الإنسان مدني بطبعه الإنسان يطوق إلى السيطرة والتملك والنرجسية منذ أن خلقه الله، ضيق أفقه وحداثة تجربته مع الحياة ووجوده على مقربة من الحيوانات كان مصدر إلهامه وإثراء عقله، تقليده للكائنات التي أخضعها لسيطرته أو تعامل معها بحكم المنفعة منها كرست فيه حب التسلط ، التسيير وإعطاء الأوامر، فعمد إلى القن حكم القوي على الضعيف والبقاء للأصلح،ومع اكتساحه أراضي أخرى وتوسعه تضاربت المصالح ،وخضع الأفراد إلى قانون الوراثة السائد والمتنحي ، السائد أزداد ثراء والمتنحي ازداد فقرا، الغالبون اتخذوا ممن معهم عبيدا يسهرون على خدمتهم ، ويقومون على تلبية طلباتهم ، ولا يبرحون المكان إلا بأمرهم ،وليس للعبيد حكم على شخوصهم يباعون ويشترون في الأسواق كما تباع وتشترى الأنعام.الزراعة تنوعت والحاجة إلى اليد العاملة اشتدت ،أخذ كل قوي نصيبه من الأرض وما بها من عبيد ووضع عليهم حراسا يمنعونهم الخروج منها ، يكابدون مرارة الحياة وسوء التغذية، يتوالدون ليخلفوا عبيدا ، وكل من هرب يعاد ليأخذ نصيبه من العذاب قد يصل إلى الموت ، انقراضهم وقلة عددهم دفع الأسياد إلى النصب والاحتيال للإيقاع بالشباب العاطلين عن العمل كما هو الحال في البرازيل. صحيح أن الحرف تتنوع بتنوع الإنتاج الزراعي وتربية المواشي واستخراج المواد الخام والإنتاج الصناعي ، تنوع خلق منافسة حادة فبرزت الكفاءات والجودة لتستقر الصناعة في أيادي محدودة ،وأصبحت أداة لتحرير العبيد من الإقطاع حتى يتم استغلال جهدهم في إدارة رأس مال المالك ،المالك يزداد ثراء والعامل يبقى متقشفا وفقيرا . عدالة غائبة في تقاسم الفائدة والجهد المبذول ،انعدام الإنصاف يثير حفيظة الإنسان ويهمس في نفسه حقد وكراهية المالك المستبد، فأجبر على التوحد ليقوي شوكته ويصلب عوده للمطالبة بحقوقه ، صيرورة العناء والمكابدة تلد الأفكار حول تنظيم العباد في تقاسم الأدوار وتحمل الأعباء دفاعا عن الحقوق المسلوبة والقيم المبتورة،رؤوس أموال تكبر وإنتاج يتكدس ويغزو الحدود لتفتح الأسواق أمامه،بضائع تهاجر وإنتاج دول يندثر وهيمنة اقتصادية تتفاقم ،كل شيء يحتكر التراب ، الماء، الفضاء ،المال والعلم وحتى العملة ، دول معدودة تهيمن على العالم وتقوده نحو مصير مجهول طغيانها أنساها عذاباتها ،من قتل يقتل ومن شرد يشرد ومن ارتكبت في حقه المجازر يرتكب المحارق، الحنين يشد الجميع إلى ماضيه البعيد، ما دام الإقطاع لا يزال منتشرا في البرازيل والمكسيك، والعبودية باقية في مالي والنيجر ، فلا غرابة أن نجد الحكم في كل البلاد العربية تحتكره العائلات و تنتفي معها الديمقراطية، العيش المشترك والمشاركة في السلطة، كل من ركب الحصان يبهره السرج فيتمطى على ظهره حتى لا يدع مكانا لغيره، يشيب شعر المركب ويبقى الراكب ملتصقا ، لولا نعمة الرب لبقي الراكب يمتطي جثة بل جيفة.الإنسان أناني بطبعه مدني في مكره، يستهوي عذابه وعذاب جنسه ويتنكر لنفسه ولخالقه .الله الذي أبدع الإنسان وفي أحسن الصور أخرجه ،ومن النعم أمده وأحسن إليه عطاءه بدون حساب ،لم يجبره على فعل الأشياء ،تركه لنفسه وتدبيره في تحديد سلوكه وتفكيره، لم يمنعه من التظاهر و لا النطق بما يراه ، تركه وشأنه ليفعل ما يريد منبها أياه من سوء تصرفه ،يكافئه على فعل الخير مهما كان محله ، رب العرش العظيم رحيم بعباده يجزي بغير حساب من اتبع هداه .هدي معروف لصالح البشر دون تفريق يرفعهم منزلة عند ذو الجلال والإكرام ،يحصنهم من الأخطار ويصرف عنهم الأذى فبأي آلائي ربكم تكذبون.
