السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

هذه قصة واقعية ترجمتها عن كتاب كتبه صاحب القصة عن كفاحه مع مرض السرطان . ملخص الكتاب منشور في أحد أعداد مجلة المختار الأمريكية الصادرة تقريباً عام 2000

المريض الأول
عدا عن نوبة برد عابرة، لم يُصب ريك ميردوك بمرض في حياته و لم يرى طبيباً. فهو مشغول جداً بوصفه مديراً لشركة سل برو و هي شركة ناشئة للتقنية الحيوية. و أيامه مملؤة بالإجتماعات و العصف الذهني و خطط التسويق. و فجأة أصبح ريك مريضاً جداً. و قد اتفق الأطباء أنه لا أمل في إيقاف السرطان الجامح في جسده سوى جهاز تصنعه شركة ريك. جهاز لازال على الحافة لدرجة أنه لا يزال على لوحة التصميم. بدت مصادفة غريبة أن يصاب مدير شركة متخصصة في علاج السرطان بهذا المرض. و رغم أن المدير مصاب بهذا المرض فلم يكن أحد متأكداً إن كان هذا الجهاز سيعمل. ريك ميردوك يحكي حكايته مع السرطان.

قال موظف المحكمة: فليقف الجميع. و عندها دخل القاضي القاعة. تحجرت ملامحي من الخوف، فشركة باكستر للتقنية الحيوية تقاضي شركتي بزعم أننا تعدينا على براءة اختراع لها و بالتالي تجاوزنا قانون حقوق الملكية الفكرية.
توصل المحلفون لقرار، لقد حكموا لصالحنا. لقد أراحتني تلك الأنباء الرائعة في أغسطس 1995. لكنني فوجئت بعد ذلك بوجود عقدة ليمفاوية متضخمة في عنقي. (يتم تصفية الدم من الجراثيم و بقايا الخلايا التالفة في شبكة من الأنابيب اليمفاوية و تحتوي على عقد بها أجسام مناعية مضادة لقتل الجراثيم قبل إعادة السائل الليفماوي للدم).
بعد أسبوع وجدت واحدة أخرى بساقي، و حين أخبرت زوجتي، ألحت علي بزيارة الطبيب. كنت مشغولاً في العمل فانتاج جهاز فصل الخلايا الجديد المدعو سيبرت يشغلني باتخاذ قرارات الإنتاج و التسويق، فقد حاز الجهاز ثقة الأطباء و زاد الطلب عليه.
انزعج الطبيب من الورم و أخبرني بوجوب الذهاب لجرّاح لأخذ عينة من الورم و فحصها. قام الجرّاح بإعطائي مخدر موضعي و استئصل الغدة التي في رقبتي بأكملها و أرسلها للمعمل لتحليل خلاياها.
اتصل بي الجرّاح بعد عدة أيام ليخبرني أن الورم سرطاني فأقلقني ذلك جداً و رأيت أن أول ما يتعين علي فعله هو إخبار زوجتي و ولداي ثم إخبار رؤسائي في العمل ثم الموظفين.
كطالب في المرحلة الإعدادية استهوتني علوم الحياة و إذ دخلت الجامعة كان ذلك مجال تخصصي. لحسن حظي أن ثورة علوم الأحياء الجزئية كانت على أشدها إذ خرجت لسوق العمل. فقد بدأ العلماء يفحصون الحياة على مستوى الخلية و الجزيئات التي بها و يستكشفون كيف تعمل. و قد أخذت وظيفة في شركة تنتج الكيماويات التي تستخدم في تحليل الدم في المعامل و كنت مندوب مبيعات لهم. و قد سرني العمل مع الأطباء و علماء الأحياء و سرني أن أتمكن من توفير احتياجاتهم لإتمام أبحاثهم.
و ما أسرع ما أصبحت على قمة مندوبي المبيعات ثم انتقلت لشركة أخرى في مدينة أخرى عرضت علي وظيفة نائب مدير التسويق فقبلت الوظيفة و انتقلت مع عائلتي.
