أبو عمرو الأوزاعي واسمه عبد الرحمن بن عمرو
والأوزاع بطن من همدان. كذلك ذكره محمد بن سعد. وقال البخاري في تاريخه: الأوزاع: قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس.
عبد الرحمن بن عمرو .. ولد سنة ثمان وثمانين وسكن بيروت ومات بها عام سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر وهو ابن سبعين سنة وقال علي بن المديني وتوفي الأوزاعي سنة إحدى وخمسين ومائة
ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع يتيمًا في حجر أمه, وانتقل من بلد إلى بلد, وتأدب بنفسه.
قال ابن كثير: لم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار والعلماء وغيرهم أعقل منه ولا أكثر أدبًا ولا أورع ولا أعلم ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم ولا أكثر صمتًا منه , وما تكلم بكلمة إلا تعين على السامع من جلسائه أن يكتبها عنه من حسنها.
وقد عرف الإمام الأوزاعي بتطبيقه لعلمه الذي علمه وبجهاده باللسان والجنان والسنان , وبكونه شوكة في حلوق المبتدعة والمتطاولين على الصحابة وأهل السنة .
- كنز العلم ونبع الحكمة ..
لقد كان الأوزاعي رحمه الله سيد العلم في زمانه ومركز الفقه والحكمة , قال ابن كثير: ساد أهل زمانه في بلده وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الإسلام.
أدرك خلقًا من التابعين كثيرًا, وحدث عنه جماعات من سادات أهل السنة والجماعة كمالك بن أنس والثوري والزهري وهو من شيوخه, وأثنى عليه غير واحد من الأئمة وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته.
وقد كان إماما يقتدى به ومنبعا يستقى منه العلم والعمل معا , قال مالك: كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به , وقال سفيان بن عيينة: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه.
وقد كان العلماء والأئمة يكبرونه ويجلونه أيما إجلال فيما بينهم , يقول ابن كثير: وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله ومالك بن أنس يسوق به,
والثوري يقول: افسحوا للشيخ, حتى أجلساه عند الكعبة, وجلسا بين يديه يأخذان عنه.
وقال ابن كثير: وقد تذاكر مالك والأوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر, ومن العصر حتى صليا المغرب, فغمره الأوزاعي في المغازي, وغمره مالك في شيء من الفقه , قال هقل بن زياد: أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة بـ[حدثنا وأخبرنا] , قال أبو زرعة: روي عنه ستون ألف مسألة
- يوصي بالسُنّة وأهلها وبالصحابة وتوقيرهم وإجلالهم
فقد روى عنه الذهبي أنه كان يقول ويوصي الناس في المجالس والمساجد والتجمعات : عليكم بآثار السلف وإن رفضكم الناس, وإياكم وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه.
ونقل ابن الجوزي أنه كان دوما ما يقول مادحا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عنهم فليس بعلم ,
فهم المصباح المنير والنور المستطير
ونقل ابن كثير وغيره عنه أنه لطالما كان يوصي بالسنة وأهلها ويقول : اصبر على السنة, وقف حيث يقف القوم, وقل ما قالوا, وكف عما كفوا.
عبادة المتبتلين وخشوع السابقين
لقد جمع الأوزاعي رحمه الله في عبادته لربه بين شتى أنواعها وصنوفها سواء إخلاص العمل أو شفافية النصيحة أو بذل الجهد بالمال والوقت والجسد أو رقة القلب ودفق العين ..
بل كان معطاء في سلوكه كله فكأنما حياته كلها صارت عبودية خالصة امتثالا لقوله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين "
قال ابن عساكر: كان الأوزاعي رحمه الله كثير العبادة حسن الصلاة, ورعًا ناسكًا طويل الصمت.
و قال ابن عجلان: لم أر أحدًا انصح للمسلمين من الأوزاعي , وقال: ما رؤي الأوزاعي ضاحكًا مقهقهًا قط ,
وقال الواقدي: قال الأوزاعي: كنا قبل اليوم نضحك ونلعب, أما وقد صرنا يقتدى بنا فلا نرى أن يسعنا ذلك وينبغي أن نتحفظ.
