المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: عبد الله بن ياسين
منتدي الحلم العربي > المنتديات التعليمية > القسم التاريخى
la marocaine
من هو عبد الله؟..[/color]



[color="#000000"]ولد عبد الله بن ياسين في أوائل القرن الخامس الهجري في المغرب، من أب بربري ملثم صنهاجي يدعى (مكوك بن مسير بن علي).. وينسب إلى قبيلة جزولة، وهى إحدى القبائل الكثيرة العدد، ومن هذه القبائل جدالة ومسوقة ولمتونة التي قامت بدور كبير في عهد المرابطين في المغرب والأندلس.

وكانت جزولة هذه تحتل المنطقة الممتدة من جبال درن حتى وادي نول القريبة من المحيط الأطلسي.

وقيل: ولد عبد الله في احواز مدينة (اوغشت) في قرية تقع في طرف الصحراء في ديار قبيلة جدالة.




حياته التعليمية:



قضى طفولته في مسقط رأسه، وبعد ذلك تردّد على مدن العلم في المغرب، ثم رحل إلى الأندلس، وتلقى العلم بها، وكان في ذلك الوقت يحكم الأندلس حكام الطوائف، وكانت البلاد الأندلسية ممزقة مشتتة يطمع فيها الصليبيون الغربيون من أسبانيا وفرنسا.

سكتت المراجع عن أن تذكر شيئا عن تعليم عبد الله، وعن الفقهاء والعلماء الذين تلقى العلم عليهم وأثروا فيه، وأيضا لم يذكروا الشيوخ الذين لازمنهم وتأثر بهم.

ولقد عرفناه مفسرا للقرآن وراوياً للحديث وعن طريق التحدث والرواية تتلمذ عليه كثير من أصحابه، ثم إنه درس الفقه وأصوله وفروعه لدرجة أنه كان يفتي ويتصرف في النصوص بما يتفق وأصول هذا الدين القويم، ولا يعقل أن يكون هذا العلم الغزير قد تعلمه في يوم وليلة أو بدون معلم، بل لا نكون مبالغين إذ قلنا إنه فاق علماء عصره.

ويظهر هذا التفوق في أنه نقل ما يمكن نقله، وكل ما عرفه إلى الدور العملي؛ مخالفا بهذا ما كان عليه الفقهاء والعلماء في عصره ومن قبل عصره، حتى استحق أن يلقب بالداعية، بل كان الداعية الأول في المغرب.

صادف - كما قلنا - زمن خروج عبد الله إلى بلاد الأندلس أن كانت واقعة في محنة حكام الطوائف الذين قسموا البلاد فيما بينهم، وكان ذلك بعد بداية القرن الخامس الهجري، الذي يتفق وعمر عبد الله.

ولقد رأى ما آل إليه الحكم في هذه البلاد، وطغيان هؤلاء الذين اغتصبوا الحكم، وما فعله بعضهم ببعض، وكيف التحق بالحكام الشعراء والفقهاء والعلماء من هزيلي العقيدة؛ فأباحوا لهم المنكر وحللوا لهم الحرم.

وكان في المغرب والأندلس فئة قليلة ابتعدت عن طريق الحكام الطائفيين في، وتمسكوا بأهداب الدين القويم، ولم تغرهم المناصب، ولم تسول لهم نفوسهم أن يقتربوا من هؤلاء الحكام تحت تأثير تأويل من التأويلات المريضة التي يظنون أنهم بها يحسنون صنعا، وهم في الحقيقة قد ضلّ سعيهم؛لم تكن تلك الصفوة التي اختارها الله لتحافظ على الحق إلا سوطا يلهب أحيانا ظهور الحكام الخارجين على تعاليم الإسلام، كانت مخلصة محافظة على نشر مبادئها، لا تعرف المراءاة والمداهنة، وكثيرا ما كانوا يتحسرون على ما آل إليه أمرهم من الفرقة والانقسام وارتماء حكامهم في أحضان غير المسلمين.

