلاقات الدولية - كمرحلة انتقالية - لحين تطبيق مبدأ تقرير المصير المكفول للشعب الصحراوي.وفي تموز يوليو من نفس العام أبلغت الحكومة الإسبانية عن طريق وزير خارجيتها سفراء كل من المغرب والجزائر وموريتانيا في مدريد باعتبار أنهم دول مجاورة للصحراء الغربية بقرب الإعلان عن وضع الصحراء الغربية الجديد الذي يهدف إلى وضع حق تقرير المصير حيز التطبيق الفعلي. وفي أيلول سبتمبر 1974 أعلنت إسبانيا عن فشل الاتصالات التي أجرتها مع الدول المجاورة للصحراء الغربية في التوصل إلى اتفاق وقالت بأنه في ضوء الظروف وعلى أساس هذه النتائج فان سكان هذا الإقليم هم وحدهم الذين يملكون الحق الشرعي في تقرير مصيرهم.( )وعلى الرغم من كل هذه القرارات التي تثبت أحقية لشعب الصحراوي في تقرير مصيره والاستقلال وبالرغم أيضا من اعتراف المستعمرة السابقة للصحراء الغربية إسبانيا بذلك وتأكيد ودعم البلدان المجاورة بما فيها المغرب أيضا كمستعمرة لاحقة, لتقرير المصير فضلا عن مناداة الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها بضرورة الإسراع من اجل تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره, إلا أن إنجاز ذلك اصطدم فيما بعد بجملة من العوائق وحالت دون تنفيذه عدة أسباب ولعل من أهم هذه العوائق أو الموانع التي حالت دون تطبيق مبدأ تقرير المصير في الصحراء الغربية يتمثل في دور الدولة المنوط بها إدارة الإقليم وهي المستعمرة السابقة هذا من جهة ومن جهة أخرى معارضة المغرب لذلك بالإضافة إلى موريتانيا قبل أن تخرج من النزاع في العام 1979 وتعترف بحقوق الشعب الصحراوي, فإسبانيا قد تشبثت طويلا بإقليم الصحراء الغربية بل كانت تعدها المقاطعة الإسبانية رقم واحد وخمسين, ثم وان اعترفت بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي إلا أنها لم تعمل على تطبيقه, بل قد نقضت في أكثر من مرة بوعودها باحترام إرادة الصحراويين وحقهم في تقرير المصير , فلقد تبنت إسبانيا اتفاقية مدريد الثلاثية عام 1975وتنكرت لكل وعودها, وسلمت بذلك الصحراء الغربية إلى كل من المغرب وموريتانيا, وهو ما عطل إمكانية تطبيق المبدأ .أما المغرب وموريتانيا في الفترة قبل انسحابها فقد عملا على تعطيل تطبيق المبدأ حيث حالا دون التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى ذلك كما أشارت وأكدت إسبانيا ذلك في العام 1974, وتوجت هذه المعارضة أيضا لمبدأ تقرير المصير باستخدام القوة من قبل المغرب ضد الشعب الصحراوي سنة 1975 وتم بذلك احتلال معظم أراضيه من قبل المملكة المغربية حيث أن مجلس الأمن قد اصدر قراره رقم (380 s) بتاريخ 16 تشرين الثاني نوفمبر 1975 وكذلك قراره رقم ( 3458
المبحث الثالث
نزاع الصحراء الغربية من منظور القانون الدولي
أقرَّ القانون الدولي بضرورة تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية سواء سابقا فيما يتعلق بالمستعمرة السابقة إسبانيا أو لاحقا فيما يخص المملكة المغربية , فإقليم الصحراء الغربية لم يشكل حسب محكمة العدل الدولية جزءاً من " الوحدة الترابية " للمغرب وان الصحراء الغربية مستعمرة يجب تصفية الاستعمار منها من خلال تنظيم " استفتاء لتقرير المصير" يشارك فيه "السكان" الأصليين للإقليم حسب مخطط التسوية السابق أي للعام 1991 وهو ما تم تعديله لاحقا في خطة بيكر الأخيرة للعام 2003 حيث يسمح للمشاركة في الاستفتاء كل من سكن في الإقليم بشكل متواصل من العام 1999 أي انه يحق له التصويت وإن لم يكن من السكان الأصليين للإقليم.ومع هذا فلا يزال المغرب يدأب إن سابقا أو لاحقا على محاولة تشويه الحقائق التي اقر بها القانون الدولي وحسمت فيها محكمة العدل الدولية , ففي السابق مثلا وبعد الحكم الحاسم لمحكمة العدل الدولية حاول المغرب الاستيلاء على الصحراء الغربية من خلال طريقين: الأولى تتجلى في محاولة الحصول على مبررات قانونية تلغي الحكم وهي مهمة فاشلة حتماً والثانية وهي بكل بساطة فرض الأمر الواقع باللجوء إلى القوة وقد استعمل التكتكين في آن واحد غير أن ذلك أدى إلى تأثير مخالف وغير منتج بشكل كبير لصالح المغرب. و بالتالي فإن المبررات القانونية التي إستخدام لم تضمن له تشريع استعمال القوة وهذا ما أعطى امتيازاً سياسيا أكبر لجبهة البوليساريو من ذلك الذي كانت تتوفر عليه في بداية الصراع .
