كثيراً ما نسمع في القصص أو الأفلام الأوربية عن ما يدعى البصمة الوراثية ....وأنه تم كشف المجرم الحقيقي من خلال أثر قد تركه وتم تحليل ال DNA الخاص به وتم التعرف عليه
ومن واقع دراستي في مجال الوراثة أردت أن أقدم بعض التوضيحات التي قد تقرب للبعض مفهوم هذا المصطلح
فما ذا تعني وكيف تم اكتشافها..؟؟؟


لقد أنجزت البشرية في الخامس عشر من فبراير 2001 أهم وأدق مشروع في تاريخها الطويل ، هذا الإنجاز الذي يتعلق بسر الحياة ويصف الحروف التي كتبت بها قصة حياة كل فرد من أفراد المجتمع الإنساني . ويكون الإنسان لأول مرة في تاريخ وجوده قد التفت إلى نفسه للتعرف عليها والغوص في أعماقها بعد أن شغل لزمن طويل في البحث عما يدور حوله من ظواهر .
ولكن يبدو أن الجينوم ( وهو مجموع المادة الوراثية التي تحتويها الخلية وهي تتضمن كل المورثات ، ويحتوي الجينوم البشري على ما يقارب 30 إلى 40 ألف مورثة ) أو الخارطة الوراثية للبشر والتي كانت إحدى مفرزاتها البصمة الوراثية ، ستكون بمنزلة صندوق أسرار ، له شأن خطير في خصوصية حياة الإنسان وعمله وعلاقاته وموته أيضاً .


البصمة الوراثية :

حاول الإنسان منذ القديم التمييز بين أفراد جنسه ، معتمداً في البداية على الاختلافات الشكلية الظاهرية ، وكان ذلك مجدياً عندما كان عدد بني البشرمحدوداً . ولكن مع التزايد المتسارع أصبح التمييز بين أفراد البشر ضرباً من ضروب المستحيل ، فلجأ العلماء إلى البحث لإيجاد طريقة أجدى ، فكان اكتشاف الخطوط الحليمية على سطح أصابع اليدين ( بصمات الأصابع ) ، الذي أحدث ثورة علمية ذات شأن كبير في تحديد هوية الفرد ومازالت متعبة حتى يومنا هذا ، وإن المتتبع لفتوحات علم الوراثة يتذكر دائماً مواقف يمكنها أن تعطينا صورة واقعية للتطورات التي طرأت على هذا العلم الإنساني ، ففي عام 1902 حدثت جريمة مروعة في باريس ، وللكشف عن هوية الجاني استخدمت ولأول مرة في التاريخ بصمة الإبهام اليسرى لتحديد المجرم . وقد تعلم المجرمون بعد ذلك أن يغطوا أيديهم قبل الشروع بجرائمهم . ولم تصمد أمام دهاء المجرمين الذين تمكنوا بسهولة من إخفاء بصماتهم أو تشويهها والفرار من قبضة العدالة

حاول علماء الطب الشرعي استخدام الزمر الدموية لكنها كانت وسيلة ضعيفة . ثم كانت محاولة استخدام تقنية الرحلان الكهربائي لفصل البروتينات في عينات الدم المأخوذة من مسارح الجرائم ، ولكن هذه الطريقة لم تكن ذات جدوى كبيرة بسبب عدم ظهور الاختلافات الفردية بوضوح على مستوى الأحماض الأمينية لأن كثيراً من البروتينات أو الأنزيمات تتشابه في تكرار مكوناتها بين معظم البشر.
وفي عام 1985 بدأ العلم يخطو نحو الفتح الكبير وهو البصمة الوراثية التي نصبت نفسها قاضياً حقيقياً لفصل الكثير من القضايا العالقة في المحاكم وبشكل قطعي . وهنا نتذكر الجريمة التي حدثت في ذلك العام في إنجلترا ، حيث قتلت فتاتان قرب قرية – ليستر شاير – ولم يعثر رجال الشرطة على أي أثر لبصمات غريبة في ساحة الجريمة .