تعمل تلك الشركة في انتاج الأجسام المضادة وحيدة الهدف و تستخدمها كشاحنة ميكروسكوبية للتعرف على الخلايا المصابة بالسرطان. يتم ربط الجسم المضاد بمادة ملونة تظهر بأشعة إكس. ثم حقن المريض بالأجسام المضادة و عندها تهاجم تلك الخلايا السرطانية حاملة معها المادة الملونة و ترتبط الأجسام المضادة بالخلايا السرطانية. و عندما يتم تصوير الجسم بأشعة إكس تظهر الخلايا السرطانية ملونة مما يمكّن الطبيب من معرفة أين انتشر السرطان.
لقد أحببت عملي في تلك الشركة لكنني أتطلع للتحديات و التجديد في عالم التقنية الحيوية و بعد عدة سنوات عرضت على شركة سل برو الناشئة تولي منصب نائب رئيس قسم المبيعات فقبلت المنصب و بعد عدة أشهر تم تنصيبي مديراً لتلك الشركة.
كان جهاز سيبرت المنتج الرئيسي لتلك الشركة و هو جهاز يستخدم تقنية خاصة لفصل خلايا المنشأ غير مصابة بالسرطان من دم المريض. و لتلك الخطوة أهمية في علاج السرطان.
مواجهة الحقيقة: عندما أخبرني الطبيب بالبرنامج الذي سيتبعه لمعالجة المرض، كنت كمن لم يسمع بكلمة سرطان من قبل. بل كنت أتساءل:"ماذا أفعل هنا؟" الخلايا الليمفاوية الخبيثة تتكاثر بسرعة أعلى من الطبيعي مما يجعلها تملأ الدم لذلك على الطبيب أن يستخدم مجموعة من العلاجات للتخلص منها. نصف الحالات التي يتم علاجها يعاودها السرطان خلال 5 سنوات.لقد كانت صحتي على ما يرام رغم أن لدي مرض فظيع.
لكن بعد تلقي أول جرعة من العلاج شعرت بالإعياء الشديد.
التقنية الحيوية: في مجال العلاج و الدواء أرى أن المنافسة شئ حسن فهي تجعل المتنافسين يطورون أنفسهم و يعطون أحسن ما عندهم.
لكن خلافنا مع شركة باكستر أثبت أن السوق تحكمه وجهة نظر مختلفة. فشركة باكستر تريد أن تحتكر سوق أجهزة فصل الخلايا لنفسها و هذا ما يجعلها أحد عمالقة شركات التقنية الحيوية في الولايات المتحدة.
استأنفت شركة باكستر الحكم الذي منح جهاز فصل الخلايا الذي نصنعه براءة اختراع و من ثم قام القاضي بإلغاء الحكم القديم لصالحنا و أمر بإجراء محاكمة أخرى.
اكتشف دكتور من أحد الجامعات يدعى كرت سفن اجساماً مضادة متخصصة بوسعها أن ترتبط بخلايا المنشأ " "stem cellsفي الدم. و خلايا المنشأ تلك يصنعها نخاع العظم و تتحول إلى كافة أنواع خلايا الدم و الخلايا المناعية.
و في نفس الوقت اكتشف عالماً آخر يدعى فرد هاتشنسون طريقة لفصل خلايا المنشأ السليمة باستخدام جسم مضاد مختلف و فصلها من الدم تماماً. اكتشاف هذا العالم هو أساس عمل جهازنا و قد فتح طريق الأمل لمرضى السرطان.
استمر العالم الأول "سفن" في تطوير طريقته لفصل الخلايا. ثم تقدم لطلب براءة الإختراع من مكتب البراءات بالولايات المتحدة فمنحه المكتب براءة اختراع واسعة المدى. ثم قامت شركة باكستر بشراء تلك البراءة و قامت بانتاج جهاز يدعى أيزولكس لينافس جهازنا.
عرضت علينا شركة باكستر أن نشتري براءة جهازهم لكننا رفضنا لأننا افترضنا أن من حقنا انتاج الجهاز لأن تقنيتنا مختلفة عنهم.