ولقد تجلى التكتيك المغربي الأول بعد هزيمة لاهاي في غزو الإقليم لفرض سياسة الأمر الواقع، وقد تم ذلك الغزو من مكانين وباستعمال طريقتين مختلفتين في نفس الوقت( ): احتلال الإقليم عسكرياً انطلاقاً من الحدود الشرقية و في نفس الوقت عن طريق "المسيرة الخضراء" من الحدود لغربية. وقد أصدر مجلس الأمن قرار 6 نوفمبر 1975يشجب هذه المسيرة ويندد بها ويطالب بإيقافها.ودفع الفشل الجديد المغرب إلى محاولة ربح مبررا قانونيا لاحتلاله من خلال اتفاقية مدريد14 نوفمبر 1975. غير أن هذا المبرر الضعيف في أصله يتوفر على ثلاثة ميزات مهمة( ): أولاً لا يحول "السيادة " على الإقليم بل "الإدارة " فقط ، ثانياً، هذا التحويل لا يتم إلى المغرب وحده بل إلى كيان ثلاثي إسبانيا، المغرب وموريتانيا ثالثا , هذا التحويل لا يتم إلا لمدة زمنية محددة إلى غاية 26 فبراير 1976 يصبح بعدها هذا الاتفاق لاغيا حتى ولو تحصل على شرعية دولية محولاً الوجود المغربي إلى وجود مصطنع, غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فحسب فممارسة الأمم المتحدة لم تسمح له بذلك , فمن جهة فهي لازالت تعتبر أن نزاع الصحراء الغربية هو مسألة تصفية استعمار وفي الواقع فإن الإقليم يوجد في لائحة الأقاليم الغير المستقلة ووضعيته القانونية تناقش بصفة دورية من قبل لجنة تصفية الاستعمار, ومن جهة ثانية وارتباطاً مع النقطة السالفة وتماشياً مع البند 73 من ميثاق الأمم المتحدة فإنه يتوجب على القوة المديرة للإقليم المستعمر تقديم معلومات إلى الأمم المتحدة بخصوص الأقاليم ذات الطابع. فبالرغم أنه تم تسليم إدارة الإقليم إلى المغرب وموريتانيا تماشيا مع اتفاقيات مدريد ، فإن تقارير الأمين العام للأمم المتحدة (على الأقل ما بين 1976 و 1988 تلمح إلى موقف تخلي إسبانيا عن إدارة الإقليم لكنها لم تشير أبداً إلى موريتانيا(هذه الأخيرة إلى غاية 1979) كقوتين مديرتين للصحراء الغربية دون أن يعني ذلك في أية حالة لاعتراف بالسيادة على ذلك الإقليم ما دام يعتبر مؤهلاً لتصفية الاستعمار, ثالثاً تحدثت عدة قرارات للأمم المتحدة عن "الاحتلال المستمر" لصحراء الغربية من قبل المغرب وهذا يدل على الاعتراف بأن تواجده لا يتوفر على مبررات قانونية بل أساساً على الأمر الواقع, رابعاً يقول بصراحة حكم الأمين العام المساعد المكلف بالشؤون القانونية في الأمم المتحدة وهو في نفس الوقت المستشار القانوني للمنظمة، السيد هانس كوريل في حكمه لصادر بتاريخ 29 يناير 2002، أن " اتفاق مدريد لم يسلم السيادة على الإقليم ولم يعطي لأي من موقعيه صفة القوة المديرة وهو أمر لم يكن بإمكان إسبانيا وحدها التصرف فيه بصفة انفرادية ", وأخيراً فإن كل المخططات التي صادقت عليها الأمم المتحدة سواء مخطط السلام لسنة 1990، اتفاقيات هيوستن المكملة له أو "مخطط بيكر الثاني" لسنة 2003 , وحتى المتضمنة في "مخطط بيكر الأول" تتجاهل الإشارة له كلية. هذا ما من شانه أن يثبت من وجهة قانونية أي من قبل القانون الدولي بأن النزاع هو مشكل تصفية استعمار لم تكتمل فصوله بعد ولازال ينتظر الحل حتى اللحظة وهذا يتوقف برأينا على مدى تعاون الأطراف المعنية والأمم المتحدة وبمدى ضغط الأخيرة على الطرف المعرقل والرافض لقراراتها.
الفصل الثاني
القضية الصحراوية في المنظمات الدولية
المبحث الأول
الصحراء الغربية والأمم المتحدة
أثار المغرب عام 1957 قضية الصحراء الغربية " والتي كانت تعرف بالصحراء الإسبانية "أمام اللجنة الأممية الخاصة بتقصي الحقائق عن الأراضي غير المستقلة , كما عرض مسالة إقليمي" ايفني " والصحراء الغربية على هيئة الأمم المتحدة عام 1962 مطالبا أن يطبق عليهما قرار تصفية الاستعمار الأممي رقم 1514 (15). وكانت الأمم المتحدة قد وضعت عام 1963 اسم الصحراء الغربية على قائمة المناطق الواجب تصفية الاستعمار منها .وفي السادس عشر من كانون الأول ديسمبر 1965 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 2072 (20 ).. وفيه (( طلب بصفة عاجلة إلى الحكومة الإسبانية بوصفها الدولة الحاكمة أن تتخذ وعلى الفور كافة الإجراءات الضرورية لتحرير أقاليم ايفني والصحراء لإسبانية من السيطرة الاستعمارية, وأن تدخل تنفيذا لهذه الغاية في مفاوضات حول المشاكل المتعلقة بالسيادة التي يثيرها هذان الإقليمان )) , وتعليقا على هذا القرار, أبدت الحكومة الإسبانية استعدادا لمعالجة قضية إقليم ايفني المغربي, لكنها رفضت البحث في موضوع الصحراء الغربية.وبعد ضغوط مغربية ودولية مورست ضد إسبانيا لإجبارها على تنفيذ مضمون القرار الدولي السالف الذكر , قبلت هذه الأخيرة التخلي عن إقليم ايفني.. فوقعت مع الحكومة المغربية معاهدة "فاس" في الرابع من كانون الثاني يناير 1969 أعادت بمقتضاها الإقليم المذكور إلى المغرب.وكانت الأمم المتحدة قد أكدت عام 1969 على حق شعب الصحراء الغربية ( غير القابل للتصرف) في تقرير مصيره استنادا إلى القرار الأممي 1514 .وفي الرابع عشر من كانون الأول ديسمبر 1972 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 2982(27).. وفيه تؤكد على الحق الثابت لسكان الصحراء الغربية في تقرير مصيرهم بأنفسهم طبقا للقرار الأممي1514, وتعترف بشرعية كفاحهم ضد الاستعمار وتعرب عن تضامنها وتأييدها للسكان الصحراويين ولكفاحهم المشروع في سبيل ممارسة حقهم في تقرير المصير ونيل الاستقلال, وتعلن إن استمرار الحالة الاستعمارية في الصحراء الغربية ,إنما يهدد بالخطر الأمني وعدم الاستقرار في منطقة شمال غرب إفريقيا.
