عبدالله سليمان
Nov 28 2007, 02:24 PM
الحرب والاحتلال في العراق: تقرير للمنظمات غير الحكومية (1 ـ 10)
اسلحة الصدمة والرعب اول اشارة لعدم اكتراث امريكا بالقانون الدولي
في 20 آذار (مارس) 2003 غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق واسقطت حكومة صدام حسين. وفي 2 ايار (مايو) 2003 اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الابن ان المهمة انجزت . الا ان النزاع بقي مستمرا لأكثر من اربع سنوات. لقد رفض مجلس الامن السماح بالحرب في البداية. الا انه، بعد عدة اشهر، اعطي القوات الامريكية تفويضا، تحت اسم القوات المتعددة الجنسيات . وانعقد الامل علي ان تمارس الامم المتحدة دورها الحيوي في العراق، وقيادة السبيل نحو السلام والشرعية الدولية.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وعندما انفجرت شاحنة، في 19 آب (اغسطس) 2003، امام مقر الامم المتحدة ودمرته، قلصت البعثة تمثيلها في العراق. ومنذ ذلك الوقت لم يعد للامم المتحدة دور في الرقابة، كما لم يعد مجلس الامن يناقش ذلك الامر. وقد ترتبت علي هذا النزاع نتائج مريعة في العراق، وعلي مختلف الصعد: الامنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية. وهذا التقرير الذي تنشره القدس العربي في 10 حلقات يدرس اهم اوجه النزاع. وقد كتبه جيمس بول وسيلين ناهوري، وتبنته، وساهمت في نشره باللغات العالمية، 32 منظمة غير حكومية، يجد القارئ اسماءها مفصلة في نسخة التقرير التي نشرها اخيرا مركز دراسات الوحدة العربية ، بترجمة مجد الشرع ومراجعة هيثم مناع وعمر الأيوبي.
كُتبَ الكثير عن الحرب والاحتلال. لكن لا يتوافر سوي القليل من المعلومات التي تعطي صورة شاملة عن الوضع وتقدّر مسؤولية قوات التحالف. وتتركز أغلبية النقاشات العامة اليوم ـ خصوصاً في الولايات المتحدة ـ علي النزاعات المذهبية بين العراقيين، و الحرب الأهلية ، والتصفيات الطائفية، والتفجيرات الإرهابية وغيرها. وغالباً ما يعزو المعلّقون مسؤولية هذه المآسي إلي تصوّرات خاطئة، كالأحقاد الطائفية القائمة منذ زمن طويل، أو التطرف الإسلامي، أو تدخّل الدول المجاورة، بمعني أي شيء ما عدا الاحتلال.
وعلي الرغم من أن الاحتلال هو الحقيقة السياسية المركزية في العراق، فإنّ تأثير قوات التحالف وممارساتها العنف غالباً ما يتلاشي في خلفية الخطاب السياسي الغربي. مثلاً، عندما ترتكب عناصر الشرطة في وزارة الداخلية العراقية العنف، فإن قلة هم الذين يذكرون أن المئات من المستشارين الأمريكيين يعملون في الوزارة، ولهم تأثير قوي في جميع التحركات(2). ومن اللافت للنظر أن يعتبر بعض المعلقين والقادة السياسيين قوات التحالف وكلاء إنسانيين يجب السماح لهم بمتابعة عملهم لتعزيز السلام والاستقرار في هذا البلد المضطرب. وقد قدمت مجموعة دراسة العراق مثل وجهة النظر هذه، كما فعلت وسائل الإعلام الكبري والعديد من القادة السياسيين.
يقيّم هذا التقرير الحرب والاحتلال بعد مرور أربع سنوات، وينظر في الأحداث من وجهة نظر القانون الدولي. كما يعتمد علي المعلومات الموثقة في الحقل العام: تقارير الحكومات، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، والمنظمات غير الحكومية، والصحافة. ويتناول أيضاً دور الأمم المتحدة، وقانونية الاحتلال، والنتائج الإنسانية للصراع. وتقدّم المعلومات المجموعة برهاناً علي وجوب إنهاء الاحتلال بسرعة، وأساساً لبناء عراق مسالم ما بعد الاحتلال.
ينظر التقرير في المقام الأول في مسؤولية وأفعال الولايات المتحدة وبريطانيا، فهما بلدان قويان يزعما أنهما يصونان أحكام القانون الدولي ويعزّزانها. وكونهما يتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، فإنّهما يقدمان نفسيهما كحارسين للنظام والعدالة في العالم، ويصران علي حكم القانون ، ويعاقبان الآخرين الذين ينتهكون القانون ويخرقون السلام. لذا يجب التعامل معهما علي أعلي المعايير، لأنّهما يطبّقان دائماً مثل هذه المعايير علي الآخرين.
هناك بالتأكيد أنواع مختلفة من المسؤوليات عن مأساة العراق. فقد كان صدام حسين طاغية خلّف وراءه مجتمعاً متصدّعاً وضعيفاً جداً. ولا شكّ في أنّ الحرب الطويلة الفظيعة مع إيران 1980 ـ 1988، والثلاث عشرة سنة من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة كان لهما تأثيرهما الكبير. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا دعمتا صدام حسين لسنوات عديدة بالسلاح والمساعدات، حتي عندما كان يرتكب أسوأ تجاوزاته(3). وهما اللتان صاغتا العقوبات الاقتصادية الشاملة التي فرضتها الأمم المتحدة لمدة 13 عاماً، الأمر الذي آذي الشعب العراقي وترك صدام في السلطة(4).
وفي حين أنّ الأغلبية الساحقة من سكان العراق ضحايا أبرياء للعنف وسفك الدماء، فإنّ بعض العراقيين يشتركون في مسؤولية الأحداث الأخيرة. فقد شارك بعضهم في أعمال مستهجنة: زرع متفجرات في شوارع المدينة المزدحمة بالسكان، ومهاجمة الأماكن المقدسة، وقتل المدنيين الأبرياء، وتنظيم عصابات للسرقة والخطف والابتزاز والاغتصاب والقتل. وبعض العراقيين من داخل الحكومة وخارجها متورطون في النزاعات الطائفية والميليشيات والاغتيالات والتفجيرات وفرق الموت، إضافة إلي الفساد المستشري.
لكن جميع أفعال العراقيين لا تبرر أخطاء قوات التحالف. وعلي الذين بدأوا الحرب والاحتلال، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، أن يتحملوا مسؤولية الموت والدمار الذي سببوه، وانهيار النظام الاجتماعي، وتصاعد النزاعات الطائفية، والفوضي الاقتصادية. لقد دمروا دولة العراق، والآن يحصدون النتائج. لذا عليهم تحمل مسؤولية انتهاك القانون الدولي وتقويض التعاون الدولي في جوّ حالة الحرب والاحتلال.
المبررات الزائفة للحرب
قبل الغزو، ضغطت الولايات المتحدة وبريطانيا علي مجلس الأمن الدولي لكي يجيز استخدام القوة ضد العراق. وقد بررتا هذا الطلب بضرورة منع الحكومة العراقية من تطوير أسلحة الدمار الشامل التي تمكنها من استهداف الدول المجاورة أو استخدامها. وأعلنتا أن العراق ارتكب انتهاكات أساسية لقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما في الجلسة الشهيرة في 5 شباط (فبراير) 2003. وقال وزير الخارجية كولن باول في ذلك الوقت: ما نقدمه لكم حقائق واستنتاجات تستند إلي معلومات استخبارية موثوقة (5). لكن معظم أعضاء المجلس كانت لديهم شكوك حول ذلك، بحيث لم يوافق المجلس في النهاية علي استخدام القوة العسكرية. ونحن نعلم الآن أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة من هذا النوع، وأنّه دمر كل ما لديه عام 1991، أي قبل 12 سنة من الغزو(6).
قبل الحرب، كانت كل من حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا ومخابراتهما الشهيرة تدرك إلي حدّ ما أن الدلائل المتوفرة حول وجود سلاح دمار شامل في العراق ضعيفة أو ربما غير موجودة نهائياً. وهناك مذكرات وروايات تبيّن أن المسؤولين في إدارة بوش ناقشوا موضوع الحرب ضد العراق في بداية عام 2001 من دون أي إشارة إلي موضوع أسلحة الدمار الشامل(7). كما إن الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء طوني بلير تحدثا عن الهجوم علي العراق في البيت الأبيض في 20 ايلول (سبتمبر) 2001(8). وقد علق رئيس المخابرات البريطاني، ريتشارد ديرلوف، في اجتماع مع رئيس الوزراء طوني بلير في حزيران (يونيو) 2002 قائلاً: لقد كانت المعلومات الاستخبارية والحقائق تعدّ بما يتفق مع سياسة القادة في واشنطن(9) وسرعان ما عملت لندن في حملة موازية من الادعاءات المزيّفة والمضخمة، بما فيها الملفين سيئا الذكر اللذان أصدرهما مكتب رئيس الوزراء(10). وفي وقت لاحق، وصف وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، كلمته في مجلس الأمن بأنها لطخة سوداء في ملفه(11).
ادعي البلدان أيضاً أنّهما تصرّفا بطريقة الدفاع عن النفس المشروعة بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. مع ذلك فإنّنا نعلم الآن أن العراق لم يكن يشكل تهديداً واضحاً ومباشراً بأي هجوم عسكري، وكان صناع السياسة يعرفون ذلك(12). في ما بعد أدلي كارن روس، الخبير البريطاني بشؤون العراق في بعثة الأمم المتحدة، بشهادته قائلاً إنه كان يشاهد حركة المعلومات الاستخبارية الأمريكية والبريطانية عن العراق يومياً علي مدي أربع سنوات ونصف، ولم يوحِ أي تقرير بأن صدام حسين لديه قدرات كبيرة تتعلّق بأسلحة الدمار الشامل أو يشكل تهديداً لبريطانيا أو أي بلد آخر(12).
ادعت واشنطن أيضاً أن صدام حسين كان يدعم القاعدة ويعزّز الإرهاب العالمي الذي يهدد الولايات المتحدة. وكان ذلك الادعاء كاذباً أيضاً، ويعرف الذين أشاعوا هذا الاتهام أنّه غير صحيح. وقد بيّن التحقيق المعمق الذي قامت به اللجنة المختارة للاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي أن تلك الادعاءات غير مسؤولة وليس لها أساس حقيقي(14).
أخيراً، استخدمت الولايات المتحدة وبريطانيا المبررات الإنسانية، مثل تحرير الشعب العراقي من دكتاتورية صدام حسين وانتهاكاته المخيفة لحقوق الإنسان(15).
لقد أكّدتا أن الحرب ستحقق الحرية والديمقراطية للعراق. لكن إذا كانت واشنطن ولندن مهتمتين فعلاً بذلك، فلماذا تعاونتا سابقاً مع صدام ودعمتاه وزوّدتاه بالسلاح والمعدات العسكرية، بل حتي قدّمتا له الحماية من إدانة هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان؟(16).
الحرب والتحالف
عندما اقترب موعد الحرب، جمعت واشنطن تحالفاً للراغبين لتضفي علي عملها العسكري شرعية أكبر وتمنحه مظهر الجهد المتعدّد الأطراف الذي يحظي بتأييد واسع. وأعلنت واشنطن أن التحالف استقطب 49 دولة(17). لكن بعض الأعضاء لم يسهموا بأي قوة عسكرية، في حين شارك العديد من الأعضاء الآخرين بقوات رمزية فقط. وقد بلغ عديد مفرزة كازاخستان 29 جندياً في عام 2003، ومولدافيا 24 جندياً، وأيسلندا جنديين فقط(18). واقع الأمر أن القوات التي غزت العراق كانت جميعها تقريباً مؤلفة من فرق مقاتلة أمريكية وبريطانية. وقد زاد العدد الإجمالي للقوة علي 300.000 من القوات البرية، إضافة إلي القوات البحرية والجوية(19).
سبق الحملة البرية قصف جوي عنيف لإيقاع الصدمة والرعب . واستخدمت الولايات المتحدة أسلحة مدانة، مثل النابالم، وذخائر اليورانيوم المنضّب، والقنابل العنقودية، وتلك إشارة أولي إلي أن قوات التحالف غير مكترثة أخلاقياً أو مقيدة قانونياً(20). لم تكن قوات صدام حسين ندّاً للقوة العسكرية الضخمة التي استقدمتها الولايات المتحدة. وفي غضون ثلاثة أسابيع، في 8 نيسان (ابريل)، دخلت قوات التحالف بغداد. وعلي الرغم من أن الكثير من العراقيين رحبوا بسقوط النظام، لكنهم لم يستقبلوا قوات التحالف بالورود، كما توقع بعض الخبراء في واشنطن. وسرعان ما أعلن جورج بوش، في 2 ايار (مايو)، أن المهمة أنجزت في خطاب ألقاه علي متن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن.
تدمير الدولة العراقية
في الأيام الأولي للاحتلال، سرّح التحالف قوات الشرطة والجيش العراقيين، تاركاً المدن العراقية عرضة للنهب والحرائق المتعمدة فيما وقفت قواته تتفرّج عليها دون أن تتدخّل. وقد هوجمت 17 وزارة، بما في ذلك وزارات التعليم والصحة والثقافة والتجارة، ولم تحم قوات التحالف سوي وزارة النفط فقط(21). كما التهمت الحرائق معظم ملفات الحكومة العراقية، وسلب اللصوص المفروشات والكومبيوترات وكل شيء حتي الأسلاك النحاسية داخل الجدران لبيعها خردة. في الوقت نفسه، هاجم اللصوص البنوك والشركات والمشافي أيضاً. وقد سُلبت الهيئات الثقافية بما فيها المتحف الوطني والمكتبة الوطنية وأشعلت فيها الحرائق. وناشد المهتمون من العراقيين والأكاديميين الدوليين ورؤساء المنظمات الإنسانية مسؤولي التحالف والقادة العسكريين حماية المؤسسات العراقية وثرواتها الثقافية، لكن من دون جدوي(22).
وفي غياب أية سلطة مدنية، بدأت السرقات وأعمال الخطف وجرائم القتل وتصفية الحسابات مع النظام السابق، فشاعت الفوضي في الأحياء، واقتني كثير من الناس السلاح ليدافعوا عن أنفسهم. وقد أبدت قيادة التحالف عدم اكتراث غريب لما يحدث في العراق. وقال وزير الدفاع رامسفيلد في مؤتمر صحافي في 11 نيسان (ابريل): الفوضي يمكن أن تحدث ، مستخفّاً بنهب المتحف الوطني(23).
وفي ايار (مايو) 2003 أقدم التحالف علي خطوة أخيرة لحل الجيش، وإلغاء جميع تعويضات العسكريين، فحرم 400.000 عائلة من سبل عيشهم الأساسي(24). وأدّي تطبيق قرار اجتثاث البعث الراديكالي إلي التخلّص من 30.000 عضو في الحزب الحاكم القديم من وظائفهم الحكومية من دون بذل أي جهد لاستثناء الأبرياء من جرائم النظام القديم(25). فأخرج ذلك العديدَ من أفضل الكفاءات من خدمة الحكومة، ووجّه ضربة قاصمة إلي ما تبقي من جهاز الدولة القديم.
الدور الغريب
للامم المتحدة
بعد أن رفض مجلس الأمن السماح باستخدام القوة، عكس موقفه بحدة بعد الغزو. وحرصاً علي تجنب مزيد من التوتّر مع واشنطن، واقتناعاً بعدم وجود خيارات متاحة، وافق أعضاء المجلس علي عدد من القرارات التي اعترفت بقانونية الاحتلال وسمحت بتمويله من عائدات النفط العراقي. وقد اعتبر القرار 1483 في 22 ايار (مايو) 2003 الولايات المتحدة وبريطانيا سلطات محتلة ، لضمان امتثالهما للقانون الدولي. وفي الوقت ذاته، أعطي القرار قوي التحالف الحق ببيع النفط العراقي، وأخذ بلايين الدولارات من حسابات برنامج النفط مقابل الغذاء لدي الأمم المتحدة، وإنفاق ما يرونه مناسباً لـ فائدة الشعب العراقي (26). كانت غالبية أعضاء المجلس المناهضين للحرب متفائلة، كما يؤكد القرار، بأن تؤدي الأمم المتحدة دوراً حيوياً في العراق، وتأخذ علي عاتقها مسؤولية فعلية. لكن لم يكن ذلك سوي خداع للنفس، إذ لم يكن لدي الولايات المتحدة النية في التنازل عن القيادة للأمم المتحدة، ولم تترك لها سوي دور هامشي.
حاول سيرجيو فييرا دي ميللو، الممثل الخاص للأمم المتحدة في بغداد، أن يوطد دوراً مستقلاً للأمم المتحدة، لكن الإدارة الأمريكية في العراق لم تسمح له بذلك، ورفضت اقتراحاته بتوسيع قاعدة التشاور مع العراقيين من كل الأطياف السياسية. لم يتحقّق الدور الحيوي الذي كان يتوقّعه مجلس الأمن أبداً. وفي 19 آب (اغسطس) 2003، انفجرت شاحنة فدمرت مقر الأمم المتحدة في بغداد، وقتل فييرا دي ميللو وثلاثون شخصاً آخرون من موظفيه. بعد ذلك، قلصت هيئة الأمم حضورها بشكل جذري، ونقلت عملياتها في العراق إلي العاصمة الأردنية عمّان.
مع ذلك، اتخذ مجلس الأمن في تشرين الاول (اكتوبر) 2003 خطوة مشؤومة أخري في القرار رقم 1511. ففي مقابل وعود الولايات المتحدة وبريطانيا بأن تؤدي العملية السياسية بسرعة إلي الانتخابات وتسليم السلطة للعراقيين، أعطي المجلس تفويضاً رسمياً من الأمم المتحدة للاحتلال، وجعل التحالف قوات متعددة الجنسيات . وبعد ذلك زادت الولايات المتحدة وبريطانيا من ادعاءاتهما بأنهما تعملان باسم الأمم المتحدة التي فوضتهما رسمياً بما تقومان به.
منذ ذلك الوقت، وعلي الرغم من انتهاكات التحالف للقانون الدولي، جدّد المجلس التفويض مرتين(27) لكن لم يمارس المجلس أي إشراف ذي معني علي القوات المتعددة الجنسيات، ولم يناقش قضايا العراق ملياً وبصراحة. وقد حاول بعض السفراء، مثل جوان غابرييل فالدس (تشيلي) وأدولفو أغيلار زينسر (المكسيك) إثارة المسألة باكراً، لكن واشنطن أجبرت حكومتيهما علي استدعائهما وأوضحت بجلاء أنّها أنّها لن تتسامح مع أي اعتراض(28). ومنذ ذلك الحين، كما أفاد سفراء آخرون بأسف، لا تتقبل واشنطن أية أسئلة عندما تقدم تقاريرها الدورية إلي المجلس باسم القوات المتعددة الجنسيات(29).
الحكم الامريكي للعراق
أقامت الولايات المتحدة سلطة التحالف المؤقتة بديلاً للسلطة العراقية ومن دون مشاركة عراقية، برئاسة بول بريمر، الذي عيّنه البنتاغون(30). وقد أقام بريمر مكاتبه في القصر الجمهوري السابق لصدام حسين وحكم البلاد بمرسوم فوضه صلاحيات مطلقة تقريباً. ولحماية سلطة التحالف المؤقتة التي لا تحظي بتأييد شعبي من حركة المقاومة العراقية المتصاعدة، أنشأ بريمر المنطقة الخضراء كمنطقة أمنية ذات حراسة مشدّدة، تمتد علي مساحة أربعة أميال مربعة في وسط بغداد، ليعيش ويعمل فيها القادة والعسكريون بأمان نسبي. ومن دون ناطقين باللغة العربية، وبأقل قدر من المعلومات عن البلد، عمد بريمر وفريقه من الشباب الجمهوريين المتحمسين من واشنطن إلي بناء عراق جديد بحسب مبادئ المحافظين الجدد.
أعاد بريمر هيكلة المؤسسات العراقية العامة والاقتصاد العراقي بشكل جذري. فأصدر أكثر من مئة مرسوم شامل. وفي أحد هذه الأوامر الأولي، علّق كل التعريفات، والرسوم الجمركية، ورسوم الاستيراد، ما فتح الاقتصاد العراقي أمام تأثيرات التجارة الحرة بعد أعوام من الحصار. وفي الوقت نفسه، كانت سلطة التحالف المؤقتة تنفق بحرية عائدات النفط والبلايين التي أخذتها من حساب الأمم المتحدة لبرنامج النفط مقابل الغذاء. وقد وزع الموظفون في سلطة التحالف المؤقتة والقادة العسكريون الملايين نقداً أملاً بكسب صداقة العراقيين وتنشيط الاقتصاد العراقي. لكن روح الفساد استشرت بسرعة مبتدئة في أوساط سلطة التحالف المؤقتة نفسها. وأخذت الشركات الكبري، مثل هاليبورتون، وبارسونز، وفلور، وغيرها من شركات الإنشاءات البلايين من عقود إعادة الإعمار (31). وخلف الكواليس، كان التخطيط يجري علي قدم وساق لخصخصة الموارد الفطية الهائلة للعراق، التي يتوقّع أن تحقّق منها الشركات الأمريكية والبريطانية، مثل إكسون، وشل، وبريتيش بتروليوم، فوائد ضخمة. وبينما أحاط بريمر البورصة الجديدة في العراق بدعاية واسعة، كان النظام المصرفي العراقي معطلاً والصناعة منهارة، والقطاع النفطي الحيوي نفسه متراجعاً. وارتفعت البطالة والفقر باطراد.
القمـع
في غياب الشرطة المحلية، واجهت قوات التحالف استياء شعبياً متزايداً. لم يكن الجنود يألفون العادات المحلية، وغير قادرين علي التواصل مع الناس بلغتهم. وكان هؤلاء الجنود المفتقرون إلي الخبرة والإعداد والخبرة في التواصل، مدجّجين بالسلاح ويحظون بإسناد جوي مدمر ومدفعية بعيدة المدي. وكانوا يندفعون أولاً إلي اتخاذ مواقع لهم في قلب المدن العراقية، ما يثير الصراع علي الفور.
فور السيطرة علي الفلوجة، استولت القوات الأمريكية علي مدرسة في مركز المدينة وحولتها إلي ثكنة عسكرية. طالب أهالي الفلوجة بإعادة المدرسة لأبنائهم. وفي 28 نيسان (ابريل) 2003، بعد خمسة أيام علي دخول القوات الأمريكية إلي المدينة، احتشد مئات المحتجين أمام مبني المدرسة. كانت هذه التظاهرة اختباراً رئيسياً للمعارضة الديمقراطية بعد زوال الدكتاتورية. فأطلق الجنود الأمريكيون العصبيين النار علي الحشد من الأسلحة الأوتوماتيكية، فقتلوا سبعة عشر شخصاً، وجرحوا أكثر من سبعين آخرين(32) تلا ذلك حادثتان دمويتان بعد ثلاثة أيام. وسرعان ما تحوّلت الفلوجة إلي مركز لمقاومة الاحتلال. ووقعت حوادث مشابهة في الموصل ومدن أخري. وعندما انتشرت مثل تلك الصدامات، ردّت قوات التحالف بتصعيد القمع. فبدأت الفرق العسكرية بمداهمة المنازل وتفتيشها، وعمدت إلي خلع الأبواب وتحطيم الأثاث، وإعطاء الأوامر (باللغة الإنكليزية)، واعتقال المواطنين(33). وعند اجتياح الأحياء، كانت القوات تعتقل المئات من العراقيين وتسيء معاملتهم فيما بعد عند استجوابهم. وسرعان ما غصّت سجون التحالف ومعسكرات الاعتقال بآلاف العراقيين المحتجزين من دون أية اتهامات وفي غياب أية فرصة للدفاع عن النفس في المحاكم(34). وبدأ التعذيب في الأسابيع الأولي للاحتلال(35).
