الهولوكوست والذئاب!
بقلم محمد سلماوى ١٤/٣/٢٠٠٨
تتحدث الأوساط الأدبية هذه الأيام في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، عن تلك الرواية ذائعة الصيت التي كتبتها اليهودية بلجيكية المولد «ميشا ديفونسيكا» عن طفولتها في ظل الحكم النازي، بعنوان «ميشا: ذكري سنوات الهولوكوست»، وهي الرواية التي ترجمت إلي ١٨ لغة، وبيعت ملايين النسخ، لما فيها من حقائق تقارب الخيال، وتفاصيل مروعة عن الاضطهاد النازي لليهود، وذلك من خلال تجربة طفلة صغيرة تم ترحيل أبويها، وهي في السادسة من عمرها، إلي معسكرات الاعتقال النازية، فهامت علي وجهها في غابات أوروبا لا تجد من يؤويها، وعاشت بين الذئاب التي احتضنتها وأنقذت حياتها من المصير الذي لحق بأبويها.
ولقد روت ديفونسيكا تلك القصة ذات يوم في معبد يهودي بولاية ماساتشوستس الأمريكية، حيث هاجرت من بلجيكا هي وزوجها، فسمعتها الناشرة جين دانيال، وطلبت منها أن تكتب قصة حياتها كاملة لما فيها من إثارة، فكتبتها ديفونسيكا بالفعل بمساعدة كاتبة محترفة هي فيرا لي، وما إن نشر الكتاب حتي ذاع صيته وتحول إلي فيلم سينمائي في فرنسا.
والسبب في حديث الناس عن هذا الكتاب الآن، ليس قصته التي هي أغرب من الخيال، فقد صدرت الرواية عام ١٩٩٧، أي قبل أكثر من عشر سنوات، وإنما السبب هو ما اتضح من أن القصة كلها مختلقة، وأن الكاتبة ليس اسمها ميشا ديفونسيكا، وإنما مونيك دي وائل، وأن أبويها لم يعتقلا، ولم يتم ترحيلهما إلي معسكرات النازي بل أعدما في الحرب، وأنها لم تهرب إلي الغابات ولا عاشت وسط الذئاب، وإنما تربت مع جدها وعمها، وأنها ليست حتي يهودية بل مسيحية كاثوليكية.
والمثل عندنا يقول: «لم يشاهدوهم وهم يسرقون.. شاهدوهم وهم يتقاسمون»، فوقت توزيع الغنيمة يقع الخلاف وتتعالي الأصوات فينكشف الأمر، وهذا هو ما حدث فقد اختلفت ديفونسيكا مع الناشرة ووصل خلافهما إلي القضاء، حيث حكمت إحدي المحاكم في بوسطن علي الناشرة بدفع مبلغ ٥.٢٢ مليون دولار لمؤلفة الكتاب كمستحقات لها من المبيعات، وهو ما رفضت الناشرة دفعه، ومع تزايد الخلاف بين السيدتين ظهرت الحقيقة، وبدأت الصحف تنشر التحقيقات حول ماضي الكاتبة البلجيكية الحقيقي، إلي أن توصلت جريدة «لوسوار» البلجيكية إلي أصل الوثائق الشخصية لمونيك دي وائل، ومنها شهادة ميلادها وشهاداتها بالمدرسة، والتي تزامنت مع الفترة التي ادعت فيها أنها كانت تعيش مع الذئاب في غابات أوروبا، والتي كانت ـ علي حد قولها ـ أكثر رحمة معها من القوات النازية.
ولقد اضطرت ديفونسيكا إلي الاعتراف بأن قصتها مختلقة، ودافعت عن نفسها قائلة إنها أرغمت علي كتابة قصة لم تكن ترغب في كتابتها.
ووراء تلك القصة بعض الدلائل التي تهمنا بشكل خاص، أولاها أن هناك من يختلقون القصص لخدمة قضيتهم، بينما نحن نملك آلاف القصص الحقيقية لما يحدث كل يوم في الأراضي المحتلة، لكن أحدا لا يهتم بها، ولو سمعها مائة ناشر في معبد يهودي أو غير يهودي لما طلب أحد منهم من صاحبتها أن تكتبها.
وثانيها: أن «الهولوكوست» والاضطهاد الذي تعرض له اليهود علي يد النازي، بالرغم من أنه حقيقة لا ينبغي إنكارها، فإنه تم استغلاله بطريقة غير مسبوقة في التاريخ، وذلك هو موضوع كتاب الباحث الأمريكي اليهودي نورمان فينكلستين «صناعة الهولوكوست»، والذي يثبت فيه أن «الهولوكوست» أصبحت في يد الصهاينة صناعة يتكسبون منها.
وثالثها: تلك المقاييس المزدوجة التي يتعامل بها الغرب، حيث يتعاطف مع محنة اليهود.. وتحقق الكتب التي تتحدث عنها أعلي المبيعات حتي لو كانت مختلقة، بينما لا يبدو أنه سمع بالهولوكوست الأخري، التي يتوعد بها نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين، والتي يعيشها الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ أكثر من نصف قرن تحت سمع وبصر ذلك العالم نفسه، الذي يذرف الدمع علي معاناة اليهود، الذين اضطروا للعيش وسط الذئاب المفترسة في الغابات هربا من الاضطهاد!