وتطالب الحكومة الإسبانية بوصفها القائمة بالإدارة على الإقليم باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لخلق جو ملائم يسمح بممارسة حق تقرير المصير والاستقلال على أسس حرة ونزيهة, كما وتدعو الدولة الحاكمة إلى التشاور مع حكومتي المغرب وموريتانيا وأي طرف معني آخر بهدف تحديد آلية لتنظيم الاستفتاء تحت رعاية الأمم المتحدة, مع وضع الضوابط اللازمة لمنع غير السكان الأصليين من المشاركة باستفتاء تقرير المصير, وتطلب إلى إسبانيا استقبال بعثة أممية وتقديم كافة التسهيلات اللازمة لها بما يمكنها بفعالية في تطبيق إجراءات وضع حالة للحالة الاستعمارية في الإقليم, كما تطالب جميع دول العالم بالامتناع عن القيام بأي نشاط اقتصادي واستثماري في المنطقة من شأنه المساعدة على إبقاء الحالة لاستعمارية في الصحراء الغربية. ( ) ثم أصبحت قضية الصحراء الغربية موضوع سلسلة من القرارات الدولية المتلاحقة دون أن يغير ذلك من وضعها شيء على صعيد إنهاء المشكلة .
وفي الثاني عشر من أيار مايو 1975 شكلت لجنة الاستعمار التابعة للأمم المتحدة بعثة تقصي حقائق ضمت ممثلين من عدة دول وكُلفت بمهمة وضع دراسة تفصيلية عن مشكلة الصحراء الغربية .. حيث زارت البعثة كلا من الصحراء الغربية والمغرب والجزائر وموريتانيا إضافة إلى إسبانيا والتقت بالسكان الصحراويين في أماكن تواجدهم وبعد خمسة أسابيع من التقصي والبحث المتواصل قدمت البعثة تقريرها الذي جاء فيه( ) أن البعثة وجدت لدى السكان الصحراويين الذين التقتهم رغبة واضحة في الاستقلال ورفض مبدأ استرداد إقليم الصحراء الغربية من المغرب وموريتانيا وقد اظهر هؤلاء الصحراويين عبر التظاهرات والبيانات عن تأييدهم لجبهة " البوليساريو" التي تحظى بقبول كبير من قبلهم, والتي هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة .وأكدت البعثة الأممية في تقريرها أن إنهاء حالة الاستعمار في الصحراء الغربية يجب أن يأخذ بالاعتبار إرادة جميع الأهالي الصحراويين المقيمين فوق ارض الإقليم أو الموجودين منهم خارجه كلاجئين, واقترحت البعثة على الجمعية العامة للأمم المتحدة السعي من خلال اتخاذ التدابير الضرورية اللازمة لإجراء استفتاء حر في الصحراء الغربية ترعاه الأمم المتحدة ويقرر من خلاله شعب الإقليم مستقبله بنفسه, وفي الرابع عشر من تشرين الأول أكتوبر 1975.. عادة الأمم المتحدة للمطالبة بإجراء استفتاء حر تحت إشرافها في الصحراء الغربية.ثم شهدت الساحة الصحراوية أحداثا وتطورات متسارعة.. تمثلت بالمسيرة الخضراء المغربية التي اكتسحت فيها الجنود المغاربة وبعض المواطنين الحدود الصحراوية في الواحد والثلاثين من تشرين الأول أكتوبر 1975 وكان هذا التاريخ هو بداية الاحتلال المغربي للصحراء الغربية, وشهد أيضاً توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية في 14 تشرين الثاني 1975 التي بموجبها تتخلى إسبانيا المستعمرة السابقة عن الصحراء الغربية وتتقاسمها كل من المملكة المغربية وموريتانيا.. ونتجت عن ذلك وضعية جديدة على الأرض حيث أصبحت موريتانيا والمغرب تمثلان الطرف البديل عن إسبانيا في مواجهة المقاومة الشعبية الصحراوية. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم لمتحدة في الخامس من آب أغسطس 1979 قرارها رقم 3437.. وفيه أدانت الاحتلال المغربي للصحراء الغربية .وفي تشرين الثاني نوفمبر 1979 صدر عن الأمم المتحدة تصريح يؤكد أن لشعب الصحراء الغربية حقا لا يقبل المساومة في الاستقلال وتقرير المصير ودعا المغرب إلى وضع حد لاحتلاله الإقليم الصحراوي والاعتراف بجبهة البوليساريو كممثل عن شعب الصحراء الغربية.. لها حق المساهمة بأي عمل يجري إعداده ضمن إطار البحث عن حل سياسي منصف للمشكلة الصحراوية .وكانت الأمم المتحدة قد تقدمت في تشرين الثاني نوفمبر 1980 بطلب إلى المغرب وجبهة البوليساريو حثتهما فيه على الدخول في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى اتفاق تسوية نهائية بينهما, كما تبنت أساسيات قرارات منظمة الوحدة الإفريقية المتعلقة بالقضية الصحراوية مركزة فيها بشكل خاص على القرارات الداعية إلى وقف إطلاق النار والتفاوض المباشر وإجراء استفتاء تقرير المصير, بعد ذلك أصدرت الأمم المتحدة قرارا في السابع من كانون الأول ديسمبر 1983 طلبت فيه إلى الأمين العام اتخاذ الإجراءات اللازمة لتامين مشاركة فعالة للأمم المتحدة في عمليات تنظيم وإدارة الاستفتاء في الصحراء الغربية, وتقديم تقرير مفصل بهذا الخصوص إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي .وتأكيدا على ما كانت أعلنته أصدرت الأمم المتحدة قراراً حمل الرقم 5040 لعام 1985 والخاص بالمشكلة الصحراوية.. وفيه دعوة إلى وقف إطلاق النار في الصحراء الغريبة تمهيدا لتنظيم استفتاء تقرير المصير وطلب إلى طرفي النزاع الشروع في مفاوضات مباشرة يتم الاتفاق من خلالها على شروط الاستفتاء المقترح, كما أكدت الجمعية العامة في الواحد والثلاثين من تشرين الأول أكتوبر 1986 على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال, وطلبت إلى طرفي النزاع الدخول في مفاوضات مباشرة, بعد ذلك أعلنت الأمم المتحدة في الرابع والعشرين من أيلول سبتمبر 1987 عن إرسال بعثة فنية إلى الصحراء الغربية للإشراف على ترتيبات وقف إطلاق النار وإجراء استفتاء تقرير المصير.
