هيا بنا نخطف القضية
[ 08/04/2008 - 09:39 ص ]
فهمي هويدي



صحيفة الخليج الإماراتية

ما قيل عن اختطاف إيران للفصائل الفلسطينية يسوغ لنا أن نوجه الدعوة للعرب لكي يسارعوا من جانبهم إلى "اختطاف" ملف القضية، قبل أن يستأثر به "الأغيار".

(1)

الكلام جد لا هزل فيه. وحديث اختطاف إيران للفصائل كان عنواناً رئيسياً لصحيفة "الشرق الأوسط"، في الثامن من شهر مارس/آذار الماضي، منسوباً إلى أحد الزعماء العرب. وليست هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها إشارة من هذا القبيل، لأن الكلام عن الدور الإيراني في الساحة العربية أصبح متواتراً خلال الأشهر الأخيرة. البعض تحدث عنه صراحة، وآخرون آثروا التلميح إليه عبر الإشارة إلى دور لقوى "إقليمية" لها حساباتها ومشروعها الذي ترددت أصداؤه في أكثر من قطر. عزز من ذلك الانطباع وغذّاه أن إيران أصبح لها حضورها القوي في العراق، وبمساندتها لحزب الله أصبحت لها كلمة في لبنان. وحين اختارت سوريا أن تصطف في المربع الرافض للمخططات "الإسرائيلية" والأمريكية، فإنها وجدت في إيران الواقفة في ذات المربع حليفاً قوياً لها. وحين ضاقت السبل بقوى المقاومة الفلسطينية، فإنها لم تجد ملاذا إلا في دمشق، ولم تجد دعماً مالياً، إلا من جانب إيران.

إذا ألقيت نظرة ثانية على هذه الصورة، ستجد أن الدور الإيراني في العراق تمدد إلى حدود لا يعرف مداها بالضبط، مستفيداً من الاعتبار الجغرافي، حيث الحدود المشتركة تتجاوز 1600 كيلو متر، ومن الاعتبار المذهبي، الذي دفع أغلب الفصائل والجماعات الشيعية في العراق إلى الاعتماد على الدعم الإيراني، كما أن إيران وجدت في الاحتلال الأمريكي للعراق تهديداً مباشراً لها، وهو ما سوغ لها أن تثبت وجوداً في "فم الأسد" يؤسس قواعد جاهزة للرد على أي عدوان أمريكي يستهدفها.

استندت إيران إلى هذه العوامل لتحقيق ما تصورته مصالحها الاستراتيجية، شجعها على ذلك وساعدها أن المساحة العراقية بدت فارغة وأن الدولة العراقية انهارت وتحولت إلى خرائب وأنقاض، بالمعنيين المادي والمعنوي. وهذا الفراغ أغرى كل من له مصلحة باختراق الساحة وإثبات الحضور فيها، من "الإسرائيليين" وفرق المرتزقة، إلى الإيرانيين والأتراك مروراً بأجهزة مخابرات الدول الكبرى والصغرى.

الوجود الإيراني في العراق، بما أثاره من لغط ومخاوف، ألقى بظلاله على الدور الإيراني في بقية الساحات، رغم اختلاف طبيعته فيها. إذ في حين إنه تحول إلى وجود مادي على الأرض بسبب الجوار المباشر في الحالة العراقية، فإنه ظل في الساحات الأخرى مقصوراً على المساندة والدعم ولم يترجم إلى حضور على أرض الواقع. والملاحظة المهمة والمثيرة للانتباه في هذا الصدد، أن الوجود الإيراني في العراق -أيا كان حجمه أو رأينا فيه- يحقق المصالح الإيرانية بشكل مباشر، في حين أن المساندة الإيرانية لسوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية تصب بشكل مباشر في وعاء رفض المخططات الأمريكية و"الإسرائيلية"، وهو ما يشكل في الوقت ذاته دعماً غير مباشر للموقف الإيراني إزاء الضغوط التي تصدر عن هذين الطرفين.

(2)

الدور الأمريكي في المنطقة ذهب إلى أبعد مما يخطر على البال. ذلك أن هاجس "القرن الأمريكي" الذي أطلقه المحافظون الجدد قبل عقدين من الزمان، استثماراً لغياب الاتحاد السوفييتي وانهياره، لا يزال يعد أحد المحركات الرئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وغزو العراق واحتلاله من تجليات ذلك الطموح، الذي أدرج إيران ضمن قائمته. كما أن نشر القواعد العسكرية في المنطقة من التجهيزات اللازمة لتحقيق ذات الغرض. ول"إسرائيل" دورها المركزي في تنفيذ السيناريو وإخراجه، فقد كان لها دورها في غزو العراق، وهي في ترتيبات ضرب إيران شريك صاحب مصلحة، وليست مساعداً أو محرضاً فقط، لأن الثورة الإسلامية منذ انطلاقها في عام 1979 أحدثت انقلاباً في موازين القوة بالمنطقة لم يكن في مصلحة "إسرائيل". كما أن مشروعها النووي اعتبر تحدياً لسطوة "إسرائيل" وتهديداً وجودياً لها، حتى اعتبره تقرير مخابراتها العسكرية (أمان) الذي أذيع مؤخراً بمثابة الخطر الاستراتيجي الأول الذي عليها أن تتصدى له في عام 2008.