الخوف صناعة يلجأ إليها الفقير والغني والمستبد و الحاكم والدول ليعززوا مكانتهم ،ويصطنعون القوة لمجابهة الأخطار المحدقة بهم بتأسيس المنظمات ،الاتحادات و تبنى التحالفات بين مختلف الشرائح المذكورة أعلاه لتكون في منأى من الخطر، ظاهرها إنساني ونبيل وباطنها يخفي سموم وعلقم. تحالفات تتآمر حتى على أعضائها المنتسبين إليها ،تتحين الفرص للنيل من بعضها البعض ،وإلا كيف نفسر ارتباط المعارضة بدول معادية؟ ومنها من تفنن في تقديم الخدمات للحركات الصهيونية ،تتآزر معها ضد قومها لتحطيم بلدها وقتل الناس من بني جلدتها ،كما تفعل الأنظمة العربية مع شعوبها ومع غيرها من الدوال العربية الأخرى،تتناحر وتتقاتل فيما بينها ،ترفع صوتها عاليا دفاعا عن الصهاينة ،تجرم أبنائها وتدين عملهم إذا ردوا الضيم عن ديارهم ،تسجن من بارك الجهاد في عدوهم ولا تريد صوتا يعلو فوق صوتها .لقاء وموعد تحضره أمريكا والعرب بزعامة ديك تشيني والملك عبد الله، تقدم فيه على الأطباق الأوسمة، التنازلات والصكوك المفتوحة لزعزعة أمن واستقرار المنطقة.أمريكا تدق طبول الحرب على إيران وتجمع الحطب لها من العربان، عربان فقدوا عقولهم وتكدست شحومهم وتوسعت جلودهم لا تصلح إلا حطبا لنار موقدة ستطلع على الأفئدة، الحرب سجال يوم بيوم.الأمن القومي العربي حق طبيعي للعرب ،تم خرقه من طرف العرب أنفسهم ، كل دولة تغني على ليلاها وكل حاكم يجر بلده حسب الاتجاه الذي يحقق له فائدة شخصية، لا أمن دفاعي ولا أمن غذائي ولا أمن اقتصادي،الجميع يهرول باتجاه أمريكا حامية الصهيونية العالمية والداعمة لإسرائيل، تركيا تصنع أمنها، إيران تصنع أمنها أيضا ،وكل واحدة منهما تقوي الجبهة الداخلية لتحدد الفضاء الذي يسمح لها بالتحرك في أمان، نجد الأنظمة العربية تحتمي بمن يسعى إلى أكلها والقضاء عليها،وتساعد على إيقاظ نار الفتنة في ديارها وقوفا مع محور الشر أمريكا،أبريطانيا، فرنسا وإسرائيل ،كياناتها في طريقها نحو التفتت والتشرذم ، شعورهم بعدمية الانتساب إلى الوطن الأم يدفع بالتي هي أسوأ والارتماء في غيا هيب المجهول. هل يعلم العرب أن أمريكا في عهد كيسنجر كانت تنوي طرد العرب من الكويت وأبو ضبي باتجاه نجد ،لتستخلفهم في وتمتص بترولهم وعندما ينضب تترك لهم المكان، إنها فكرة جنونية لكنها حقيقية وذهب بها الجشع إلى تنظيف المنطقة باستعمال أسلحة فتاكة، البعض منهم يعزز استخدام القنابل النووية ويطرح السؤال لماذا صنعت ؟ وما هو الغرض من صناعتها؟