ثم غدت مشكلة الصحراء الغربية واحدة من أهم الأزمات الدولية إشغالا للأمم المتحدة.. فصدرت بشأنها مجموعة متوالية من القرارات الهامة كان منها:القرار "621" الصادر في العشرين من كانون الأول ديسمبر 1988.. وفيه وافق مجلس الأمن الدولي على اقتراح مقدم من الأمين العام للأمم المتحدة يعين بموجبه ممثلا خاصا عنه في الصحراء الغربية ويكلف بمتابعة ملف النزاع المغربي - الصحراوي عن كثب . القرار " 658" الصادر في السابع والعشرين من تموز يوليو 1990.. وفيه يشكر مجلس الأمن جهود الأمين العام المبذولة لحل المشكلة الصحراوية ويطلب إليه تقديم تقرير مفصل عن خطة التسوية في الصحراء الغربية .القرار "690 " الصادر في التاسع والعشرين من نيسان أبريل 1991.. ويتضمن مصادقة مجلس الأمن الدولي على مشروع مخطط السلام المقدم من الأمين العام والذي حاز على رضى وقبول طرفي النزاع .. المغرب وجبهة البوليساريو .القرار المذكور مؤسس على صيغة القرار الإفريقي 104 وعلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 5040 وعلى أساس القرار "690" هذا وضعت الترتيبات الكاملة لتنظيم عمليات الاستفتاء في الصحراء الغربية, والتي تمر بعدة مراحل.. تبدأ بدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ العملي بين الجانبين اعتباراً من السادس من أيلول سبتمبر 1991 وينتهي بإعلان نتائج الاستفتاء في كانون الثاني يناير 1992 , وحدد القرار أيضا ما يلي( ):أن تكون عبارتا "نعم للاستقلال" أو "نعم للانضمام إلى المغرب" هما صيغتا التخيير النهائي المطروح على المقترعين, وان يتم تنظيم الاستفتاء اعتمادا على آخر إحصاء نظمته الإدارة الاستعمارية في إقليم الصحراء الغربية عام 1974, وتشكيل لجنة تحديد هوية تكون مهمتها مراجعة لوائح المنتخبين طبقا للإحصاء الإسباني, ورصد لهذه العملية مبلغ مالي وغيرها من الأمور الأخرى.وفي 19/12/1991 قدم السيد ديكويلار أمين عام الأمم المتحدة آنذاك تقريرا يحمل الرقم 23299س.يتضمن هذا التقرير معايير جديدة لتحديد هوية المصوتين تتألف من خمس معايير هي:
- الأشخاص الواردة أسمائهم في الإحصاء الإسباني لعام 1974.
- الأشخاص الذين أقاموا في الصحراء الغربية كأعضاء في إحدى القبائل الصحراوية أثناء فترة إجراء الإحصاء الإسباني ولم يتم تسجيلهم في الإحصاء.
- أعضاء العائلات القريبون من أشخاص المجموعتين السابقتين: آباء, أمهات, أبناء الأشخاص من آباء صحراويين ولدوا في الإقليم.
- أشخاص من قبائل صحراوية تنتمي للإقليم وأقاموا في الإقليم لمدة ست سنوات متصلة أو اثني عشرة متقطعة قبل حلول الأول من كانون الأول ديسمبر 1974.
