هل باع الفلسطينيون أراضيهم؟لو كان الفلسطينيون قد باعوا أرضهم لما كان هناك داع لارتكاب كل تلك المذابح من قبل العصابات الصهيونية ؟
ملفات : جريدة الدستور القاهريه فى عددها الإسبوعى الصادر يوم 14/05/2008
في نهاية القرن التاسع عشر رفعت السلطات العثمانية الحظر عن الاستيطان اليهودي في فلسطين وتم بالفعل فتح مكتب في يافا بتمويل من أثرياء اليهود في العالم وبتخطيط من جماعة حملت اسم أحباء صهيون في روسيا. وقد وقع انقسام وخلاف بين القيادة في روسيا واللجان المحلية في فلسطين، فكان شراء حصان علي سبيل المثال يتطلب مناقشة لجان عديدة والحصول علي الموافقة من روسيا. ولم تفهم لجنة أوديسا الطبيعة الخاصة للزراعة الاستيطانية، والعلاقة مع العرب. وقد تملَّك المستوطنين إحساس بالعجز التام أمام العثمانيين وبأن الباب العالي لن يعطيهم أي تنازلات. وقد أُغلق مكتب يافا عام 1891 بعد أن أصيب بخسائر مالية فادحة، وبعد أن نجح العرب في إيصال معارضتهم للأستانة. وتوقفت الحركة عن إنشاء مستوطنات جديدة، وقصرت جهودها علي مساعدة المدارس العبرية والمستوطنات القائمة بالفعل. ومع هذا، قامت الجمعية بالإشراف علي وضع بذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. فحاولت «حسب موسوعة الدكتور عبد الوهاب المسيري: اليهود واليهودية والصهيونية» شراء قطعة أرض عام 1882 علي ساحل البحر بالقرب من أراضي البدو التي يمكن شراؤها في المستقبل للتوسع. وحينما لم تتم الصفقة بسبب معارضة الوالي، تدخَّل نائب قنصل بريطانيا في يافا فاشتري الأرض وسجَّلها باسمه وسُميت مستعمرة «ريشون لتسيون» وهي عبارة توراتية تعني «الأول أو الطليعي في صهيون». وفي العام نفسه، قام «مبعوث» من جمعيات أحباء صهيون بشراء أراض وتأسيس مستوطنة روش بينا «رأس أو حجر الزاوية». وفي العام نفسه أيضاً، تم شراء أراض مملوكة لمواطن «فرنسي» وذلك بمساعدة إميل فرانك، وهو «يهودي فرنسي» يعمل وكيلاً في الموانيء السورية لإحدي شركات السفن البريطانية ويشغل في الوقت نفسه منصب نائب قنصل ألمانيا والنمسا في الإسكندرية. وأُسِّست المستوطنة الثالثة التي سُمِّيت «زخرون يعقوب» تخليداً لذكري والد البارون روتشيلد بعد أن تعهَّد بتقديم المعونة المالية للمستوطنة. مما يشير إلي استمرار عملية شراء الأراضي بمساعدة قناصل الدول الغربية، ومن خلال استخدام النفوذ الغربي والامتيازات الممنوحة لرعايا الدول الغربية.
وكل هذا لم يؤد إلا لتهجير بضع مئات من اليهود وبتكاليف باهظة ولو كان الفلسطينيون باعوا أراضيهم أوممتلكاتهم لما اضطرت العصابات اليهودية لارتكاب مذابح علي غرار دير ياسين وإبراز بشاعتها إعلاميا عمدا لتخويف السكان الفلسطينيين وتهجيرهم بشكل جماعي، ولما صدر قانون أملاك الغائبين لمصادرة أملاك فلسطينية مخصصة للأوقاف ورعاية اليتامي ودور العبادة والإنفاق ولما اضطر الصهاينة للابقاء علي الحكم العسكري علي أكثر من 150 ألف فلسطيني رفض ترك أرضه في عام 1948 طمعا في تخويفهم وإجبارهم علي الرحيل لكن ما حدث هو العكس حيث تنامت أعدادهم نتيجة ارتفاع معدلات المواليد. والثابت أنه جري في هذا الإطار عمليات تزوير وغش كثيرة. وعلي أي حال فالثابت أن مساحة الأراضي التي وقعت تحت أيدي اليهود حتي عام 1948م من غير قتال أو حرب، حوالي «2» مليون دونم. أي ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم. وقد حصل اليهود علي تلك الأرض «2 مليون دونم» بأربع طرق هي: ـ الطريقة الأولة: 650.000 دونم «ستمائة وخمسون ألف دونم» حصلوا علي جزء منها كأي أقلية تعيش في فلسطين منذ مئات السنين، وتملك أرضاً تعيش عليها، وحصلوا علي الجزء الآخر بمساعدة الولاة الأتراك، الذين تآمرت حكومتهم علي السلطان عبد الحميد وأسقطته، لأنه رفض كلَّ عروض اليهود عليه مقابل تمكينهم من أرض فلسطين. ومن هذه العروض إعطاؤه مبلغ خمسة ملايين ليرة انجليزية ذهباً لجيبه الخاص، وتسديد جميع ديون الدولة العثمانية البالغة 33 مليون ليرة ذهباً، وبناء أسطول لحماية الامبراطورية بتكاليف قدرها مائة وعشرون مليون فرنك ذهبياً، وتقديم قروض بخمسة وثلاثين مليون ليرة ذهبية دون فوائد لإنعاش مالية الدولة العثمانية، وبناء جامعة عثمانية في القدس.
ـ الطريقة الثانية : 665.000 دونم «ستمائة وخمسة وستون ألف دونم» حصل عليها اليهود، بمساعدة حكومة الانتداب البريطاني المباشرة حيث باع المندوب السامي البريطاني الوكالة اليهودية وبأسعار رمزية مائتي ألف دونم. ثم أهدي للوكالة اليهودية أرض السلطان عبد الحميد ومساحتها 165.000 دونم.
ـ الطريقة الثالثة : 606.000 دونم «ستمائة وستة آلاف دونم»، اشتراها اليهود من إقطاعيين أجانب منهم عائلة ميشل سرسق وإخوانه التي باعت مساحة 400.000 دونم «أربعمائة ألف دونم»، في سهل مرج ابن عامر، وهي من أخصب الأراضي الفلسطينية، وكانت تسكنها 2546 أسرة فلسطينية، طُردت من قراها لتحل محلها أسر يهودية جاءت من أوروبا وغيرها.
وبالرغم من جميع الظروف التي وضع فيها الشعب الفلسطيني والقوانين المجحفة التي سنها المندوب السامي، إلا أنَّ مجموع الأراضي التي بيعت من قبل فلسطينيين خلال فترة الانتداب بلغت ثلاثمائة ألف دونم، وقد اعتبر كل من باع أرضه لليهود خائناً، وتمت تصفية الكثير منهم بعد أن قبلوا بيع 1% من أرض فلسطين بعشرة أضعاف سعرها الحقيقي.