حصار غزة.. وحسابات بعض الأنظمة !
[ 17/04/2008 - 12:42 م ]
عدنان سليم أبو هليل



صحيفة الشرق القطرية

لا يستطيع أي نظام عربي أن يزعم بأن حماس اعتدت عليه أو تدخلت في شؤونه الداخلية.. وحتى من عرف منهم تاريخيا بموالاته للعدو وتآمره على القضية الفلسطينية ومن يجاهر بعداوتها ويحرض عليها وينسق ضدها وينخرط في الحملة الصهيونية الصليبية ضدها ليل نهار ومن رضي لنفسه أن يكون في خندق أعدائها على الدوام.. ولا يستطيع أي نظام منهم أن يتهمها بالتطرف لا في أفكارها العقدية والفكرية ولا في خياراتها السياسية ولا في فهمها للقضية وتقريرها لثوابتها ولا حتى في التعامل مع التسوية والتهدئة وطروحاتها.. ولا يستطيع نظام منها أن يدعي بأنها تحاول فرض أجندتها بالعنف على شركائها في المعادلة الداخلية الفلسطينية فهي لم ترفض التحاكم لصندوق الاقتراع أو القبول بمبدأ التداول السلمي للسلطة بل على العكس فخصومها هم الذين تنسب لهم وتنسحب عليهم هذه النقيصة وإن ادّعوا رعاية الديمقراطية التي يهدمونها ويجورون عليها وينفرون الناس منها.. أما ما جرى في غزة فلا تنسب المسؤولية عنه لحماس خصوصا بعد أن افتضحت مؤامرة كيث دايتون ومن يتدثر في لفائفه من حركة فتح وعرب الاعتلال.

موقف حماس المهادن هذا فقط لأنها لا تزال تترجى أن يراجع من يعادونها أو بعضهم من المغررين حساباتهم ولأنها تراهن على الشعوب الشقيقة ولا تريد أن تعطي الذريعة لأنظمتهم التي تتربص الفرصة لحشدهم في المعركة الآثمة ضدها.. وتتجنب الغرق في الخصومات وتتعالى على الحزازات التي تحرف البوصلة وتستفيد من تجارب وأخطاء المنظمات الأخرى التي سبقتها التي غرقت في الخلافات العربية العربية وحاولت دائما العبث في النسب الداخلية للشعوب والأنظمة والأوزان النسبية داخلها ونسيت أن مشروعها التحرري يقتضي الجمع والحشد وعدم التفريط بأحد فانتهت في كل مرة بخسران أحد وعداوة آخر والتبعية لغيره وهذه صفحة مشرقة وميزة تسجل لها، ثم ما العيب في أن تراهن حماس على أمتها في حين أن غيرها يراهنون على أعدائهم ويتلقطون فتاتهم.. ولكنها في كل الأحوال لا تنطلق في هذا الموقف من إحساس ما بافتقاد المنطق في فضح ممارساتهم الضارة بقضيتها ومسيرتها ولا لأنها لا حق لها في مواجهتهم ولا لأنها منخدعة بتوصّلاتهم وتوسّلاتهم وتوسّطاتهم (الأحيانية) وهي تعلم وهم يعلمون أنها تأتي فقط في سياق التعاون مع الاحتلال ومصالحه وتزلفاً إليه ومحاولة لدحرها عن الثوابت الوطنية والدينية التي اختطتها وتقاتل لأجلها.. وهي لا تتخذ هذه المواقف لأنها تنافقهم أو تقبل ما قبلوه من الصغار والتبعية وتقليص الاستقلال الوطني والتخلي عن المكارم التي يقتضيها دينهم وتستدعيها دعوى وطنيتهم.. ولا لأنها تخافهم خاصة أنهم قد فعلوا كل ما بوسعهم في جفائها والتآمر والتحريض عليها.. وإن كنا نتكلم عن الخوف وعدمه فلا يجوز أن ننسى أنها حركة مقاومة ومنهجية إصلاح صاغت رؤيتها وميثاقها على أساس التحدي والمواجهة والتضحية وقدمت في سبيل ذلك خيرة القادة وجيل المؤسسين.