وعلى الرغم من التحفظ الذي أبداه الطرفان فقد قبلا في النهاية التعاون على أساس مقترحات الأمين العام للأمم المتحدة المذكور آنفا, وبناء عليه بدأت لجنة تحديد الهوية عملها في 18/8/1994 وحتى كانون الأول ديسمبر تاريخ توقف العملية حيث تمكنت اللجنة من تحديد هوية حوالي 62 ألف شخص, وما كادت مساعي الأمم المتحدة السلمية في الصحراء الغربية تأخذ منحى الاستقرار حتى اندلعت الخلافات بين طرفي النزاع وهو ما أعاق عمل اللجنة الأممية و أضاع ما تحقق من جهود في هذا المضمار, وفي تشرين الثاني نوفمبر 1996 اصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يحمل الرقم 10841 وفيه جدد ولاية المينورصو, لغاية 31/5/1997 وطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة اقتراح خطوات بديلة في إطار خطة التسوية الموضوعة من قبل الأمم المتحدة, ومع حلول العام 1997 وتولي السيد كوفي أنان منصب الأمين العام للأمم المتحدة دخلت قضية الصحراء الغربية مسارات أكثر مرونة فقد وجه السيد أنان رسالة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي في 17/3/1997 يبلغه فيها عن تعيين السيد جيمس بيكر - وزير الخارجية الأمريكي الأسبق - مبعوثا خاصا إلى الصحراء الغربية ورد مجلس الأمن على رسالة الأمين العام تلك بإصدار بيان في 19 آذار مارس من نفس العام رحب فيه بموافقة الأعضاء الخمسة عشر باختيار السيد بيكر لمهمة مبعوث الأمين العام الخاص إلى الصحراء الغربية وفعلا قام جيمس بيكر بزيارة إلى المنطقة في نفس العام, التقى فيها مع جميع الأطراف على حدة وتباحث مع كل الفرقاء, وبناء على نتائج هذه الجولة قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريره رقم 366 إلى مجلس الأمن بتاريخ 5/5/1997 الخاص بقضية الصحراء الغربية, والذي تمحور حول بعض النقاط الهامة من مخطط التسوية الأممية ذكر منها:-
- تحرير أسرى الحرب.
- عودة اللاجئين الصحراويين.
- تجديد مهمة بعثة المينورسو حتى 30/9/1997.
إلا أن السيد جيمس بيكر استقال في العام 2004 من منصبه كمبعوث للامين العام إلى الصحراء الغربية نظرا لتعرض مهمته وهو الدبلوماسي المحنك إلى عدة عقبات واصطدمت بحواجز كبيرة من بعض الأطراف على حد قوله منعته من إيجاد حل للنزاع الطويل وحالت دون مضيه في تطبيق مخطط التسوية الأممي الإفريقي الذي أقرته الأمم المتحدة ووافق عليه الطرفان البوليساريو والمملكة المغربية وهذا ما أكده بيكر بُعيد استقالته في 2004 بقوله أن سبب فشله في تنظيم استفتاء تقرير المصير عائد إلى الطرف المغربي كونه غير واثق من نتيجة الاستفتاء في حالة تنظيمه ولقد عين الأمين العام للأمم المتحدة بعد استقالة بيكر الهولندي بيتر فان والسوم مبعوثا خاصاً عنه إلى الصحراء الغربية لعله ينجح في ما فشل فيه سلفه جيمس بيكر .
تجدر الإشارة هنا إلى أن جيمس بيكر جاء بعدة حلول للازمة كان أهمها وأكثرها وسطية على حد قول المراقبين مشروع تقرير مصير شعب لصحراء الغربية أو ما يعرف بمخطط بيكر الثاني للعام 2003 ويقضي هذا المقترح إلى إقامة حكم ذاتي لسكان إقليم الصحراء الغربية لفترة تراوح ما بين أربع إلى خمسة سنوات يأتي بعدها مباشرة الاستفتاء الذي سيحدد ما إذا كان سكان الصحراء الغربية يريدون الاستقلال عن المغرب أو لانضمام إليه وكان هذا الحل هو آخر الحلول إلى حد كتابة هذه الأسطر, المقدمة من قبل الأمم المتحدة لإنهاء النزاع الطويل في الصحراء الغربية.
إلا أننا ونحن الآن نطوي أشهر من عام 2006 أي بعد حوالي خمس عشرة سنة ونيف من وقف إطلاق النار لم تستطع الأمم المتحدة بعد التوصل إلى حل من شانه إنهاء النزاع وطي ملفه بل لا نرى في الأفق القريب ما يبشر بذلك , وفي المقابل مأساة الشعب الصحراوي تزداد مرارة يوم بعد آخر وأحلامه في العودة إلى أرضه من خلال تقرير مصيره الذي كان قد وعد به مقابل وقفه إطلاق النار في العام 1991 لم تتم بعد, وكأنه بذلك قد عوقب على خياره وقف الحرب والدخول في المسار السلمي الذي لم يضمن له إلى حد اللحظة ابسط حقوقه المشروعة في الحرية والسلام وإنهاء الاحتلال .