وقد قامت قوات التحالف بعمليات سرية مكثفة، مستخدمة الآلاف من القوات الخاصة، بما في ذلك فوج جوّالة الجيش، وقوات العمليات الخاصة التابعة للبحرية، وقوة دلتا، والقوات الجوية الخاصة البريطانية(36). إضافة إلي ذلك، كانت هناك وحدات من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والاستخبارات البريطانية العامة، ومجموعات خاصة من الاستخبارات العسكرية. وبحجة البحث عن صدام وملاحقة الإرهابيين، قامت تلك القوات المقنّعة بعمليات عسكرية سرية واحتجاز المشتبه بهم والتحقيق معهم بوحشية في معسكرات سرية(37).
أخيراً، استقدم التحالف أعداداً كبيرة من المتعاقدين العسكريين الخاصين، وسرعان ما صاروا يعدّون بعشرات الآلاف(38). وكان بعضهم، مثل الموظفين في شركات بلاك ووتر، ودين كورب، وسي. إيه. سي. آي CACI إنترناشيونال، جنوداً سابقين في القوات الأمريكية الخاصة، وضباط شرطة، وعناصر استخباراتية، وآخرين ممن لديهم خبرة في الحرب السرية والاستجواب والحماية... إلخ.
كان هؤلاء المرتزقة المدجّجون بالسلاح والمستثنون من المساءلة، حتي بموجب نظام القضاء العسكري، يحصلون علي مرتبات عالية جداً ويستقدمون من عدة بلدان، إضافة إلي أمريكا وبريطانيا(39). وقد نشروا كمحققين في السجون أو حراساً شخصيين للمسؤولين في التحالف داخل المنطقة الخضراء، أو في وحدات قوة الحماية ، أو في مجموعات القتال الخاصة، أو مدربين لوحدات المغاوير العراقية وغيرها(40) وقد جسّدوا العنف والقمع اللذين كانا الخيار الاستراتيجي الحازم لسلطات الاحتلال.
رعاية التحالف
لفرق الموت
أنشأ التحالف قوات عراقية غير نظامية أو وسّعها. قبل الاحتلال، دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا، قوات البشمركة الكردية (الميليشيات الحزبية/القبلية في كردستان العراق(41). وفي عام 2003 بلغت أعدادها عشرات الآلاف من المقاتلين. وأعلن قادة التحالف أن قوات البشمركة تستطيع الاحتفاظ بأسلحتها والإبقاء علي وحداتها باعتبار أنها تعمل تحت إشراف التحالف (42). وقد عزّزت البشمركة الحكم الكردي علي الأقليّات غير الكردية في الشمال. واستخدمت قيادة التحالف هذه القوات في الهجوم علي المتمردين في شمال ووسط البلاد، ما عزّز النزعة الانفصالية الكردية وزاد استياء السنّة والشيعة من الأكراد.
كذلك دعمت الولايات المتحدة وسلحت ومولت ودربت ميليشيا ضخمة من المؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الجلبي، وهو منفي عراقي كان مقرباً من البنتاغون، ومرشحاً ليكون رئيساً للوزراء في المستقبل. وقد أنشئت هذه الميليشيا، وهي تسمّي قوات العراق الحرّ ، في عام 2002 وحظيت بتمويل من البنتاغون بعدّة ملايين من الدولارات(43). وبُعيد الغزو، نقل سلاح الجو الأمريكي الجلبي مع 600 عنصر من ميليشياته إلي الناصرية في جنوب البلاد(44). وأفيد لاحقاً أنّ عقداً مع سلطة التحالف المؤقتة بعدة ملايين من الدولارات (لحراسة المنشآت النفطية اسمياً) كان يموّل هذه الميليشيا، إضافة إلي راتب شهري بقيمة 342.000 دولار من البنتاغون إلي المؤتمر الوطني العراقي/الجلبي(45). وقد خاضت قوات الجلبي عدة معارك في بغداد مع الخصوم، واتهمت بسرقة السيارات والتزوير والاستيلاء غير القانوني علي مقتنيات للبعثيين السابقين والقتل.
وكانت العقارب قوة عراقية أخري غير نظامية، شكلتها وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)، ومارست عملياتها منذ البداية بسرية تامة(46). وقد ظهرت وبرزت خلال الضرب الوحشي لأحد المعتقلين العراقيين (ووفاته في النهاية) في سجن أمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر 2003(47).
وفي خريف عام 2003، تبيّن جلياً أن واشنطن اختارت الحرب القذرة. فقد شملت فاتورة تمويل للحرب اقترحها البنتاغون ووافق عليها الكونغرس 3 بلايين دولار للميليشيات العراقية(48). وبعد منتصف عام 2004، ازداد استخدام التحالف للقوات العراقية غير النظامية، إضافة إلي الوحدات الخاصة المنشأة تحت إمرة وزارة الداخلية العراقية اسمياً.
شبّهت مصادر من البنتاغون ومعلقون صحافيون هذه السياسة بخيار السلفادور ، في إشارة إلي التكتيك الأمريكي لمكافحة التمرد في أمريكا الوسطي في الثمانينيات(49). فقد عيّن جيمس ستيل، وهو مستشار خاص في السفارة الأمريكية أدي دوراً مهماً في الحرب القذرة في أمريكا الوسطي، لتقديم المشورة إلي الكثير من الوحدات(50). وأنشئت وحدات غير نظامية جديدة في صيف وخريف 2004، منها وحدة الأسلحة والتكتيكات الخاصة في الحلّة، وحرس الحرية العراقي، ولواء العمارة، ومغاوير قوات الشرطة الخاصة التي تسمي أحياناً لواء الذئاب (51). وقام التحالف بتدريب وتسليح غالبية هذه القوات(52).
وقد عمل بعضها كفرق الموت، ونفّذت اغتيالات موجّهة. وكان العديد من القادة العراقيين ضباطاً سابقين في الشرطة السرية أو وحدات الجيش الخاصة للنظام السابق، لكنّهم استعادوا حظوتهم بعد التخلّص منهم جملة بموجب اجتثاث البعث(53). كما كانت بعض هذه الفرق عنيفة جداً وغير منضبطة، وفي بعض الأحيان تفلت من عقالها كالمسعور فتنهب وتحرق وتعذب وتعدم.
تضاعفت أعمال العنف، وشكلت المجموعات الإثنية والدينية والأحزاب السياسية ميليشياتها الخاصة للدفاع عن نفسها (أو لغايات سياسية عدوانية). وقد وسّع المجلس الأعلي للثورة الإسلامية، وهو من الأحزاب السياسية الشيعية الكبري، لواء بدر التابع له، بينما عزّز مقتدي الصدر جيش المهدي(54). وأخذ رؤساء الأحياء والقادة السياسيون يعيّنون الحراس المسلحين. واستخدم المسؤولون الحكوميون وحدات من الشرطة الرسمية والجيش كميليشيا شبه مستقلة. واتخذت العصابات المسلحة عمليات الاختطاف سبيلاً للرزق، إلي جانب السطو المسلح ومصادرة البضائع علي الطرقات. وهكذا فإنّ التحالف، بلعب ورقة الميليشيات، ضاعف العنف في البلاد وزاد من إضعاف الدولة.
عراق حر ذو سيادة
منذ البداية، أكدت الولايات المتحدة وشركاؤها أنهم يسعون لإنشاء عراق ديمقراطي، سرعان ما يصبح نموذجاً للمنطقة بأكملها. لكنّهم حكموا، عملياً، بأقل قدر من المشورة ولم يكونوا علي دراية بالبلد وشعبه. وقد حكمت السلطة المؤقتة العراق عاماً كاملاً من المنطقة الخضراء المعزولة، وأصدرت الأوامر والنشرات والمذكرات، الإعلانات العامّة(55). ولم تتح لمعظم الموظفين في سلطة التحالف المؤقتة الذين يعملون بموجب تعيينات لمدة ستة أشهر الفرصة لكي يتعرفوا علي العراق قبل عودتهم إلي وطنهم(56).
أنشأ بريمر وسلطة التحالف المؤقّتة مجلس حكم مؤلف من بعض العراقيين الموالين لأمريكا والراضين بالاحتلال(57). وكان العديد منهم قد قضوا سنوات في المنفي وتقلصت علاقتهم بالعراق الحاضر. كما إن بعضهم مثل إياد علاوي وأحمد الجلبي عملوا سنوات لحساب واشنطن وكانوا مدرجين علي جدول رواتبها مباشرة(58). وبتسمية مجلس الحكم علي أساس الانتماء الطائفي و التوازن ، أبرزت سلطة التحالف المؤقتة البعد الطائفي في السياسة العراقية، وعمّقت الخلافات الطائفية(59). وأخذت سياسة فرّق تسد تفعل فعلها.
في نهاية حزيران (يونيو) 2004، سلمت سلطة التحالف المؤقتة السيادة إلي العراقيين وحلت نفسها. وأعلن التحالف عن أنّ حكومة مؤقّتة عراقية سيّدة تولّت المسؤولية الآن، ورحب مجلس الأمن الدولي في نيويورك بهذه الخطوة(60). وقد قام بريمر باختيار الحكومة المؤقتة الجديدة بمساعدة المبعوث الخاص للأمم المتحدة، الأخضر الإبراهيمي. ومع أنّ الحكومة تشكّلت من التكنوقراط كما هو مفترض، فإنّها ضمّت شخصيات معروفة اختيرت وقدمت (ثانية) وفق انتمائها المذهبي(61). وقد عيّن إياد علاوي المرتبط بالسي آي إيه رئيساًً للوزراء. وقد غادر بريمر وغالبية موظفيه البلاد في النهاية، لكن بقي في العراق حضور أمريكي ضخم.
لقد وضعت زخارف السيادة في مكانها. وصار للعراق وزراء، وموظفون مدنيون، وقوات شرطة جديدة، وجيش جديد، بالإضافة إلي السجون، ووزير للمالية، بل حتي جهاز للمخابرات. وأجريت انتخابات بطبيعة الحال ـ بإشراف التحالف كإثبات للنجاح ومرجع نهائي للديمقراطية. لكن الواقع كان مختلفاً تماماً، فقد استمر السفير جون نيغروبونتي الذي خلف بريمر بممارسة نفوذ واسع في البلاد علي رأس أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم. كانت كل وزارة عراقية تضمّ العشرات من المستشارين الأمريكيين الذين يوجّهون سياستها(62). وخضع الجيش لإمرة القيادة الأمريكية، وكان جهاز المخابرات العراقي يتلقي أوامره (ورواتبه) من وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) مباشرة(63).
جرت الانتخابات الأولية لأعضاء المجلس الوطني العراقي، وعددهم 275 عضواً، في 30 كانون الثاني (يناير) 2005. وبسبب خطورة الظروف الأمنية، أشرف الخبراء الدوليون علي الانتخابات من خارج العراق، معتمدين علي المعلومات التي غالباً ما يزوّدهم بها المراقبون العراقيون المحازبون. وقد صرحت البعثة الدولية لانتخابات العراق أن الانتخابات وفت عموماً بالمــــعايير المعترف بها (64). مع ذلك فقد اشـــتكي النقاد من أن الانتخابات نظمت علي أساس معيب، حيث توجد دائرة انتخابية وطنية واحدة وقوائم موحّدة للمرشّحين، وأنّه لم يكن يمكن القيام بحملات انتخابية ذات معني، وأنّ الانتخابات جرت تحت ظروف تنتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان(65). ومن الشبهات الأخري التي شابت الانتخابات التدني الشديد لمشاركة السنّة.
كانت عملية صياغة دستور جديد وإقراره مثيرة للمشاكل، ما أدي إلي تزايد حدة الضغائن الطائفية. فقد عدّلت في اللحظة الأخيرة قبل التصويت قوانين الاستفتاء التي نصّ عليها الدستور المؤقّت، في 15 تشرين الاول (اكتوبر) 2005(66)، وألقت المخالفات في التصويت بظلالها علي النتائج(67).
وبدل الرفض الواسع المتوقع، أُعلن عن تبني الدستور. وقد تلا ذلك انتخابات برلمانية في 15 كانون الأول (ديسمبر) 2005، ومنحت النتيجة السلطة للكتل الطائفية ـ الإثنية للأحزاب الكردية. فأصبحت العملية السياسية طائفية بشكل متزايد وأدي تصاعد العنف إلي جعل إطلاق الحملات علي أساس القضايا المطروحة مستحيلاً فعلياً. وحينما تسلّم البرلمان الدستوري عمله في بداية عام 2006، كانت الآمال العابرة التي أحدثتها الانتخابات في أوساط الشعب العراقي قد خبت بالفعل. واحتاج تشكيل الحكومة إلي أشهر من المناورات.
وتبيّن أن القيادة السياسية لرئيس الوزراء نوري المالكي ضعيفة وطائفية وغير قادرة علي توحيد البلاد. ولم يكن لدي البرلمان وقادة الحكومة سوي مجال ضئيل للمناورة السياسية نظراً لوجودهم الرمزيً في المنطقة الخضراء المحصنة، إلي جانب السفارة الأمريكية الضخمة. وقد تفشّي الفساد في الوزارات، وتضاعفت أعداد الميليشيات، ولم يعد هناك أي معني لسلطة الحكومة داخل المنطقة الخضراء أو خارجها.
عبدالله سليمان
Nov 28 2007, 02:30 PM
الحرب والاحتلال في العراق: تقرير للمنظمات غير الحكومية (2 ـ 10)
نيران وفوضي في تاريخ عمره 8 آلاف سنة يضم اعظم كنوز العالم
في 20 آذار (مارس) 2003 غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق واسقطت حكومة صدام حسين. وفي 2 ايار (مايو) 2003 اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الابن ان المهمة انجزت . الا ان النزاع بقي مستمرا لأكثر من اربع سنوات. لقد رفض مجلس الامن السماح بالحرب في البداية. الا انه، بعد عدة اشهر، اعطي القوات الامريكية تفويضا، تحت اسم القوات المتعددة الجنسيات . وانعقد الامل علي ان تمارس الامم المتحدة دورها الحيوي في العراق، وقيادة السبيل نحو السلام والشرعية الدولية.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وعندما انفجرت شاحنة، في 19 آب (اغسطس) 2003، امام مقر الامم المتحدة ودمرته، قلصت البعثة تمثيلها في العراق. ومنذ ذلك الوقت لم يعد للامم المتحدة دور في الرقابة، كما لم يعد مجلس الامن يناقش ذلك الامر. وقد ترتبت علي هذا النزاع نتائج مريعة في العراق، وعلي مختلف الصعد: الامنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية. وهذا التقرير الذي تنشره القدس العربي في 10 حلقات يدرس اهم اوجه النزاع. وقد كتبه جيمس بول وسيلين ناهوري، وتبنته، وساهمت في نشره باللغات العالمية، 32 منظمة غير حكومية، يجد القارئ اسماءها مفصلة في نسخة التقرير التي نشرها اخيرا مركز دراسات الوحدة العربية ، بترجمة مجد الشرع ومراجعة هيثم مناع وعمر الأيوبي.
الفصل الثاني
تدميـر التـراث الثقافـي
هذه الأشياء تحدث... فالحرية عديمة الترتيب
ـ وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد
خلال الحرب والاحتلال، فشلت قوات التحالف في حماية التراث الثقافي العراقي الذي لا نظير له، وتركته عرضة للسارقين ولصوص الآثار. أما المكتبة الوطنية والمتحف الوطني، إلي جانب العديد من الهيئات الثقافية المهمة، فقد تعرضت لأضرار كبيرة وسُرقت محتوياتها خلال الأيام الأولي للاحتلال. منذ ذلك الوقت تقيم قوات التحالف معسكراتها في المواقع الأثرية الحساسة وتدمر المدن التاريخية في أثناء العمليات العسكرية. وعلي الرغم من المناشدات الكثيرة من جميع أنحاء العالم، فقد ترك المحتلون المواقع الأثرية في العراق طعمة للسارقين دون اكتراث بالقانون الدولي. وقد نهب اللصوص عشرات المواقع المهمة ولا تزال السرقات مستمرة يومياً.
تحذيرات وآراء أخري عند اقتراب الحرب
عند اقتراب موعد الغزو في آذار (مارس) 2003، اتصلت جمعيات مختصة وأكاديميون بالسلطات في واشنطن ولندن لتحذر من الخطر الذي يهدّد التراث الثقافي العراقي. فقد أنتجت ثمانية آلاف عام من التاريخ في الوادي الخصيب ما بين النهرين بعض أعظم الكنوز والمواقع الثقافية في العالم في الأرض التي تسمي اليوم بالعراق. ويتضمن هذا التراث الغني مجموعة من المتاحف المميّزة، والمكتبات، بالإضافة إلي المباني التاريخية، والمدن القديمة، ومئات من المواقع الأثرية المهمة. وقد نبّه بعض أبرز علماء العالم في علم الآثار والفن والتاريخ من أضرار العمليات العسكرية، وخاصة أخطار السرقات ما بعد الحرب.
وفي كانون الثاني (يناير) 2003، اجتمع وفد من العلماء ومدراء المتاحف وجامعي الفنون والمتعاملين بالتحف القديمة مع مسؤولين في البنتاغون لمناقشة مضاعفات الغزو، ونبّهوا إلي أن المتحف الوطني في بغداد هو أهم موقع في البلاد. وعاد أحد أفراد الوفد، ماكغواير غيبسون من جامعة شيكاغو، مرتين إلي البنتاغون لبحث الاحتياطات الواجب اتخاذها من قبل قوات التحالف. وأرسل هو وزملاؤه العديد من الرسائل الإلكترونية لتذكير القادة العسكريين بذلك في الأسابيع التي سبقت الحرب. وقال غيبسون في ما بعد: اعتقدت أنهم قدّموا ضمانات بتقديم الحماية إلي المواقع والمتاحف .
وعند اقتراب الغزو، وجّه معهد الآثار الأمريكي، والمجلس العالمي للمتاحف، واللجنة الدولية للدرع الأزرق ومنظمات أخري مختصة تحذيرات عامة وقدّمت معلومات محددة عن الكنوز الثقافية الواجب حمايتها. وذكّرت الولايات المتحدة وبريطانيا بمسؤولياتهما بموجب القانون الدولي، لا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب صراح مسلّح. كما حثّت قوّات الاحتلال علي منح الأولوية لحماية المواقع والهيئات الثقافية العراقية.
لكن مجموعة من المتعاملين ذوي المصالح الشخصية وجامعي القطع الفنية الأثرياء قدّمت نصائح أخري مناقضة إلي المخططين العسكريين. وقد وجد المجلس الأمريكي للملكية الثقافية الذي تأسس في أواخر عام 2002 ويركّز علي الفنون والتحف القديمة في الشرق الأوسط، أن الحرب تقدّم فرصاً لوصول التراث العراقي إلي المشترين العالميين. كما رحب آشتون هوكينز، رئيس المجموعة بالانتشار المشروع للتراث الثقافي في السوق ، معتبراً أن هذه هي الطريقة المثلي للحفاظ عليها .
اجتمع أعضاء المجلس مع المسؤولين في وزارة الخارجية والبنتاغون قبل بداية الحرب في نيسان (ابريل) 2003 . وكان للمجلس علاقات قوية مع إدارة بوش، كما إنّ أحد قادته كان عضواً في اللجنة الاستشارية للملكية الثقافية التابعة للرئيس. وقد رأت مجموعة الضغط (لوبي) الجديدة أن القوانين العراقية يجب تغييرها للسماح بمزيد من الحفريات للتنقيب عن الآثار وتصدير المزيد من القطع الفنية القيّمة. وعرضت تقديم المساعدة بعد الحرب إلي الحكومة العراقية والمتاحف.
ثار خوف المنظمات الأكاديمية المهتمة من هذا اللوبي الجديد، ورأي العديد من الأكاديميين أن جمع التحف القديمة والاتجار بها سيحضّ علي نهب المواقع الأثرية وتدميرها، ويعزّز السرقات من المتاحف. وقالت دومينيك كولن من المتحف البريطاني، في بداية عام 2003، معلقة علي الضغوط التي يمارسها جامعو الآثار: هذا ما سيشجع السلب والنهب. فعندما يحصلون علي المباركة الأمريكية، يصبح لديهم سوق لهذه التحف الفنية القديمة ويتحوّل الأمر إلي موسم مفتوح. إن آخر ما نريده هو التغاضي عن النهب .
النهب المبكر
لم يتحرك الجنود الذين استولوا علي بغداد والمدن العراقية الأخري في بداية نيسان (ابريل) 2003 لحماية المواقع الثقافية، ولم يتخذوا مواقف دفاعية، ولم يمنعوا أعمال النهب والتدمير حتي عندما طلب المدنيون المهتمون ذلك منهم. وبما أنّ أهم الهيئات الثقافية تتركز في منطقتين صغيرتين من المدينة، فقد كان بوسع القادة العسكريين اتخاذ خطوات بسيطة مثل تلك التي تمت لحماية وزارة النفط العراقية. فالعديد من الدبابات ومفرزة من المشاة كانوا علي مقربة من المكان، وكان بإمكانهم التدخّل بسهولة، لكن الجنود قالوا إن الأوامر المعطاة لهم تمنعهم من التورّط في ذلك. ونجم عن قرار قادة التحالف تسريح الجيش العراقي وقوات الشرطة أيضاً تعريض الكنوز الثقافية في العراق للخطر والضرر شبه المؤكّد.
بدأت الهجمات علي المواقع الثقافية بُعيد انهيار النظام القديم، كجزء من النهب والتدمير الشامل للمباني الحكومية وأهداف أخري. وكما حذّر الأكاديميون، فإن السلب يحدث في الغالب عند انهيار النظام العام، حتي في مدن مثل مونتريال ونيويورك. ويبدو أن اللصوص في بغداد كانت لديهم حوافز مختلفة. فقد عَبّر بعضهم بالسرقة عن غضبه من النظام السابق، وكان آخرون من لصوص الحيّ. ويبدو أنّ بعضهم كانوا مجموعات سياسية منظمة (مثل الذين أحرقوا أرشيف حقبة صدام في المكتبة الوطنية). كما كان بعضهم من لصوص الآثار الذين يعرفون ماذا يستهدفون. وقد وجد رئيس المحققين الأمريكيين في ما بعد أن اللصوص كانت لديهم أوامر من متعاملين دوليين. ومن الأدلة علي ذلك قطع رؤوس التماثيل الحجرية الثقيلة بمنشار خاص وسرقة الأشياء القيمة فقط.
وبينما سرق لصوص الأعمال الفنية القطع المعروضة ذات المستوي العالمي والكتب النادرة وغير ذلك من الأشياء ذات القيمة العالية، نهب السكان المحليون الحواسيب، والطابعات، وأجهزة النسخ، والمواد الحافظة، وأجهزة الإضاءة، والأثاث، والسجاد، والمولّدات الكهربائية ومكيّفات الهواء. وقد نزع بعض اللصوص الأشرطة النحاسية من داخل الجدران، وخلعوا النوافذ والأبواب. ثم لأسباب متعددة أشعل اللصوص الحرائق مخلفين خراباً شاملاً.
خاطر عدد من العراقيين المهتمين وبذلوا جهوداً كبري لمنع السرقات وحماية التراث الثقافي المهدّد. كما قام الموظفون أنفسهم بحماية القطع الأكثر قيمة وإخفائها في المخازن والمستودعات الأرضية الخاصة.