بينما أخوض حرباً لأجل حياتي كانت شركتي تخوض حرباً لتثبيت وجودها بالسوق.
حينما تناولت العلاج الكيميائي أصابني الغثيان الشديد و الإعياء لدرجة البقاء في الفراش كما تساقط شعري فوضعت شعراً مستعاراً كي أستعيد ثقتي بنفسي.
كنت قد بلغت التاسعة و الأربعين من عمري في هذه المرحلة و كان لايزال لدي أمل في الشفاء. أخبرني الطبيب أن المعمل قد غيّر التشخيص لنوع آخر من السرطان فرصه في الشفاء أقل.
حضر طبيبي مؤتمراً عن السرطان في ألمانيا شرح فيه الأطباء أن هذا النوع من السرطان يستجيب لعملية زرع خلايا المنشأ. و يقوم الأطباء باستخلاص خلايا المنشأ غير المصابة من الدم ثم يعطون المريض كمية كبيرة من المواد الكيميائية و الإشعاعات التي تقتل كل الخلايا السرطانية و السليمة ثم يحقنون المريض بخلايا المنشأ التي سبق استخلاصها منه فتنمو تلك و يستعيد المريض خلايا دمه و الخلايا المناعية الطبيعية.
جهاز فصل الخلايا الذي نصنعه يستخلص خلايا منشأ سليمة و لكن ملوثة بكمية قليلة من الخلايا السرطانية. لأحظى بأفضل فرصة لمقاومة السرطان يجب أن يتم تعديل الجهاز بحيث يفصل عينة نقية من خلايا المنشأ.
فجأة خطرت نيكول بروفوست بذهني و هي رئيسة العلماء الذين يعملون على تطوير جهاز آخر لتنقية الخلايا المفصولة و لكن جهازها كان تجريبياً إذ لم يكتمل انجازه و لم نأخذ به موافقة هيئة الدواء و الغذاء الأمريكية لوضعه بالسوق.
قلت لطبيبي، لدى شركتي جهاز تنقية. ذهبت لعملي و جمعت مجموعة العلماء الذين يعملون لدي و أخبرتهم بمرضي و برأي الطبيب. و أنني بحاجة للجهاز خلال شهرين لإجراء عملية زرع النخاع. و بما أن الجهاز لايزال تحت التجربة فإنني سأكون أول من يستعمله أي المريض الأول بلغة الإختبارات السريرية.
سيقوم الطبيب بعملية زرع لنخاع مني و هذا يحميني من خطر رفض الخلايا الذي يحدث عند زرع خلايا المنشأ من شخص آخر. لكن الآن علي الاعتماد على تقنية لم يسبق تجربتها.
الشفاء من أي مرض فرع الزمن الذي تصاب فيه بهذا المرض. فلو تم تشخيصي بهذا المرض منذ عدة سنوات لكان نصيبي الموت إذ لم يكن العلماء قد ابتكروا علاجاً في ذلك الوقت.
جمعت نيكول فريقاً من عدة متخصصين و باشرت العمل على الجهاز. تمتلك نيكول عدة مزايا تؤهلها لأداء عملها فهي ذكية و لها القدرة على الإبتكار و لديها ثقة عالية بالنفس.
اجتمع فريق العمل لمدة ساعة حيث أخبرتهم نيكول بوجوب الإسراع في العمل لإنقاذ حياتي و قد أصابتهم الدهشة في أول الأمر و انزعجوا ثم بدأوا يتخذون موقف القادر على إتمام المهمة و أطلقوا على مشروعهم اسم مشروع ريك.
سحب الطبيب مني عينة من الدم ثم استخدم ماكينة خاصة لفصل خلايا الدم البيضاء وحدها.