، ولولى اقتراح بعض الساسة طريقة نصب قواعد عسكرية على منابع البترول بدل الطرد والإبادة، لشهدت المنطقة منعرجا تاريخيا آخر،اليوم أمريكا عساكرها على طول بحر قزوين وتركيا المعروف بخط (bTC )وفي كل الدول الخليجية . دخلت المنطقة بذرائع كاذبة واستعملت القوة لتقيم أربعة عشرة قاعدة عسكرية في العراق وحدها،ولم يبق لها سوى إيران لتستكمل الحلقة ، والكل يعلم أن الدكتور مصدق أول رئيس أنتخبه الإيرانيون ديمقراطيا (1951)،لكن اعتقاده بأن البترول ملكا لإريان كان سببا في الإطاحة به واستبداله بالشاه،وكل اللغط القائم حاليا يؤكد طمع أمريكا في الهيمنة على كل منابع البترول ،ريثما تتمكن من إيجاد البديل لهذه السلعة الرخيصة،ولم تشفع حتى للسودان فافتعلت حدث دارفور لتوتر الأجواء وتحول دون التواجد الصيني ،استعملت الخبث في تصوير ما يجري في دارفور على أنه إبادة جماعية ومأساة إنسانية عن طريق منظمات مشبوهة ،بشراء ذمم الدول على مستوى جمعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن بل الحرب وهذا ليس بجديد ، فعلها كولون باول وزير خارجيتها سابقا بتقديم صور وتقارير كاذبة لاحتلال العراق وكذالك في قصف معمل أدوية بليبيا،وكم من دولة في إفريقيا تشهد إبادات جماعية ولم تحرك أمريكا ساكنا لأنها لا يوجد بها بترول.أمريكا إقطاعي عالمي ،حراس قطاعاته الحكومات العربية وفي مقدمتها السعودية ومصر،وكل الإدعاءات المفبركة ضد إيران حول الأسلحة النووية ما هي إلا قميص عثمان،أصبح الذئب مذنبا والنسر عنزة ولو طار. المستقبل سيشهد ظهور إقطاعي آخر هو الصين بحكم نموها الاقتصادي المتنامي ،وتندلع حرب باردة من نوع جديد هي حرب البترول،غالبية الدول تسعى لتمتين اقتصادها بتكتلها وتعاونها ،في حين نرى الدول العربية متمادية في تشرذمها غير عابهة بما ينتظرها لما تجف آبارها ،وتزحف الرمال على ظهورها ليروا أعمالهم ومفاسدهم حيث لا ينفع الندم،قمم تسمع جعجعتها ولا نرى لها طحينا ، قمة دمشق قد يكون لها أثرا إيجابيا في غياب محور الشر الذي عودنا بكثرة الوجع وولادة القمل.هل يمكننا أن نتصور سيناريو المنطقة في حالة عدم وجود ممانعة، أي إيران ، وسوريا وحزب الله؟. إن الدول التي تغيبت عن القمة العربية تنفيذا للإملاءات الأمريكية ،قد أفصحت عن نيتها ورغبتها ولا داعي للتضليل الذي تعمد إليه ، فهي تسير بركبها نحو الهاوية،تقسم المقسم وتجزيء المجزئ ، ولتدارك ما أصاب الأمة فعلى العمال ،الطلاب،الفنانين،الكتاب،الصناعيين والمنظمات الجمعوية أن تحسم أمرها وتتحمل مسؤولياتها ،وأن تنقذ ما يمكن إنقاذه عن طريق الاعتصام وإذا لزم الأمر العصيان المدني ،إلى متى يستباح دم الشعوب العربية ،وتنهب ثرواتها وتهجر عقولها ،وتصادر حرياتها.
وهران 25/03/2008