رضي هؤلاء الكرام بشظف العيش وخشونة الحياة؛ يقيمون في المساجد، يفسرون القرآن ويروون، الحديث ويدعون الناس إلى التمسك بنهج السلف الصالح، وكثيرا ما كانوا يعرّضون بالحكام ويصورون للناس أعمالهم بصورة لا يجدون لهم منها مخرجا إلا الاستسلام للأعداء الملة؛ لذلك فقد حاربهم أداة الحكم الفاسد، ولكنهم لم يرهبوهم فكانوا يخاطبون الناس ويجهرون بالقول ويحرضون المسلمين على الخروج على الطغاة؛ لذلك فهم على استعداد إما للتقل أو للاستسلام أو التمثيل بهم.

هذا ما كان عليه حال الأندلس إبان طلب عبد بن ياسين للعلم، و ربما صرفه عنا لاشتراك مع شيوخه في الدور السياسي في الأندلس شعوره بأن هناك مكانا آخر أولى به وهو المغرب؛ فخير مكان ينشر فيه مبادئه وعلمه إنما هو بين قومه وأهله.

ومرت الأيام.. سبع سنوات..؛ نهل فيها عبد الله ما شاء له، وعرف الكثير مما عليه حال المسلمين، ووعى كل ذلك بفهم الدارس لكل ما وقع تحت سمعه وبصره.





يتبع..
la marocaine
إقتباس(أمير الريف @ Sep 28 2007, 03:19 PM) *
شكرا المغربية على الموضوع
فعلا الشيخ عبد الله بن ياسين لم يلق الإهتمام المطلوب مع أنه المؤسس الفعلي لحركة المرابطين وأحد دعاتها الأولون
وننتظر منك المزيد



هناك شخصيات كان لها تاثير كبير و وازن في الكثير من الميادين الا ان غبار الزمن ظل يطيلها ويطيل كل انجازات هذه الشخصيات
نتمنى ان نحاول النبش بعض الشيء في سجلات تاريخية لهؤلاء العظماء

تابع معنا
la marocaine


حياته العملية:



قرر عبد الله الرجوع إلى وطنه، وأراد أن يكمل المسيرة، ويرى بنفسه ما آلت إليه البلاد، ويطلع على أحوال أخطر جماعة على الإسلام، وفشل كل محاولات الولاة بالمغرب في القضاء عليها، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، واستشرى أمرها، وأصبح في استطاعتها الهجوم على من حولها، وتغيير وجه الشريعة الإسلامية بإدخالهم عليها من الكذب والبهتان ما يمكن أن يشوه حقيقتها هؤلاء هم (البرغوطيون).

وسوف نتعرض لهم بشئ من التفصيل بعد.

لقد مر على تلك الأقوام، ورأى ما آل إليهم من الأمر، وتمنى لو أوتي من القوة ليقضى على هؤلاء القوم، ويطهر أرض المغرب من عبثهم ومكرهم وخطتهم التي يسيئون إلى الإسلام بالتغيير والتبديل، وكان معهم على موعد؛ فقد حقق الله وعده؛ فسيرجع إليهم بجيش كبير من المرابطين.

لم تطل إقامته عند أهله وقبيلته بجزولة، ويعتقد أنه لم يجلس معهم طويلا؛ فربما لم يجد في شبابهم من يستطيع أن يكون عوناً له على أداء رسالته؛ ففضل أن يكمل تعليمه بتهذيب النفس وتأديبها بالانقطاع للعبادة في رباط من الربط القديمة؛ ليزداد خبرة وعلما، وليتعرف أكثر على أحوال القوم، وإن في اختلاطه بمن هو أكبر منه سنا وعلما يكون مدعاة للاستفادة التي قد تنفع في المستقبل الذي خطط له.