فقد كان المجرم على ما يبدو حريصاً على حبك الجريمة بطريق متقنة . ومن جديد هي البصمة الوراثية فقد ترك المجرم أثراً آخر هو بعض الشعرات التي تعود إليه ، ومن خلالها درست مادته الوراثية . وقد حسمت البصمة الوراثية أكثر من نصف حالات إثبات الأبوة في المحاكم الأمريكية والتي كانت حتى نهاية عام 2000 موضوع نزاع .

في عام 1989 عثر على بقايا هيكل بشري في إحدى الغابات في الولايات المتحدة الأمريكية ، ونجح الطب الشرعي في استخلاص ال DNA من الخلايا العظمية للهيكل . وتمت مقارنتها مع الأدلة المقدمة من أهالي الأطفال المفقودين ، وتبين من خلال تحاليل البصمة الوراثية أن الهيكل يعود لطفلة مفقودة منذ سنوات . وهكذا استطاع الطب الجنائي تحديد الهوية الوراثية للطفلة ووضع حد لانتظارهم الطويل جداً للعثور عليها . ولا يغيب عن البال أنه في عام 1992 ، تمكن الأطباء الشرعيون من تحديد الهوية الوراثية لقائد معسكر مفقود منذ الحرب العالمية الثانية من خلال عثورهم على بعض الهياكل البشرية أثناء جرف أرض المعسكر في إحدى الولايات المتحدة ، وبالرغم من المدة الزمنية الطويلة التي مضت على موته إلا أن بصمة ال DNA تمكنت من تحديد هوية هيكله من خلال أخذ عينات دم من والدته ومن أولاده ومقارنة بصمتهم الوراثية مع بصمة الهياكل المعثور عليها ، وأسدل الستار أخيراً على قضايا كثيرة من خلال دراسة الهوية الوراثية للضحايا .


والأمثلــــــــة كثيراً ... حتى الوقت الراهن تم الكشف عن كثير من القضايا الغامضة بفضل البصمة الوراثية وجدير بالذكر أنه تم اطلاق سراح كثير من السجناء في أمريكا (بعد فترة تتجاوز العشر سنوات أو أكثر ) والذين قد ظهرت براءتهم بعد تحليل مادتهم الوراثية ومطابقتها مع المادة التي كانت موجودة في مسرح الجريمة.

وفي عام 1990 م وقعت حادثة من نوع ثالث وهذه المرة في أمريكا ، ولكنها تتعلق هذه المرة بعالم الطب لا بعالم الجريمة ، فقد حصلت أول عملية جراحية للجينوم البشري وفيها تم إصلاح خطأ مورثي في أسس مورثة كانت قد حصلت عليها الطفلة Ashanti من أبويها ، وبذلك استطاعت العيش وبعثت لها الحياة مع النسخة الصحيحة للمورثة التي دخلت في جينومها من جديد
وفي بعض الحالات ( مثل مرض الأنيميا المنجلية والتليف الحوصلي ) ، فإن التركيب الدقيق على مستوى الجزئيات قد أصبح مفهوماً وواضحاً إلى حد بعيد للأطباء والباحثين ، لكنه على عكس ذلك في بعض الأمراض المزمنة مثل مرض السكر وارتفاع الضغط الدموي ، حيث لم تتضح الأمور كلها بعد ، وحتى تتضح كل تلك الأمور مجتمعة يبقى السؤال ، ما هي الطرق الأخلاقية التي ينبغي اتباعها حتى يتبين الإنسان كل خرائط الجينات داخل الخلايا ؟


ما هي آلية البصمة الوراثية ؟

يعتمد مبدأ تقانة البصمة الوراثية على جمع عينات بيولوجية من جسم الإنسان المراد الكشف عن هويته مثل عينات الدم أو خصلات الشعر – بشرط وجود البصيلات فيها – أو جزء ضئيل جداً من الأظافر أو اللعاب أو المني أو المفرزات المهبلية الجافة أو أي نسيج بشري كان ، ثم تنقل العينات إلى المختبرات أو المعامل البحثية ، وتطبق عليها تقانات الهندسة الوراثية لدراسة الذخيرة الوراثية التي تحملها .