قبل أن تحتل الولايات المتحدة العراق في عام 2003، كانت الإدارة الأمريكية قد أمسكت بمفاتيح الصراع العربي "الإسرائيلي"، حتى وجدناها وسيطاً وحكماً وخصماً في الوقت ذاته. وهو ما أقر به الرئيس السادات حين أعلن أن 99% من أوراق اللعبة السياسية بالمنطقة في يد واشنطن. وهي الخلفية التي سوغت تمدد الدور الأمريكي المتنامي الذي اعتبرته "إسرائيل" هدية من السماء واستثمرته إلى أبعد مدى.

مؤتمر "أنابولس" كان أحدث حلقة في مسلسل إحكام السيطرة على نتائج القضية الفلسطينية، حتى أزعم أن توثيق اختطاف الولايات المتحدة لملف القضية تم في ذلك المؤتمر الذي عقد في 27/11/2007، بدعوة ورئاسة الإدارة الأمريكية. إذ فيه أعلنت وثيقة "للتفاهم المشترك" بين أولمرت وأبومازن، وكان الرئيس بوش على رأس الشهود الحاضرين (40 دولة منها 16 عربية)، وتضمنت الوثيقة إلى جانب دعوتها إلى التصدي للإرهاب الفلسطيني و"الإسرائيلي" (لاحظ المساواة بين الاثنين)، وإلى بذل الجهد للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين قبل نهاية عام 2008، تعهداً من الطرفين بما يلي: الشروع فوراً في الاضطلاع بالواجبات التي تمليها على كل منهما "خريطة الطريق" التي نصت على حل دائم للنزاع "الإسرائيلي" الفلسطيني على أساس دولتين. وتشكيل هيئة أمريكية - فلسطينية - "إسرائيلية" بقيادة الولايات المتحدة، تكلف بمتابعة تطبيق "خريطة الطريق" كما تعهد الطرفان أيضاً بالاستمرار في الاضطلاع بواجباتهما الحالية بموجب "خريطة الطريق" إلى حين التوصل إلى معاهدة سلام، وستقوم الولايات المتحدة بالإشراف على تطبيق الطرفين تعهداتهما بموجب "خريطة الطريق" وتقويمه. وإذا لم يتفقا على خلاف ذلك، فإن تطبيق معاهدة السلام المقبلة سيكون خاضعاً لتطبيق "خريطة الطريق" تحت إشراف الولايات المتحدة.

لقد تعمدت استعادة النص الذي نشره "الأهرام" في 28/11 باعتباره "النص الحرفي المترجم"، لكي تلاحظ بنفسك أمرين، أولهما أن مرجعية الاتفاق المفترض هو فقط خريطة الطريق، التي أعدتها الولايات المتحدة وتحفظ شارون على 16 نقطة فيها (لاحظ أنها ذكرت خمس مرات). الأمر الثاني أنه إلى جانب الانطلاق من الخريطة أو الخطة الأمريكية للحل المفترض، فإن الولايات المتحدة هي التي ستشرف على تطبيقها في ما يخص كل جانب، وهي التي سترأس لجنة المتابعة الثلاثية، أي أن الأيدي الأمريكية موجودة في طبخ الفكرة وفي مراحل تنفيذها وفي تحقيق هدفها.

(3)

اعتبر تقرير المخابرات العسكرية "الإسرائيلية" (أمان) أن مؤتمر أنابولس أحد أهم تطورين إيجابيين خدما "إسرائيل" في عام 2007 (الثاني كان أزمة الرئاسة في لبنان)، ولعلك تدرك قيمة هذه الشهادة إذا علمت بأن جهاز "أمان" هو أكبر أجهزة المخابرات "الإسرائيلية"، وأنه يقدم سنوياً تقريره الاستراتيجي إلى الحكومة، وعلى أساسه تتخذ قراراتها. وقد بث موقع النسخة العبرية لصحيفة "يديعوت أحرونوت" عرضاً مفصلاً له، حين قدمه الجنرال عاموس يادين رئيس الجهاز إلى إيهود أولمرت رئيس الوزراء. وحسب التقرير فإن مؤتمر أنابولس اكتسب أهميته من أمرين: أولهما أنه عزز مكانة كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة في العالم العربي (حيث أصبح ملف القضية في عهدة الطرفين)، الأمر الثاني أن الدول العربية أصبحت شاهدة على وثيقة التفاهم. ومن ثم شريكاً متضامناً مع واشنطن وتل أبيب في حملة القضاء على "الإسلام المتطرف"، وإيران هي المقصودة بالإشارة الأخيرة بطبيعة الحال.