لقد اختار رباط نفيس؛ فإن شهرته عمت الصحراء، وإن شيخه التقي الورع (وجاج بن زلو) قد فاق علمه وأخلاقه ومكانته الآفاق، وإن وجوده فيه ضرب من تخطيط القدر الذي قد يمر البعض مر العابر إلا أن الذين لهم أثر في تغيير مجرى الحوادث يكون اهتمام القدر بهم أكثر، ولا شك أن القدر له مع عبد الله موعد في رباط نفيس.
la marocaine
إقتباس(أمير الريف @ Oct 1 2007, 02:46 PM) *
جميل أختي المغربية



شكرا لك امير على المتابعة
بارك الله فيك
la marocaine

اختيار عبد الله للدعوة:



أحدث عبد الله تغيير كبيرا في الرباط؛ فهو الخطيب صاحب الصوت الذي يجوب الآفاق، وهو المفسر المحدث والفقيه، وهو الذي يجذب الجميع بحديثه وحواره وآرائه ومناقشاته؛ لذلك حينما ذهب الزعيم يحي بن إبراهيم أمير قبيلة جدالة إلى القيروان يطلب من العارف بالله الفقيه والسياسي البارع أبي عمران الفاسي من يعاونه على تعليم قومه أصول الإسلام الصحيحة في قوله: إننا في الصحراء منقطعون لا يصل إلينا إلا بعض التجار الجهال حرفتهم البيع والشراء، وفينا أقوام يحرصون على تعليم القرآن وطلب العلم ويرغبون في الفقه والدين لو وجدوا إلى ذلك سبيلا.

أرسله أبو عمران إلى تلميذه المقرب إليه الفقيه (وجاج بن زللو) شيخ رباط نفيس ومعه رسالة يقول فيها رحمه الله: ابعث إلى بلده من تثق بدينه ورعه وكثرة علمه وسياسته؛ ليعمهم القرآن وشرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، ولك وله في ذلك الثواب والأجر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

دخل يحي على فقيه السوس وسلّمه رسالة أستاذه أبي عمران، وما أن انتهى من قراءتها حتى انفرجت أساريره، وظهر السرور والبشر على وجهه؛ فقد عادت به إلى ذكريات شيخه ومجالس علمه، وحملاته على الحكام الذين أساءوا إلى الشريعة، وتنقلاته مطرودا من بلد إلى بلد.

جمع أتباعه ومرديه، وقرأ عليهم الرسالة، ثم راح يتشاور لاختيار من يثق به لتحقيق رغبة إمامه؛ فاتجهت الأنظار إلى عبد الله؛ لما عرف عنه من محافظته على المبادئ السلفية، وأخذ من الرسول الأعظم والصحابة والتابعين بلا تأويل ولا ابتداع، ومواظبته على الصلاة وفي جماعة، ومن قوته في الخطابة وقدرته على المناقشة وشدته فلا تأخذه في الحق لومة لائم.

واستسلم عبد الله لتفكير عميق؛ فإما أن يحقق مما يصبو إليه وما عاش من أجله؛ أمة متحدة متماسكة تستمد تشريعها من كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعين، وإلا فبطن الأرض خير من ظهرها.

وأمسك يحي بن إبراهيم بزمام جمله حتى غابا عن القوم.




يتبع ..
la marocaine


في الطريق إلى جدالة:



كان الركب يتوقف في الطريق للصلاة، وعبد الله يؤمن إيمانا جازما أن أوّل الطريق للمسلم هو المحافظة على الصلاة، وفي أول وقتها لا يشغله شاغل أو تأويل حتى يؤخرها؛ فكان إذا دخل الوقت وقف ركبه ليؤذن بنفسه ويدعو الناس فيجتمعون، فإذا ما أقيمت الصلاة راح ينظم الصفوف للجماعة، فإذا ما انتهت الصلاة قام ليعظ الناس ويذكرهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، وليعلمهم أصول الدين بلغة عربية سهلة وبربرية واضحة يفهمها الجميع؛ فيدعو الناس إلى الجهاد وإعلاء كلمة الله.

