يحكى أن .....رجلا كان يعيش في مزرعته وله ثلاثة أبناء قد قسم العمل بينهم وانفرد بإدارتها وكان لهم جيران لا تربطهم معه إلا الحدود التي بين مزارعهم, وكان كل منهم ينظر للأخر بنظرة الحسد والطمع والحلم بالاستيلاء على هذه المزرعة نظرا لدخلها الكبير ولقوة صاحبها كانوا يخافون من مجرد التدخل في شئونه وكانوا يخالفون ما في قلوبهم من الحقد بالتودد له ولأبنائه وكان لا يخفي هذا الأمر عنهم.
وفي يوم اسود مات الرجل تاركا المزرعة لأبنائه على أمل أن يديروها كما علمهم وكما تركهم , ولكن تسلطت الأنانية عليهم وصار كل واحد منهم يطمع بان يأخذ المزرعة له وحده ولأبنائه خاصة ولو أدى هذا الأمر لتشغيل إخوته كالعبيد عنده واختلفوا في من يأخذ المزرعة حتى تدخل احد جيرانهم وأعطاهم فكرة التقسيم وكل في ما كان يعمل به والمكان الذي يسكنه , فوافقوا على الفور إلا الأخ الصغير حيث انه كان مسئولا عن مضخة الماء وكان يسكن بجانبها أما الإخوان الكبيران فقد كانوا يسكنون في المزرعة وكانت بالمناصفة بينهم فغرهم المحصول ولما يدره من أموال واجبروا أخاهم الأصغر على القبول لقوتهم ولكثرة أبنائهم الذين خلفهم.
قسمت الأرض وذهب كل واحد إلى أرضه ووضعت الحدود حتى لا يبغي احد على ملك احد وظل الأخ الأصغر في حيرة فالمحصول على وشك الحصاد ولا يملك ما يعيل به أسرته.
فانتظر حتى تم الحصاد وذهب لإخوته ليطلب منهم بعض المحصول ليقتات به وأولاده فكان ردهم جارحا وبحقهم أن لكل أرضه التي قسمت عليه بالحق ورجع إلى بيته مكسورا ضائق الصدر معدم الحيلة لا يدري كيف يعيش وأبنائه لبقية السنة.
فلما رؤاه احد جيرانه جاءه وسأله فلما اخبره ما حصل بينه وبين إخوته قال له لا تحزن ونحن كلنا بشر ويجب أن نحس يبعضنا البعض وأعطاه بعض الدقيق وليس الحنطة بل دقيقا جاهزا حتى لا يتعب في طحن الحبوب وشكره واستغرب كيف كان أبوه يسبه ويلعنه وقال ربما تغير وربما حن لحالي فقد رأف بي وأنقذني أنا وأبنائي فيجب علي أن لا أنكر معروفه .
واخذ الجار يمول الأخ الصغير حتى بدا موسم الزراعة ,فاتاه وقال له أنت تملك الماء وأنا أفكر بان ازرع الناحية المقابلة لمزرعتي وارجوا أن تمدني بالماء وسوف ادفع لك حقه , فرد عليه بأنه لا يستطيع أن يمده بالماء نظرا لأنه وحيد ولا يستطيع الالتزام بهذا الاتفاق الضخم , فقال له الجار انه سيبعث إليه من يساعده ويستخرج الماء عنه وان كل ما عليك هو أن تقبض النقود مني وأنت مرتاح, فرح الأخ الأصغر وابرم العقد معه .
في صباح اليوم التالي طرق باب الأخ الأصغر فلما فتح الباب وجد إخوته الذين تناسوا وجوده وعائلته طيلة العام فرحب بهم وأكرمهم وعجبوا لوجوده في بحبوحة فسألوه عن السبب فقال انه ابرم العقد مع الجار الفلاني , فانزعج الإخوان وتغيرت نظراتهم ونبرات صوتهم وقالوا له ألا تذكر تحذير أبانا من هذا الرجل وإلا تذكر ما فعله أجداده؟و,فتجادلوا في الموضوع طويلا بغير فائدة وكل مقتنع برأيه , فلما وضع الطعام قال الإخوان لأخيهم أنهم يريدونه أن يمدهم بالماء لان وقت الزراعة قد حل ولا زراعة من غير ماء , قال الأخ الأصغر: أنا موافق ولكن يجب أن تدفعوا لي حق الماء لأنه هو مصدر رزقي الوحيد وهو ما أعيش به فقالوا أتريد أن تأخذ أجرا من إخوتك وتجادلوا حتى توصلوا إلى اتفاق بأنه سيكون سعر الماء لهم اقل من غيرهم فقالوا أنهم لا يملكون المال الآن وان لم يمدهم بالماء لن يستطيعوا أن يزرعوا فوافق على إقراضهم ووافقوا مجبورين إذ لا حل غير ذلك.
كبر الإخوة المنفصلون وكل منهم يحكي لأبنائه القصة من طرفه هو فعندما كبر الأبناء , وماتت بعض قيم الدم والأخوة والجيرة والأصل , أصبحوا يعيرون بعضهم كلن على ما حصل معه بالسوء حتى اشتد الأمر ووصل إلى العراك وتدخل الجيران ولكن بغير فائدة فكانت الغلبة للكثرة من أبناء الأخوين الكبيرين فطردوا الأخ الأصغر من أرضه ولم يجد بدا من أن يذهب إلا إلى رئيس عصابة بالجوار ليطلب منه العون ولكن هذا الرئيس كان من المرتزقة ووافق على أن يرد له أرضه ولكن بإتاوة تدفع في وقتها فوافق مغلوبا على أمره ورجع واسترد أرضه ولازال الإخوة الأشقاء إلى اليوم يتعاركون فيما بينهم على مرأى أعدائهم الذين اختار كل منهم واحدا من الإخوة ليكون بالظاهر في صفه وبالباطن ليضحك عليه , فتجد هذا يدفع المال الذي يدره عليه الماء لحمايته وتجد ذاك يصرفه على التسلح مسببا جوعه أهله وتجد ذاك يصرفه على فرض معتقداته إلى أن أصبحوا أضحوكة البلدة وسبب قلقها وصارت توضع الاجتماعات لمحاولة فض الخلاف الناشب بينهم ولازال الإخوة الأشقاء إلى الآن غير متفقين .