وقد بذلت جهود للإنقاذ بينما كانت بغداد ترزح تحت القصف الجوي، بل حتي بعد بدء أعمال النهب. فقد رتّب إمام مسجد محلي مكاناً لتخزين جزء من مقتنيات المكتبة الوطنية في مسجد الحقّ للحفاظ عليها. وحَمل المتطوعون آلاف الكتب والمخطوطات في الشوارع علي الرغم من أنّ الناهبين المسلّحين يمكن أن يهاجموهم في أي وقت. كما ساعد الإمام موظفي المكتبة بتلحيم باب فولاذي ضد الحرائق للحؤول دون وقوع مزيد السرقات.
عند انتشار أولي الأخبار عن تدمير التراث، جدّدت الهيئات الثقافية الدولية ومجموعات الأكاديميين مناشداتهم لقادة التحالف العسكريين والمدنيين. وفي العراق، قدّم العاملون والمسؤولون في الهيئات الثقافية طلبات ملحّة لتأمين الحماية إلي الجنود المعسكرين علي مقربة منهم والضباط في مقرّ القيادة في فندق فلسطين. لكن القادة لم يتصرّفوا بسرعة. وفي 11 نيسان (ابريل)، وفي ذروة استشراء النهب، قال وزير الدفاع الأمريكي إن التقارير الواردة من بغداد عن التخريب الثقافي في غير محلّها ومبالغ فيها وقد استمر التخريب أياماً أخري.
استقال ثلاثة أعضاء من لجنة البيت الأبيض الاستشارية لحماية الملكية الثقافية علي الفور تقريباً احتجاجاً علي مسؤولية الحكومة الأمريكية. وقال مارتين سوليفان، رئيس اللجنة، في رسالة الاستقالة: لم يتم تجنّب المأساة بسبب تواني أمّتنا .
تفاصيل الخسائر
وقع حريقان هائلان في المكتبة الوطنية في بغداد في 10 و12 نيسان (ابريل) أديا إلي أضرار كبيرة ودمرا قسماً رئيسياً من واجهة المبني. وقد تمت سرقة نحو ربع مجموعات الكتب أو حرقها، بما في ذلك الكتب والصحف النادرة. والتهمت النيران ما يصل إلي 60 في المئة من الوثائق العثمانية والملكية الهاشمية، وكل أرشيف الحكومة الأحدث عهداً تقريباً. وقُضي علي مجموعة الخرائط والصور الفوتوغرافية بأكملها، كما أتلف الرماد والسخام ما تبقّي من المجموعات.
عانت المكتبات الكبري الأخري في بغداد أيضاً. فلحقت أضرار كبيرة بمبني المكتبة الوطنية للمخطوطات بسبب السرقات والحرائق، لكن موظفي المكتبة وبعض السكان المحليين استطاعوا إنقاذ مقتنياتها في مستودعات خاصة تحت الأرض. وقد نهب اللصوص وأحرقوا جزئياً مجموعات المخطوطات في بيت الحكمة ـ دار العلم. كما ألحقت النيران أضراراً بليغة بمكتبة الأوقاف. وقد تمكن العاملون فيها من إنقاذ كثير من مجموعات المخطوطات، علي الرغم من سرقة أكثر 1000 مخطوطة وإحراق ما يزيد علي 500. وعانت مكتبات أخري في بغداد من النهب بما فيها مكتبة الأكاديمية العراقية للعلوم، ومكتبة جامعة المستنصرية، ومكتبة كلية بغداد الطبية. أما مكتبة كلية الآداب بجامعة بغداد فأتت النيران عليها بأكملها.
وقعت كوارث مماثلة خارج بغداد، حيث لم توفّر قوات التحالف شيئاً من الحماية. فالتهمت النيران المكتبة المركزية لجامعة البصرة، وفقد 70 في المئة علي الأقل من محتوياتها. وواجهت مكتبات الجامعات والبلديات الأخري المصير ذاته. فقد نهب المخربون المكتبة المركزية لجامعة الموصل، وضاع نحو ثلث محتوياتها.
المتاحف والمباني التاريخية
هاجم اللصوص المتحف الوطني ثلاث مرات بين 10 و12 نيسان (ابريل)، ولم تفعل قوات التحالف شيئاً، ونهبوا ما بين 14 و15 ألف قطعة، بما فيها القطع النقدية، والتماثيل، والسيراميك، والمشغولات المعدنية، والقطع المعمارية، والألواح المسمارية، ومعظم مجموعة المتحف من الأختام الأسطوانية السومرية القيّمة. وقد اختفي التمثال المرمري الشهير السيدة ورقاء ، الذي يعود تاريخه إلي عام 3100 قبل الميلاد، إضافة إلي أربعين قطعة أثرية شهيرة أخري. وأخيراً، في 16 نيسان (ابريل)، بعد انتهاء السرقات بأربعة أيام، قررت قوات التحالف حراسة المبني. ومن حسن الحظ أن العاملين في المتحف نقلوا معظم القطع إلي مستودعات أمينة قبل الحرب، وهكذا بقيت هذه القطع سليمة. لكن فقدت معظم فهارس البطاقات والملفات الحاسوبية في المتحف، بما في ذلك السجلات الفريدة للحفريات الأثرية.
وهاجم اللصوص مؤسسات أخري مهمة خارج بغداد، منها متحف الموصل الذي سرقت منه مئات القطع الأثرية، ومن ضمنها 16 إطار باب برونزياً من بوابة مدينة بلوات (القرن التاسع قبل الميلاد) والألواح المسمارية من مواقع مهمة مثل نينوي ونمرود. وقد اختفت أيضاً كتب وخرائط ومخطوطات نادرة.
حطم هؤلاء ودمروا بعض أجمل المباني التاريخية والأحياء القديمة. وفشلت القوات الأمريكية في بغداد في وضع حدّ لـ 12 أسبوعاً من النهب تعرض لها المركز الثقافي والإداري القديم في المدينة، حيث يوجد القصر العباسي من القرن الثاني عشر، والمدرسة المستنصرية من القرن الرابع عشر، وجامع السراي من القرن السادس عشر (يوجد سوق مغطي لبيع الكتب القديمة)، وبناء السراي القديم منذ القرن التاسع عشر. فقد نهب اللصوص عدة مبانٍ وأشعلوا النيران فيها، سرقوا الأثاث والأبواب والنوافذ وألواح تكسية الجدران وبلاط الأرضيات، وانتزعوا كل شيء حتي التفاصيل المعمارية. وتمكن اللصوص بحرية علي مدي عدة أشهر من تفكيك أجزاء من القشلة (الثكنة) العثمانية في بغداد طوبة طوبة. وقد خلص تقرير للصليب الأزرق خلال الأسابيع المتعددة للنهب أن المناشدات المقدّمة للجنة الثقافية في سلطة التحالف المؤقتة كانت بدون جدوي .
نهب المواقع الأثرية
تضمّ المواقع الأثرية أكثر من 150 مدينة وبلدة سومرية قديمة، بالإضافة إلي العواصم الكبري بابل ونمرود ونينوي التي أعقبتها زمنياً. وهناك ما مجموعه نحو 000،12 موقع في البلاد. وقد بيّن الأكاديميون لسلطة التحالف أن النهب يدمّر السجلّ الأثري الذي يشكّل أساس فهمنا تاريخ البشرية. ولا يمكن فهم السجلّ من دون التنقيب المتأني وحفظ السجل الأثري بواسطة علماء آثار مهنيين.
لكن التحالف لم يؤمّن أي حماية ذات معني لتلك المواقع. ونتيجة لذلك باشر اللصوص عملياتهم علي الفور. فنزل الآلاف من العراقيين، كثير منهم يعمل لحساب لصوص الآثار المختصين، إلي المواقع واستخدموا الرفوش وحتي الجرّافات للبحث عن القطع النقدية، والأختام الأسطوانية، والأواني الفخارية، والألواح الطينية، والحجارة المنحوتة، وغيرها من الأشياء. قد وقعت أكثر عمليات السرقة شدّة في الجنوب، حيث توجد أقدم المواقع الأثرية.
في تشرين الاول (اكتوبر) 2003، قال ضابط حسن الاطلاع في قوات التحالف إنه علي الرغم من أنّ سلطة التحالف المؤقّتة استخدمت 1675 حارساً عراقياً لحماية 3000 موقع فإنهم لم يكونوا مدربين ومجهّزين بشكل كافٍ . كما إنهم لم يتلقوا تدريبات أمنية رسمية، ولم يكن لديهم وسائل اتصال أو وسائط نقل . وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2003، قال المستشار الثقافي في السلطة المؤقتة، د. جون مالكولم راسل، بصراحة إن حماية المواقع الأثرية ليست أولوية بالنسبة إلي التحالف.
ومع مرور الزمن، أصبح النهب منظماً وأكثر جرأة، فقد استأجر اللصوص، في بعض المواقع الرئيسية، مئات الأشخاص للعمل لهم، بعد أن نقلوهم من القري المحلية. أما الحكومة العراقية، فلم تبدِ اهتماماً كبيراً بهذه المسألة. ونضبت الأموال المخصّصة لموازنة حراسة المواقع في منتصف عام 2006، مع أنّ تكلفة الحماية المناسبة لا تزيد علي 3 إلي 4 ملايين دولار. وقال ماكغواير غيبسون في أيلول/سبتمبر 2006 لصحيفة واشنطن بوست: تم نهب المواقع علي نطاق صناعي، وفقدت بعض أعظم المواقع السومرية . كما علق الصندوق العالمي للآثار بمرارة بأن المواقع العراقية يخربها اللصوص الذي يعملون ليلاً ونهاراً لإمداد السوق العالمية المتعطشة للأثريات .
قوات التحالف وتدمير التراث
سببت العمليات العسكرية لقوات التحالف أضراراً جسيمة في المواقع التاريخية والمباني والأحياء القديمة في المدن. وكان تأثيرها قاسياً علي الأحياء القديمة خاصة، بما في ذلك المنطقة المركزية في مدينة النجف المقدسة خلال المواجهة التي حصلت بين قوات التحالف وجيش المهدي في آب (أغسطس) 2004. وقد دمر قصف التحالف 65 مسجداً في الهجوم علي الفلوجة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، كما قوّض القصف الجوي والهجمات البرية المباني القديمة في تلعفر، والرمادي، وسامراء، وكذلك في عدد من المدن الأخري.
وفي بعض الحالات، سببت قوات التحالف أضراراً جسيمة يصعب ترميمها في مواقع أثرية مهمة. فقد أقام الجيش الأمريكي قواعده علي المواقع القديمة لبابل وأور. واستعمل الجنود في بابل معدّات ثقيلة لجرف التربة لبناء مهبط لطائرات الهليكوبتر، وأقاموا خزانات الوقود، والجدران الإسمنتية، وحفروا عشرات الخنادق العميقة، وجلبوا أطناناً من الحصي ليفرشوا مواقف المركبات العسكرية بجانب مسرح إغريقي بني للإسكندر المقدوني. وأقام الجنود البولونيون معسكرهم في بابل (معسكر ألفا) من أيلول/سبتمبر 2003 وحتي كانون الثاني (يناير) 2005.
قدم الدكتور جون كورتيس، المسؤول عن دائرة الشرق الأدني في المتحف البريطاني، تقريراً شديد الانتقاد عن جميع الأضرار لقد وجد أكياس رمل للتحصينات العسكرية مليئة بالمواد الأثرية من الموقع، بما فيها شقف من أوانٍ فخارية وعظام وطوب أثري. وانهارت أجزاء من المباني القديمة. وناشد الأكاديميون العالميون والقادة العراقيون الضباط الأمريكيين بإخلاء المعسكر، لكن هؤلاء لم يغادروا حتي 15 كانون الثاني (يناير) 2005. وفي ما بعد، اعتذرت الحكومة البولونية عن اشتراكها في ارتكاب تلك الجريمة.
الإهمال الثقافي ونقص الحماية
في الأيام الأولي للاحتلال، ورداً علي الاحتجاجات ضد النهب، أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما ستتخذان خطوات فعالة لاسترجاع ما سلب من المتحف الوطني، وترميم الأضرار الناتجة في المكتبة الوطنية، وإحياء التراث العراقي الذي كان مهملاً خلال حقبة صدام حسين. وقد وضعت وزارة الخارجية، ومكتبة الكونغرس، والمتحف البريطاني، والشرطة الفدرالية، والجمارك الأمريكية، وغيرها برامج خاصة لذلك.
بعد ثلاثة أيام من بدء النهب، في 15 نيسان (ابريل) 2003، عقد المسؤولون في المتحف البريطاني مؤتمراً صحافياً لمناشدة الحكومة البريطانية وطلب المساعدات الدولية لحماية المتحف الوطني المسلوب في بغداد. ومن المفارقة أنّ مخابرة هاتفية عبر الأقمار الصناعية مع رئيس مجلس الآثار العراقي كشفت أنّ المتحف لا يزال من دون حراسة ويتعرض لمزيد من النهب. وبعد احتجاجات الأكاديميين، والحرج في داوننغ ستريت، وصلت قوات التحالف أخيراً لحماية المتحف في اليوم التالي.
أرسلت واشنطن في ما بعد عملاء من مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) وضباط الجمارك إلي بغداد ليتقصوا المعلومات عن الآثار المفقودة من المتحف. وعهد إلي ماثيو بوغدانوس، العقيد في قوات المارينز الأمريكية، إدارة حملة استرجاع الآثار بدءاً من الأحياء المحلية. وفي الوقت نفسه، شجب رجال الدين العراقيين نهب الأثريات ودعوا إلي إعادة المسروقات. وأعاد مسعي دولي في النهاية استرجاع أو إعادة شراء أو ضبط أكثر من 5000 قطعة، لكن بعد ستة أشهر، في تشرين الاول (اكتوبر) 2003، كلّفت القيادة بوغدانوس بمهمة أخري. وبهذا خفّت حدة الحماسة لاسترجاع ما تبقي من مسروقات المتحف.
في الأيام الأولي للاحتلال، سمّت سلطة التحالف المؤقتة مستشارين خاصين للشؤون الثقافية. وطلب جون آغريستو، المسؤول الجديد عن التعليم العالي في سلطة التحالف تخصيص 1.2 بليون دولار لإحياء جامعات العراق ثانية، لكنه لم يحصل إلا علي 9 ملايين دولار في موازنة عام 2004، إذ سرعان ما خبت الحماسة الرسمية. وبعدما غادر آغريستو العراق في عام 2005 لم يتم تعيين بديل له. وحصل الشيء نفسه مع رينيه تيغلر الهولندي الذي عيّن مستشاراً ثقافياً، وكانت مهمته تشمل المكتبات والمتاحف، فقد خصّصت له سلطة التحالف المؤقتة موازنة ضئيلة لا تكفي لتغطية الحالات الطارئة. ولم يكن بول بريمر مهتماً بهذا الموضوع، وحين سافر تيغلر عام 2005 لم يتم تعيين بديل له أيضاً.
اقترحت مكتبة الكونغرس خطة شاملة لمكتبة وطنية جديدة، وتدريب كوادر عراقية. وتمت دراسة الخطة بعد إرسال بعثة خاصة إلي بغداد في تشرين الاول (اكتوبر) 2003. وقرر الخبراء في واشنطن أنه يجب إقامة المكتبة الجديدة في مبني جميل وحديث علي ضفاف نهر دجلة، كان نادياً للضباط في حقبة صدام حسين. وقد رحبت سلطة التحالف المؤقتة بالفكرة، وكتبت عنها الصحف الأمريكية. لكن في النهاية، أعطي بريمر نادي الضباط إلي آخرين، ولم يسفر شيء عملياً عن جميع الوعود الأمريكية بالمساعدة علي ترميم المكتبة الوطنية.
تسلم سعد إسكندر إدارة المكتبة الوطنية في كانون الأول/ديسمبر 2003. كان المبني لا يزال خرباً علي الرغم من مرور ثمانية أشهر علي الحرائق والنهب. وقال إسكندر: لم يكن هناك تمويل، ولا مياه، ولا كهرباء، ولا أوراق، ولا أقلام، ولا أثاث . وكانت سلطة التحالف المؤقتة قد خصّصت 000،70 دولار فقط عام 2004 لتغطية جميع النفقات من صيانة وإصلاحات وشراء أثاث ومعدات. وختم إسكندر قائلاً: يبدو أن فريق مكتبة الكونغرس قد نسي وعوده .
أطلقت وكالة التنمية الدولية الأمريكية في عام 2003 خمسة مشاريع لدعم المكتبات العراقية والمتاحف والآثار مصحوبة بحملة دعائية. وقد وافقت عدة جامعات علي تدريب موظفي المتاحف والمكتبات، وتعزيز الأبحاث القانونية وتنظيم المصادر الأكاديمية من خلال الإنترنت وغيرها. لكن بعد البداية الإيجابية واتخاذ الإجراءات اللازمة للتدريب، عجزت الوكالة عن التمويل لأكثر من عام. فانهارت معظم المشاريع. وعندما قدم السفير جون نيغروبونتي، انتقلت الأولوية إلي موضوع الأمن ، وخفّضت موازنة الثقافة مع أنّ تمويلها دون المستوي المطلوب.
قدّم البريطانيون بعض الإشارات الإيجابية، لكنهم لم يفعلوا الكثير للتعامل مع الكارثة الثقافية. وفي رد علي الاحـــتجاجات الكثيرة علي الموجة الأولي من أعمال النهب، تعهــــــدت وزيرة الدولة للشؤون الثقافية، تيســـــــا جويل، في 29 نيسان (ابريل)، بأن تؤمن الحكومة 15 مليون جنيه إسترليــــني لمشاريع التــــرميم الثــــقافي وحماية المواقع الأثرية. لكن سرعان ما نُسي هذا الوعد، ولم تقدم الحكومة البريطانية أي مشروع بعد ذلك.
أعلن المركز الثــــــقافي البريطاني في عام 2003 أنه يجمع الكتب لشحنها إلي العراق بغية تعويض قسم من المجموعات المتضررة.
كما قدمت الجامعات الإنكليزية آلاف الكتب والمجلات. لكن لم تتوفر جهود كافية لمعرفة حاجة العراق، ولا كيف ستصل هذه الكتب إلي رفوف المكتبات العراقية. وفي النهاية شحن المركز الثقافي البريطاني 25 طناً من الكتب عن طريق عمّان إلي بغداد، حيث لبثت الكتب عدة أشهر في المستودعات. وحتي الآن لا يعرف شيء عن المكان الذي انتهت إليه هذه الكتب، أو إذا كانت مفيدة للقراء العراقيين أو المكتبات التي دمّرها اللصوص.
الفصل الثالث
الأسلحـة العشوائيـة
الجنرالات يحبون النابالم
لأنّه ذو تأثير نفسي قوي
العقيد راندولف آلس
استخدمت أمريكا وبريطانيا أسلحة عشوائية مؤذية جداً تقيّدها الاتفاقيات الدولية أو تعتبر غير مقبولة ولاإنسانية علي نطاق واسع. واستعملت الولايات المتحدة أجهزة حارقة MK-77 ، وهي نوع من سلاح النابالم، والذخيرة الفوسفورية البيضاء. كما استــــخدم الفوســــفور الأبيض ضد الأهداف الأرضية في المناطق المكتظة بالمدنيـــين وتعتبر هذه المواد شديدة القسوة، إذ تلتصق بالجلد وتحرق الضحايا حتي الموت. وقد أنكرت الولايات المتحدة وبريطانيا استخدام هذه الأسلحة في البداية، ثم اضطرتا إلي التراجع عن نفي استخدامها.
وخلال الغزو عام 2003، استخدمت الولايات المتحدة وبريطانيا اليورانيوم المنضّب والقنابل العنقودي. والمعروف أن الأسلحة العنقودية تقتل وتجرح عشوائياً عندما تستخدم في المناطق المأهولة، كما تترك قنيبلات تنفجر في ما بعد وتتسبب في مقتل المدنيين وجرحهم. وقد انتقد الكثيرون استعمال اليورانيوم المنضّب لأن له آثاراً صحية مؤذية علي المدي الطويل، كما دعت عدة هيئات عالمية إلي وقف استخدامه. وينتهك استعمال القنابل العنقودية واليورانيوم المنضّب الحظر علي استخدام الأسلحة التي تسبب أذي عشوائياً وآلاماً لا داعي لها.
قنابل النابالم الحارقة
النابالم مزيج ملتهب من الوقود والمواد اللاصقة يستخدم في القنابل الحارقة. وقد تم تطوير النابالم في الحرب العالمية الثانية، واستخدمته الولايات المتحدة بكثافة في حرب فييتنام، ما أحدث احتجاجات وانتقادات شعبية. وتمتنع معظم الدول اليوم عن استعمال مثل هذه القنابل الحارقة لأنها تعتبر سلاحاً وحشياً وعشوائياً. وتستعمل القوات المسلحة الأمريكية شكلاً متطوراً من النابالم، يسمّي MK-77 Mod 5 .
تشتعل قنابل النابالم عند اصطدامها محدثة كرة نارية، فتلتصق المادة الملتهبة بالمواد وأجساد الضحايا وتقتلهم احتراقاً أو اختناقاً. وعادة ما يعاني الناجون من الضحايا من حروق حادّة ورضوص نفسية. ويتوفّي العديد بعد فترة من جراء المعاناة والآلام الشديدة.
عند بدء العمليات العسكرية في عام 2003 وبعدها مباشرة، نشرت تقارير عن أنّ الولايات المتحدة استخدمت القنابل الحارقة في العراق. قال المراسلون الصحافيون إن الطائرات الأمريكية أسقطت قنابل النابالم علي تلة صفوان قرب الحدود الكويتية، وفي جنوب العراق وأكد قادة وطيارو قوات المارينز الأمريكية أنهم استخدموا النابالم قرب الجسور فوق قناة صدام ونهر دجلــــة في جنوب بغداد. وقال العقيد راندولف آلس، قائد في الفريق الجوي 11 لقوات المارينز: لقد قصفنا هذين المقتربين (الجسرين) بالنابالم... وكان هناك أشخاص للأسف... تستطيع رؤيتهم علي الفيديو غفي قمرة القيادةف... لقد كانوا جنوداً عراقيين. ليست هذه طريقة مثلي للموت... .
في البداية، أنكرت القوات الأمريكية استخدام النابالم لكن في آب (أغسطس) 2003 اعترف البنتاغون باستعمال قنابل Mark-77 . واستند إنكارها الأولي إلي التمييز الكاذب بين النابالم والقنابل المحرقة الجديدة، إذ يختلف مزيج الوقود قليلاً (وقود الطائرات بدلاً من البنزين والغازلولين) وقد أقرّ البنتاغون في النهاية أن نوعي الأسلحة متشابهان بشكل ملحوظ ، وتأثيرهمــــا في الضــــــحايا متشـــــابه أيضاً. وكــــــما أشــــــار مديــر فريق الدراسات العسكرية GlobalSecurity.org، يمكنك تسميتها بشيء آخر غير النابالم، لكنها نابالم. لقد أعيد تركيبها بحيث يتم استخدام وقود مختلف. إن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت النابالم منذ زمن طويل .
في ردّ علي سؤال في مجلس العموم، أنكر وزير القوات المسلحة البريطانية، آدم إنغرام، استخدام القنابل الحارقة MK-77 في العراق لكن إنغرام اضطر في ما بعد إلي التراجع عن بيانه، وادّعي أنه لم يكن يعلم بما صرح به الجنود الأمريكيون للصحافة وبما أقرّ به البنتاغون.