المبحث الثاني
الصحراء الغربية ومنظمة الوحدة الإفريقية
على الرغم من أن هيئة الأمم المتحدة كانت سباقة إلى المطالبة بتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره بنفسه إلا أن منظمة الوحدة الإفريقية كانت أكثر حزماً في موقفها الداعي إلى تصفية الاستعمار وإلى الوقوف بصرامة أمام العدوان المغربي - الموريتاني الذي مثل خرقا سافراً لواحد من أهم المبادئ التي نص عليها الميثاق التأسيسي للمنظمة ألا وهو مبدأ "احترم الحدود الموروثة عن الاستعمار" بالإضافة إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة استكمال تصفية الاستعمار من القارة السمراء. وقد يكون من سخرية الأقدار أن اجتماع مجلس وزراء الخارجية لأفارقة المنعقدة في الرباط (المغرب) في 12 يونيو - حزيران 1972 أصدر بياناً جاء فيه أن " المجلس يعرب عن تضامنه مع سكان الصحراء الغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني ويدعو إلى إلزام إسبانيا بضرورة إيجاد مناخ حر وديمقراطي يمكن سكان هذا الإقليم من ممارسة حقهم في تقرير المصير و الاستقلال في أقرب الآجال وفقاً لميثاق الأمم المتحدة". وفي يناير- كانون الثاني 1976 أوصى اجتماع لجنة التحرير التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية في مابوتو (موزمبيق) بالاعتراف بجبهة البوليساريو كحركة تحرير إفريقية و في مؤتمر ليبروفيل (الغابون) في شهر يوليو- تموز 1977 شارك وفد من الجبهة في أشغال مؤتمر الوحدة الإفريقية وهو المؤتمر الذي قرر استدعاء مؤتمر طارئ لمناقشة القضية الصحراوية يعقد خلال الفترة مابين 24-30 مارس -آذار 1978م في العاصمة الزامبية لوساكا غير أن هذا المؤتمر تأجل مرتين. ويعتبر مؤتمر القمة المنعقد في الخرطوم (السودان) في 17 يوليو- تموز 1978 مرحلة هامة في تاريخ التعامل الإفريقي مع الملف الصحراوي حيث أكد المؤتمرون ضرورة وقف العمليات العسكرية في المنطقة من جهة ومن جهة أخرى ضرورة البحث عن حل سياسي للنزاع على ضوء قرارات المنظمة ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة. ونتج عن المناقشات المعمقة حول المسألة الصحراوية في هذا المؤتمر إنشاء لجنة حكماء من خمسة رؤساء أفارقة ضمت كل من رؤساء السودان وغينيا ومالي ونيجيريا وتنزانيا لدراسة معطيات الملف الصحراوي بما في ذلك حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وذلك بقصد تقديم اقتراحات وتوصيات محددة لمؤتمر القمة الإفريقية اللاحق, وانبثق عن لجنة الحكماء لجنة فرعية ضمت الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية ورئيسا مالي ونيجيريا قامت بعقد لقاءات مع المغرب و البوليساريو وموريتانيا و الجزائر وإسبانيا للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة حول المسألة الصحراوية. وفي نهاية اجتماع لجنة الحكماء الأفارقة في الخرطوم في 23 يونيو- حزيران 1979م تبنت اللجنة قراراً يوصي بالوقف الفوري لإطلاق النار وممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير عبر استفتاء حر و عام كما رفعت إلى مؤتمر القمة ملفاً كاملاً حول القضية الصحراوية . هذا وقد تبنى مؤتمر القمة المنعقد في منروفيا (ليبيريا) في الفترة مابين 17 و20 يوليو- تموز 1979م قرار لجنة الحكماء الأفارقة من خلال قراره المصادق عليه بثلاثة وثلاثين صوتاً ضد صوتين والذي جاء فيه على الخصوص ما يلي " باعتبار أن كل الأطراف المعنية باستثناء المغرب متفقة على أن شعب الصحراء الغربية لم يمارس حقه في تقرير المصير ولما كان الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا يخص فقط تسليم إدارة الإقليم للمغرب وموريتانيا وهو لا يشكل تسليماً للسيادة فإن اللجنة الخاصة توصي بما يلي(
):- الإعداد لجو ملائم لتحقيق السلام والمحافظة عليه في المنطقة باحترام وقف إطلاق نار عام وفوري.- ممارسة شعب الصحراء الغربية حقه في تقرير مصيره من خلال استفتاء عام وحر يمكنه من تبني أحد الاختيارات التالية: أ. الاستقلال التام ب. المحافظة على الوضع الراهن.- اجتماع الأطراف المعنية لطلب تعاونها قصد تطبيق التوصيات.- تشكيل لجنة من ستة أعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية تكلف بتحديد الإجراءات ومراقبة الاستفتاء بالتعاون الكامل مع هيئة الأمم المتحدة. وقد اجتمعت اللجنة السداسية في الأسبوع الأول من ديسمبر- كانون لأول 1979م في العاصمة الليبيرية مع جميع الأطراف والتي حضرت باستثناء المغرب الذي بدأ يشعر بأنه يسبح عكس التيار خاصة أن هذا لاجتماع جاء بعد توقيع اتفاق السلام بين جبهة البوليساريو والحكومة الموريتانية التي انسحبت من الأراضي الصحراوية التي سبق وان احتلتها مناصفة مع المغرب. وفي العاصمة السيراليونية فريتا ون انعقد اجتماعان في يوليو- تموز وسبتمبر- أيلول 1980م .وتميزت هذه اللقاءات محاولات المغرب التهرب من المساعي الرامية إلى تنفيذ القرارات الصادرة عن المؤتمرات السابقة غير أن لقاء فريتاون الثاني اصدر توصيات هامة تركزت على ضرورة الإسراع بتنظيم استفتاء حر لشعب الصحراء الغربية وكذلك توجيه نداء إلى الأطراف المعنية لوقف إطلاق النار بصفة فعلية في شهر ديسمبر 1980م وإبقاء القوات العسكرية في ثكناتها وقواعدها وهي التوصيات التي قوبلت برفض مغربي.
وسعياً من المغرب لمنع قبول طلب الجمهورية الصحراوية الانضمام إلى منظمة الوحدة الإفريقية شارك الحسن الثاني ملك المغرب في أعمال مؤتمر القمة الإفريقية الثامن عشر المنعقد في نيروبي (كينيا) في شهر يونيو 1981م وأعلن في خطابه أمام القمة الإفريقية قبول المغرب أجراء استفتاء مراقب في الصحراء الغربية ولكن ملك المغرب ما أن عاد إلى بلده حتى صرح في ندوة صحفية عقدها يوم 2 يوليو- تموز 1981م أن لاستفتاء - كما يراه- لا ينبغي أن يكون إلا تأكيدياً لضم الصحراء الغربية للمغرب. وكان مؤتمر القمة الإفريقية قد اصدر لائحة أكد فيها على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وطالب أطراف النزاع بوقف إطلاق النار كما انشأ المؤتمر لجنة من سبعة أعضاء لتحضير إجراءات الاستفتاء في الصحراء الغربية بالتعاون مع الأمم المتحدة.في أواخر فبراير- شباط 1982م في الدورة الثامنة و الثلاثين لمجلس وزراء الخارجية الأفارقة المنعقد في أديس أبابا (أثيوبيا) وبناءً على أحكام المادة الثامنة والعشرين من ميثاق المنظمة أعلن عن قبول طلب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كعضو كامل العضوية في منظمة الوحدة الإفريقية بعد اعتراف 26 دولة من أعضاء المنظمة به لتصبح بذلك العضو الواحد والخمسين في منظمة الوحدة الأفريقية وهو ما تبعه انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية والتي لم يعد إليها حتى الآن.