وعليه فلا مبرر لهذه المواقف اللاشرعية واللاقومية واللاأخلاقية من بعض الأنظمة المتقدمة في العدوان والتآمر على حماس وإذا تذرعت هذه النظم باتهامها بالإسلامية أو بأنها - أي حماس - تعتمد على المقاومة والكفاح المسلح واستخدام القوة في مسيرة التحرير أو بأن ثوابتها غير ثوابتهم، فذلك اعتراف منهم باللاإسلامية واللامقاومة واللاثوابت وذلك يدينهم في حين أنه لا ينقص حماس في قليل أو كثير بل وسيكون فضلا شهدت به الخصوم والأعداء.. وسنقول لهم أعطونا فهمكم للإسلام وبينوا لنا حدود اختلافكم مع حماس.. وهم يعلمون أنها حركة انبثقت من رحم الإخوان المسلمين بما يميز هذه الجماعة من وسطية وواقعية وجدية في فهم الإسلام والتعامل معه ومع قضايا الأمة، وسنقول لهم إن اعترضتم على منهجية المقاومة والكفاح المسلح فقدموا لنا بديلا صالحا وسنقبله حتى لو كان بعيد المدى ولكن لا تسوقوا علينا الوهم ولا تحاولوا إقناعنا بأن اليهودي غير جلده وعقيدته وتوراته وتلموده وقد رأينا ما تسمونه مسيرة التسوية كيف تتمخض مرة عن فأر ومرة عن وعود ومرة عن تنازلات لا مبرر لها أو حتى عن لا شيء وكيف أصبح التفاوض ذاته مطلبا وغاية وإنجازا.. وسنقول لهم إن كان اعتراضكم على ثوابت حماس فما هي ثوابتكم وكيف ستحصنونها وتحصلونها ؟ ولكن لا تقولوا لنا كلاما إنشائيا بأنكم مع الثوابت في حين أن الاحتلال يجري جريا في التهويد وتغيير الوقائع على الأرض والمجتمع الدولي لديه كل الاستعداد ليشرعن هذه التغييرات وليعتمدها وقد جربنا ذلك وجربناكم عند ذلك.. لقد رأيناكم تتنازلون عن فلسطين ال48 كلها عربونا لفتح ملف المفاوضات ووجدناكم تتنازلون عن حق المقاومة وتقدمونها قربانا في كل لقاء، ورأيناكم تتنازلون عن معظم القدس التي صارت في زمانكم شعفاط وأبو ديس ومائة وثماني دونما هي المسجد ذاته وساحته ورأيناكم تتحدثون - كما العدو - عن تبادلية في الأراضي ومرحلية في الحقوق.. وصار جنود الاحتلال يسرحون ويمرحون في دماء أهلكم هنا وهناك ثم يأتون بلادكم ليقضوا نهاية أسبوع ممتعة في بلادكم ثم يعودون إلى دباباتهم ومدافعهم وطائراتهم ليقصفوا غزة ويدموا القلوب ويحزنوا المؤمنين.

لعل ما يشجع هذه الأنظمة على كل هذه الفجاجة واللجاجة ضد فلسطين ومقاومتها أنها تظن الأمور باقية في يد الأعداء إلى ما لا نهاية وتعتقد أن محاضر اللقاءات معهم ستبقى سرية إلى الأبد وأنها مصابة بغرور القوة ومن لا تعجبه سياساتها فالسجون مشرعة والهراوات والتعذيب أخباره تتجاوز الأحاديث السرية والهمس بين الثقاة والناس خائفون والعلماء إما متزلفون متقربون أو ساكتون متجاهلون وأما من يتحدث منهم فبنصف لسان وببعض الكلام وإلا اتهم بالنشازية والتطرف ثم تخطفته سيوف الشيطان أو عزل أو أبعد فلا يجد أرضا تقله أو سماء تظله في زمن عولمة الأمن والمصالح.. وأما وسائل الإعلام فعلى رقابها سيوف الرقيب وعقوبات الحسيب .. فلعل هذا ما يجعل بعض الأنظمة تجاهر بعداوتها للفلسطينيين ومقاومتهم وتشارك في حصارهم وتتلاعب لصالح الاحتلال في معادلاتهم وتغرق في الولاء لأعدائهم وتستخف في سبيل ذلك بقيم الأمة وثقافتها وتفرط في استقلالها.. ونسيت هذه الأنظمة أن ما بين أيديها إنما هو أمانة وإن الله تعالى سائلهم عنها، ونسيت الدرس الأهم من قصة صدام - رحمه الله تعالى - الذي كان حليف الغرب فجافى شعبه وأساء لمن حوله فلما احتاجهم كانت ال (ولات حين مندم) ونسيت هذه الأنظمة أنها تنتمي لأمة هي الأمة الإسلامية التي أوثق عرى عقيدتها الموالاة في الله والمعاداة في الله.

أقول: لعل من المفهوم أو المتفهم أن تفرض (إسرائيل) وأمريكا حصارا على حماس وأن تقتل الفلسطينيين به وأن تضرب عرض الحائط بكل القيم الفاضلة وما تواضعت عليه العقول والضمائر فهم أعداء صرحاء وهذه معركتهم ولكن الذين لا وجه لهم في هذا الحصار ولا قفا هم تلك النظم وأولئك الكتاب الآثمون الخاسئون ممن ينسبون للوننا وجلدتنا.. وإذا كانت القضية الفلسطينية وحق المقاومة هي اليوم المحك الذي تمتحن فيه الوطنية فأية وطنية بقيت لهم بعد اليوم.. وإذا ذاك فأين العلماء والنخب والوطنيون والإعلام المنصف إن لم يكن المخلص؟

آخر القول: لقد صار كسر الحصار اليوم عنوان استقلال القرار ومحك سيادة الدول ودليل قوة الإرادة وبرهانا على صدق الوطنية وليس مجرد عمل إنساني أو سياسي موجه خارج حدود أي من بلادنا، وصارت المقاومة ودعمها ونصرة شعبها هي الفارق بين موالاة الأمة وموالاة أعدائها ومن يشذ عن ذلك فإنما يسجل على نفسه وصمة لن تغفرها المزاعم ولن تداريها الدبلوماسية ولن تبررها دعاوى المصالح أو الضرورات..