تعتبر منظمات حقوق الإنسان القنابل الحارقة لاإنسانية. ويقول روبرت موسل، المدير التنفيذي لأطباء من أجل الخدمة الاجتماعية: تسبب القنابل الحارقة حروقاً يصعب علاجها .
يوجد بند قانوني ملزم في القانون الدولي يقيّد استعمال القنابل الحارقة في القتال ويمنع بشدة استخداماتها في المناطق المأهولة بالسكان. فالبروتوكول الثالث من اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر (1980) يحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد المدنيين أو الأهداف العسكرية الموجودة في مناطق آهلة بالمدنيين ويحرم القانون الإنساني الدولي بشكل عام الهجمات العشوائية التي تسبب أذيً مفرطاً.
عبدالله سليمان
Nov 29 2007, 11:37 AM
الحرب والاحتلال في العراق: تقرير للمنظمات غير الحكومية (3 ـ 10)
برنامج الامم المتحدة للبيئة كشف 311 موقعا ملوثا باليورانيوم المنضب
اليورانيوم المنضّب
اليورانيوم المنضّب هو نفاية سامّة ضعيفة الفعالية الاشعاعية، تنتج من تخصيب اليورانيوم، وتستخدم في عدد من الأسلحة لاختراق دروع الدبابات والآليات المدرعة الأخري من مسافات بعيدة.
وبحسب صحيفة الغارديان، أحصي الخبراء أن قوات التحالف استخدمت ما بين 1000 و2000 طن من اليورانيوم المنضّب المضاد للدبابات خلال الغزو في آذار (مارس) 2003 والمعارك التالية مباشرة. ويتطابق تقرير للبرنامج البيئي للأمم المتحدة مع هذا التقييم.
بَيّنَ خبراء الصحة المختصون أن الغبار الناتج من انفجار اليورانيوم المنضّب له آثار سلبية في صحة الانسان علي المدي الطويل بينما يصرّ الجيش الأمريكي علي أن اليورانيوم المنضّب لا يهدّد الصحة. وقد عاني العديد من المحاربين القدامي في الجيش البريطاني والأمريكي في حرب الخليج الأولي أمراضاً غير مفهومة بما فيها التعب، وعدم انتظام النوم وفقدان الذاكرة (أعراض تعرف بمتلازمة حرب الخليج). وفي 19 كانون الاول (ديسمبر) 2005، قدّمت وزارة شؤون المحاربين القدامي الأمريكية منحة تسوية لعائلة أحد المحاربين القدامي الذين توفوا بسرطان الزائدة النقيلي، لأن التحاليل الطبية بيّنت أن التعرض لليورانيوم المنضّب خلال خدمته في الجيش هو السبب في وفاته. وفي العراق، تزايدت أعداد الاصابات بالسرطان وحالات المواليد المشوّهين في المناطق التي استخدم فيها اليورانيوم.
دعا المحاربون القدامي والمنظمات الطبية والهيئات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، الي اجراء دراسات علمية حول الآثار الدقيقة لليورانيوم المنضّب علي الجسم البشري.
وقد أعدّت لجنة فرعية منبثقة عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان ورقة عمل حول حقوق الانسان و أسلحة الدمار الشامل، أو الأسلحة ذات التأثير العشوائي، أو التي تسبب أضراراً مفرطة أو آلاماً لا داعي لها . وقد تضمن تقرير اللجنة عام 2002 دراسة عن اليورانيوم المنضّب. ويشير الكاتب الي عدد من الحوادث مبيّناً الوفيات والأمراض الخطيرة المتعلقة باستنشاق اليورانيوم المنضّب ـ وكانت الآثار الطبية الأساسية اصابة الذين تعرضوا له بالسرطان، والعيوب الخلقية عند مواليد من استنشقوه . ويعتبر اليورانيوم المنضّب سلاحاً قاتلاً وعشوائياً .
عندما تستخدم ذخيرة اليورانيوم المنضّب عادة ضد أهداف عسكرية تترك بقايا كيميائية ومشعة يمكن أن تلوّث الهواء والمياه الجوفية، كما حصل في البوسنة والهرسك.
بعد استعمال حلف الناتو أسلحة اليورانيوم المنضّب في كوسوفو، طالب مجلس أوروبا في عام 2001 بحظر انتاجها واختبارها وبيعها، زاعماً أنّ آثارها في الصحة ونوعية الحياة تدوم طويلاً وأنّها تؤثّر في الأجيال اللاحقة أيضاً . وقالت كارلا دل بونتي، المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، انّه يمكن التحقيق في استخدام اليورانيوم المنضّب كجريمة حرب محتملة. وفي عام 2005، قدم برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريراً يبيّن أن هناك 311 موقعاً ملوثاً باليورانيوم المنضّب في العراق. وفي الوقت نفسه، جدّد البرلمان الأوروبي دعوته الي وقف استخدام هذا السلاح، ورأي أن من الواجب حظره نهائياً استناداً الي معاهدة حظر الانتشار النووي ((1968، واتفاقية الأسلحة البيولوجية والتُّكسينية ((1972، واتفاقية الأسلحة الكيميائية ((1993، واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية (عام 1996).
في ضوء المضاعفات المحتملة علي صحة الانسان، ينتهك استخدام اليورانيوم المنضّب المبادئ والقوانين الانسانية، ومن ضمنها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، وتوجيهات الأمم المتحدة المتعلقة بحماية المدنيين وتجنّب ما يسبب الألم البشري الذي لا داعي له والاضرار بالبيئة.
القنابل العنقودية
تحتوي القنابل العنقودية علي مئات القنابل الصغيرة المصممة للانفجار بالصدمة. ويمكن اسقاط هذه الذخيرة من الجو أو اطلاقها من الأرض، حيث تنفجر بداية في الهواء، فتنتشر القنابل الصغيرة لتصيب أهدافاً متعدّدة. الا أن بعض هذه القنابل لا ينفجر (بين 5 في المئة و30 في المئة بحسب نوعها)، ما يهدّد المدنيين بعد انتهاء النزاع. وقد استخدمت قوات التحالف وقوات الحكومة العراقية القنابل العنقودية في عمليات عام 2003.
عندما تصيب الذخائر العنقودية الضحايا تنفجر في موجات متتالية وفقاً لمفعول تشظّيها. وتخترق شظاياها الجسم وتسبب جروحاً صغيرة داخلية. و تنتقل الشظايا عبر الجلد والعضلات وتصيب العظام، فترسل موجات ضغطية في الجسم وتحدث نزيفاً داخلياً . ويموت نحو 30 في المئة من الضحايا نتيجة الجراح التي تحدثها القنابل العنقودية.
ألقت القوات الأمريكية والبريطانية في الحملة الجوية عام 2003 آلاف القنابل العنقودية في عدة مناطق مأهولة في أنحاء العراق، منها بغداد، والبصرة، والحلة، وكركوك، والموصل، والناصرية، ومدن وقري أخري . وبحسب بحث معمّق أجرته مجلة يو اس ايه توداي، استخدمت الولايات المتحدة نحو 782،10 قنبلة عنقودية، وبريطانيا نحو 2200 قنبلة عنقودية، وذلك في أواخر آذار (مارس) وأوائل نيسان (ابريل) 2003. كما أكدت مصادر القوات الجوية الأمريكية استخدام 63 قنبلة عنقودية من نوع CBU ـ 87 بين 1 ايار (مايو) 2003 و1 آب (اغسطس) 2006، تحتوي علي ما مجمله 12.726 قنبلة صغيرة. وبينما يدّعي التحالف الحدّ من الأضرار الجانبية ، فانّه ألقي ما يقارب مليوني قنبلة عنقودية، استهدف العديد منها الأحياء السكنية مخلّفاً أكثر من 1000 قتيل وجريح من المدنيين.
وبحسب منظمة هيومان رايتس ووتش: سببت الهجمات البرية بالقنابل العنقودية مئات الاصابات بين المدنيين في أنحاء العراق، (بما فيها) الحلة، والنجف، وكربلاء، وبغداد، والبصرة.... ان استهداف الأحياء السكنية بهذه الأسلحة كان أحد الأسباب الرئيسية لاصابة المدنيين خلال الحرب .
وتصف منظمة العفو الدولية مشاهد في مستشفي الحلة، حيث كانت أجساد الرجال والنساء والأطفال، أحياء وموتي، منخورة بشظايا القنابل العنقودية . وأفاد أحد الأطباء أن معظم المصابين تقريباً كانوا من ضحايا القنابل العنقودية. و أخبر المصابون الناجون كيف سقطت المتفجرات مثل حبات العنب من السماء، وكيف ارتدت القنابل الصغيرة واخترقت نوافذ وأبواب بيوتهم قبل أن تنفجر .
هناك أعداد كبيرة من القنابل الصغيرة لا تنفجر عند وصولها الي أهدافها. وبحسب تقرير وزارة الدفاع الي الكونغرس الأمريكي في عام 2000 تبلغ نسبة عدم انفجار هذه القنيبلات 16 في المئة. لذا فان اطلاق وابل من 12 صاروخاً من نوع MLRS يؤدي الي تناثر أكثر من 1200 قنيبلة بشكل عشوائي علي مساحة اصطدام تبلغ ما بين 120.000 و240.000 متر مربع . وتبقي القنابل الصغيرة غير المنفجرة علي الأرض طويلاً بعد انتهاء الهجوم، مسببة تهديداً طويل الأمد للمدنيين. وتنفجر جميعها في ما بعد، عندما يلتقطها الأطفال، أو ترتطم بمعاول المزارعين. لذا يجب البحث عنها وتفجيرها واحدة واحدة. وعلي الرغم من الجهود المشتركة التي بذلتها سلطة التحالف المؤقتة والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، لا تزال الذخائر غير المنفجرة تتسبب بمقتل أو جرح المدنيين العراقيين، وكل من يمر في المناطق التي ألقيت فيها القنابل العنقودية.
بما أن القنابل العنقودية تقتل عشوائياً، في الزمان والمكان، فانّها أسلحة مثيرة للخلاف ويمكن القول انّها تنتهك مبادئ القانون الدولي لحماية المدنيين (بما في ذلك المادة 48 من البروتوكول I في اتفاقية جنيف الرابعة). كما تنتهك مبادئ القوانين التي تحرم الهجمات العشوائية والحاق آلام لا داعي لها، بالاضافة الي المبادئ التي تتطلّب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل سقوط الجرحي والقتلي في صفوف المدنيين.
كرّرت العديد من المنظمات الانسانية ومنظمات حقوق الانسان، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهيومان رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وهيئة العمل لمكافحة الألغام الأرضية (لاند ماين أكشن)، الدعوة لحظر استخدام القنابل العنقودية في المناطق المدنية بما في ذلك الأهداف العسكرية الموجودة في المناطق المأهولة. وقد ناشد يان ايغلند، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية، مجلس الأمن الدولي مطالباً باصدار قرار لمنع استخدام القنابل العنقودية، لأن استخدامها من قبل أي كان، وأينما كان في العالم... عمل غير أخلاقي . والعراق هو أحد أكثر المناطق تلوثاً، كما هي أفغانستان، وكمبوديا، ولاووس، وكوسوفو، وفييتنام.
يضع القانون الانساني الدولي معايير واضحة لأداء العمليات العسكرية، ويحدّد معاني وطرق القتال. وهذه المعايير تمنع استخدام الأسلحة التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتسبب الأذي العشوائي والمعاناة التي لا داعي لها. وعلي رغم ذلك، استخدمت قوات التحالف تكراراً الأسلحة العشوائية، وبخاصة المؤذية والخطرة مثل الفوسفور الأبيض والنابالم واليورانيوم المنضّب التي تتعدّي آثارها أهدافها العسكرية. وتعدّ هذه الأسلحة لاانسانية وغير مقبولة.
الفصل الرابع الاعتقـال غيـر المشـروع
انهم كالكلاب، اذا سمحت لهم في أية لحظة بالاعتقاد أنهم أكثر من ذلك، ستفقد السيطرة عليهم
ـ اللواء جيوفري ميلر
تحتجز الحكومة العراقية وقوات التحالف آلاف المواطنين العراقيين بشكل تعسفي وغير مشروع. ولا تتم ادانة الغالبية العظمي من هؤلاء بأي جرم، كما لا يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم من الاتهامات، أو يجري تقديمهم الي محاكمات قانونية.
ويقوم الجنود المدجّجون بالسلاح باعتقال المواطنين، وعادة ما يكونون قوات أمريكية ناطقة بالانكليزية، بحيث قد لا يفهم العراقيون أوامرهم. ويسوق الجنود المحتجزين الي السجن بالجملة خلال تمشيط الأحياء ومداهمة المنازل وعلي نقاط التفتيش وغير ذلك. وغالباً ما يعتقلون الناس من دون أوامر قضائية أو دلائل تجريم.
قدّم الصليب الأحمر وصفاً لعملية الاعتقالات في المنازل كما يلي: تداهم السلطات المعتقِلة البيوت عادة في الليل، فتكسر الأبواب وتوقظ المقيمين بفظاظة. تصيح بالأوامر، وتجبر أفراد العائلة علي التجمّع في غرفة واحدة تحت الحراسة العسكرية، بينما يتم تفتيش المنزل وتحطيم باقي الأبواب والخزائن والممتلكات. بعد ذلك يعتقلون المشتبه بهم، ويقيّدون أيديهم الي الخلف، ويغطون أعينهم ورؤوسهم ويقتادونهم معهم. وأحياناً يُعتقل جميع البالغين من الذكور الموجودين في المنزل، بمن فيهم المسنون أو المعاقون أو المرضي. وتشمل المعاملة في الغالب دفع الأشخاص، واهانتهم، وتصويب البنادق عليهم، ولكمهم، ورفسهم، وضربهم بأعقاب البنادق. وغالباً ما يساق الأفراد كما هم لحظة المداهمة ـ في الثياب الداخلية أو ثياب النوم ـ ولا تعطي لهم الفرصة لجمع بعض حوائجهم الضرورية، كالملابس أو أدوات التنظيف أو الأدوية أو النظارات الطبية .
وقد ذكر الصليب الأحمر أيضاً العديد من الادعاءات عن قيام الجنود بسرقة الممتلكات الشخصية والمال والسيارات(. وتبيّن أن نسبة 70 في المئة الي 90 في المئة من المحتجزين تم اعتقالهم خطأ كما أوضح الصليب الأحمر في عام 2004.
آلاف العراقيين محتجزون اعتباطياً
منذ الأيام الأولي للاحتلال احتجزت القوات الأمريكية آلاف العراقيين لأسباب أمنية . وقد وصل العدد الرسمي للمعتقلين الي 8500 معتقل في كانون الثاني (يناير) 2004. وفي نهاية عام 2005، أي قبل الانتخابات، جرت عمليات اعتقال واسعة زادت من أعداد السجناء. وعلي رغم اعلان التحالف عن اطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين صيف عام 2006، الا أن العمليات الأمنية في بغداد في بداية عام 2007 زادت عدد المعتقلين الي 18.000 شخص في نهاية آذار (مارس). بالاضافة الي ذلك، تحتجز القوات الأمريكية وشركاؤها عدة مئات من المعتقلين الذين لم يتم تسجيلهم ولا احصاؤهم.
وهناك آخرون محتجزون في مراكز اعتقال سرية، مثل مواقع وكالة الاستخبارات الأمريكية ومواقع شبحية أخري.
يوجد بين المعتقلين نساء ومسنّون و200 طفل بحسب احصائية IRIN News الصادرة في حزيران/يونيو 2006. وتتحدث التقارير عن أطفال في العاشرة من أعمارهم محتجزين لفترات طويلة، ويعاني العديد منهم من صدمات نفسية خطيرة نتيجة تجربة السجن. وقد أخبرت الجنرال جانيس كاربينسكي، القائدة السابقة لحرس السجون في العراق، الصحافيين العسكريين أنها قابلت صبياً في السجون الأمريكية جري تسجيله علي أنه في العاشرة من عمره، بينما كان يبدو وكأنه في الثامنة من عمره فقط. وكان الصبي يبكي ويسأل عن أمه.
وقد أعلنت الولايات المتحدة في نيسان (ابريل) 2007 أن متوسّط مدة الاعتقال يبلغ سنة واحدة. لكن هناك ثمانية آلاف عراقي احتجزوا أكثر من عام، و1300 آخرين احتجزوا أكثر من عامين. ونظراً الي الافراج والاعتقال المنتظم، حرمت القوات الأمريكية أعداداً ضخمة من العراقيين من حريتهم وعرّضتهم لنظام السجن القاسي منذ بداية الاحتلال. ولم يحصِ أحد العدد الاجمالي من هؤلاء، لكن منظمة العفو تعلّق بأن التقديرات تشير الي عشرات الآلاف من المحتجزين تعسفياً وخارج نطاق القانون.
تلزيم الاحتجاز للسلطات العراقية
بعد أن نقل التحالف السيادة الي الحكومة المؤقتة في النصف الثاني من عام 2004، طلبت السلطات العراقية الاشراف علي جميع المعتقلين. وقد رفض التحالف ذلك. لكن في أعقاب فضيحة أبو غريب، فرضت التطورات السياسية والقانونية في الولايات المتحدة قيوداً علي ممارسات الاحتجاز العسكري في العراق. لذا سلم القادة العسكريون عدة مئات من السجناء الي وزارات الدفاع والعدل والداخلية العراقية، والأخيرة وزارة شديدة العسكرة ذات خبرة شُرَطية قليلة، وسمعة طائفية منفّرة. وعلي المستوي القانوني، لم يكن العراقيون المحتجزون خاضعين للقوات الأمريكية أو لقوات التحالف، لكنهم كانوا واقعياً تحت السيطرة والتأثير الأمريكيين. والمعروف أن هناك أعداداً من المستشارين الأمريكيين يعملون في الادارات العراقية بما في ذلك المعتقلات، وفي أثناء قيام العراقيين بالاستجواب، يمكن أن يكون أفراد الاستخبارات الأمريكية حاضرين، بل حتي أن يؤدّوا دوراً اشرافياً فيما يحتفظون بامكانية الانكار. وكانت قوات الأمن والجيش العراقيين تقوم بعمليات الاعتقال، بينما واصلت قوات التحالف عمليات الاعتقال بسرعة وكثافة. ونتيجة لذلك، تضخّم عدد السجناء الي أربعة أضعاف بين نيسان (ابريل) 2005 ونيسان (ابريل) 2007.
ثمة ازدحام شديد في مراكز الاعتقال التي يشرف عليها العراقيون، وهي تعمل دون اعتبار للمعايير القانونية. ولم تسمح السلطات العراقية بأي مراقبة دولية أو زيارة لمنظمات حقوق الانسان أو الصليب الأحمر. كما لم يسمح أيضاً للجنة عراقية حكومية قانونية بزيارة مركز الاعتقال في الكاظمية في بداية عام 2007. وعلي رغم أن القانون العراقي لا يسمح لوزارة الداخلية باحتجاز السجناء، الا أنها مستمرة في ذلك. وقد بيّنت عدة فضائح في عام 2006 مدي وحشية السجون العراقية. وتشير التقارير في عام 2007 الي أن الأوضاع ازدادت سوءاً. ووفق معلومات هيومن رايتس ووتش، لم يفعل المستشارون الأمريكيون الكثير شيئاً لتعزيز حقوق المعتقلين في هذا الجو المشحون بالعسف.
وفي منتصف عام 2005 احتجزت السلطة العراقية نحو 5000 معتقل. وفي منتصف ايار (مايو) 2006 وصل العدد الي 13.300 معتقل. أما في آذار (مارس) 2007، وبعد العمليات الأمنية في بغداد، فبلغ العدد حوالي 000،20 معتقل في السجون العراقية ومراكز الاعتقال(. وقد أدي هذا التضخم السريع الي ازدحام مسيء. ووجد المفتشون العراقيون في نيسان (ابريل) 2007، 827 معتقلاً تم زجّهم جميعاً في سجن المحمّدية المهيأ لقرابة 300 سجين فقط. أما في قاعدة المثني الجوية فقد وجد 272 معتقلاً في سجن لا يتسع لأكثر من 75 سجيناً. وفي بعض الأحيان، يوضع ستة معتقلين في زنزانة مهيأة لمعتقل واحد. وقد تم بناء سجون جديدة، لكن يظهر أن أعداد السجناء تفوق تقديرات برنامج البناء.
عدم وضوح الوضع القانوني
تحتجز الولايات المتحدة الغالبية العظمي من مساجينها في وضع قانوني غير واضح ـ من دون تحديد لحقوقهم. وتستخدم السلطات الأمريكية تعابير غامضة للدلالة عليهم مثل: المقاتلين الأعداء ، و المحتجزين الأمنيين ، و السجناء الأمنيين ، و أشخاص قيد الاحتجاز . وقد رفض التحالف استعمال مصطلحات قياسية مثل: سجناء الحرب أو المحتجزين الجنائيين ، اذ تحدّد هذه التسميات حقوقهم القانونية بوضوح بموجب القانون الدولي والقانون المحلي الأمريكية والمبدأ العسكري لم تحدّد ذلك بوضوح. لذا لا تميز سلطات الاعتقال بين حقوق من تحتجزهم، ولا يستطيع السجناء العراقيون الاستعانة بشيء، ولا المطالبة بحقوقهم، ولا اثبات براءتهم، ولا استرداد حريتهم في بلد يغيب فيه القانون.
ونادراً ما تبرز السلطات الأمريكية لائحة اتهام ضد المعتقلين أو تقدمهم الي محاكم عراقية. وقد ذكرت الأرقام الرسمية للتحالف في تقرير صدر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 أنه قد تمت محاكمة 1301 معتقل منذ بداية الاحتلال، ربما تقل نسبتهم عن 1 ـ 50 من المعتقلين كافة حتي ذلك الوقت. وتصرّ الولايات المتحدة علي حقها في احتجاز هؤلاء السجناء بناء علي ما تدعوه ضرورة عسكرية أو أسباباً أمنية ملحة . ولهذين المصطلحين معني محدّد في القانون الدولي، أي لمدة قصيرة في الأحوال الطارئة في الحرب، لكن من غير المعقول الدفاع عن سجن عشرات الآلاف من الأشخاص من دون تهم أو محاكمات بموجب هذين المصطلحين.
رداً علي الاحتجاجات بسبب الاعتقال التعسفي، طورت قوات التحالف نظاماً للمراجعة يسمح نظرياً بتفحص حالات السجناء. وتشكل المجلس المشترك للمراجعة والافراج ((CRRB في آب (اغسطس) 2004. وهو مؤلّف من عراقيين وممثّلين عن التحالف، لكن صلاحياته تقتصر علي التوصية ولا يلزم التحالف في شيء. ويقال انه تتم مراجعة حالات السجناء كل ستة أشهر. ويسري النظام ذاته علي المحتجزين لدي القوات البريطانية. ومع أن المراجعات تتم دورياً، الا أن المسؤولين العراقيين ليسوا جزءاً من لجان المراجعة، ولا يسمح للسجناء بالظهور أمام أي من هذه اللجان، ولا تكليف محامين لتمثيلهم. وتبقي الأدلة علي التهم (ان وجدت) سرية. ولا يتم تطبيق القوانين الموجبة. لذا فان مستوي هذه اللجان لا يتوافق مع معايير القوانين المحلية في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو متطلبات القانون الدولي.
ويعتبر العديد من الجهات القانونية والمنظمات الدولية لحقوق الانسان أن الاحتجاز الطويل من دون محاكمة أو اجراءات قانونية، أو أي اتصال مع الأقارب، خصوصاً في السجون السرية، هو بحدّ ذاته سلوك تعسفي وغير قانوني. وتتعدي المعاناة المعتقل الي محيطه، حيث تعاني العائلات القلق والكرب، اضافة الي الصعوبات الاقتصادية.