كان الزعيم يحي بن إبراهيم الجدالي يقدم الداعية إلى الحاضرين قائلا: هذا عبد الله بن ياسين محي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، جاء ليعلمنا أمور ديننا ويدعونا إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

كان يفعل ذلك في كل وقت و في كل مكَان يمر به؛ فلا عجب أن أثار في الناس الحب الشديد لهذا الدين القويم، لقد فرحوا فرحاً شديدا باللحظات التي قضوها معه، وفهموا جيدا ما يدعو إليه، فلا غرابة أن نرى شيخا بربريا يسرع ليقترب من راحلة عبد الله وأن يمسك بزمام دابته قائلا بصوت مرتفع: أرأيتم هذا الجمل، لابد أن يكون له في هذه الصحراء شأن عظيم.

لقد أطلق يحي بن إبراهيم على عبد الله إمام الحق لما لمس فيه من سعي وراء الحقيقة وعمل على إحياء الشريعة وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
la marocaine
إقتباس(أمير الريف @ Oct 3 2007, 01:03 PM) *
شكرا المغربية على هذه المعلومات القيمة التي كنت أجهلها ولم أكن أعرف إلا النزر اليسير عن الشيخ عبد الله بن ياسين


الشكر لك امير على حسن متابعتك
هي قراءة تاريخية اردت ان اشرككم معي فيها لهذه الشخصية العظيمة التي كان لها وزن كبير واثر واضح على دولة المرابطين
la marocaine


عبد الله والجدالين:




وصل عبد الله دور قبيلة جدالة، وبدأ يدرس حالة القوم، إنهم ما يزالون يتزوجون بأكثر من أربع، وما تزال المكوس تفرض، والناس نوعان أسياد وعبيد، والخمور تشرب وكأن القوم لم يسمعوا أنها محرمة، وآلات الطرب تباع ويقبل عليها القوم وليس لهم من الإسلام إلا اسمه.

وكان الداعية عبد الله فرحا بلقاء القوم، فأعد لهم مصلاهم، واهتم بالجماعة والمحافظة على وقت الصلاة، وواظب على وعظ الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن ذلك لم يغير من عاداتهم؛ فبدأ يحزنه حال القوم فأضرب عن طعامهم، وكان جماعة منهم قد استجابوا للداعية وتسابقوا في حبه وطاعته في كل ما يأمر به.

جمع أتباعه وطلب من بائعي الخمر أن يريقوا خمورهم، ومن بائعي آلات اللهو والطرب أن يكسروا آلاتهم، وأمهلهم وقتا؛ فلما لم يقوموا بأنفسهم قام هو ومن معه بإراقة الخمور وتكسير آلات الطرب، ولم يكتف بذلك بل قام خطيبا يبين للناس ضرر الخمر وموقف الدين منها، والأضرار التي تصيب الناس من اللهو والغناء، ثم دعا الناس إلى الجهاد وما أعده الله للمجاهدين.

وصل الخبر إلى رؤساء القوم؛ فتعجبوا من أفعاله التي لم يسبق إليها فقيه قبله، ونادوه ليسألوه: كيف يقبل على هذا الأمر من غير أن يستشيرهم أو يأخذ رأيهم؟ ثم كيف يفسد أمتعة الناس ويحرمهم من أرزاقهم؟

لقد كانت إجابات عبد الله موسومة بالحجة والدليل، مبينا لهم أن الذين يحللون ما حرمه الله ما هم إلا قوم فسقة فجرة خارجين على الدين..

قالوا له: "أترمينا بالكفر؟.." فقال لهم: "أما أنتم فلكم حساب ستعرفونه قريبا إن شاء الله؛ فإني أرى أنكم ما تزالون تجمعون بين أكثر من أربع من النساء، وهذا كفر بالشريعة والتشريع الإلهي وهو زنى عاقبته الرجم، والتفرقة بين الناس فسق، وخروج على تعاليم الإسلام، ثم إن الأدهى والأمرّ أكلكم أموال الناس بالباطل، وجباية الأموال بدون وجه حق، ما هو إلا زور وبهتان".

