صندوق الدنيا
بقلم : أحمد بهجت
في الأدب
قال الله تبارك وتعالي مخاطبا خاتم المرسلين: وإنك لعلي خلق عظيم..
روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: إن الله عز وجل أدبني فأحسن تأديبي
ما هي حقيقة الأدب؟
هي اجتماع جميع خصال الخير.. وحقيقة العبادة أن تعامل الله تعالي بالأدب سرا وعلانية.
قال الحسن البصري: التوحيد يوجب الايمان, فمن لا ايمان له لا توحيد له, والايمان يوجب طاعة الشريعة, فمن لا شريعة له فلا ايمان له ولا توحيد, والشريعة توجب الأدب.. فمن لا أدب له لا شريعة له ولا ايمان ولا توحيد.
وهذه درجة الأدب.. ولقد وقف الرسول صلي الله عليه وسلم علي القمة العليا من قمم الأدب.. ويراعي العارفون بالله حسن الأدب مع الحق تبارك وتعالي.
قال الرازي: سمعت الهجويري يقول:
ـ منذ عشرين سنة, ما مددت رجلي وقت جلوسي في الخلوة.. فإن حسن الأدب مع الله تعالي أولي.
وسئل ابن سيرين: أي الأدب أقرب إلي الله تعالي؟
قال: معرفة ربوبيته.. والعمل بطاعته.. وحمد الله علي السراء, والصبر علي الضراء. وقال يحيي بن معاذ: من تأدب بأدب الله تعالي, صار من أهل محبة الله تعالي, والقوم الصالحون هم الذين استعانوا بالله علي أمر الله وصبروا علي آداب الله. قال ابن المبارك: نحن إلي قليل من الأدب أحوج منا إلي كثير من العلم. وقال الصوفية: ثلاث خصال ليس معها غربة.. مجانبة أهل الريب.. وحسن الأدب.. وكف الأذي. وأنشدوا في معناه:
يزين الغريب إذا ما اغترب ثلاث فمنهن حسن الأدب
وثانيه حسن أخلاقه.. وثالثه اجتناب الريب
قال سهل بن عبدالله: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بإخلاص.
وقيل: كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء والصديقين.
وعرف ابن المبارك الأدب بقوله: هو معرفة النفس.
ويصل العارفون بالله في أدبهم مع الحق تبارك وتعالي إلي مستويات عالية من الحساسية والإخلاص.
يقول قائلهم: الانبساط بالقول مع الحق سبحانه وتعالي فيه ترك للأدب.
قال ذو النون المصري: أدب العارف فوق كل أدب.. لأن معرفته تؤدب قلبه.
وأكثر الناس أدبا في الوجود هم الأنبياء.
يحكي الحق سبحانه وتعالي عن دعاء أيوب له وأيوب إذ نادي ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
لم يقل أيوب لله سبحانه ارحمني.. لأنه يعرف آداب الخطاب, والمفروض أن الله يرحمه.. انما قال له: وأنت أرحم الراحمين.