ما الذي فعلته "إسرائيل" بعد مؤتمر أنابولس؟ فور انفضاض المؤتمر بدأت الحكومة "الإسرائيلية" حملة محمومة للتوسع الاستيطاني، وهذا الكلام ليس من عندي، ولكنه ورد في تقرير نشرته "حركة السلام الآن" قبل أيام قليلة (في 31/3)، وذكرت فيه أنه بعد عشرة أيام من انتهاء المؤتمر شرعت الحكومة "الإسرائيلية" في جهد غير مسبوق في بناء آلاف الشقق الجديدة في 101 مستوطنة في القدس والضفة وفي البؤر الاستيطانية (غير المرخصة). وبوجه أخص في عمق الأراضي الفلسطينية الواقعة شرق الجدار. وفي حين لم تبن في القدس الشرقية طيلة عام 2007 سوى 46 وحدة سكنية، فإنه منذ لقاء أنابولس وحتى الآن تم طرح مناقصات لبناء 750 وحدة سكنية في ذات المنطقة. وقد صادق وزير الحرب "الإسرائيلي" مؤخراً على خطط لبناء 969 وحدة سكنية، من بينها 750 وحدة في مستوطنة "عفعات زئيف"، وفي الوقت الذي يتواصل فيه سباق التوسعات الاستيطانية، فإن الاجتماعات الفلسطينية "الإسرائيلية" استمرت، سواء بين أبو مازن وإيهود أولمرت، أو بين أحمد قريع رئيس الوفد المفاوض وتسيبي ليفني وزيرة الخارجية، وأذيع قبل أيام أن الاثنين عقدا منذ مؤتمر أنابولس 50 اجتماعاً سرياً، استمرت بين ما بين 120 و150 ساعة. ولم يعلن شيء عن نتائج تلك الاجتماعات، سوى أن صحيفة "يديعوت أحرونوت" ذكرت أنها "الأكثر جدية منذ أوسلو".

(4)

لأن الاستيطان المحموم بدا محرجاً للجميع، ولأن الفلسطينيين لم يلمسوا أية نتيجة إيجابية له خلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت مؤتمر أنابولس، فإن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أطلقت في الأسبوع الماضي تصريحات لستر العورة، دعت فيها إلى وقف الاستيطان. ونشرت الحياة اللندنية أنها "انتزعت" موافقة "إسرائيلية" على إزالة 50 ساتراً ترابياً، تعترض الطرق في الضفة، لكن أولمرت تحداها على الفور وقال إن الاستيطان سيستمر، ثم تبين أن تلك السواتر أو الحواجز ليست سوى أكياس رمل تم تحريكها، في حين إنه لا يزال في الضفة 570 حاجزاً عسكرياً تشل حركة الفلسطينيين في مدن الضفة.

في لقاء أخير مع محمد حسنين هيكل تطرق الحديث إلى مناورات "إسرائيل" بعد أنابولس، وكان من رأيه أنهم كذابون ولن يعطوا شيئاً يذكر للفلسطينيين، وأنه لا يصدقهم إلا إذا تحدثوا عن أطماعهم التوسعية، وفي غير ذلك فإنهم يريدون كسب الوقت من خلال الإيهام بأنهم يفاوضون الفلسطينيين، لأنهم يعلمون أنه بعد شهرين أو ثلاثة، سيكون وضع المرشحين للرئاسة الأمريكية قد حسم، وستصبح واشنطن مشغولة بانتخاب الرئيس الجديد، الذي ستبدأ "إسرائيل" الكلام مع إدارته من آخر نقطة وصلت إليها في مشروعها الاستيطاني.

إن لكل مشروعه وتحركاته على أرض الواقع التي تلامس القضية الفلسطينية بدرجة أو أخرى، الأمر الذي يطرح علينا السؤالين التاليين: أين مشروع العرب وما هي ملامحه؟ وهل بمقدورهم أن يخطفوا ملف القضية من أيدي الآخرين؟ في الأسبوع القادم بإذن الله نجيب عن السؤالين ونستكمل المناقشة.