وترك القوم وهم يتوعدونه، إلا أنهم عزموا على مراجعة يحي بن إبراهيم الذي أتى به إلى ديارهم، ولما كلموه في ذلك انبرى يحي يدافع عن عبد الله، ويطلب من القوم أن يستجيبوا له، وأن ينفذوا طلبه، لكنهم قالوا له: لقد قلنا لك، وسنفعل به ما نشاء، فهو ليس رجلا هينا أو ضعيفا، وأنهم لا يستطيعون إغراءه؛ فهو من صنف لم يروا مثله من قبل.

أغروا به سفهاءهم، ولكنه وأتباعه ثاروا عليهم وأشبعوهم ضربا حتى الموت، فجروا إلى كبرائهم الذين هدءوا من روعهم، واجتمع كبار القوم بأنفسهم ليعلنوا العداوة والنزال.

كان من أشدهم عداوة للداعية شخص يدّعي التفقه يقال له الجوهر ابن سحيم؛ فجادل عبد الله، ونقض عليه بعضا من آرائه، واتهمه بالتناقض فيما يدعو إليه، ولم يترك الداعية ليرد عليه، فقد قام اثنان منهم يقال لأحدهما أيار وللآخر انتيكو، وقررا عزله عن الرأي والمشورة ووافقهم القوم، وهددوه بالموت إن لم يترك البلاد، وجروا إلى داره؛ فانتهبوها وأخذوا ما فيها وهدموها، وقرروا قتله فخرج منها خائفا يترقب.
la marocaine
إقتباس(أمير الريف @ Oct 4 2007, 02:37 PM) *
ohmy.gif


ربما نفس الشيء كان بالنسبة لي استغربت لحالات ولبعض ردود الفعل لكن ربما لان الامر كان صعب في البداية فكما نعلم ان قبائل الامازيغ في البداية قاومت وعارضت الدخول الاسلامي لاراضيها ولعل شراسة الملكة ديهيا وقوة معارضتها ومواجهتها لكل من يدخل اراضيها كان مشابها او تعداه بكثير لكن بعده الامر كان سهلا حيث التفت كل القبائل بكل الشيوخ المسلمين
في نفس الوقت ربما لم يكن هناك بعضا من اللين في دعوة الشيخ عبد الله بن ياسين للجداليين ربما لو اعتمد نهج اخر كان ربما يكون الامر مختلف لكن يبقى هو الادرى بالظرف العام للجداليين وبشؤون دعوته واعتماداتها
la marocaine


رباط السنغال:

فكّر عبد الله في الذهاب إلى السودان لينشر الإسلام بين قوم على الفطرة، وما يزالون يعبدون الأوثان، وقد تكون استجابتهم للإسلام أقوى من أولئك الذين تلوثت عقائدهم بالسيئ من العادات والتقاليد، وجمع من معه واستعدوا للرحيل، إلا أن يحي بن إبراهيم جاءه ليعتذر عما حصل من قومه، ثم سأله إلى أين تذهب؟ قال عبد الله إني ذاهب إلى السودان.

قال له يحي: "إني لا أتركك تنصرف، وإنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي وديني، وما عليّ من ضل من قومي، وسكت عبد الله على غير عادة؛ فلم يكن من طبعه السكوت عن جوابه، فأتم يحي كلامه قائلا: ولكن هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: إن هاهنا جزيرة في البحر ندخل إليها فنعيش فيها".

فقال له عبد الله: "إذاً نبني رباطا؛ فهلم بنا ندخلها باسم الله تعالى، وبنى عبد الله بن ياسين رباطه الذي سمي برباط السنغال".