بات معروفاُ أن الجسم البشري يحوي على 60 ألف بليون خلية ، في كل خلية منها سفر صخم وكتاب معجزة يحمل كل علامات القدر الوراثي للخلية ويلخص أسرار الحياة ، ولكن السؤال هل هذه الكتب متشابهة ؟ والإجابة هي أنها متفردة وكل منها يختلف وسطياً بثلاثة ملايين طريقة عن النسخ الأخرى للأفراد الآخرين ، والمثير حقاً أن تلك الكتب الكونية الخارقة المتفردة ذات التنوع غير المحدودة مكتوبة فقط باستخدام لأربعة حروف لا أكثر هي ( A, T, C, G ) ، وهي الأحرف الأولى للأسس الآزوتية ( الأذنين – التايمين – السيتوزين – الغوانين ) المكونة لجديلتي ال DNA المكون للذخيرة الوراثية للكائنات الحية ، حيث تكون كل ثلاثة أسس ما يدعى بالنكليوتيد . وتتحدد المورثات نتيجة تتابع أو تعاقب النكليوتيدات في شريط ال DNA ، وبالإضافة إلى المورثات هناك تكرارات مختلفة تتراوح بين أربعة نكليوتيدات حتى ثلاثين ، وتنتشر هذه التكرارات مختلفة في جميع الصبغات ، وباختلاف ترتيبها وتتابعها نحصل على هذا التنوع والتباين الكبير في الصفات المختلفة للأفراد .
وتتميز هذه التكرارات بما يلي :

1 - يمكن أن يتراوح عدد التكرارات ما بين 2 – 200 مرة في الأشخاص .
2 - يختلف عدد النكليوتيدات التي تفصل بين هذه التكرارات باختلاف الأشخاص .
3 - يوجد أنواع عديدة من التكرارات الخاصة أو المميزة لكل فرد ، مما يزيد الاختلاف بين الأفراد . ونتيجة للميزات الثلاث السابقة أقر العلماء بالتنوع العالي وعدم تطابقه بين أي فرد من البشر حتى التوائم الحقيقية ( الناتجة من نفس البيضة الملحقة ) ، مما دفعهم لاعتماد بصمة ال DNA دليلاً قاطعاً في تحديد الهوية لا يمكن تحويره أو تزييفه .

ويمكن تصنيف التكرارات المتنوعة والمختلفة فيما بينها ضمن ال DNA البشري إلى صنفين ، وذلك تبعاً لكيفية الحصول عليها من قبل الباحثين في المختبرات العلمية sad.gif الفنترات VNTRs , الرفليبات RFLPs )

ولن أدخل في تفصيلهما

وبنتيجتها أصبح من الممكن معرفة نسبة تشابه أي فردين من البشر حتى لو كان التشابه بنسبة واحدة إلى عشرة بلايين ، وهي بالطبع نسبة تفوق الخيال , أي أنه من المستحيل أن تتطابق مادتان وراثيتان لشخصين


ولكن ما ذا عن السلبيات التي تواجه هذا العلم..... وماذا عن استباحة الأسرار .....والأسئلة التي يطرحها القانون ... والكثيـــــــــر
لكن أفضل أن يكون لهذا الموضوع تتمة وأعدكم في أقرب وقت أني انشاء الله سأكمل هذا الموضع وذلك لعدم الإطالة أكثر من ذلك


وأعتذر ان كنت أطلت عليكم بس يا ريت أكون قدر الإمكان إني أوصلت فكرة ربما تكون غائبة عن البعض , وفي جميع الأحوال تتميز هذه الاكتشافات العلمية (بالنسبة لي )بشيء من الغموض لأن الخيال أحياناً يعجز عن تصور هذه الدقائق الفائقة في الصغر
وبتمنى اللي عنده أي معلومات ... ممكن يقدر يفيدنا
.



رزان