بسبب حالة العداء التي أبدتها الإدارة الأمريكية برئاسة ريغان تجاه الجماهيرية العربية الليبية والتي بلغت ذروتها بالقصف الجوي الأمريكي للمدن الليبية سعت الإدارة الأمريكية لمنع تسلم القائد الليبي معمر القذافي رئاسة المنظمة الإفريقية من خلال دعوتها الدول الإفريقية الموالية لها إلى مقاطعة مؤتمر الوحدة الإفريقية الذي كان من المقرر أن ينعقد في طرابلس في أغسطس- آب 1982م واستجابت بعض الدول الإفريقية بعد جولة نائب الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش (الأب) و الممثل الأمريكي في الأمم المتحدة كيرباتريك إلى عدد من تلك الدول. (أنظر صحيفة لوموند 10.6.1982) وقد قاد هذا التوجه الداعي لمقاطعة القمة الإفريقية في ليبيا كل من المغرب وزائير (الكونغو الديمقراطية حالياً ( والسنغال والسودان والصومال بقصد منع القمة من الانعقاد لعدم توفر النصاب القانوني المتمثل في حضور 34 من الدول الأعضاء. وكان مبرر المقاطعة هو رفضهم المشاركة في القمة في حالة حضور الوفد الصحراوي لجلساتها وهو ما حصل بالفعل وأصبحت منظمة الوحدة الإفريقية على شفا الانقسام على نفسها. ولتفويت الفرصة على أعداء أفريقيا وحفاظاً على وحدة المنظمة قرر الوفد الصحراوي الموفد إلى القمة الانسحاب الطوعي و المؤقت من أعمال القمة الإفريقية, وعلى الرغم من المساهمة الصحراوية في لم الشمل الإفريقي فإن مؤتمر القمة لم ينعقد في ليبيا الشيء الذي يظهر إن حضور الوفد الصحراوي لم يكن إلا ذريعة من الدول التي أتأمرت بتوجيهات واشنطن وباريس لمنع انعقاد القمة في طرابلس وكانت الحجة هذه المرة تمثيل جمهورية تشاد في القمة. وعند ما تبين أن النصاب القانوني لا يمكن أن يحصل عليه لعقد القمة في طرابلس الغرب عقد قادة 30 دولة عرفت باسم "إفريقيا الحرة" مؤتمراً إعلامياً في طرابلس نوقش فيه الوضع في إفريقيا و المخاطر التي تتهدد وحدة المنظمة من جراء التدخل الأجنبي وخاصة الأمريكي- الفرنسي في شؤون القارة السمراء. وأعلن المؤتمرون تضامنهم مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في كفاحها العادل من أجل الاستقلال والسيادة كما دعوا الجمهورية الصحراوية والحكومة المغربية إلى البحث عن حل سلمي للنزاع بينهما.في يونيو- حزيران 1983 التأمت القمة الإفريقية في مقر المنظمة في أديس أبابا (أثيوبيا) وهو ما شكل نجاحاً لإفريقيا بتجاوزها طور الانقسام و تثميناً من القادة الأفارقة لروح المسؤولية العالية التي أبدتها الجمهورية الصحراوية بهدف إنجاح مؤتمر القمة تبنى لمؤتمر بالإجماع اللائحة 104 التي تدعو المغرب وجبهة البوليساريو كطرفي نزاع إلى إجراء مفاوضات مباشرة للوصول إلى وقف إطلاق النار وخلق الظروف الملائمة لأجراء استفتاء حر وعادل من اجل تقرير مصير الشعب الصحراوي دون ضغوط إدارية أو عسكرية وتحت إشراف منظمة الوحدة الإفريقية وهيئة الأمم المتحدة. كما تدعو القمة هيئة الأمم المتحدة لإرسال قوة حفظ سلام إلى الصحراء الغربية قبل إجراء الاستفتاء وهذه اللائحة كانت الأساس الذي بني عليه مشروع الأمم المتحدة للسلام في الصحراء الغربية.
لقد وجدت القرارات الإفريقية قبولاً واسعاً من طرف المجتمع الدولي وشكلت بداية العمل المشترك بين منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة سعياً نحو حل سلمي وعادل لنزاع الصحراء الغربية يقوم على تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره بنفسه والتعبير عن اختياراته بحرية وبضمانات دولية وهو ما يشهد بالدور الجبار الذي بذلته الشعوب والحكومات الإفريقية في مسعاها لحل مشكلة الصحراء الغربية التي تشكل آخر المستعمرات في القارة التي لم تتم فيها عملية تصفية الاستعمار حتى الآن.