وقال ابن كثير: كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه , قال أصحابه: ما رأيناه يبكي في مجلسه قط, وكان إذا خلى بكى حتى يرحم ,
وكان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم, وكان له أكثر من سبعين ألف دينار - ورثهم - فلم يمسك منهم شيئًا, ولا اقتنى شيئًا من عقار ولا غيره, ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه, بل كان ينفق ذلك كله في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين.
قال يحيى بن معين: العلماء أربعة: الثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي.,
قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه حتى تطلع الشمس, وكان يؤثر عن السلف ذلك, قال: ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث.
وقال :ما رأيت أحدًا أشد اجتهادًا من الأوزاعي في العبادة وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى.
وقال ابن عساكر : كان الأوزاعي يقول: من أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة. أخذ ذلك من قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً. إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} [الإنسان: 26, 27].
دخلت امرأة على امرأة الأوزاعي فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً فقالت لها: لعل صبيًا بال هنا؟! قالت: هذه دموع الشيخ من بكائه في سجوده, هكذا يصبح كل يوم.
أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانيا أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب إلى والي بعلبك،
فقال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرة ولم نكتب لك.
قال: فرد الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا.
سمع يومًا بائًعا يبيع البصل وهو يقول: يا بصل أحلى من العسل. فقال الأوزاعي: سبحان الله! أيظن هذا أن شيئًا من الكذب يباح؟!
من مواعظه وأقواله ..
أبو حفص عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
المعافي بن عمران، عن الأوزاعي قال: كان يقال يأتي على الناس زمان أقل شيء في ذلك الزمان أخ مؤنس أو درهم من حلال أو عمل في سنة.
مسلمة بن علي، عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشيء كأنما على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حميما لأحدهم غاب عنه حينا
ثم قدم ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكون قريبا من طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون،
وأول ما يفيضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يتحلقون إلى الفقه والقرآن.
عبد الملك بن محمد قال: كان الأوزاعي لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله فإن كلمه أحد أجابه.
عن ضمرة عن الأوزاعي قال: الناس عندنا أهل العلم.
عن أبي أيوب الزيادي، عن الأوزاعي. قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس.
يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة، قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه،
وأن يكون آخر عهدك به والسلام.
عباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما فيوما وساعة فساعة، ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا وتقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم إلى يوم?
عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته:
أيها الناس،
تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها فهم كانوا أول منكم أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا، كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين،
ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله عز وجل فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى،
وأصبحتم من بعدهم من أجل منقوص ودينا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير و أرسال فتن، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعي نذره وانتهى، وعقل سراه فمهد لنفسه
عن يزيد بن مذكور قال: رأيت الأوزاعي في منامي فقلت: يا أبا عمرو دلني على أمر أتقرب به إلى الله تعالى. فقال لي:ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلم.
فقلت: ثم من بعدها? قال: درجة المحزونين.
* قال أبو بكر بن أبي خيثمة: كنت جالسًا عند الثوري, فجاءه رجلٌ فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب قد قلعت, قال الثوري: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي.
فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم, قال:وما خلف ذهبًا ولا فضة ولا عقارًا ولا متاعًا إلا ستة وثمانين درهمًا أنفقوها على تجهيزه, وكان قد مات مرابطًا في سبيل الله - رحمه الله –
قال ابن كثير: لا خلاف أنه مات مرابطًا في سبيل الله - رحمه الله – فأي حياة تلك وأي عبادة ؟!
رحمه الله رحمة واسعه وجمعنا وإياه في جنّة عاليه قطوفها دانيه
الماده العلميه من كتابة الأستاذ خالد رُوشه وكتاب صِفة الصفوه