يُفرج قادة التحالف في النهاية عن معظم المعتقلين بعد شهور من الاعتقال والاستجواب والشكوك. وغالباً ما يكون الافراج تعسفياً وفظاً كما كان حال الاعتقال. وقد يُفرَج عن سجين بعد شهر واحد، وآخر بعد ستة أشهر، وغيره بعد سنة أو أكثر من الاعتقال من دون أي تفسير أو اعتذار أو تعويض عن هذا الاحتجاز، بل انّ طريقة الافراج تبدو عقابية. وقد أفرجت القوات الأمريكية عن بعض السجناء الذين أصيبوا بجروح مرضوا بسبب المعاملة السيّئة. وتم اقتياد بعض السجناء في معسكر ناما، قرب بغداد، بعد أسابيع من الاستجواب والتعذيب الي قلب الصحراء العراقية حيث أطلق سراحهم هناك ليلاً. كما أطلقت القوات البريطانية بعض السجناء المعدمين ليلاً، علي طريق نائية تبعد عدة أميال عن أقرب مدينة.
الاحتجاز السري
يطلب القانون الدولي من قوات الاحتلال تسجيل السجناء من دون توانٍ، والسماح للصليب الأحمر بزيارتهم واعلام عائلاتهم وأصدقائهم عن مكان احتجازهم. وتمنع القوانين الاحتجاز الانفرادي ، لأن عدم وجود اشراف مستقل يقود الي ظروف رديئة واساءة المعاملة في الغالب. لكن قادة التحالف في العراق غالباً ما يتجاهلون هذه القواعد، ويتقاعسون عن الاحتفاظ بسجل مركزي حديث ودقيق بالسجناء، ولا يكشفون عن أسماء السجناء بشكل دوري. كما انّهم يحتجزون المئات وربما الآلاف من المعتقلين غير المسجلين في معسكرات سجن محلية أو مراكز استجواب سرية حيث يبقي المعتقلون مختفين في الحبس الانفرادي مدة أسابيع وأشهر. ويعتبر ذلك انتهاكاً مباشراً لمبدأ الجيش الأمريكي الذي يقضي بتسجيل السجين قبل انتهاء 12 ساعة علي احتجازه. بل انّ المحقّقين احتفظوا حتي في السجون المركزية، مثل أبو غريب، بمحتجزين أشباح عن طريق تغيير أماكنهم مراراً لتفادي اجتماعهم مع مفتشي الصليب الأحمر. وثمة مزاعم عن نقل بعض السجناء الي مراكز استجواب سرية خارج العراق في دول أجنبية.
وفي احدي الحالات التي تم توثيقها في مكتب رئيس الوزراء البريطاني، فُقدت امرأة عراقية متقدمة في السن بعد اعتقالها مع من سيقوا الي السجن في بداية الحرب. أخيراً وبعد مرور عدة أشهر، وجدت المرأة في سجن تابع للادارة الأمريكية، وقد تعرضت لاساءة معاملة جسدية ونفسية.
وعلي رغم الطلبات المتكررة للزيارة، منع القادة العسكريون منظمات حقوق الانسان من دخول جميع السجون في العراق. كما رفضوا السماح لخبراء حقوق الانسان في الأمم المتحدة بزيارة سجون التحالف. وسمح للصليب الأحمر بزيارة بعض السجون فقط ومنع عن البقية التي يعرف عنها تعرض السجناء فيها للأذي أكثر من غيرها. وفي آذار (مارس) 2005، عبّر المحامي الأول لحقوق الانسان عن قلق كبير بشأن السجناء الميدانيين الذين يعانون ظروفا سيئة ويتعرضون لأبشع الاساءات ، في حين حدّت فرص وصول الصليب الأحمر الي السجون بحيث أصبح كأنّه غير موجود .
أوضاع السجون
علي الرغم من أن التعذيب واساءة المعاملة هما أسوأ ما في سجون قوات التحالف، فانّ السلطات أخضعت المعتقلين أيضاً لظروف سجن غير مقبولة ولاانسانية، ما ينتهك المعايير الدولية لحقوق الانسان. وقد تحدثت التقارير عن سوء الغذاء ورداءة نوعية ماء الشرب، وتعرض السجناء لدرجات الحرارة الشديدة، والازدحام في الزنزانات، وعدم كفاية ترتيبات الصرف الصحي. وقد ذكر الجنرال بول ميكولاشك أن القمامة ومياه المجارير تغطي الأرض أمام الأبواب الخارجية للمعسكر، وأن مرافق الاغتسال جد قليلة، ومخزون مياه الشرب قليل، وطعام السجناء ملوّث بمخلّفات القوارض. ولزيادة الضغط علي السجناء من أجل تليين مواقفهم ، يوقف الحراس في غالبية السجون تقديم الطعام أو الماء لهم، ويحدّدون تحركهم، ويعزلونهم في زنزانات منفردة نتنة من دون فراش أو أغطية أو ثياب.
وتزداد ظروف السجناء سوءاً في سجون التحالف بسبب الحاجز اللغوي بين المعتقلين والسجانين. وهذا يسبب ما أسماه الصليب الأحمر سوء تفاهم متكرّر يفاقمه انتشار موقف الازدراء والاحتقار لدي الحراس .
وقد أفاد الصليب الأحمر أن الحرّاس يفسّرون عدم الفهم أو اساءة الفهم للأوامر بالانكليزية كنوع من المقاومة أو عدم احترام التعليمات ، ويؤدي الي عقاب السجناء الجائر.
ويوجد في معسكر ناما مركز اعتقال مؤقت في مطار بغداد الدولي تديره وحدة عسكرية أمريكية سرية تدعي القوة الخاصة 6 ـ 26، وقد حشر السجناء بالعشرات في زنزانات صغيرة تفوح منها روائح التغوّط، وأجبروا علي اتخاذ وضع القرفصاء أو الانحناء عند النوم نتيجة الازدحام. وفي تلعفر، في محطة للشرطة باشراف القوات الأمريكية مباشرة حُشر 47 سجيناً في زنزانة صغيرة جداً بحيث كانوا يتناوبون علي النوم؛ وحُشر أربعة أو خمسة آخرون في أحد المراحيض . وكان أحد المعتقلين في هذا السجن صبياً في الثانية عشرة، وآخر أستاذ مدرسة اعتُقل بعد انفجار قنبلة قرب التاكسي الذي كان يستقلّه. وهو لم يرَ أي محامٍ .
تكرّر احتجاج السجناء، وأثاروا الشغب، وأضربوا عن الطعام ليلفتوا الانتباه الي أوضاعهم السيئة في السجن. ويوضح تقرير الجنرال أنطونيو تاغوبا، وهو المحقّق في اساءة المعاملة في السجون، في آذار (مارس) 2004 أن سجون التحالف شديدة الاكتظاظ، وأنّه حدث في عام 2003 عدة احتجاجات ردّ عليها الحراس باطلاق النار علي السجناء. وفي أحد هذه الحوادث في سجن أبو غريب في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003، قتل الحراس ثلاثة معتقلين وجرحوا تسعة.
نشرت اثنتان من أهم المجلات الطبية في العالم
The Lancet and The New England Journal of Medicine
مقالات تفصّل السلوك اللاأخلاقي وغير القانوني للكوادر الطبية العسكرية في سجون التحالف. فالأطباء والممرضون والعناصر الطبية الأخري لا تقوم بمراقبة وتصحيح الظروف غير الصحية وشروط الغذاء والمأوي. والأخطر من ذلك أنهم لم يهتمّوا باحتياجات السجناء كما يجب. فلم يكتفوا بعدم اجراء الفحوصــــات الروتينية، وانّما لم يعالجوا جروح السجناء ويعتنوا بأوجاعهم وأطرافهم المكسورة والحالات الخطيرة الأخري. كما ان العاملين الطبيين العسكريين لم يقدّموا تقارير عن أوضاع السجناء الصــــحية، أو قدموا تقارير وشهادات وفاة مزوّرة. ولم يزوّدوا المرضي بالأدوية الضرورية، وحوّلوا ملفاتهم الصحية الي المحققين، وذلك لاتاحة الفرصة لاستغلال نقاط ضعف المعتقلين.الا أن قلة من أطباء التحالف العسكريين أو المختصين بالصحة بلّغت عن هذه الانتهاكات الشديدة للأخلاق الطبية والقانون الدولي، علي رغم توثيق هذه الجرائم بشكل جيد من قبل باحثين طبيين مدنيين، الا أنه لم تجر محاكمة أي اختصاصي طبيّ عسكري بسبب هذه الأفعال المسيئة جداً للسجناء الذين يرعونهم.
عبدالله سليمان
Nov 30 2007, 03:28 PM
الفصل الخامس
سـوء معاملـة السجنـاء وتعذيبهـم
... ما وجّه من تهم حتي الآن يتعلّق بإساءة المعاملة، وأعتقد أنّ ذلك يختلف عن التعذيب من الناحية التقنية... ولن أستخدم كلمة (تعذيب)
ـ وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد
أساءت قوات التحالف بشكل جرمي معاملة أعداد كبيرة من السجناء العراقيين وعذّبتهم. وعاني المئات من العراقيين هذه المعاملة اللاإنسانية، ولقي بعضهم حتفهم كنتيجة مباشرة لذلك. وقد جري التعذيب في عدة مواقع في أنحاء العراق، بما في ذلك السجون المركزية مثل أبو غريب، ومراكز التحقيق السرية وعشرات السجون المحلية. ويتزايد ارتكاب جريمة التعذيب في السجون العراقية بمعرفة الولايات المتحدة ومشاركتها.
بداية إساءة المعاملة والتعذيب
في ربيع وصيف عام 2003، عندما اشتد التمرّد العراقي المسلح، شدّدت واشنطن ولندن من أساليبهما العدوانية في الاعتقال والاستجواب. وعلي الرغم من التحقيقات الرسمية التي بيّنت خطورة إساءة معاملة المعتقلين العراقيين، أرسلت القيادة العليا في بغداد في أواخر الصيف رسائل إلكترونية إلي المحققين في القوات الأمريكية تقول إن التشدّد والحزم قد بدآ، وتطلب منهم قوائم بأشد وأقسي طرق التحقيق. وفي الوقت نفسه، أرسل البنتاغون قائد سجن غوانتنامو، الجنرال جيوفري ميلر، لتقديم المشورة إلي قوات التحالف بشأن أساليب التحقيق الأشدّ قوة. وقد اقترح ميلر أساليب جديدة، مثل استخدام كلاب الحراسة الشرسة لبثّ الرعب في نفوس السجناء العراة.
وفي خريف 2003، ورداً علي اهتمام الرأي العام العالمي المتزايد، أجرت القوات الأمريكية العديد من التحقيقات التي قَدّمَت براهين علي إساءة معاملة المعتقلين وتعذيبهم. كما قدّمَت تقارير الصليب الأحمر السرية دلائل مماثلة. وقد كتب الجنرال أنطونيو تاغوبا في آذار (مارس) 2004 تقريراً مؤثراً يبيّـن فيه أن السجّانين الأمريكيين أَخضَعوا المعتقلين العراقيين لِـ إساءات إجرامية سادية وقحة وطائشة . ويصف التقرير هذه الإساءات بكونها أفعالاً مشينة وانتهاكات فاضحةً للقانون الدولي . ورأي الجنرال تاغوبا أن توصيات الجنرال ميلر لم تكن مناسبة، وأدت إلي استخدام مفرط للقوة خلال عمليات التحقيق. وعندما بدأت أخبار (وصور) التعذيب تتسرب إلي العلن، عَزَلَ البنتاغون قائدة الشرطة العسكرية في سجن أبو غريب، الجنرال جانيس كاربنسكي، وعيّن مكانها الجنرال جيوفري ميلر نفسه، وهو القائد الذي يعتبر علي نطاق واسع مهندس أسوأ الانتهاكات القانونية.
تفاصيل عن منظومة التعذيب
بيّنت التقارير أفعال السجانين ومحققي التحالف التي تضمنت الضرب والخنق والشنق والتعرية الإجبارية وأشكالاً أخري من الإذلال، وكذلك التهديد بالكلاب والتعريض الفائق للحرارة العالية أو البرودة المفرطة. وقد قدمت التقارير تفاصيل أخري، مثل تغطية الرأس، والحرمان من النوم، والتعليق من الذراعين، والإغراق، والتحرّش الجنسي، وتقليص الطعام والشراب، والحرق، واستخدام الآلات الحادة، والأصوات العالية، والتهديد بالقتل، والضرب بالهراوات والأسلاك المعدنية، وجلسات الضغط المطولة، والصدمات الكهربائية وغيرها. وقد وَصَفت تقارير البنتاغون أساليب التعذيب بوضوح تام وتفاصيل مؤلمة جداً.
إن فضائح سجن أبو غريب علي مقربة من العاصمة بغداد ـ الذي تديره القوات الأمريكية ـ باتت معروفة في أنحاء العالم. لكن عناصر التحالف مارسوا الاعتداء والتعذيب بحق السجناء في عدد كبير من المواقع الأخري بما في ذلك:
ہ السجون المركزية، مثل معسكر كروبر ومعسكر بوكا ومعسكر الشعيبة قرب البصرة (سجن بإشراف بريطاني).
ہ مواقع التحقيق السرية، مثل معسكر ناما قرب بغداد، ومعسكر دياموندباك في مطار الموصل.
ہ معسكرات السجون المرتجلة.
ہ مراكز الاعتقال العسكرية علي مستوي الألوية والفرق.
ہ قواعد العمليات المتقدّمة، مثل تايغر في القائم، ومركوري في الفلوجة.
ہ نقاط الاحتجاز.
وقد شارك مئات الأمريكيين في إساءة معاملة السجناء في العراق وتعذيبهم. واشتركت القوات البريطانية بذلك، كما تورطت عناصر هولندية أيضاً. وقد نُشِرَ العديد من القصص عن القوات العسكرية وفِرق الشرطة العسكرية في الصحافة، إضافة إلي التقارير الرسمية والمحاكم العسكرية. وكان كل من سلّطت عليهم الأضواء في فضائح أبو غريب من جنود الاحتياط في الجيش الأمريكي. وهم عناصر في لواء الشرطة العسكرية رقم 800. لكن هذا التركيز كان مضللاً.
هناك كوادر من وراء الستار، وهي متورطة أكثر بكثير في ممارسات منهجية مذلة ومهينة بحق السجناء، وهي:
ہ عناصر الاستخبارات العسكرية.
ہ عناصر العمليات الخاصة (جوّالة الجيش الأمريكي، وعجول بحر البحرية الأمريكية، والقوات الجوية الخاصة البريطانية وغيرها).
ہ وكالة الاستخبارات المركزية وعناصر أخري من الشرطة (خصوصاً عناصر من وكالة الاستخبارات الدفاعية، ومكتب التحقيقات الفدرالية، وجهاز المخابرات السرية البريطاني.
وفي أبو غريب، كانت المخابرات العسكرية (ووكالة الاستخبارات المركزية) تسيطر علي مجموعة مباني الزنزانات 1 أ، و1 ب، حيث كانت تتم عمليات التعذيب. وقد حثت المخابرات العسكرية حراس الشرطة العسكرية علي تهيئة الظروف (أي تهيئة المعتقلين بإساءة معاملتهم) من أجل الاستجواب. وكان معسكر ناما السيء السمعة موقعاً أساسياً آخر للتحقيقات. وتتضمن عناصره: العمليات الخاصة، والمخابرات العسكرية، ووكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) ومن الجهات الأخري المتورطة في جريمة التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة ما يلي:
ہ وادر العسكرية الطبية، بمن فيهم الأطباء الذين ساعدوا في تصميم الاستجوابات المسيئة ووافقوا عليها وراقبوها، كما قاموا بتقديم تقارير طبية كاذبة، بما فيها شهادات الوفيات المزورة.
ہ المتعهدون العسكريون الخاصون، ومنهم موظفون في شركات عالمية، مثل تيتان، وسي إيه سي آي، اللتين استُخدمتا للحراسة والترجمة وخدمات التحقيق. وقد استخدمت سي إيه سي آي بمفردها نصف عدد المحللين والمحققين تقريباً في أبو غريب خلال فترة الفضيحة. وبعض هؤلاء الموظفين عملوا سابقاً في السجون الأمريكية المحلية، ولهم ملفات في إساءة المعاملة الجرمية للسجناء.
استمرار التعذيب والتعسف
بدأ العالم يعرف تفاصيل عن فضائح التعذيب في العراق في نيسان (ابريل) 2004. وفي خلال فصلي الربيع والصيف، أكد المسؤولون الأمريكيون أن إساءة المعاملة ستتوقف، وأنها ليست سياسة رسمية.
لكن إساءة المعاملة والتعذيب استمرا بشكل واضح، وإن ساد الاعتقاد بأن حدة الإساءة قد خفّت في أبو غريب والسجون المركزية الأخري، إلا أنها بقيت مستمرة في مراكز التحقيق السرية، وقواعد العمليات المتقدّمة والسجون العسكرية المحلية، وخاصة السجون العراقية. لقد استمر ظهور حالات تعذيب خطيرة بشكل دوري، الأمر الذي جعل رئيس مكتب حقوق الإنسان للأمم المتحدة في بغداد، جياني ماغازيني، يصرح للأسوشييتد برس في نيسان (ابريل) 2006 أن حالات التعذيب والإعدامات التعسفية تحصل يومياً .
يقدم تقرير لمنظمة العفو الدولية صادر في آذار (مارس) 2006 براهين علي حصول حالات تعذيب مريعة بعد زمن من الوعود الرسمية بالإصلاح. وفي أحد الأمثلة، قُدِمَ سبعة جنود أمريكيين إلي محكمة عسكرية في آذار (مارس) 2005 بسبب استعمالهم الصدمات الكهربائية ضد المعتقلين العراقيين في موقع قرب بغداد. وفي حالة أخري، قُدِم خمسة جنود آخرين إلي المحاكمة في أيلول/سبتمبر 2005 بسبب اللكم والرفس العنيفين للمعتقلين. وقد عرضت منظمة العفو الدولية في تشرين الأول/أكتوبر 2005 صورة لمعتقل مقيّد علي كرسي تقييد ، في أبو غريب، وهو كرسي قالت السلطات إنّه يستخدم كعقاب .ومثل هذا الكرسي يشكّل خطراً كبيراً علي الصحة وفقاً لمنظمة العفو الدولية، واستخدامه مخالف للقوانين الدولية بوضوح ولا تزال التقارير المرعبة تتوالي عن مقتل المعتقلين العراقيين.
وجد مسح أجراه البنتاغون في 5 أيار/مايو 2007 أنّ العديد من العسكريين الأمريكيين مستعدون للتغاضي عن تعذيب الموقوفين العراقيين وغير مستعدين للإبلاغ عن الإساءات التي يرتكبها زملاؤهم. وقد كتب الجنرال ديفيد بترايوس، القائد الأعلي للتحالف، رسالة مفتوحة إلي القوات بُعيد ذلك يعبّر فيها عن قلقه بشأن الأدلة الجديدة عن انتشار سلوك إساءة المعاملة. لكن يبقي معرفة إذا كانت رسالة الجنرال التي نشرت علي موقع علي الإنترنت ترمي إلي تغيير معاملة المحتجزين علي الأرض أو أنّها تدبير علاقات عامّة.
المعتقلات السرية تغطي التعذيب
إن عدم السماح للمعتقلين بالاتصال بالمحامين أو بعائلاتهم أو بالصليب الأحمر يعني أن هناك الآلاف من العراقيين الذين يرزحون تحت رحمة جلاديهم، من دون إشراف مستقل. ويفاقم المنع المطلق لزيارات مجموعات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة من خطورة الوضع، خصوصاً في غياب الرقابة والتحقيق الجنائي العسكري في بعض المواقع المقيدة جداً. كما ان التغطية بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، خصوصاً في مواقع الميدان، تركت المجال مفتوحاً أمام الضباط والجنود المحاربين الغاضبين لممارسة إساءات خطيرة ضد المعتقلين، كما فعل محققو وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات العسكرية. وفي العديد من مراكز التحقيق الميدانية أيضاً، تورّطت العناصر البريطانية، مثل مختصي التحقيق في القوي الجوية البريطانية الخاصة، في أعمال مسيئة للمعتقلين. وقد كشفت مقابلات هيومن رايتس ووتش مع المحاربين القدامي في الجيش الأمريكي أن الجنود أو الضباط الذين حاولوا الاستفسار أو الاحتجاج أجبروا علي الصمت من قبل الضباط الأعلي رتبة أو المحامين العسكريين في مكتب مساعد القاضي العام. وطمأن الجنود المتردّدون بأن طرق التحقيق موافق عليها بأوامر عليا، وهي قانونية تماماً. بل إن الضباط الذين شككوا بقانونية هذه الممارسات لم يجدوا أجوبة مقنعة من التسلسل القيادي، وقد تم تذكير أحد الضباط بـ شرف الوحدة لكي يلتزم بالصمت. كما كشفت المقابلات التي أجريت أن صلة الجنود العاملين في سجون الاعتقال الخاصة محدودة جداً في العالم الخارجي. وبعضهم لا يعرف أسماء عائلات بعضهم الآخر، وليس لديهم أي اتصال بالمفتشين القانونيين في الجيش. وفي معسكر ناما، أكد القادة لعناصر التحقيق أنه لن يكون هناك أية زيارات للصليب الأحمر ولا للمحققين الجنائيين في الجيش وقد بقي المكان سرياً وإن تم تغيير اسمه بشكل دوري.
الوفيات في المعتقلات
حصلت وفيات كثيرة في معسكرات الاعتقال الأمريكية والبريطانية في العراق، بما فيها تلك الناتجة من التعذيب وإساءة المعاملة والقتل. وعند مراجعة تقرير حقوق الإنسان أولاً (عام 2006) نجد حوادث كثيرة للسجناء الذين فارقوا الحياة في السجون الأمريكية في العراق وأفغانستان. وفي بعض الحالات، تحصل الوفيات بعد إجراء التحقيق بوقت قصير. ويوضح التقرير أن هناك عشرات الوفيات بين السجناء منذ بداية احتلال العراق وحتي عام 2006. ويعزو الجيش معظم الوفيات رسمياً إلي أسباب طبيعية أو أسباب غير معروفة .لكن الأطباء المختصين المستقلين يشكّون في هذه النتائج عندما يأخذون بعين الاعتبار أعمار غالبية المعتقلين وظروف اعتقالهم. وتعتقد منظمة حقوق الإنسان أولاً أن نصف الحالات التي تفحصتها يمكن أن تعزي أسبابها إلي القتل، أو المعاملة السيئة، أو التعذيب. أما الحالات في السجون البريطانية، فهي تتضمن أربع وفيات ناتجة من التعذيب أو سوء المعاملة، كما عزت أسبابها منظمة العفو الدولية في أواخر عام 2004.