في هذا الرباط أنشأ أول جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أفريقية، و بدأ يختار لدخول الرباط؛ فلا يترك الباب مفتوحاً ليدخل من يريد، بل كان يتردد طويلا ويمتحن المريد ليعرف الهدف الذي من أجله يريد الانضمام ومدى إخلاصه للدعوة؛ فإذا وجد منه استماتة في الانضمام ألزمه بأن يطهر نفسه من الرجس والدنس عما اقترفه من ذنوب وآثام، ثم يطلب منه أن يتوب من ذنوبه قائلا: قد أذنبت ذنوباً كثيرة في شبابك؛ فيجب أن يقام عليك حددوها؛ فإذا أقر بذنب أقام عليه الحد، فإن كان غير محصن وزنى جلد مائة جلدة، أو أقر بشرب الخمر وقع عليه حدها، وكان أحيانا يطلب من الواحد منهم أن يسلم إسلاما جديدا.

كان الداعية عبد الله في رباطه الجديد يتولى تعليم أتباعه بنفسه، وكان رائده الإمام مالك رحمه الله؛ فكان يرى أنه أشد الناس التزاماً لكتاب وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وما سار عليه الصحابة والتابعين، كان يخوفهم من النار وعذاب الآخرة ويشوقهم إلى لقاء الله وما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب في الجنة، كان يطلب منهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يتهيئوا للجهاد الذي هو عصب الدعوة الإسلامية.

والظاهرة الجديدة في تعاليم ابن ياسين بالرباط هي اهتمامه بالصلاة والمحافظة عليها في أول أوقاتها وأدائها في جماعة، ومعاقبة المتخلف عنها ومحاسبته على كل ركعة يتخلف عنها؛ فالذي يتأخر عن الجماعة يضرب عشرين سوطا، والذي تفوته ركعة مع الجماعة يضرب خمسة أسواط، وكان يطلب من تركها في الماضي أن يؤدى ما فاته، و بجانب هذا كان احترامه لمسجد الرباط شديدا، وكان يعزر كل من يتكلم في المسجد في أمور الدنيا.

وهكذا رأى عبد الله أن المخالف لابد أن يؤخذ بالقوة حينما يخرج عن أمر الله وطاعته، وأن حدود الله تلتزم التزاما، وأن العاصي يستحق العذاب، وأن المخالف عليه أن يتقبل القصاص بنفس راضية.

ولقد استقام أمر الجماعة، ورضخ الكل لحكم الله حتى أصبحوا أعضاء صالحين في مجتمعهم الجديد؛ فزاد إقبالهم وكثرت جموعهم وأطاعوا وآمنوا بما يدعو إليه إمامهم، وأقبلت جموع الملثمين تعاهد الله على الوفاء والإخلاص والتضحية، وكثيرا ما كان يحثهم على تحمل المسؤولية، ويهيب بهم أن يكونوا دعاة لأمر الله؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

خطبهم يوما فكان مما قال: "يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه فئاتكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم؛ فوجب عليكم أن تشكروا نعمته وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده".

لقد نظم عبد الله جماعته تنظيما يكفل لها النجاح وأعدها إعدادا طويلا، وتزايد عددها حتى بلغ أكثر من ثلاثة آلاف، وكان لابد لمجتمعه الجديد من المال والسلاح والتدريب؛ فجمع الزكاة و العشور وما يتبرع به؛ حتى استطاع أن يواجه ما يحتاج إليه كي يؤدي رسالته كاملة، فيخضع الخارجين على تعاليم الدين بالقوة إذا اقتضى الأمر.

ورأى داعية الله ابن ياسين ما للدعاية الروحية من أهمية كبيرة في حياة المسلمين؛ فأراد أن يتفرغ لها ويحث المسلمين على التمسك بتعاليم الشريعة، فكثير ما كان يردد قوله: إنما أنا معلّم لكم دينكم."

واختار لقيادة الجيش يحي بن عمر اللمتوني؛ لما يمتاز به من صفات حازت الرضا والإعجاب، فلقد كان من أهل الدين والفضل والزهد والصلاح، مكافحا في سبيل توحيد دعائم الدعوة، ولم يتركه عبد الله وحده، ليتصرف كما يريد، بل كان يراقبه ويشير عليه بما يجب عمله.