لفصل خلايا المنشأ تلزم خطوتان، الأولى يتم فيها فصل خلايا المنشأ من الدم الذي سأتبرع به بجهاز سيبرت. هذا الجهاز به قاعدة متصلة ببرج بلاستيكي متصل به اسطوانة بلاستيكية بيضاء يمر بها مجموعة من الأنابيب البلاستيكية التي تصل البرج بالعامود. يعمل الجهاز بوضع عينة من خلايا الدم البيضاء بأعلى العامود و عبر الأنابيب حيث يتم فصل الخلايا التي لا نرغب في الإحتفاظ بها و تخرج من أسفل البرج. ثم يتم جمع الخلايا المتبقية في العامود في كيس.
الخطوة الثانية تستلزم أن يمر ما جمعناه من خلايا في جهاز تنقية آخر حيث يتم التخلص من الخلايا السرطانية تماماً.
وجدنا شركة فرنسية تبيع أجسام مضادة تلتصق بخلايا المنشأ كي نستطيع فصلها. لكن تلك الأجسام ممكن أن تتلوث بالبكتيريا أو الفيروسات لذلك فإن استعمالها قد يكون فيه خطر على حياتي، لكنني في وضع يائس فقد منحني الأطباء تقديراً بأنني قد لا أعيش أكثر من عام و نصف إذا لم أقم بعملية زرع خلايا المنشأ. لذلك قررت أن أتقبل تلك المخاطرة.
يقوم فريق العمل بحصد خلايا المنشأ و التأكد من نقائها بتعريضها لجهاز يمنح الخلايا السرطانية وحدها إضاءة خاصة بحيث تبدو مميزة عما حولها.
تم عمل نموذج أولي لجهاز فصل الخلايا كي يستخدمه الفريق في إجراء التجارب. استمر فريق العمل في محاولاتهم تلك دون نجاح لمدة ثلاث أسابيع، فسرطان الدم يفرز الكثير من الخلايا السرطانية لذلك كان المنتج النهائي يحتوي على الكثير من الخلايا السرطانية أو القليل من خلايا المنشأ.
قررت نيكول أن تعكس الطريقة التي تعمل بها، بأن تقوم بالتخلص من الخلايا السرطانية أولاً ثم تحاول فصل خلايا المنشأ من الخليط. و قد أحدث ذلك التغيير النتيجة المطلوبة.
بنهاية شهر مايو، التقيت أنا و نيكول و الطبيب لنضع جدولاً زمنياً لعملية زرع النخاع. 17 يونيو هو اليوم الذي ستبدأ فيه حياتي الجديدة لو تمت كل الأمور على ما يرام.
أخذت أعد للعملية فسلمت كل الأوراق الخاصة بالعمل للمدير الذي سيخلفني. لقد أرهقتني المعركة القضائية مع شركة باكستر و التي امتدت لمدة سنوات و علي الآن أن أضع كل تركيزي على معركتي مع السرطان.
كان ابني الأكبر يقضي الفصل الدراسي في فينيسيا، أما ابني الأصغر بن و الذي يبلغ من العمر 17 عاماً فقد ألح علي أن نذهب للإبحار سوياً. عادة ما كانت زوجتي تعترض فلا ينبغي لي أن أجهد نفسي كما أن مناعتي الضعيفة لا يجب أن تسنفذ في الإصابة بنوبات البرد فتلك قد تكون مهلكة. لكنني وجدت الإبحار أفضل علاج لمتاعبي لذلك كنت أبحر مع ابني كل نهاية اسبوع في قاربنا الشراعي الذي يبلغ طوله 15 متراً. بالطبع لم يعد بإمكاني أن أقوم بالعديد من المهام التي اعتدت القيام بها عند الإبحار فتحمل ابني عبء تلك المهام بدلاً مني بنفس راضية. و قبل العملية مباشرة أبحرنا أنا و بن و صديق له و أنزلنا المرساة في الخليج و قمنا بشواء اللحم على ظهر القارب. كان المكان بعيداً عن أضواء المدينة فتناولنا طعامنا ثم استلقينا في قمرة القيادة نراقب النجوم و نستمع للموسيقى و نتحدث.
ثم رأيت القمر و هو يعلو في السماء و قد اكتسب قرصه لوناً برتقالياً ثم انعكس شعاعه الفضي على الماء و بقينا نرقب السماء حتى الفجر. لقد شعرت أن تلك الليلة هدية لي لتساعدني على التحضير للعملية.