تعود أسباب معظم الوفيات الحاصلة في المعتقلات إلي قتل السجناء في أثناء الاحتجاج علي أوضاعهم اللاإنسانية أو الشغب أو محاولات الهروب وغيرها. وفي ظروف كهذه، عادة ما يسارع الحراس إلي استخدام القوة القاتلة .وتبيّـن التقارير الرسمية إطلاق الحراس النار علي العشرات من السجناء لتقتل بعضهم وتصيب آخرين. كما يموت السجناء أيضاً نتيجة أفعال تبدو أنها انتقام. وهناك حالتان معروفتان، ارتكب إحداهما جنود أمريكيون، وارتكب الأخري بريطانيون، رمي فيهما الحراس المسؤولون عن الموقوفين عراقيين من علي الجسور أو السدود العالية إلي النهر، ما أدي إلي موتهم غرقاً. استخدم المحققون الأمريكيون في إحدي الحالات التي سجلت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2003، والتي نشر عنها الكثير، وقدمت إلي المحكمة العسكرية، مقبض المطرقة الثقيلة للضرب خلال استجواب اللواء عبد الحميد مهاوش في قاعدة العمليات تايغر في القائم قرب الحدود السورية. وفي ما بعد، تم نقل اللواء إلي فندق بلاك سميث ، وهو سجن متنقل في الصحراء. وهناك، قام الضابط ويليس ويلشوفر بوضع رأس مهاوش في كيس للنوم، ولفه بأسلاك كهربائية، ثم جلس علي صدره، وغطي أنفه وفمه حتي قتله. وفي الحال، أرسل الجيش بياناً يعزو فيه موت مهاوش إلي أسباب طبيعية ، في حين بيّن تشريح الجثة أن الوفاة حدثت خنقاً نتيجة انقطاع الأكسجين والضغط علي الصدر. وكانت هناك كدمات كثيرة، إضافة إلي كسر خمسة أضلاع. وقد أظهرت التحقيقات أن أساليب التحقيق الوحشية هذه قد تمت الموافقة عليها من قبل الرائدة جيسيكا فوس. وقد استعملت أكثر من 12 مرة مع سجناء آخرين. وهناك فريق عراقي خفي نظمته وكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي إيه)، يدعي العقرب (سكوربيون)، متورط أيضاً في الحادث. وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في 23 تموز (يوليو) 2003 أن 16 عنصراً من الجيش الأمريكي تمت إدانتهم بالقتل في الشهر السابق فقط، إضافة إلي عدة جرائم قتل ارتكبت ضد العراقيين في المعتقلات. وفي 9 أيار/مايو 2006، قام ثلاثة جنود أمريكيين بإطلاق النار وقتل ثلاثة معتقلين عراقيين، وذلك بعد السماح لهم بالهروب أولاً من أجل تبرير قتلهم. وقد حوكم أربعة أشخاص بتهمة القتل المتعمد، أحدهم برتبة رقيب، والبقية دونه رتبة. وقد أدين أحدهم وحكم عليه بالسجن لمدة 18 عاماً. وأبرزت القضية حالات أخري أشد إيلاماً، فقد أدلي جنود بشهادتهم عن ضابطين كبيرين أعطيا أوامرهما بقتل كل الذكور في سن الخدمة العسكرية الذين يصادفونهم. وهذا ما أكده الضابطان نفسهما. وفي هذا السياق، فهم الجنود أنه يجب إعدام المعتقلين بسرعة.
السلطات العراقية واساءة المعاملة
اضطلعت الحكومة العراقية وقوات الأمن تحت سلطة القادة العسكريين الأمريكيين بدور أكبر في الاعتقال والتحقيق، خصوصاً بعد انتقال السلطة في منتصف عام 2004. ولقد وَثقت التقارير التعذيب والإفراط في إساءة المعاملة في السجون التي تشرف عليها الحكومة العراقية. ويتضمن التعذيب إحراق الجسد، والاعتداء الجنسي، واستخدام الصدمات الكهربائية في مناطق الجسم الحساسة.
وقد أوضح تقرير منظمة العفو الدولية في عام 2006 أن تحويل التحقيق إلي السلطات العراقية سيجعل قوات التحالف تبدو إما متهاونة وإما متورطة في ما ترتكبه قوات الحكومة العراقية . ويبدو أن القادة العسكريين الأمريكيين أرادوا تسليم عمليات التعذيب إلي العراقيين من أجل التنصل من قضايا الممارسات الإجرامية. لكن هناك دلائل كثيرة تشير إلي أن العناصر الأمريكية تكون حاضرة في أثناء التحقيق المسيء في السجون العراقية (وربما يديرون التحقيق).
وقد أخبر لواء عراقي (قائد سابق في القوات الخاصة في وزارة الداخلية) منظمة العفو الدولية أن العناصر الأمريكية تقوم بزيارة سجن الوزارة الرئيسي في ساحة النصر يومياً ، وأن الجنود الأمريكيين كانوا يعرفون كل شيء عن التعذيب . كما إن الجهاز الرئيسي للمخابرات العراقية الضالع في التحقيقات يعمل تحت الإشراف المباشر لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ورداً علي التقارير حول التعذيب الذي تمارسه السلطات العراقية بحضور العناصر العسكرية الأمريكية، علق وزير الدفاع، دونالد رامسفيلد، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، أن الجنود الأمريكيين غير ملزمين بالتدخل عندما يشاهدون معاملة لاإنسانية للمعتقلين. ولما كانت القوات العراقية تعمل عادة بأوامر القيادة الأمريكية، فإنّه لا يمكن اعتبار العناصر الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية الشاهدة علي التعذيب في السجون العراقية بريئة.
وفي صيف عام 2005، ذكرت صحيفة الأوبزرفر أن التمويل الأمريكي والبريطاني لبناء مقر نظامي لقوات الشرطة العراقية قد تم تحويله إلي وحدات المغاوير شبه العسكرية، تمارس فيها انتهاكات شديدة لحقوق الإنسان بما في ذلك التعذيب والقتل . وفي أواخر عام 2005، برزت أدلة جديدة علي أن قوات وزارة الداخلية العراقية تخضع المعتقلين لتعذيب وحشي ومعاملة سيئة في عدد من السجون. أما الوحدات الخاصة للشرطة، التابعة لوزارة الداخلية، التي دربها وسلحها الأمريكيون، فهي الأسوأ والأكثر تمرداً علي القانون. وفي 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وجد في أحد معتقلات وزارة الدخلية في الجادرية في بغداد أكثر من 170 معتقلاً في أوضاع مروّعة، والعديد منهم تعرض للتعذيب. وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 2005، برز إلي العلن سجن آخر في بغداد، بإشراف وزارة الداخلية، ووجد أن عدداً كبيراً من نزلائه الذين يبلغ عددهم 625 معتقلاً بحاجة إلي عناية طبية ماسة نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة. وقد أكد السفير الأمريكي في العراق، زلماي خليل زاد، أنه وجد أكثر من 100 معتقل في سجن الجادرية، و26 معتقلاً في مواقع اعتقال أخري، قد تعرضوا للأذي الشديد. وبحسب التقارير الإعلامية، فقد تعرض السجناء للصدمات الكهربائية في جميع الحالات، وبعضهم انتزعت أظافرهم. ولا بد من التذكير بأن هناك المئات من المستشارين الأمريكيين والعسكريين يعملون في وزارة الداخلية، في المكاتب وبرامج التدريب مع قوات الوزارة.
وعلي رغم التقارير السابقة والإعلان عن الإصلاح، لم تتراجع إساءة المعاملة والتعذيب في السجون العراقية. وفي أيار/مايو 2007، أخبر مسؤول من الأمم المتحدة في بغداد صحافياً في واشنطن بوست عن روتين المعاملة السيئة والإيذاء ، والضرب الشديد، والتعليق من الأطراف، والصدمات الكهربائية، وتهديد العائلات، والإيذاء بأدوات حادة.
عدم تقديم المذنبين للعدالة
تملك قوات التحالف الأمريكية حصانة من الملاحقة القضائية بناء علي القانون العراقي المدني والجنائي، واستناداً إلي قرار مجلس الأمن رقم 1546. وبهذا يكون الطريق الوحيد لمقاضاتهم هو عبر المحاكم الوطنية لأعضاء التحالف. وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية هذه الترتيبات القضائية لا تتوافق مع نزاهة المعايير الدولية .
وقد ردّت حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا علي التقارير عن إساءة المعاملة واستخدام التعذيب بكثير من التحقيقات الرسمية علي مستوي متدنّ وأنكرتا مسؤوليتهما. وقد تم تقديم بعض المذنبين إلي العدالة، وجاءت الأحكام مخففة، ونجا الضباط من مسؤوليتهم.
وقد بيّن تقرير حاسم لحقوق الإنسان أن 600 عنصر عسكري أمريكي متورطون في تعذيب السجناء في العراق وأفغانستان وغوانتانامو. ولم يطلب منهم سوي 79 عنصراً إلي المحاكمة العسكرية. ويبدو أن 64 عنصراً فقط هم الذين قدموا فعلياً إلي المحاكمة في 10 نيسان (ابريل) 2006. وقد تم الحكم علي عشرة عناصر فقط بالسجن مدة تزيد علي عام. وحتي في الحالات الخطيرة لوفيات المعتقلين، لم يعاقب إلا بضعة عناصر. وكانت معظم الأحكام خفيفة، ومن بين المحكومين كان هناك ضابطة برتبة رائد، وهي أعلي رتبة يتم الحكم عليها. ويؤكد التقرير أن هناك حصانة ضد أسوإ الانتهاكات، والعقاب علي السلوك المشين بسيط ومتأخر جداً، ومع ذلك تبقي الصورة غير كاملة عن حقيقة ما حصل .
وفي محاكمة ضابط الصفّ ويلشوفر، المدان بقتل اللواء مهاوش بكيس للنوم، خُفف الحكم إلي غرامة قدرها 6000 دولار أمريكي، إضافة إلي تقييد حركته لمدة 60 يوماً بين البيت والقاعدة والكنيسة. وقد أشار الدفاع إلي سياسة إدارة بوش والمسؤولين عن الأوامر، وذلك لتبرير فعلته بأنه كان ينفذ الأوامر. ولم تقدم اتهامات إلي آخرين، ونجا عناصر وكالة الاستخبارات المركزية والوحدات الخاصة الذين كانوا متورطين أيضاً.
وكانت المحاسبة القضائية بالنسبة إلي القوات البريطانية في العراق أيضاً هزيلة، فقد قامت عناصر القوات البريطانية بضرب وتعذيب عامل فندقي عراقي، بهاء موسي، حتي الموت. وأخيراً، عندما تم تقديم سبعة عناصر أمام المحكمة العسكرية، جري تبرئة ستة منهم (وبينهم ضابط برتبة عقيد) وحكم علي جندي واحد بالسجن لمدة عام.
وعلي رغم أن وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه)، والاستخبارات البريطانية، ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، والقوات الخاصة، والمخابرات العسكرية، جميعها متورطة في جرائم التحقيق التعسفي، إلا أن إدارة التحقيقات الجنائية العسكرية الأمريكية غير مخوّلة استجواب عناصر هذه الجهات. وثمة مزاعم بإجراء تحقيق في جرائم القوات الخاصة من قبل القادة العسكريين ولا تزال الإجراءات المتخذة (إذا كان هناك إجراءات) سرية. وقد حفظت وكالة الاستخبارات المركزية جميع الحالات في ملفات سرية أيضاً. وعلي الرغم من تورط الوكالة المتكرر، لم تقاض وزارة العدل متهماً واحداً من عناصرها. وقد تم تشكيل فريق قضائي في فرجينيا في حزيران/يونيو 2004، لكنه رفض الاتهامات في معظم الحالات لنقص الأدلة والشهود. وكما عُلّق في أحد تقارير حقوق الإنسان، فإن وقف الإدانة كان بسبب قلة الفعل و ضعف المبادرة في التحقيق، إضافة إلي السرية في عمليات الوكالة.
وينطبق الأمر نفسه بالنسبة إلي عناصر الاستخبارات العسكرية. وذكرت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في تموز (يوليو) 2006 أنه لم ترفع أي دعوي ضد عناصر الاستخبارات العسكرية، أو ضد أي رتبة في هذا السلك، بينما جرت إدانة بعض الضباط في الجيش بتهمة التعذيب والإيذاء. وقد استهدفت المحاكمات الجنود ذوي المرتبة الأدني، وتم الاستماع إلي أقوالهم في جلسات مغلقة. وجاءت أحكامهم مخففة، مثل تخفيض الراتب أو التأنيب والتوبيخ فقط. وقد ركزت التحقيقات الرسمية كلها علي الرتب الصغيرة بين العسكريين المتهمين، ولم تبذل جهود لتقصي مسؤولية القادة في ذلك.
حصانة المسؤولين والضباط الكبار
استمر المسؤولون الرسميون الأمريكيون بالادعاء بأن التعذيب وإساءة المعاملة يحدثان في حالات فردية علي أيدي بعض التفاح السيئ .لكن الدلائل الواضحة تبيّن أن المسؤولين الكبار والقادة العسكريين قد رفعوا القيود عن التعذيب وتجاهلوا القانون الدولي، فتركوا المجال مفتوحاً في السجون العراقية. لقد أصدر الرئيس جورج بوش فيشباط (فبراير)2002 مذكرة بعدم إلزام القوات الأمريكية باتفاقيات جنيف تجاه المعتقلين في الحرب علي الإرهاب . واستخدم المستشارون القانونيون للبيت الأبيض تعابير جديدة، مثل: المقاتلين غير الشرعيين و المحتجزين الأمنيين ، بدلاً من أسري الحرب ، وذلك لرفع الحماية في القوانين المحلية والدولية عن المعتقلين. وأعاد المستشارون القانونيون للبيت الأبيض تعريف المعني التقليدي للتعذيب في القانون الدولي. وقد حدّدوا الأفعال التي تعتبرها أمريكا تعذيباً بشكل قلّص من المقاييس التي تنطبق علي من يرتكبها. وبالتوازي، أخبر المدّعي العام البريطاني، لورد غولدسميث، القادة الميدانيين البريطانيين في عام 2003 أن التحقيق مع المعتقلين في العراق لا ينضوي تحت معايير قانون حقوق الإنسان في بريطانيا. لذا عليهم استخدام نهج واقعي في التعامل مع السجناء. وأصدر القادة العسكريون الأمريكيون الذين يتلقون أوامرهم من واشنطن تعليمات جديدة لتشديد طرق الاستجواب في التحقيق. وتعتبر إساءة المعاملة في العراق جزءاً من عمليات واسعة في العالم بدأت في أفغانستان وغوانتانامو، وقد استمرت في البرنامج الأمريكي الاستثنائي والسجون السرية.
وعندما كانت تصل أخبار المعلومات عن التعذيب إلي القادة المسؤولين، لم يحاولوا اتخاذ أي إجراءات. وقد تحدث الجنرال تاغوبا عن الإساءات الإجرامية الطائشة ، لكن الجنرال باربارا فاست، المديرة في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، بقيت في منصبها دون عقاب، بل أصبحت قائدة لمركز استخبارات في الجيش، ومدرسة التدريب لعناصر الاستخبارات العسكرية. وبينما حصلت تنحية كبار الضباط، مثل الجنرال جانيس كاربينسكي، قائدة فرقة الحرس في أبو غريب، وعين بدلاً منها الجنرال جيوفري ميلر، القائد المعروف بسوء سيرته في غوانتانامو، كقائد عام لمعتقلات العراق.
ولإبعاد المسؤولية عن المسؤولين الكبار، تحدثت التقارير عن ثغرات في تطبيق السياسة، وأشارت إلي التدريب الخاطئ ، و الجهل بالقوانين ، و عدم كفاية الإشراف ، و التنافس بين المحققين ووحدات الشرطة العسكرية . وغير ذلك. ويعتبر تقرير شليسنغر العالي المستوي الصادر عن البنتاغون في آب (اغسطس) 2004 نموذجاً معتاداً لهذا التعتيم ومنذ ذلك الوقت، تم امتداح وترقية وتكريم بعض الضباط العسكريين ذوي الرتب العالية والمسؤولين مباشرة عن جرائم التعذيب. كما تم تكريم الجنرال ميلر، المسؤول الأساسي عن عمليات التحقيق الأمريكية في العراق عند إحالته إلي التقاعد. وقد أقيم له حفل في قاعة الأبطال في البنتاغون، حيث استلم ميدالية الخدمات المتميزة، امتناناً لـ قيادته الاستثنائية للمسؤوليات الكبري التي كانت علي عاتقه .
بحسب قواعد القانون الدولي الخاصة بمسؤولية القيادة التي طبقتها الولايات المتحدة وبريطانيا في محاكمات جرائم الحرب العالمية الثانية، يجب محاكمة الضباط والقادة علي الانتهاكات الواقعة علي القانون الدولي، حتي ولو لم يوعزوا بأوامر مباشرة لهذه الانتهاكات. بناء علي ذلك، يجب مساءلة السلطات الأمريكية والبريطانية علي أعلي مستوي حول هذه الانتهاكات. تحظر اتفاقية مناهضة التعذيب بوضوح ممارسة أي شكل من أشكال التعذيب. كما يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (عام 1948) علي ما يلي: يجب أن لا يتعرض أحد للتعذيب أو المعاملة الوحشية أو اللاإنسانية أو المهينة أو العقابية .كما تكرر مواثيق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ضمان هذه الحماية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقوانين لاهاي، واتفاقيات جنيف. وقد حاول المسؤولون الكبار الأمريكيون والبريطانيون تقديم حجج قانونية لإضعاف بند الحظر التام علي التعذيب. لكن وجهة النظر الإنسانية السائدة تعارض التعذيب في جميع الظروف. وقد كان الجنرال الأمريكي أنطونيو تاغوبا محقاً في استنكاره الأفعال التي حصلت في أبو غريب واعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي .لذلك، من الواجب أن يقدم للمحاسبة المسؤولون في أعلي المستويات الذين أدت خياراتهم وقراراتهم إلي هذه الأفعال.
الامير الفلسطينى 1
Nov 30 2007, 05:51 PM
مشكور اخى على المضوع الطيب
الهم نصر المسلمين فى فلسطين والعراق
الهم نصر المجاهدين فى فلسطين والعراق
دمت بخير اخى
عبدالله سليمان
Dec 1 2007, 04:52 AM
الفصل السادس
الهجـوم علـي المـدن
.عندما نحدد هدفاً ما للعدو، فإننا نتوجه نحوه ونستهدفه بكل وسيلة ممكنة. يروق لي أن أتذكر رأي فايكونت سِْلم خلال حملة بورما عندما قال: استعمل مطرقة كبيرة لتكسر جوزة. وهذا بالضبط ما سنفعله. سنستخدم العنف والقوة الساحقة عند اللزوم
اللواء في الجيش الأمريكي
تشارلز هـ. سواناك (الابن)
استخدمت قوات التحالف الهجمات العسكرية الشرسة علي عدد من المدن العراقية انطلاقاً من اعتبارها محصنة ومستعصية . لقد كانت هجمات شديدة العدوانية واستُخدم فيها القصف الجوي والبري، وتلاها بطش مسلح جماعي. لقد هََجّروا مئات الآلاف من الناس، وسَبّبوا إصابات كبري للمدنيين، ودمّروا معظم أحياء المدن.
وقد أدي الهجوم الضاري علي الفلوجة في نيسان (ابريل) وتشرين الثاني (نوفمبر) عام 2004 إلي احتجاجات غاضبة واسعة. وقد هاجمت قوات التحالف أيضاً النجف بشراسة (نيسان (ابريل) وآب (اغسطس) 2004) وتلعفر (ايلول (سبتمبر) 2004 وايلول (سبتمبر) 2005)، وسامراء (تشرين الاول (اكتوبر) 2004 وايلول (سبتمبر) 2005 وآذار (مارس) 2006) والقائم (ايار (مايو) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2005) والحديثة (تشرين الاول (اكتوبر) 2005) والرمادي (تشرين الاول (اكتوبر) 2005 وحزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 2006) وبعقوبة (كانون الثاني (يناير) 2007) لقد تسببت هذه العمليات العسكرية بالأذي لأكثر من مليوني شخص، وعمقت غضب العراقيين العارم ضد الاحتلال. ولا تزال هذه الهجمات مستمرة، خصوصاً في محافظتي الأنبار وديالي، علي رغم انتهاكها الفاضح لاتفاقيات جنيف.
إغلاق المدن
كمقدمة للهجوم، عادة ما تحيط قوات التحالف المنطقة المستهدفة بأكياس الرمل، والألواح الإسمنتية، والحواجز الأرضية، والأسلاك الشائكة، بحيث تتحول المدن إلي معسكرات سجون. هذه العمليات الأولية تجند الآلاف من العساكر وطائرات الهليكوبتر والآليات المدرعة، فيجري إغلاق المعابر والطرقات، وتقام الحواجز ونقاط التفتيش. لقد بنت القوات المهاجمة في تلعفر سوراً رملياً بارتفاع 8 أقدام وطول 12 ميلاً ليحيط بالمدينة بأكملها.
يسيطر جنود التحالف علي جميع التحركات من وإلي داخل المدن وخارجها بما في ذلك من بضائع، ومؤن، ومياه، وأغذية، وأدوية، ومساعدات طارئة بمختلف أنواعها. وتهدف استراتيجية الإغلاق هذه إلي عزل المتمرّدين وتهديد المدنيين العاديين بالثمن الباهظ المترتب عليهم من عدم تعاونهم مع قوات الاحتلال. لقد وصف المقدم ناثان ساسامان بصراحة تامة كيفية التعامل في الأشهر الأولي للاحتلال: أعتقد أننا نستطيع إقناع الناس بأننا هنا من أجل مساعدتهم، بتقديم جرعة كثيفة من الرعب والعنف، والكثير من المال للمشاريع .
تُخضِع قوات التحالف المواطنين لتفتيش مكثف علي الحواجز، حيث تطلب منهم تقديم وثائق تعريف شخصية خاصة. ويقوم الجنود بتوقيف واعتقال العراقيين علي معابر الطرقات (غالباً عشوائياً)، كما يمنعون مرور آخرين بحجة عدم صحة وثائقهم. وقال مواطن من أبو حشمة إلي جريدة نيويورك تايمز، احتجاجاً علي ما يتحمله الناس من إهانات واضطهاد: إننا كالعصافير في القفص .
وفي الفلوجة، وقبل بداية الحصار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، فرضت قوات التحالف حظرأ مشدداً علي التجوال، بما في ذلك تقييد تحركات الناس ضمن المدينة لكل من هم دون الخامسة والأربعين من العمر. كما فُرض حظر تجوال مشدد مماثل في الرمادي وتلعفر ومدن أخري. ووفقاً لمعلومات هيئة الأمم المتحدة، تسبب إغلاق الطرق وحظر التجول في الرمادي في ارتفاع الأسعار ونقص في المواد الأساسية في بداية تموز (يوليو) 2006، أي قبل بداية الهجوم علي المدينة. أما في أبو حشمة، فقد أغلقت القوات الأمريكية القرية لمدة 15 ساعة يومياً ومنعت المواطنين من الذهاب إلي المسجد للصلاة، وسببت انقطاع سبل العيش والتشرد للكثير من العائلات. وبالطبع، فقد اعتادت قوات التحالف أن تطلق النار علي أي آلية أو شخص لا يلتزم بنظام حظر التجول.
الإخلاء
الإجباري للسكان
في التحضير لشنّ الهجوم، تصدر القوات الأمريكية وحلفاؤها تحذيرات لسكان المدينة وتحثهم علي مغادرة بيوتهم وإخلاء مناطقهم، بحيث يهرب معظمهم. وهي تصرّ علي أن نزوح السكان يقلل من إصابات المدنيين خلال القصف والقتال العنيف. لكن ذلك يعطي القوات مبرراً لشن عمليات عسكرية غاشمة، باعتبار أن الباقين في المدن هم المحاربون ومؤيدوهم. وهكذا تبرّر مناطق إطلاق النار بحرية ضمن المناطق المستهدفة.
