بسم الله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد صلى الله علية وسلم ..
أخوتى فى الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيادة القانون وسيادة الرئيس
فهمي هويدي
إذا صح ما نشرته الدستور في (24/7) عن منح المطربة التونسية لطيفة جواز سفر مصرياً بناء علي موافقة الرئيس حسني مبارك , فذلك دليل آخر علي أن سيادة الرئيس في مصر أهم من سيادة القانون , الحكاية , كما روتها "الدستور" كالتالي : في الاحتفال بعيد الثورة شاركت لطيفة بعدة أغنيات نالت استحسان الرئيس , وبعدما أدت وصلتها صافحها الرئيس مشجعاً , لكنها في تلك اللحظة طلبت من أن تحصل علي جواز مصري , بما يعني منحها الجنسية المصرية , فما كان من الرئيس إلا أن وافق علي طلبها , وتم لها ما أرادت .
حين قرأت الخبر انتابني شعور بالحزن لسبب لا علاقة للطيفة به , إذ ليست لدي مشكلة معها , كما أنني لست ضد منحها الجنسية المصرية , علماً بأنني من جيل تعلم وتمني دائماً أن تظل مصر بيت العرب , ولا يزال مقتنعاً بأن أي عربي مستحق ينبغي أن يمنح الجنسية المصرية بلا تردد , من ثم فليس لدي تحفظ علي موضوعها , وإنما ينصب تحفظي علي الشكل في المسألة , إذ مبلغ علمي أن منح الجنسية في مصر له طريقان : إما قرار وزير الداخلية الذي يشترط استيفاء شروط معينة في طالب الجنسية , أو قرار رئيس الجمهورية الذي له أن يتجاوز عن تلك الشروط في حالتين : الأولي : حالة الذين أدوا خدمات جليلة للوطن , أو رؤساء الطوائف الدينية , وقد نص القانون منح الجنسية الصادر في سنة 1975 علي الاختصاص الأول في المادة الرابعة , والثاني في المادة الخامسة , ومن الناحية العملية وابتداء من عام 1981 , فإن مصر لم تمنح الجنسية لطالبيها بقرار من وزير الداخلية , وظل المنح مقصوراً إما علي قرارات الرئيس أو توجيهاته .
وفي حالة المطربة لطيفة فإن توجيه الرئيس بمنحها الجنسية تجاوز الحدود التي رسمها القانون لإعطائه تلك الصلاحية , إذ يصعب القول إنها أدت خدمات جليلة للوطن , وفي حدود ما نعلم فإنها لا تترأس أي طائفة دينية , ومن الواضح أن أحداً لم يدقق في هذه المسألة , وإن قرار منحها الجنسية استند في شرعيته إلي الموافقة الشفوية التي عبر عنها الرئيس , وهذه ليست مسألة هينة بطبيعة الحال , لأننا درجنا في مصر دائماً علي أن نعتبر كلام الرئيس قرارات جمهورية , أما إيماءاته فإنها تفتح الأبواب المغلقة , في حين تعد ابتسامته إيذاناً بصفاء الجو وحلول الربيع .
أعرف واحداً من كبار رجال الأعمال قال كلاماً لم يسترح له الرئيس في أحد الاجتماعات , فلم يصافحه بعد انتهاء الجلسة , فكانت النتيجة أن كشرت له الدنيا عن أنيابها , وأدار الجميع ظهورهم له , حتى إن هاتفه الذي لم يكن يكف عن الرنين طوال الوقت بدا وكأن الخط فيه قد انقطع , ولم تبتسم له الدنيا ولم تعد "الحرارة" إلي الهاتف , إلا بعد أن صلح أموره وسوي المسألة , ويتداول الوسط الصحفي قضية حدثت قبل سنوات قليلة , حين كان الصحفيون والكتاب يدعون لزيارة مشروع توشكي , إذ اندس بينهم أحد الهواة الباحثين عن الشهرة , الذي ما أن أتيح له أن يصافح الرئيس حتى قال إن لديه أمنية يتمني عليه أن يحققها له , وهي أن يضم صاحبنا إلي كتاب جريدة الأهرام , وحين سمع الرئيس رجاءه قال ضاحكاً , بسيطة اكتب في الأهرام والأخبار والجمهورية , وحينئذ لم يؤخذ كلامه باعتباره مزحة , ولكنه استقبل بحسبانه إرادة رئاسية وقراراً جمهورياً , وبالفعل صدق الرجل الكلام , وامتثلت له الصحف الثلاث , وظل المذكور واحداً من "كتابها" لبعض الوقت , إلي أن لفظته الصحف استجابة لرغبة القراء .
لدي سبب آخر للحزن هو أني في حين منحت لطيفة لجنسية المصرية في لحظة زمن ساد فيها الصفاء والحبور , فإن مئات من المصريات اللاتي تزوجن من فلسطينيين قبل عام 2004 فشلن في تجنيس أبنائهن , وكان القانون الذي صدر في ذلك العام قد أعطي الجنسية لكل أبناء المصريات المتزوجات من أجانب , وفي التطبيق استثني اللاتي تزوجن من فلسطيني قبل صدوره , ومشكلة أولئك الأمهات الحائرات أنهن لا يحلمن بفرصة كتلك التي توفرت للمطربة التونسية أو لغيرها , ممن أتيح لهم أن يوصلوا مشكلاتهم إلي مسامع الرئيس , عسي أن يرق قلبه ويشير بحلها ولو بإيماءة رأس تنم عن التعاطف والرضي