ادخال فيروز في المعركة السياسية اللبنانية مالك التريكي
yesterday's story
يحكي أن مقاتلي أحد فريقي الحرب الأهلية الإسبانية ألقوا القبض علي مسلح ارتابوا في أمره بعد أن رأوه متمترسا علي سطح بناية وهو يصوب مدفعه الرشاش في حركة دائرية مطلقا نيرانه كيفما اتفق في كل اتجاه، ولما سألوه مع أي الجانبين أنت؟
قال: لست مع أحد. فقيل له: وفيم قتالك إذن؟ فأجاب: إني أقاتل لحسابي الخاص!
هذه الحكاية مؤاتية جدا لتلخيص المسار السياسي للزعيم اللبناني السيد وليد جنبلاط. فقد تنقل الرجل بين كل المواقع واتخذ بالتعاقب، وأحيانا بالتزامن، جميع المواقف، ثم راح يسدد نيرانه كيفما اتفق حتي لم يبق له إلا السيدة فيروز يرميها بالمستدق من حصي القول السياسي، مجاريا في ذلك مواقف لسياسيين لبنانيين آخرين استنكروا عليها غناءها في دمشق.
وإذا كان من المفيد التذكير، في مطلق الأحوال، بأن الخصومة بين الأنظمة العربية ما كانت لتقف حائلا بين الفنان وجمهوره في أي بلد عربي (ولو لا ذلك لما كان لكوكب الشرق مثلا أن تغني في تونس عام 8691 في أوج فترة الخصومة بين بورقيبة وعبد الناصر)، فإن الأهم هو التنويه إلي أن ما تعنيه فيروز بالنسبة لجميع العرب لهو من الجلاء بحيث أن وسيلة إعلام غربية مثل نيوزويك قصدت رأسا بيت القصيد عندما كتبت عام 1987 عن حميمية العلاقة بين فيروز والأمة العربية، حيث أنها تعبر عن أفراح هذه الأمة وأتراحها .
هذا المعني هو من النصاعة بحيث أوحي لمحمود درويش نصا (أذكر أني قرأته في جريدة القبس الكويتية عام 1986) عن منزلة الأغنية الفيروزية في الضمير الثقافي العربي، وعن نبل رسالتها الإنسانية التي يصفها بأنها توق إلي إلغاء العدو من العلاقات بين البشر.
هذا المعني هو من البداهة بحيث كنا كثيرا ما نقول، تأسيا، مع زميلنا المذيع الفلسطيني الفذ ماجد سرحان رحمه الله بأن لم يبق ما يجمعنا، في زمن الفرقة المديد هذا، فيجعلنا أمة واحدة سوي حب العربية وحب فيروز، نعشق لغة الضاد ونبر من يبرها. ونحب فيروز ونهنئ النفس علي أن الذوق العام قد اصطفاها حتي صارت هي ذاتها صلاتنا الصباحية نجدد مناهل الوجدان بصوتها المستصفي من التبر والسلسبيل.
كان مما نقوله آنذاك تأسيا أن كل شيء ربما سينهار (وها انه لم يبق بعد عقدين من هذا الكلام سوي الانهيار سيدا مطاعا يتفقد خرابه كل يوم بمزيد من الخراب) لكن ما يجمعنا وسيبقي يجمعنا سواء قامت في بلاد العرب أنظمة وطنية أم لم تقم، وسواء زين لصدام حسين سوء عمله بالتورط العبثي في الحرب مع إيران ثم في احتلال الكويت أم أن أوهامه الستالينية قد صادفت أحلاما نابوليونية لدي الجماهير التي تيتمت منذ 1967 يتمين متزامنين في الكرامة والزعامة، وسواء حافظت الكيانات القطرية القائمة علي البقاء أم تشرذمت واحدة تلو الأخري عودا أعرابيا علي بدء جاهلي، وسواء سلك العرب طريق الوحدة أم لم يسلكوا، وسواء كنا نحن أمة العرب عقلاء أم مجانين في ركضنا الوحشي في برية الحلم الذي أتقنه روسو إتقانا حتي الهلاك: حلم السعادة بالسياسة... وسواء تمادت الدنيا، التي يسمونها الأسرة الدولية ، بأسرها في الظلم المطبق حسب الأصول أم أخطأت فأنصفت ذات مرة عن غير قصد، فإن ما يجمعنا وسيبقي يجمعنا من المحيط إلي الخليج هو الانتماء لوطن ثقافي هو اللغة العربية والحنين إلي حضن فني هو صوت فيروز.
ننتمي لوطن اللسان العربي المبين فنحب أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وشكيب أرسلان ليس رغم كلاسيكيتهم الأخاذة بل بسببها. ولو قيض لنا أن تسألنا البريطانية (سو لولي) مثلما كانت تفعل آنذاك في برنامجها الأسبوعي في راديو 4: أي الكتب تريد أن يكون معك لو انقطعت عن الدنيا في جزيرة قفراء؟ لأجاب معظمنا: المصحف الشريف، أو ديوان أبي الطيب، أو أبي العلاء، أو كتاب الأغاني، أو الإمتاع.
ونحن إلي حضن فيروز الفني لأنها ليست من الفنانين المتميزين الذين يملؤون علي الجمهور حياته ويؤثثون أوقاته فحسب. ذلك أن هؤلاء الفنانين مهما بلغوا من أهمية في حياة الأفراد فما هم ببالغي المكانة السامقة التي تتبوأها الطبقة التي تنتمي لها فيروز، أي طبقة العظماء الذين يلبون أخلص الحاجات الروحية، ويبينون عن المكنون في ضمائر الأمم.
فيروز صوت فدرالي عروبي أكبر، بقيمته الوحدوية، من مجموع مكوناته القطرية: ملك ثقافي مشاع فليس يملكه أحد.
وأيا كان الأمر، فهل تصدقون أن هنالك علي وجه الأرض فعلا من يطلب من فيروز ألا تغني؟!
9