في السنوات اللاحقة سعى المغرب ما استطاع إلى تقليص دور المنظمة الإفريقية في حل النزاع وتأكيد ثقته في الأمم المتحدة فقط ومع ذلك لم توقف محاولاته الممنجهة وسعي الحكومات اليمينية الفرنسية إلى جر بعض الدول الإفريقية التخلي عن دعمها للقضية الصحراوية وأنفق المغرب وفرنسا أموالاً باهظة لشراء الذمم واستعملوا سلاح الغذاء والمساعدات دون جدوى ولم تفلح تلك الجهود مع منظمة الوحدة الإفريقية ولا مع الاتحاد لإفريقي الذي نشأ كبديل عن المنظمة القارية العتيقة بل أعلنت دول الاتحاد الإفريقي اختيارها للرئيس الصحراوي واحداً من النواب الخمس لرئيس الاتحاد الذي كانت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية خامس بلد وقع على ميثاقه التأسيسي في حين ظل المغرب يمارس سياسة الكرسي الشاغر ليكون بذلك البلد الوحيد في القارة الإفريقية الذي يقع خارج إطار الاتحاد الإفريقي وهو ما يحرمه من البرنامج التنموي " نيباد" الذي تبنته الأمم المتحدة ومجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى للنهوض بإفريقيا من جهة ومن جهة أخرى يقف المغرب حجرة عثرة أمام التعاون الإفريقي- العربي وهو ما يقطع جسور التواصل بين العرب ومحيطهم الإفريقي التي ظلت قائمةً لعدة قرون وما لذلك من آثار بالغة على مصالح العرب ورسالة الإسلام من جراء الانكفاء العربي عن العمق الإفريقي وهو ما يعني تركه مرتعاً للنشاط الصهيوني و حملات التبشير التي تعتبر أفريقيا الميدان الأول لمعركتها مع الإسلام .
المبحث الثالث
الصحراء الغربية والجامعة العربية
يعود أول اتصال للجامعة العربية بإسبانية المستعمرة السابقة للصحراء الغربية قبل الاحتلال المغربي لها إلى تاريخ 1946 عندما بادرت الحكومة الإسبانية بإرسال رسالة إلى الجامعة العربية تقترح فيها عقد اتفاقية معها باسم " مراكش الإسبانية " لكن الجامعة العربية اتخذت موقفا واضحا آنذاك فطالبت إسبانيا بمنح الاستقلال لجميع المناطق العربية التي تحتلها بما في ذلك الساقية الحمراء ووادي الذهب أي ( الصحراء الغربية ) وهو ما أكده السعي الدائم للجنرال الإسباني آنذاك "فرانكو" من اجل كسب صداقة الجامعة العربية من خلال إعطاء الكثير من الوعود حول موضوع "منح الاستقلال" خلال أعوام 1952, 1956.( )
هذا بالإضافة إلى محاولة يتيمة قام بها أمين عام الجامعة العربية السيد محمود رياض أجرى فيها محادثات مع الأطراف الأخرى (الجزائر موريتانيا) ثم مع المملكة المغربية وبعدها التقى بتاريخ 21 شباط 1976 مع قيادة جبهة البوليساريو حيث أجرى محادثات ونقاشات معها, أعقب ذلك بتصريح له في أشغال مجلس وزراء الجامعة العربية المنعقد في القاهرة يوم 4 آذار 1976 قال فيه إن التضامن العربي قد هزته تجارب صعبة في لبنان وفي الصحراء الغربية ثم طلب من مجلس الوزراء أن يتحمل المسؤولية المشتركة .وللإشارة فان الجامعة العربية لم تدرج في أي من قممها في جدول أعمالها قضية الصحراء الغربية اللهم إلا ما قام به الأمين العام الحالي في أول عهدته( ) حيث أدرج في تقريره المقدم إلى أول اجتماع يترأسه لمجلس وزراء الخارجية العرب فقرة خاصة بقضية الصحراء الغربية وُقبل هذا العمل بالرفض والتنديد من قبل المغرب ودول أخرى, ليبقى موقف الجامعة العربية من قضية الصحراء الغربية والى الآن هو نفسه موقفها التقليدي الذي لا يجرؤ على مناقشتها أو التطرق لها لأسباب أو لأخرى .ويظهر من هذا ضعف إن لم يكن انعدام الدور الذي لعبته أو تلعبه الجامعة العربية في قضية الصحراء الغربية, بل اتسم الموقف العربي تجاه القضية الصحراوية بالبرودة على المستويين الشعبي والرسمي, إذا ما استثنينا من ذلك الدول التي سبق وان اعترفت بالدولة لصحراوية وأقامت معها علاقات كسوريا والجزائر، ليبيا, موريتانيا ,اليمن الجنوبي سابقا وتختلف طبعا طبيعة هذه العلاقات من دولة إلى أخرى وتختلف أيضا أدوارها ومساعيها من أجل إيجاد حل لنزاع " الأشقاء – الأعداء ".ومن هذا يتضح جليا منأى الجامعة من قضية الصحراء الغربية إذا ما اعتبرنا أن النزاع القائم هو نزاع عربي – عربي بالدرجة الأولى مما يلقي على عاتق الجامعة العربية المسؤولية الكبرى بضرورة إيجاد مخرج أو حلا من مقدوره أن يضع نهاية لنزاع عمر أكثر مما ينبغي وجهت إبانه رصاصة العربي إلى صدر أخيه العربي.إلا أن ما هو قائم على صعيد النزاع يكاد يكون العكس من خلال اكتفاء الجامعة العربية برمي كرة نزاع الصحراء الغربية في ملعب الأمم المتحدة دون ما تبني اقتراح أو تقديم مبادرة لعلها تكون أرحم للنزاع "العربي – العربي" من وضعه على رفوف الأمم المتحدة وبالتالي معالجته من قبلها أي الأمم المتحدة بطريقة أو أسلوب قد لا يرضي الجامعة العربية خاصة إذا ما مَثُل أمامنا نموذج حل الخلاف الكويتي – العراقي في تسعينيات القرن الماضي فالتاريخ قد يعيد ما لا تشتهي الجامعة العربية تكراره.