لقد قامت قوات التحالف في تلعفر بتحذير السكان عبر مكبرات الصوت لإخلاء المدينة بعد أن بدأت بقصف حي السراي لإعطائهم العبرة. وقد رحل غالبية القاطنين (80 في المئة بحسب ما أعلنه جون برايان، مراسل البي. بي. سي. في بغداد) وأخلوا مناطقهم هرباً من القتال الشرس المتوقع. كما قامت قوات التحالف بإسقاط منشورات من الجو فيها تحذير لساكني المدينة من الهجوم المنتظر،
وجد قسم من الفارين المحظوظين ملجأ عند أقارب لهم خارج المدينة. أما معظم من تبقي، فقد لجأ إلي الضواحي ليواجه ظروفاً معيشية صعبة ونقصاً في الماء والغذاء، وسارع الهلال الأحمر وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الأخري لإقامة مخيمات لمساعدتهم. لقد تم تهجير أكثر من 216.000 شخص من الفلوجة (كان عدد سكانها حوالي 300.000 نسمة) ليبحثوا عن ملاجئ في المعسكرات المزدحمة خلال أشهر الشتاء، ويعانوا تبعات نقص التزود بالماء والغذاء والعناية الطبية. وقد هرب نحو 100.000 شخص من القائم التي يبلغ عدد سكانها 150.000 نسمة بحسب تقديرات جمعية الهلال الأحمر العراقية. وفي الرمادي فرّ حوالي 70 في المئة من عدد السكان البالغين 400.000 نسمة قبل بدء انقضاض الجيش الأمريكي. وهذه اللحظات تؤشر إلي بدء أزمة التهجير الجماعي.
في الوقت الذي يهاجر العديد من السكان من مدنهم عند بدء التحذيرات، يبقي عدد آخر لا يستهان به. ويقدر عدد الذين بقوا في الفلوجة بنحو 50.000 شخص، وأكثر من 100.000 شخص في الرمادي. وتعتبر قوات التحالف أن الباقين هم من المتمردين ومؤيديهم. لكن الحقيقة أن عدداً كبيراً منهم مدنيون غير مقاتلين. وقد يكون ذلك لأنهم لا يرغبون في هجر بيوتهم أو لا يستطيعون، بمن فيهم الأطفال والمرضي وكبار السن الذين يخافون من ظروف أقسي تنتظرهم إذا ما غادروا مناطقهم التي يعرفونها.
قطع الماء
والغذاء والكهرباء
تكرر قوات التحالف قطع المياه عن السكان ضمن المدن المحاصرة، بما فيها الفلوجة وتلعفر وسامراء. وبذلك تسبب الأذي لما لا يقل عن 750.000 شخص من المدنيين. والمعروف أن كثيراً من العائلات لديها مخزون ضئيل من المياه للطوارئ، لكنها لا تستطيع العيش طويلاً عند قطع المورد الأساسي للماء. وتقطع قوات التحالف الكهرباء أيضاً (بحيث تتوقف المضخات والآبار المحلية). كما توقف الغذاء والمساعدات الطبية، في ما يحدث حالة من الحصار ويفرض أزمة إنسانية علي ما تبقي من السكان.
وبحسب ما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست ، قطعت القوات الأمريكية المياه عن تلعفر ما لا يقل عن ثلاثة أيام في ايلول (سبتمبر) 2004. كما ورد في صحيفة الإندبندنت في تشرين الاول (اكتوبر) 2004 أن القوات التي تقودها الولايات المتحدة قطعت الماء والكهرباء عن سامراء. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 أفادت الأمم المتحدة عن أعمال قطع أخري للضروريات الحيوية في الفلوجة بحيث أثرت مباشرة في المدنيين (بقي كما نوهنا حوالي 000،50 شخص داخل المدينة) وحرمتهم من حاجتهم الضرورية إلي الماء وحقهم الإنساني في أساسيات الحياة . ولم يكن التزوّد بالضروريات متاحاً ضمن الفلوجة لعدة أيام. كما قطعتها قوات التحالف عن معسكرات المهجرين خارجها، بحسب ما ذكرت الأمم المتحدة. وأفادت الأمم في بداية تموز (يوليو) 2006 أن القوات الأمريكية فرضت حصاراً كاملاً علي الرطبة لمدة أربعة أيام ، تبعه حصارات أخري متقطعة .
وتمارس هذه القوات تلك التكتيكات في الحصار لمعاقبة المواطنين باعتبار أنهم من المؤيدين للمتمردين. وبذلك يتم إجبارهم علي هجر المدينة والضغط عليهم لينقلبوا عليهم. وفي بعض الحالات، تمارس قوات التحالف ضغوطات الحصار كوسيلة للمساومة. وفي الرمادي، هدّدت القوات الأمريكية والعراقية مراراً بقطع المياه والكهرباء والهواتف والخدمات الأخري عن القاطنين إلا إذا سلموا الإرهابيين . وبحسب ما ذكر المقدم حسن الميدان، الناطق باسم عملية النجف: إذا سمحنا بدخول الغذاء والمواد الطبية إلي المدينة فإننا نخدم بذلك المتمردين ، هذا بالرغم من وجود آلاف المدنيين ضمن المنطقة المحاصرة.
وقد أدان هذه الممارسات مقرّر الأمم المتحدة الخاص بالحقّ في الغذاء، جين زيغلر، في تقريره السنوي للجنة حقوق الإنسان الصادر في آذار (مارس) 2005. قال زيغلر في مؤتمر صحافي إن قوات التحالف المحتلة تستخدم التجويع والحرمان من الماء كسلاح حربي ضد السكان المدنيين، واعتبر ذلك انتهاكاً فظيعاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان .
اعتقال الصحافيين ومنع التغطيات
قبل البدء بتهديدات الحصار الأساسية يمنع قادة قوات التحالف الصحافيين كافة من دخول المدن المستهدفة. كما يحظر علي جميع الكوادر الإعلامية غير المرافقة للقوات الأمريكية الاقتراب خلال أوقات المعارك وبعدها بوقت طويل. وأحياناً، يتم منع الصحافيين المرافقين من الوصول. يسمح ذلك لهذه القوات بالتحكم التام بتصوّرات الرأي العام الدولي لما يحدث علي أرض المعركة.
قبل بدء عمليات الجيش الأمريكي في النجف في آب (اغسطس) 2004، طوّقت الشرطة العراقية الفندق الذي يقيم فيه الصحافيون وأمرتهم بمغادرة المدينة وهدّدتهم بالاعتقال إذا لم يمتثلوا للأوامر. وبينما ادّعت قوات التحالف أن منع الصحافيين من الاقتراب هو من أجل حمايتهم، قالت الشرطة إنها ستصادر جميع الهواتف النقالة وآلات التصوير. لقد منعت القوات الأمريكية في الفلوجة جميع الصحافيين المصرح لهم من دخول المدينة. وذكرت التقارير أن الصحافيين وطواقم التصوير اعتقلوا جميعاً وصودرت معداتهم، من دون أي إيضاح، وتم الإفراج عنهم لاحقاً من دون توجيه أية اتهامات لهم.
أدانت منظمة مراسلون بلا حدود، بالإشارة إلي النجف، التعتيم الكلي غير المقبول علي المعلومات ، وأصرت علي أن وجود الصحافيين في المواقع ضروري، حيث ترتكب أسوأ الأعمال الوحشية دوماً في غياب الشهود .
القصف الكثيف
سدّدت قوات التحالف ضربات أرضية وجوية مكثفة إلي المدن، ودمرت آلاف المنازل، والمخازن، والمساجد، والعيادات الطبية، والمدارس. وأدي ذلك من دون شك إلي قتل وإصابة الكثير من المدنيين. والمعروف أن استراتيجية القصف العشوائي الكثيف قبيل الهجمات الأرضية تقلص عدد الإصابات في صفوف التحالف علي حساب أرواح المدنيين العراقيين الباقين في المدن.
وقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست أنه في الفلوجة تحدث مسؤول عن أوضاع التعتيم ووصف 12 ساعة من غارات القوات الأمريكية خلال الليل بطائرات الهليكوبتر وقاذفات القنابل ومدفعية الميدان والمدرعات كـ عمليات تمهيد . ويستعمل قادة الجيش هذا التعبير كاختصار لعمليات تهيئة أرض المعركة والقتال التي تسقط نقاط القوة عند العدو قبل بداية الهجوم .
وفي الهجوم الثاني علي الفلوجة بدأ القصف الجوي في 15 تشرين الاول (اكتوبر)، أي اليوم الأول من رمضان ـ الشهر المقدس عند المسلمين ـ واستمر لمدة ثلاثة أسابيع قبل بدء الهجوم في 7 تشرين الثاني (نوفمبر). أما في النجف، فقد قصفت القوات البحرية الأمريكية المقبرة المجاورة لمرقد الإمام علي الشهير، إضافة إلي مركز المدينة عبر غارات مكثفة من الطيران والمدرعات. وفي الرمادي، استهلت القوات الأمريكية هجومها بقصف كثيف استهدف محطة الكهرباء ومعامل معالجة المياه وأنابيب الشرب. وبالإضافة إلي تدمير المنازل لم تترك أي خدمات أخري تعمل.
وقد دمر قصف القوات الأمريكية مناطق كبيرة من المدن. وأكدت التقارير أن أحياء بأكملها تمت تسويتها بالأرض، وفي مناطق أخري لم يبق سوي هياكل أبنية. وعلقت صحيفة إندبندنت اللندنية: إن الذين شهدوا القصف الصاروخي للطيران الأمريكي علي المجمعات السكنية المزدحمة في مدينة الصدر، ورأوا نتائج المجازر، يتعاملون مع مزاعم دقة الغارات ... بتشكيك عميق .
تتمّ الغارات الجوية والقصف المدفعي عادة بشكل عشوائي من دون تمييز. وهي، وفق دراسة تقدمت بها هيئة إحصاء قتلي العراق ، حول أنواع مختلفة من الأسلحة، تبيّن أن القصف الجوي كان المسؤول الرئيسي عن مقتل أكبر عدد من الأطفال. وبالإضافة إلي القصف المكثف والانفجارات الضخمة، هناك دليل واضح علي عشوائية الهجمات، وخصوصاً استخدام الأسلحة المؤذية والحارقة في الحملات العنيفة والوحشية.
الغارات علي المدن والقناصة
بعد القصف العنيف، تداهم قوات التحالف المسلحة المدن بأرتال من الدبابات والآليات المدرعة. كما تطلق قاذفات الدبابات اللهب علي المباني لتزيد من دمار المدينة.
ويستولي الجنود علي ما تبقي من المباني ويبدأون حملات التفتيش للمنازل التي لم تدمر نهائياً. كما يستخدمون طرقاً عنيفة لدخول المنازل، مثل تفجير المداخل أو تحطيم الجدران بآليات عسكرية.
تعتمد القوات الأمريكية بشكل مطرد علي القناصة لحماية دوريات جنود المشاة. ويقول قادة الجيش إن الاعتماد علي القناصة يحدّد دقة الهدف لتجنب إصابات المدنيين. لكن الحقيقة أن فريق القناصة يصوّب علي أي هدف يتحرك في الشارع أو في الملعب وحتي داخل الأبنية. وكل شخص موجود ضمن المدن المحاصرة يعتبر عدواً.
وباستخدام المناظير الليلية وأجهزة التلسكوب المتطورة، يصوّب القناصة نحو أي هدف متحرك. وربما يكون المستهدف مدنياً يائساً يحاول البحث عن لقمة غذاء أو ماء أو إسعافات طبية، أو يكون فاراً من مبني يتهدم عليه، أو هارباً إلي خارج المدينة. وقد ذكرت صحيفة الغارديان، خلال حصار الفلوجة في نيسان (ابريل) 2004، أن القناصة الأمريكيين أطلقوا النار علي سيارة إسعاف، وسيدة مسنّة تحمل علماً أبيض، ومتطوع كان ينقل مساعدات طبية مشياً وذكرت الأمم المتحدة في تقريرها في آب (اغسطس) 2006 أنّ القناصة أطلقوا الرصاص في حي واحد في الرمادي علي ثلاثة عشر مدنياً انتهكوا حظر التجول، فقتلوا ستة أشخاص وأصابوا سبعة منهم.
مداهمة المرافق الطبية
استهدفت قوات التحالف الخدمات الطبية خلال الهجوم علي المدن. كما صادرت سيارات الإسعاف ودمّرتها، حتي غدت العناية الطبية شبه مستحيلة. وفي الفلوجة دمرت القوات الأمريكية مستشفي للمدنيين بعد أن شنّت عليه غارات جوية كثيفة، واستولت علي المبني ومنعت استخدام سيارات الإسعاف . ثم اعتقلت الكوادر الطبية وأخرجت المرضي. حدث ذلك ثانية عندما بدأت القوات الأمريكية بالتحضير للهجوم علي النجف، فقد اقتحمت مشفي الحكيم واتخذته قاعدة عسكرية لقوات التحالف، ومنعت المدنيين عنه .
وفي صيف عام 2006، خلال الهجوم علي الرمادي، استولت قوات التحالف علي المشفي العام، وعرّضت المرضي للخطر وحظّرت العناية الطبية فيه. وبحسب تقارير الأمم المتحدة، استولي الجنود علي المستشفي الرئيسي لأكثر من أسبوع، من 5 تموز (يوليو) حتي 13 من الشهر نفسه، وبعد الانسحاب منه تركوا أمامه دورية عسكرية. وفي ما بعد، ذكرت تقارير الأمم المتحدة أن القناصة المتمركزين علي سطح مستشفي الرمادي العام والجنود المرابطين في حديقة المشفي أرهبوا المواطنين، الأمر الذي دعاهم إلي تجنب الاقتراب من المستشفي. كما ذكرت التقارير أنه تم احتلال مشفي تلعفر من قبل قوات التحالف لمدة ستة أشهر.
وقد منعت قوات التحالف دخول قوافل المساعدات الإنسانية والطبية إلي المدن. وعرقلت عمل الهيئات الإنسانية التي حاولت تقديم الخدمات الضرورية والمواد والإسعاف للمدنيين. وفي آذار (مارس) 2006، أعادت القوات الأمريكية في سامراء قوافل مساعدات الهلال الأحمر تاركة المئات من العائلات، بمن فيهم الأطفال، من دون المواد الطبية والحاجات الضرورية.
وقد أعلن المسؤول الصحي الرئيسي في النجف، فلاح المعاني، أن الهجمات سببت كارثة حقيقية للخدمات الصحية المحلية، حيث تمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلي المصابين . كما قال إن عاملينا غير قادرين علي الوصول إلي المستشفي، ونحن مشلولون تماماً . نتيجة ذلك، توفي عدد كبير من المصابين، وتضاعفت خطورة إصابات عدد آخر لعدم توفر العناية الصحية. وهذا ما يزيد في تصعيد معدل الوفيات في العراق.
إصابات المدنيين
أدت العمليات العسكرية الأمريكية في المناطق السكانية إلي ارتفاع أعداد القتلي والمصابين. ويقتل الناس نتيجة الانفجارات، وانهيار المباني، والحرائق، وطلقات القناصة، وأسباب عنف كثيرة أخري. وبينما تدّعي قوات التحالف أن معظم ضحايا الهجمات هم رجال في سن القتال، تبيّـن التقارير الموثوقة أن الكثير من ضحايا العمليات العسكرية هم من المدنيين غير المقاتلين، إن لم تكن غالبيتهم. وقد تحدث تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في عام 2005 عن الموضوع بالقول: لم تكن الأمم المتحدة قادرة علي تحديد هوية ضحايا الهجمات العسكرية، لكن التقارير الواردة من منظمات المجتمع المدني والمصادر الطبية وجهات أخري أكدت التعرف علي نساء وأطفال .
وخلال الأسبوع الأول من الهجوم علي الفلوجة في نيسان (ابريل) 2004، قال مدير المستشفي العام، رفيع العيساوي، إن أكثر من 600 شخص لاقوا حتفهم، معظمهم من النساء والأطفال والمسنّين. وفي النجف أيضاً بلغ العدد الكلي للقتلي 570 شخصاً، إضافة إلي 785 شخصاً من المصابين. وقد أُخذت هذه الإحصاءات من المشافي المحلية، ولم تتضمن القتلي الذين دفنوا في البيوت أو أماكن أخري خلال المعارك . وبالاعتماد علي إحصاءات رؤساء القبائل والعاملين الطبيين والشهود المحليين، وجدت صحيفة واشنطن بوست أن عملية الستار الحديدي ، وهي هجوم أمريكي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، شملت قصفاً عنيفاً أدي إلي مقتل 97 مدنياً في الحصيبة، و80 إلي 90 شخصاً في القائم، و18 طفلاً في الرمادي، والكثير من المدنيين الآخرين في المدن والقري المختلفة.
وأعربت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الأخري عن قلقها إزاء تزايد أعداد إصابات المدنيين بسبب عمليات القوات الأمريكية العشوائية العنيفة. إن الاستخدام المتصاعد للغارات الجوية، والذي تضاعف خمس مرات عام 2005، أدي إلي ازدياد أعداد القتلي من المدنيين في المعارك التي تجري في المدن والمناطق الآهلة بالسكان.
التدمير الهائل
أدي القصف الكثيف إلي دمار شامل في المدن التي تعرضت للهجوم، بما في ذلك المواقع التاريخية والأماكن الدينية، إضافة إلي منشآت الماء والكهرباء وتمديدات الصرف الصحي. لقد قامت القوات تحت القيادة الأمريكية بتفجير وتدمير أعداد كبيرة من المباني، إما كجزء من الهجوم أو انتقاماً من المدنيين الذين لا يقدمون معلومات كافية عن المقاتلين.
وفي الفلوجة، أدت عملية غضب الشبح إلي تدمير المدينة حتي أصبحت أشبه بـ مدينة الأشباح . وقد أورد مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو منظمة غير حكومية في الفلوجة، أن الهجمات دمرت حوالي 70 في المئة من المباني والبيوت والمخازن. أما عن نسبة الدمار الحاصلة في النجف، فقد قال وزير الدولة لشؤون الأمن الوطني، قاسم داوود، في مؤتمر صحافي: إنها مرعبة، ومن الصعب تحديد من أين نبدأ . وأخبر مسؤولون في النجف مركز أنباء الأمم المتحدة أنه تم تدمير 72 مخزناً، و50 فندقاً، و90 منزلاً، و3 مدارس، والعشرات من السيارات في الهجوم . كما وقع تدمير هائل للمناطق التاريخية في المدينة القديمة، وبعضها يستحيل ترميمه .
وقد أفادت صحيفة نيويورك تايمز عن عمليات الهجوم علي الرمادي عام 2006 أنه بدلاً من القتال من أجل مركز المدينة، أو إعادة بنائه أرادت قوات التحالف التخلص منه أو من جزء كبير منه علي الأقل . وأوردت صحيفة وزارة الدفاع الأمريكية (ستارز أند سترايبس) أنه تم تهديم ثمانية مربعات من الأبنية علي الأقل. وقد أقر الملازم الأول في القوات البحرية، بن كلاي، الذي شارك في عمليات التدمير في الرمادي: إننا معتادون علي هدم الجدران ودكّ الأبواب والنوافذ، لكن تدمير ما لا يقل عن ثمانية مربعات من المباني أمر جديد علينا .
ومع تعطل الكهرباء والماء والصرف الصحي وتدمير معظم المباني، ستبقي هذه المدن صالحة للسكن بشكل هامشي لزمن طويل، علي رغم ما يعلن عن برامج إعادة الإعمار (التي لا تنفذ علي مستويات عالية).
العمليات العسكرية المشتركة
وانتقادات السلطات العراقية
يصف القادة الأمريكيون علي نحو متزايد العمليات العسكرية ضد المدن العراقية بأنّها عمليات مشتركة بين القوات الأمريكية والعراقية. ويأتي هذا الوصف ضمن جهودهم لجعل الحصار مقبولاً أكثر للعراقيين والرأي العام العالمي. ويعلن رسمياً أن القوات الأمريكية تشكل حماية للقوات العراقية في هجماتها أو أنها عمليات مشتركة. ومع ذلك يقول المراقبون إن القوات الأمريكية هي القائدة دوماً.
في الحقيقة، غالباً ما انتقدت السلطات العراقية وأدانت سلوك قيادة عمليات القوات الأمريكية، بعد أسبوع من المعارك الضارية في آب (اغسطس) 2004، دعا رئيس الوزراء، إبراهيم الجعفري، القوات المتعددة الجنسيات لمغادرة النجف وبقاء القوات العراقية فقط. وقد استقال نائب محافظ مدينة النجف، جودت كاظم نجم القريشي، وتبعه 16 عضواً من مجلس المحافظة (من أصل 30 عضواً) احتجاجاً علي الهجمات الوحشية.
في حالة الفلوجة، ثارت مشاعر الكثيرين والعديد من أعضاء مجلس الحكم العراقي وانتقدوا تلك الهجمات وهددوا بالاستقالة ما لم يوقف الضباط الأمريكيون عملياتهم. واعتبر عدنان الباجه جي، عضو مجلس الحكم العراقي، أن العمليات غير قانونية وغير مقبولة بتاتاً . أما غازي الياور، وهو عضو آخر بارز في مجلس الحكم، فقال: كيف يمكن قوة عظمي مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن تضع نفسها في حالة حرب مقابل مدينة صغيرة مثل الفلوجة؟ .
وفي آب (اغسطس) 2006، انتقد رئيس الوزراء، نوري المالكي، في بيان رسمي علي التلفاز، الغارات الأمريكية ـ العراقية علي مدينة الصدر في بغداد بشدّة، وقال إن عمليات كهذه تنتهك حقوق المواطنين . وقبل أن يعتذر للشعب العراقي، صرح بأنه استُخدم في هذه العملية أسلحة غير معقولة لاعتقال شخص، مثل الطائرات ، ووعد بأن ذلك لن يتكرّر ثانية .
وتدل التصريحات الرسمية علي اختلافات جدية بين القادة السياسيين العراقيين والقادة العسكريين الأمريكيين، وكيف لا تملك الحكومة العراقية المنتخبة السيطرة علي هذه الهجمات العدوانية. غير أنّ البيانات العراقية الرسمية لم توقف القوات الأمريكية عن تكرار هذه الحملات الشرسة حتي في العاصمة بغداد.
قبل بداية الهجوم علي الفلوجة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، كتب الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، إلي الرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير معبراً عن اهتمامه الخاص بأمن وحماية المدنيين . وأضاف أن المعارك تجري في أحياء من المدن المأهولة بالسكان وتشكل خطراً أكيداً علي المدنيين... . بعد ذلك بفترة قصيرة، وخلال حصار الفلوجة، دعت المفوضة السامية لحقوق الإنسان، لويز آربور، إلي إجراء تحقيق في جرائم الحرب المرتكبة. وقد تجاهلت أمريكا وحلفاؤها هذه التحذيرات عن تعريض حياة المواطنين للخطر وجرائم الحرب، واستمرت الهجمات.
يضع القانون الدولي معايير واضحة لسير العمليات الحربية. وتمنع اتفاقيات جنيف الهجمات التي لا تميز بين الأهداف المدنية والعسكرية، أو تحدث تأثيرات غير متناسبة بالمدنيين. لقد انتهكت عمليات قوات التحالف العسكرية هذه القوانين بوضوح من خلال النزوح الجماعي للسكان، والقتل العشوائي للمدنيين، والتدمير الهائل للمساكن والبنية التحتية، بما فيها المواقع الأثرية والأماكن المقدسة. كما انتهكت قوات التحالف مزيداً من أحكام الاتفاقيات من خلال الاستهداف المتعمّد للمشافي، وإيقاف الإعانات الطبية، ومنع المساعدات الإنسانية.
وفي انتهاك آخر لـ إسلوب الحصار تم حرمان المدنيين من الغذاء والماء والكهرباء والمعدات الطبية والخدمات الحيوية. وقد أنزلت تلك الممارسات عقوبات جماعية بالعراقيين. وكل ذلك معاً يمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي.