لقد اكتمل العقد وتهيأ الجميع للخروج لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مستعدين لخوض المعارك مع الخارجين والمخالفين؛ فقد خطبهم عبد الله وكان مما قاله: "اخرجوا على بركة الله تعالى، وأنذروا قومكم، وخوفوهم عقاب الله، وأبلغوهم حجته فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأطاعوا فخلوا سبيلهم، وإن تمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنّا بالله عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين".

واستعد الرباط بمن فيه للذهاب إلى الجهة التي يعينها الأمير ابن ياسين.
la marocaine


نشر الإسلام في غانا


أراد عبد الله أن يضرب المثل الأعلى للقبائل المحيطة به في الجهاد والقتال في سبيل نشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين، والذين هم على الفطرة؛ فأمر المرابطين أن يستعدوا لنشر الإسلام في غانا وقتالهم إذا اعتدوا عليهم، ثم سار نحو منحني النيجر، ليحمل أهل غانا على الإسلام.

لم يشأ عبد الله أن يفاجئهم ويعمل فيهم السيف على غرة، بل اتبع الطريق الذي سار عليه المسلمون في عهدهم الأول؛ فأرسل إليهم من يدعوهم للدخول في الإسلام، أو الجزية أو القتال، ولكنهم غدروا بالرسل وقتلوهم عن أخرهم؛ فأهم الداعية هذا الأمر، فأمر المرابطين بالاستعداد لقتالهم، وصعد عليهم الجبل، وقاتلهم ثلاثة أيام، استبسل فيها المرابطون ومات منهم عدد كبير، وكاد الأمر يخرج من أيديهم؛ فالأعداء أكثر منهم عدداً وعدة، ولكن المرابطين وضعوا في تفكيرهم ما يصيبهم إن هم انهزموا سيتعرضون للسخرية والاستهزاء، ولن ترحمهم ألسنة الأعداء؛ فقد يقومون بدعاية تؤثر على سير الدعوة، وأيضاً فقد يطمع فيهم أهل غانا، فيُهْدَم كل ما بنوه، زيادة على العداء بين الداعية وكبراء القبائل المحيطة بالرباط؛ لذلك نجد الداعية عبد الله بن ياسين يخطب المسلمين في اليوم الرابع فيقول: "أنا احتسبنا أنفسنا في حق الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأراكم قد أعياكم حرب هؤلاء المشركين ولم يأمرنا الله أن نتركهم إذ.. فاستعينوا بالله ر بكم ينصركم عليهم".

كان لكلمات الداعية الإمام - رحمه الله - أثرها الفعال في قلوب المرابطين، فاستعدوا لدخول المعركة، واثقين من نصر الله، مقدرين النتائج السيئة المترتبة على الهزيمة، وحمي وطيس المعركة وهجم المسلمون على المشركين حملة رجل واحد؛ فانهزم الجمع وولوا الأدبار، والمسلمون ورائهم يقتلون ويأسرون؛ لقد قتلوا منهم أعدادا كثيرة، وسلبوا أموالهم، وتوغلوا في ديارهم حتى أشرفوا على ديار التكرور؛ فانضموا إليهم وأصبحوا قوة للمرابطين.

حمل الركبان نبأ هذا الانتصار في قلب الصحراء إلى كل مكان، لقد مكنوا لدين الله في أرضه، وضموا أعدادا كثيرة إلى المرابطين؛ خاضوا معهم الحروب، ورجع المسلمون إلى الرباط، وأقبل الناس ليروا الفئة المؤمنة الصابرة، ولينضم إليهم من يريد شرف الجهاد في سبيل الله.

فلا غرابة أن يزداد إيمان المرابطين وأن يؤكدوا لله العهد على مواصلة الجهاد ورفع راية الإسلام الصحيح.

وسوف يقرر إمامهم ومعلمه وقائد هم الجهة التي سيتحركون إليها.
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.