
عبير صلاح الدين
استوقفانى.. هو وزوجته التى تمسك ابنتهما الصغرى.. قالت لى: «والله لم أفهم شيئا من رجلى الدين اللذين حاول أحدهما الدفاع عن ختان الإناث، وحاول الآخر التأكيد على أنها عادة من قبل الأديان عندما استضافهما المذيع الشهير، كما لم يكن الطبيب الذى جاء يتحدث عن مضار ختان الإناث مقنعا بالنسبة لى لأنه قال إن ختان الإناث يسبب العقم.. كيف ومصر تعانى من مشكلة سكانية؟!» وقال هو: بعدما شاهدت «الدكتورة» التى تقف ضد ختان الإناث بمكياجها الصارخ وطريقتها فى الحديث، قلت: لا.. سأختن ابنتى أفضل من أن تكون مثل هذه «الدكتورة»!! وتذكرت ما قالته لى الباحثة: بصرف النظر عما أراده الكاتب أو المخرج فإن الرسالة التى وصلت لأغلب من شاهدوا فيلم «أسرار البنات» بعدما أجرى الطبيب «الملتحى» الختان لبطلة الفيلم التى حملت دون زواج، أن عدم ختانها دفع بها إلى هذه العلاقة بشكل أو بآخر!! الإعلام.. أحد المسئولين عن بقاء واستمرار عادة ختان الإناث!! فبعض الصحف والمجلات والبرامج التليفزيونية والإذاعية أوقعت المتلقى فى متاهة الجدل الدينى والطبى، بعيدا عن المعلومات الموضوعية الأساسية فى الموضوع. وبعضها الآخر جذبته طريقة عرض الرأى والرأى الآخر وصراع الوجوه المعروفة سلفا بآرائها المتعارضة وطريقتها فى الصياح، والاستماتة فى خطف الكاميرا والانتصار للرأى بصرف النظر عن مدى استفادة المتلقى منه. وبعض الإعلاميين فضل إمساك العصا من المنتصف، وإرضاء جميع الأطراف حفاظا على شعبيتهم، مضحين بالهدف الإعلامى الأساسى، وهو مساعدة المتلقى على اتخاذ قرار بشأن هذه العادة. ؟ التهوين والتهويل اللغة المستخدمة فى المادة الإعلامية تؤثر على المتلقين، فبعض المصطلحات أو التوصيفات التى يستخدمها الإعلامى للتعبير عن هذه العادة قد تدفع المتلقى إلى عكس ما يقصده الإعلامى، فالبعض يستخدم لغة «تهوِّن» من هذه العادة مثل التعبير بأنها «طقس»، أو «عادة للعفة والطهارة»، وهى تسمية غير دقيقة لأن الطهارة والعفة لا تأتيان بقطع جزء من الجسد بل بتربية العقل، أو «عملية جراحية» وهى ليست ممارسة طبية أصلا، أو يصفها بأنها «ظاهرة» لم تكن موجودة من قبل ويمكن أن تنتهى من تلقاء نفسها، وقد تدفع هذه الألفاظ والتعبيرات المتلقى إلى ممارسة هذه العادة على أنها مثل تعليق الخرزة الزرقاء التى يعتقد البعض أنها تمنع الحسد، والأمر بالتأكيد ليس كذلك. والبعض الآخر يستخدم لغة تنطوى على الاستعلاء على من يمارسونها، كما جاء على لسان إحدى السيدات فى تحقيق بجريدة أسبوعية أن هذه العادة لم تمارس عليها، لأن عائلتها لم تكن من العائلات المتخلفة!! أو ماجاء فى إحدى المقالات تصف الأطباء الذين يمارسون هذه العادة بعبارات مثل «الجزارون، المؤلفة جيوبهم» والأمر ببساطة أنهم يستحقون العقوبة التى تطبق على إجراء مثل هذه الممارسة. وعبارات أخرى مثل «عادة همجية ووحشية وجريمة دموية»، فهذه اللغة تستعدى من يجرونها وتحفزهم ضد الرسالة الموضوعية الأساسية لهذه العادة، وهناك من يستخدمون مصطلحات قد تضفى قيما دينية على هذه الممارسة دون قصد منهم مثل «الطهارة، الخفاض، ختان السنة، الختان الشرعى، الختان الفرعونى»، هذا إذا لم يوضح المتحدث أو الكاتب معنى هذه المصطلحات بالضبط والمقصود منها، ومن وضعها وما هى مدلولاتها الحقيقية، فالخفاض هو مصطلح عربى قديم معناه أن يتم قطع بسيط من الأعضاء التناسلية الخاريجة لتكون منخفضة، أما مصطلحا «ختان السنة والختان الشرعى» فقد استخدما خلال السنوات الأخيرة فى بعض الكتابات الدينية أو الطبية من أجل النهى عن أنواع أخرى من الختان «الفرعونى أو الإفريقى» الذى يتم فيه قطع أغلب الأعضاء التناسلية، لكن المصطلحين يعطيان انطباعا بأن ختان الإناث واجب إسلامى، ورفضه «كعادة» يعنى رفض واجب دينى، والحقيقة عكس ذلك. ؟ الرسالة والمحتوى وتلاحظ د.نجوى كامل ـ أستاذ الصحافة، ووكيل إعلام القاهرة ـ أن التناول «الخلافى» لموضوع ختان الإناث ـ أى أن يتم عرض الموضوع فى إطار تنافسى بين الاتجاهات الاجتماعية والدينية التى تؤيد هذه الممارسة باعتبارها أحد محددات الهوية الدينية والقومية من جانب، وبين الاتجاهات الاجتماعية التى ترفض هذه الممارسة كأحد أشكال العنف ضد الطفلة والمرأة ـ هذا الشكل يجعل هذه العادة موضوعا للصراع والتنافس بين اتجاهين مختلفين يسعى كل منهما للفوز على الطرف الآخر بغض النظر عن صحة وموضوعية المبررات التى يطرحها لإثبات وجهة نظره، مما يزيد من حيرة الجمهور فلا يتم الرد على تساؤلاته ومعتقداته، بل ترسخ لديه كثير من المعلومات والشائعات المضللة، لأنها تتعامل من ختان الإناث كعادة لإثارة المعارك الفكرية والسياسية، وليس كقضية اجتماعية تتعلق بحقوق ومستقبل فئة ضعيفة اجتماعية هى الطفلة. ؟ وأستوقف د.نجوى: لكن عرض الموضوع بشكل نصائح وتوجيهات أيضا لا يجذب المتلقين؟ - نعم فقد أثبتت التجربة أن الجمهور يعرض فى أغلب الأحيان عن المواد الإعلامية ذات الطابع التلقينى والدعائى خاصة القضايا المتعلقة بموضوعات التغيير الاجتماعى، وقد تؤدى هذه المواد فى النهاية إلى نتيجة عكسية، هى تجاهل الجمهور لمثل هذه الدعاية والتمسك بالعكس تماما، وهو أيضا نفس ما يؤدى إليه التناول الفضائحى للقضية مثلما عالج فيلم «دنيا» موضوع ختان الإناث فى إطار مناقشة الحرية الجنسية للمرأة. كما أن الصعود والاختفاء المفاجئ للحملات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية المناهضة لختان الإناث لا يؤدى إلى تكوين وعى مستمر لدى الجمهور، خاصة أن هذا الموضوع ظل من المسكوت عنه إعلاميا لفترات طويلة حتى عام 1994 بعد تقرير الـ«CNN». ؟ السياسة ومشاعر الناس وتشير د.نجوى إلى أن بعض الصحف أو البرامج أيضا لا تراعى الأصول المهنية فى معالجة مثل هذه القضايا، فتعمد إلى استخدام هذه القضية سياسيا أو بهدف الإثارة الصحفية وزيادة التوزيع، وتستند إلى أن الدعوة لمناهضة هذه العادة هى دعوة غريبة مريبة تهدف إلى إفساد المجتمع وإباحة الحرية الجنسية، وإن هناك قضايا تستحق الاهتمام أكثر مثل البطالة والفقر والصحة، فى استغلال واضح لمشاعر البسطاء الدينية والقومية، ووضع قضية ختان الإناث كمادة للصراع بين المدافعين عن الهوية القومية والدينية من جهة والمدافعين عن الحداثة وحقوق الإنسان والمرأة والطفل من جهة أخرى، وكذلك الصراع بين المعارضة والدولة، واتهام الهيئات والمجموعات التى تعمل ضد ختان الإناث بالخيانة للهوية القومية، ويخفى هؤلاء معلومات أساسية عن بداية الدعوة للتخلى عن هذه العادة فى عشرينيات القرن الماضى على يد الطبيب المصرى على باشا إبراهيم، وقبله الشيخ رشيد رضا عام 1904م، والشيخ سيد سابق فى كتابه «فقه السنة» فى الأربعينيات، والشيخ شلتوت فى الخمسينيات، وكان أول مؤتمر طبى فى مصر ضد ختان الإناث عام 1928. كما أن عدم اتباع الأصول المهنية الإعلامية يؤدى إلى خلط المعلومة الدينية بالمعلومة الطبية أحيانا، فبعض الأطباء يخلطون بين المعلومة الطبية والموقف الدينى، فأحيانا نجد بعض علماء الدين الذين يقولون: الأمر متروك للأطباء باعتبارهم أهل الذكر، يتحدث بعضهم بلسان الأطباء ويذكر أن هناك من تحتاج لإجراء هذه الممارسة وأخرى لا تحتاج، أو يقول إن الختان للأنثى يحدث توازنا فى العلاقة الزوجية!! ؟ تصحيح الأفكار هنا تشير د. فيفيان فؤاد مسئولة التدريب بالمشروع القومى لمناهضة ختان الإناث إلى أن هناك طرقا ساهمت فى تعريف الناس أكثر على حقيقة هذه العادة، هى طريقة الرد على الشائعات الموجودة فى أذهان البعض عن هذه العادة، وبعض الأفكار المرتبطة بها، فهناك من يعتقد أن هذه العادة تؤدى إلى سرعة حدوث البلوغ لدى الفتاة، وقد ثبت أنه لا علاقة بين ختان الأنثى ووصولها إلى سن البلوغ بدليل وصول غير المختتنات فى كل العالم إلى هذه المرحلة وتحول الفتيات إلى إناث بالغات دون أن تجرى لهن هذه العادة. ومن الأفكار الموجودة لدى بعض الناس عن عادة ختان الإناث أيضا أنها عادة إسلامية، والبعض يراها عادة قبطية مسيحية، والحقيقة التاريخية أن هناك 28 دولة أفريقية وعربية تمارس ختان الإناث، وأغلب هذه الدول تقع فى وسط أفريقيا، وشعوب هذه الدول لا تجمعها ديانة واحدة، فقد يكونون مسلمين أو مسيحيين أو ممن يؤمنون بديانات أو عبادات أخرى، وهناك كثير من البلاد العربية والإسلامية فى كافة أنحاء العالم لا تمارس هذه العادة مثل السعودية وإيران وماليزيا وغيرها، وفى مصر يمارس ختان الإناث قبل ظهور الأديان، وتمارسه الأسر القبطية كما تمارسه الأسر المسلمة، ولا يوجد ذكر لختان الإناث فى الكتاب المقدس. ؟ أسئلة الرجال لم تؤت بعض البرامج الإعلامية أكلها فيما يخص التخلى عن هذه العادة لأنها توجهت للنساء فقط، رغم أن هذه الممارسة لا تخص المرأة وحدها، بل المجتمع كله، (المرأة، الرجل، الشباب، الفتيات، رجال الدين، الأطباء، القانونيين، السياسيين، المؤسسات التعليمية والطبية والدينية والقانونية والإعلامية)، والتوجه للرجال له أهمية خاصة لأن هذه العادة تجرى لكسب رضاء الرجل الذى يريد الزواج من امرأة مختتنة، ويريد ختان ابنته لضمان عفتها حسبما يعتقد. وبعض المواد الإعلامية التى ركزت على أن ختان الإناث ليس واجبا دينيا لم تغير تفكير الكثيرين تجاه هذه العادة لأنها قد تظل محببة لديهم لارتباطها فى أذهانهم بالعفة، لكن الأمر قد يتغير إذا علمنا أن للدين دورا كبيرا فى تهذيب نفس الإنسان، وحرمة جسد الإنسان وحرص الدين على حماية حقوق الفئات الضعيفة مثل الفتيات الصغيرات اللاتى تجرى لهن هذه العادة تعتبر عدوانا على حرمة أجسادهن. ونجحت الكثير من المواد الإعلامية فى تخلى أسر عن ممارسة هذه العادة بعدما استمعوا أو شاهدوا تجارب شخصية حية لأسر اتخذت قرارا بالتخلى عن هذه العادة بعد أن عرفوا حقيقتها، أو بعض القصص التى روتها الفتيات والزوجات عن مشاعرهن بسبب هذه العادة، ومتابعة الدعاوى القضائية المنظورة أمام المحاكم عن ضحايا ختان الإناث، ونقل خبرات شعوب وبلاد أخرى إسلامية لا تعرف شيئا عن هذه العادة، أو الجاليات الإسلامية فى أوروبا التى بدأت فى اتخاذ مواقف جادة ضد وصف ختان الإناث بالعادة الإسلامية.
عبير صلاح الدين
مجلة صباح الخير القاهرية ألأسبوعية