عبدالله سليمان
Dec 3 2007, 11:37 PM
الفصل السابع
قتـل المدنييـن والأعمـال الوحشيـة
نحن نذهب ونقتل هؤلاء الناس... أنا أُعرف النجاح بأنه متابعة قتل العدو ..
ـ أندرو ديل غاوديو، نقيب في قوات المارينز الأمريكية
في حملة الرد المضاد علي التمرد، وضع قادة التحالف قواعد اشتباك متساهلة من أجل ضمان سرعة استخدام القوة وتقليص الاصابات في صفوف عناصرهم. وتسمح هذه القوانين للجنود باطلاق النار من دون تردد أو قيود في نقاط التفتيش، والحواجز علي الطرقات، وفي أثناء مداهمات المنازل والعمليات الأخري. وقد صَعََدَ من ازدياد الاصابات أيضاً زيادة استخدام القوي الجوية، الموسومة بالعشوائية. ورأي القادة أن قتل العراقيين ـ غير المقاتلين ـ خلال العمليات العسكرية مؤسف، لكن يصعب تجنبه ولا بد منه. هذا المناخ من العنف المفرط أدي الي تصاعد حالات القتل والاغتيال والجرائم الوحشية التي ترتكبها قوات التحالف ضد العراقيين المدنيين.
قواعد الاشتباك
تحدد قواعد الاشتباك التي وضعها القادة العسكريون متي وأين وكيف يمكن الكادر العسكري استعمال القوة . وعلي رغم أن قادة الميدان يضعون هذه القوانين، الا أنها تتطلب موافقة القادة الكبار ـ أو حتي القادة المدنيين ـ عليها. لكن القوانين تترك القرار النهائي في استعمال القوة للجنود في أرض المعركة (أو الطيارين في الجو). ويبقي ذلك مرتبطاً بعلاقة مع امكانياتهم في السيطرة علي النفس، ونقص الخبرة، والاضطراب، والكراهية، والخوف والضغط النفسي.
ونظراً الي الاصابات الكثيرة بين المدنيين، انتقدت منظمات حقوق الانسان قواعد الاشتباك في العراق بشدة. وقد طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش، واتحاد الحريات المدنية الأمريكي، ومنظمة العفو الدولية، وزارة الدفاع بنشر هذه القواعد، لكن الوزارة تحتفظ بها سرياً وتحدد توزيعها. ورد الناطق باسم البنتاغون، لورنس ديريتا، في مؤتمر صحافي، في ايار (مايو) 2005، حين تم الاستفسار عن صور الفيديو لأحد عناصر القوات البحرية الذي أطلق النار علي سجين عراقي جريح في الفلوجة: (نحن لا نناقش قواعد الاشتباك... لكن (الجنود) لهم الحق في الدفاع عن النفس في جميع الأوقات، وهذا مبدأ ثابت في قواعد الاشتباك).
وقد رأت هيومن رايتس ووتش أن المناخ العدائي لا يعفي الجيش من التزاماته في استخدام القوة في حالات محددة ومناسبة وعند الضرورة القصوي . مع ذلك يبدو أن القواعد متساهلة، وهناك تساهلات أكثر في تطبيقها علي الواقع. ويستعمل القادة المحليون حسابات اجمالي القتل وطرقاً أخري لتشجيع التنافس بين الجنود وزيادة قتل العدو . وكانت النتيجة تسارعاً في تصعيد القوة من قبل الجنود، وأعداداً كبيرة من الاصابات بين المدنيين.
حواجز الطرق ونقاط التفتيش
منذ بداية الاحتلال، كثيراً ما كان الجنود يطلقون النار عند نقاط التفتيش ويسببون وفيات بلا مبرر. أما نقاط التفتيش التي لا يراها السائقون مسبقاً فهي الأخطر ـ تلك الموضوعة فجأة أو مؤقتاً، أو في مكان غير متوقع، أو في الليل، أو في الطقس السيئ، أو علي الطرقات المتعرجة حيث الرؤية مشوشة، وفي هذه الحالة قد تكون قاتلة، اذ لا يري المدنيون القادمون نقطة التفتيش ويعرفون بوجودها الا عندما ينهمر وابل الرصاص أو يواجهون نيران أسلحة ثقيلة. وبالنسبة الي الجنود، تمثل المركبات القادمة تهديداً محتملاً لهم. لذا فهم يطلقون النار عند أي اشتباه.
غالباً ما يقول الجنود انهم يطلقون النار باتجاه المركبة لتعطيلها. لكن التقارير تبين أن التصويب يتم علي السائق والركاب مباشرة، اذ يُعتقد (غالباً خطأ) أنهم أشخاص معادون. كان وليد فايع مزبان يقود سيارته مع عائلته في البصرة، في آب (اغسطس) 2003، عندما سقط ضحية حاجز علي الطريق. كانت الساعة حوالي 8.30 مساء، وكان الظلام شديداً بسبب انقطاع الكهرباء. وقد دارت السيارة عند التقاطع قريباً من نقطة تفتيش مؤقتة بريطانية، فاشتبه بها الجنود وصرخوا بالانكليزية قف . وعندما لم تتوقف السيارة أطلقوا عليها الرصاص من الخلف. لم يكن وليد يفهم اللغة الانكليزية، وربما لم يسمع الأمر، فتوفي نتيجة اصابته بعدة طلقات.
وقد أثار حادث الصحافية الايطالية، جوليانا سغرينا، موضوع العنف عند نقاط التفتيش علي الملأ، ففي 4 آذار (مارس) 2005، بعد مفاوضات المخابرات الايطالية مع خاطفيها للافراج عنها، كانت في طريقها الي مطار بغداد برفقة ضابط عالي المستوي من المخابرات الايطالية، نيكولا كالباري. وعند اقتراب السيارة من المطار أبلغ السائق الايطالي القوات الأمريكية بالهاتف لتسمح له بالمرور. لكن فجأة أطلق الجنود الأمريكيون، من حاجز مؤقت، النار من بنادق عيار 50 م.م. علي أعلي السيارة، فجرحت سغرينا وقتل كالباري. وقد سبب الحادث احتجاجاً كبيراً في ايطاليا، وطالبت الحكومة بالتحقيق في ذلك. وقد تبين أن الحاجز المؤقت أقيم يومها لأن السفير الأمريكي، جون نيغروبونتي، كان يتناول العشاء مع الجنرال جورج كيسي، قائد القوات الأمريكية في الحي المجاور. وقد اعتذرت السلطات الأمريكية، لكنها لامت السائق الايطالي لسرعته في القيادة وعدم وقوفه، وعدم اعطائه معلومات كافية عن اتجاه سيره وقال الايطاليون ان السرعة لم تكن تتجاوز 25 ميلاً في الساعة، وان السائق لم يرَ الحاجز الا في اللحظة الأخيرة، وقد أعلم السلطات بجميع المعلومات اللازمة. وعلي رغم ذلك لم تتخذ أية اجراءات رسمية بشأن التنبيه عن وجود حواجز علي الطرقات، وقام القادة الأمريكيون بتبرئة الجنود المتورطين في هذه الحوادث. وقد غطي الاعلام الحادث مطولاً، واستمرت الانتقادات أسابيع. كما ان صحافيين وموظفين اعلاميين آخرين قد قتلوا أو لحقت بهم اصابات في حوادث نقاط التفتيش.
أصدرت هيومن رايتس ووتش بياناً شديد اللهجة ينتقد اطلاق النار علي الحواجز، ذكرت فيه أن العديد من المدنيين العراقيين وغيرهم يقتلون بلا مبرر لأن قوات التحالف لا تأخذ الحيطة الكافية. وقد حثت منظمات حقوق الانسان القادة العسكريين علي تقليص القتل علي الحواجز عن طريق وضع تحذيرات مسبقة ـ اشارات دائمة باللغة العربية، وعوائق تجبر المركبات علي تخفيف السرعة (مثل المطبات أو المخروطات المطاطية)، وأضواء براقة وخطوط علي الطريق.
وقد أشار خبراء حقوق الانسان الي أن الطلقات التحذيرية غير مجدية وخطيرة أيضاً، لأن السائقين يخطئون أحياناً ويعتبرونها نيراناً عدوة، فيسارعون بالفرار للنجاة. وقد اعتمد القادة الأمريكيون العديد من الاقتراحات، واتخذوا اجراءات أفضل، لكن الجنود نادراً ما يطبقونها واستمر القتل عند نقاط التفتيش، وما زال الاعلام يكتب عنها بانتظام.
تفتيش المنازل
تقوم قوات التحالف بتفتيش المنازل بشكل دوري بحثاً عن المقاتلين المتمردين والأسلحة المخبأة. وتستخدم هذه القوات عادة العنف المبالغ فيه لمداهمة البيوت ـ اطلاق الرصاص علي أقفال الأبواب، ووضع قنبلة أو رمانة يدوية خارج الباب، أو هدم الجدران الأمامية بالآليات العسكرية. وخلال الشهرين الأولين من عملية معاً الي الأمام آب (اغسطس) ـ ايلول (سبتمبر) 2006، حطمت القوات الأمريكية والعراقية أكثر من 1100 باب، و35 نافذة، و1350 قفلاً في بغداد وحدها.
عادة ما يتم التفتيش في حالة توتر قصوي، اذ يصدر الجنود الأوامر باللغة الانكليزية التي لا يفهمها أفراد العائلة. ويُداهم الجنود الغرف بزخات نيران البنادق أو قذف قنبلة يدوية. وقد أدي تفتيش منزلين في حديثة الي مقتل 15 مدنياً. ويعتقد الجنود في بعض الأحيان أن المنزل منطقة نيران حرة ، وربما يعطي قادتهم الأوامر بأن يطلقوا النار أولاً ثم يسألون لاحقاً . هذه الأساليب أدت الي مقتل العديد من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
الدوريات
تطلق قوات التحالف خلال الدوريات النار روتينياً علي العراقيين الأبرياء خوفاً من أن يكونوا متمردين. وقال شاهد عراقي في مقابلة مع الاذاعة البريطانية (بي بي سي) ان الدوريات الأمريكية قتلت وأصابت العديد من المدنيين عرَضاً . كما ذكر عدة أمثلة. وفي الأنبار قتل حوالي 100 شخص بهذه الطريقة خلال العام الفائت . وبحسب تقديرات الشرطة العراقية في بغداد، قتلت القوات الأمريكية 33 مدنياً غير مسلحين، وجرحت 45 في العاصمة بين 1 ايار (مايو) و12 تموز (يوليو) 2005.
ونتيجة الخوف المستمر من الكمائن، يبادر الجنود باطلاق النار أولاً. وفي كل قافلة، يقف جندي واحد علي سقف سيارة همفي مستعداً لاطلاق النار علي أي سيارة تقترب مسافة تقل عن 100 ياردة. وفي حزيران (يونيو) 2005 وصل صلاح جمور الي بغداد مع أخيه لزيارة عائلته. كان يقود السيارة ولم ير القافلة العسكرية الأمريكية تدخل الطريق العام. وفجأة، انهار خلف المقود لاصابته برصاصة في رأسه. وقال أخوه انه لم يكن هناك أي تحذير أو اشارة لتخفيف السرعة.
ان هذا النوع من الحوادث ليس نادراً في العراق، ويشكو العراقيون من أنهم غالباً ما لا يفهمون الاشارات أو لا يرونها الا متأخرين بعد أن يكون الرصاص قد بدأ بالانهمار. يشعر الجنود خلال الدوريات الليلية الراجلة بتوتر أكبر من احتمالات السيارات المفخخة أو القنابل علي الطرقات. وفي حالة منع التجول، يوقف الجنود جميع المركبات وهم يصرخون بالانكليزية، ويطلقون الرصاص التحذيري. لكن غالباً ما لا يراهم السائق في الظلمة، ولا يفهم صياحهم في حال سمعه. وفي كانون الثاني (يناير) 2005 وقع حادث مروع قام بتوثيقه المصور الصحافي كريس هوندروس، اذ أطلقت دورية جنود أمريكية راجلة النار علي سيارة قادمة تقل عائلة عراقية، صرخ جندي أمريكي أوقف السيارة! ، وفي الوقت نفسه أطلق جندي آخر رصاصاً تحذيرياً. لكن السيارة لم تقف في الحال. وخلال ثوانٍ انهمرت عليها أمواج من الرصاص حتي توقفت، ثم نُقل ستة أطفال الي الاسعاف وتوفي الوالدان.
السير علي الأقدام ليس أكثر أماناً من ركوب السيارة في الليل. وقد سجلت منظمة العفو الدولية حالة شخصين غادرا منزلهما في المجدية وذهبا الي الشارع ليريا ما حصل بعد أن سمعا طلقات نارية في الليل. بعد دقائق سقطا جثتين هامدتين بسبب اطلاق الرصاص عليهما خطأ من قبل دورية انكليزية. أصيب أحد الرجلين بسبع طلقات في صدره ومعدته، والآخر بخمس طلقات في ذراعه الأيمن وقدمه اليمني وصدره وتحت بطنه. وقال الجندي لوالد أحد القتيلين: أنا متأسف، كان هناك خطأ. انني أعتذر ، ثم برر فعلته بالقول: الظلمة لم تسمح بالرؤية، وتسرع أحد أصحابي. انني متأسف .
الغارات الجوية
تلجأ القوات الأمريكية الي الغارات الجوية بشكل متزايد لتقليل اصابات جنودها وتقليص المخاطر في العمليات الأرضية. وبحسب احصائية من مصادر عسكرية، ارتفعت الغارات الجوية خمسة أضعاف من كانون الثاني (يناير) الي تشرين الثاني (نوفمبر) 2005. وتبيـن التقارير الرسمية أن القوات الجوية الأمريكية والبريطانية نفذت 10.510 مهمة طيران مساعدة في عام 2006. وهذا الرقم لا يتضمن جميع أشكال العمليات الجوية الهجومية الأخري.
وفي آذار (مارس) 2007 أفاد البنتاغون عن 327 مهمة طيران في أسبوع واحد، أي حوالي 48 مهمة يومياً ـ وهو معدل يزيد 50 في المئة عن العام السابق. وقد تسببت كثافة الحرب الجوية في ازدحام الحركة الجوية بحيث جهزت القواعد الجوية الأمريكية في العراق بأنظمة انارة وتحكم جديدة تمكنها من العمل علي مدار الساعة.
وعلي الرغم من أن القوات الجوية تزعم أنها تستخدم الذخيرة الدقيقة التوجيه تجنباً لاصابة المدنيين، فانها تصوب الأسلحة الأوتوماتيكية علي المنازل والشقق السكنية وتقتل وتجرح روتينياً العديد من المدنيين الأبرياء. وتستخدم الهجمات الجوية أيضاً قنابل تسقط بفعل الجاذبية وصواريخ لا يمكن الزعم بأنها دقيقة. وغالباً ما تكشط الطائرات الأرض بنيران المدافع الرشاشة ذات العيار الثقيل.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، نفذت قوات التحالف هجمات جوية في محافظة الأنبار، ولم تعلن القوات الأمريكية عن أية اصابات بين المدنيين. لكن صحيفة واشنطن بوست ذكرت عن شهود عيان وأطباء أن العديد من المدنيين قتلوا، بمن فيهم الأطفال، نتيجة الهجوم الجوي. وفي الشهر نفسه، نفذت قوات التحالف غارة جوية علي القائم ضد منزلين لارهابيين من تنظيم القاعدة . وبينما زعمت القوات العسكرية أنها تعمل علي أساس عدة مصادر استخباراتية، ذكرت شبكة الأخبار الاقليمية للأمم المتحدة أن العشرات من المدنيين، من ضمنهم نساء وأطفال قتلوا نتيجة الغارة. وفي كانون الثاني (يناير) 2006، استهدفت الطائرات الحربية مزرعة في بيجي، فقتل تسعة أشخاص أبرياء من عائلة واحدة، بينهم نساء وأطفال.
من المعروف أن الجيش الأمريكي لا يقوم باحصاء وفيات المدنيين نتيجة الهجمات الأمريكية، زاعماً أن القيام بتقصي أعداد الوفيات الناتجة من الهجمات غير عملي في المناطق الخطرة .
لكن يتضح من التقارير الاخبارية ودراسات معدل الوفيات أن الرقم بات ضخماً. وبحسب دراسة هوبكينز لنسب الوفيات تبيـن أن 13 في المئة منها حدثت نتيجة العمليات الجوية لقوات التحالف، أي ما يعادل اجمالي 78.000 شخص خلال شهر حزيران (يونيو) 2006. ولا يتردد القادة العسكريون أبداً في اصدار الأوامر بتكرار الهجمات الجوية القاتلة.
جرائم القتل والقتل المتعمد
قليلاً ما اعترف الجنود الأمريكيون بقتل المدنيين العراقيين عمداً في الظروف العادية. ويعزون معظم جرائم القتل الي السلوك المهدد للضحايا. لكن عدداً من الحالات برزت الي دائرة الضوء حالياً.
لقد وقعت في حديثة حادثة معروفة في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، حيث ساد الهياج في مجموعة من قوات المارينز اثر انفجار قنبلة علي ناصية الطريق قتلت واحداً منهم. وفي بداية الأمر، قام قائد المجموعة بقتل خمسة شبان غير مسلحين صادف مرورهم من هناك في تاكسي بعدها أغارت المجموعة علي المنازل المجاورة، وأطلقت النار عشوائياً، وقتلت المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال. وقد قتل 24 عراقياً، بينهم عشر نساء وأطفال ورجل مسن مقعد علي كرسيه. وزعم الجنود أنهم كانوا يصدون هجوماً مدبراً من قبل المتمردين، وأكد محاميهم أن فعلتهم كانت استخداماً للقوة القاتلة المبررة . لكن معظم الدلائل وشهادات المحكمة تشير الي أن المدنيين كانوا عزلاً من السلاح، وأن الجنود قتلوا العراقيين بدم بارد، ثم حاولوا التخلص من الأدلة التي تدينهم، ومن ضمنها تسجيلات مكتب القيادة وفيلم مصور من الجو. ومثلما حصل في أبو غريب، وصف المسؤولون الأمريكيون مجزرة حديثة بأنها حالة فردية من سوء التصرف. لكن الحادث قاد الي اكتشاف أعمال وحشية أخري أكدت أنها جزء من عنف منهجي مفرط ومستهتر سائد بين جنود التحالف.
في المحمودية وقعت مجزرة أخري في 12 آذار (مارس) 2006 حين كان أربعة جنود في نقطة تفتيش جنوب بغداد يشربون الكحول. ثم غيروا زيهم العسكري وارتدوا ثياباً مدنية وساروا نحو منزل مجاور تسكنه عائلة الجنابي. تركوا واحداً منهم للحراسة علي الباب، ودخل البقية الي المنزل. فقتلوا الوالدين وابنة في الخامسة من عمرها، ثم اغتصب اثنان منهم الابنة الأكبر، عبير قاسم الجنابي، وعمرها 14 عاماً، وقتلاها أيضاً. ووجدت الفتاة عارية وقد احترقت أجزاء من جسدها. ولعلهم أحرقوها لتمويه جريمة الاغتصاب واخفاء الأدلة. وبحسب التصريحات الرسمية للشرطة الفدرالية، حاول الجنود التحرش بالفتاة قبل أسبوع من الهجوم. وهناك احدي الحالات التي تورط بها الخبير، جيمس باركر، قدمت للمحاكمة وتلقي المتهم حكماً بالسجن لمدة 90 عاماً. قال باركر للمحكمة: لكي أعيش هناك، وأبقي علي قيد الحياة، أصبحت مشحوناً بالغضب واللؤم. لقد أحببت أصدقائي، ورفاق السلاح وقادتي، لكنني بدأت أكره كل الناس الآخرين في العراق .
والاسحاقي تلت المحمودية بعد ثلاثة أيام، في 15 آذار (مارس) 2006. لقد هاجم عناصر من قوات المارينز الأمريكية منزلاً في مزرعة تبعد حوالي ثمانية أميال شمال مدينة بلد، بعد تلقي معلومات استخبارية عن وجود أحد المتمردين. وقد ساهمت طائرة هليكوبتر حربية باطلاق نيرانها علي المنزل اضافة الي المهاجمين. وزعمت بعض البيانات أن نيراناً مضادة كانت تطلق من المنزل الذي داهمته القوات الأمريكية. وتبين بحسب تقرير لمركز الشرطة العراقي المشترك، بناء علي تقرير تحقيق الشرطة المحلية، أن القوات الأمريكية دخلت المنزل و جمعت أفراد العائلة في غرفة واحدة وأعدمت 11 شخصاً، بينهم خمسة أطفال، وأربع نساء ورجلان. ثم فجرت المنزل، وأحرقت ثلاث مركبات وقتلت حيواناتها . كان بين الذين قتلوا امرأة في الخامسة والسبعين من عمرها ووليد عمره ستة أشهر.
والحمدانية حالة مروعة أخري حصلت في 26 نيسان (ابريل) 2006، فقد اقتاد فريق من المارينز الأمريكي وجندي بحار رجلاً عراقياً، هاشم ابراهيم عوض، معاقاً وأعزل من السلاح، من بيته الي منطقة معزولة. ثم قيدوا يديه وقدميه، وتناوبوا علي اطلاق الرصاص عليه. كان الفريق كامناً لأحد المتمردين، وعندما لم يظهر، قرروا قتل أي عراقي آخر عوضاً عنه، فدخلوا الي بيت عوض، وسحبوه خارجاً، وبدأوا بتكرار اطلاق النار علي رأسه وصدره. وبعد ذلك رتبوا مسرحية عن قتل أحد المتمردين. وفي 21 حزيران (يونيو) 2006، اتهم الجنود بالقتل المتعمد، والخطف، والتآمر، والادلاء بمعلومات كاذبة في التحقيق. وقال أحد المشتركين في العملية، نلسون باكوس، الذي شهد ضد الآخرين في بداية المحاكمة: لم أصدق أنهم سيرتبون خطة كهذه... لم يكن ثمة أي مبرر لذلك... لقد عرفت أن ما نفعله كان خطأً .
يشير القادة العسكريون والمحاكم بشكل منهجي الي أن ما حصل في الحديثة والمجازر الأخري هي حوادث فردية. لكن العدد الضخم من هذه الحوادث يبين أن الممارسات الوحشية منهجية وتعكس ثقافة عنف مفرط، غالباً ما يتغاضي القادة عنها.
التغطية علي الجرائم
في معظم حالات السلوك الوحشي والقتل، يحاول الجنود المتورطون التغطية علي عملياتهم لاخفاء جرائمهم. كما ان القادة العسكريين غالباً ما يتجاهلون الأدلة البينة، ولا يكترثون بمتابعة الحوادث، حتي الخطيرة منها، ويقدمون بيانات تبرئة للمرتكبين. وفي حادثة الحديثة، أصدرت قوات المارينز خبراً صحافياً في اليوم التالي، ادعت فيه مقتل العديد من العراقيين بسبب انفجار قام به المتمردون، وهي رواية مخالفة تماماً لأقوال الشهود. وعلي الرغم من الاصابات الكثيرة بين العراقيين، لم تقم الادارة العسكرية بتقصي الموقع، واختارت الاعتماد علي تقارير الجنود أنفسهم. واكتشف المحققون في ما بعد اختفاء التقرير الحقيقي والفيديو الذي تم تصويره من الجو. ويبدو أن مرتكبي الجرم أنفسهم أو المتآمرين معهم أخفوا الأدلة أو أتلفوها.
بالاضافة الي ذلك، قدم المتورطون في