حياة جديدة:
قالت لي الممرضة و هي تجهزني لعملية الزرع أن تلك العملية من أقسى ما قد يمر بي، كأنما أنا في حرب أقف فيها وحيداً دفاعاً عن حياتي و قالت لي إنه لن يقف معي في تلك المعركة سوى أسرتي. فوجودهم المستمر بجواري سيذكرني بوجوب الإستمرار في المقاومة إذا اشتدت الأزمة.
دخلت المستشفى للتجهز للعملية. أول خطوة تستلزم أن آخذ علاجاً كيميائياً يقتل كل خلايا الدم البيضاء السليمة و المصابة إذ لا تمييز لهذه الكيماويات. بعد اسبوع سآخذ دواءاً يحفز انتاج خلايا المنشأ في دمي. بعدها ستجمع الممرضة ثلاث عينات من دمي لإعطاء عدة فرص للتقنيين لتنقية خلايا منشأ سليمة. بعدها ستتم إعادة الخلايا النقية لدمي مرة أخرى بالحقن.
عندما انخفضت خلايا الدم البيضاء في دمي تراجعت مناعتي كما شعرت بالإعياء لدرجة أنني لم أقدر أن أقف لمدة ثلاثة أيام. ثم سمح لي الطبيب أن أعود للمنزل و حذرني بأن أعتني بنفسي فلو عطس أحدهم في وجهي فسأصاب بعدوى قاتلة.
كان هذا هو الأسبوع الذي سيتخرج فيه بن من المدرسة الثانوية و قد حضرت والدتي للإحتفال معنا. كنا سنقيم لبن حفلاً كبيراً لكننا ألغيناه بسبب علاجي و الآن انطلق الجميع لمنزل صديق بن يقيم احتفالاً كبيراً فشعرت أن البيت فارغاً. تحملت الوضع قليلاً ثم تغلب علي العناد و قلت لنفسي إن ابني يتخرج و أنا أريد أن أشاركه بهجته فانطلقت إلى منزل الصديق لمشاركة الجميع الإحتفال. و بالرغم من الإجهاد الشديد فقد كنت أشعر بالسرور و في اليوم التالي كنت على مايرام و قد أثبتت التحليلات أن عدد خلايا المنشأ في دمي يزيد و أنه قد حان وقت حصادها. جهّز فريق الباحثين الجهاز و سلموه للمستشفى لإستخدامه.
لنعد التجربة:
جمع التقنيون كوباً من السائل الوردي من دمي و تم تسليمه للمعمل و بينما انتهى دوري بدأ عملهم لفصل الخلايا السليمة. قام المختص بإضافة البيوتن للأجسام المضادة و إضافة تلك للكيس و ها هي الأجسام المضادة تطارد الخلايا بحثاً عن الخلايا المطلوبة و تلتصق بها كي يتم فصلها في الخطوة التالية. تم إضافة بعض الكيماويات بهدف التخلص من الخلايا المصابة لتنزلق خارج عامود الفصل. لقد جرّب فريق العمل هذه الطريقة في المعمل فنجحت لكن ربما لن تنجح هنا. الخطوة التالية كانت أن يمر المحلول عبر جهاز الفصل ليتم التخلص من الخلايا السرطانية المتبقية و قد استغرقت تلك الخطوة ثلاث ساعات و نصف.
ثم استخدم جهاز الإضاءة الخاص للتأكد من نقاء العينة. للأسف ظهرت نقاط مضيئة على شاشة جهاز المراقبة دلالة على وجود خلايا مصابة. اتصل فنيو المعمل بنا ليخبرونا بالنتيجة. فما تبقى من خلايا السرطان هو 1.% و هذا لا يكفي، إذ لابد أن تبلغ درجة النقاء 100% لضمان عدم عودة مرض السرطان من جديد.
طلبت منهم أن نحاول مرة أخرى فدمي غني بخلايا المنشأ و بعدها تم الإتصال بنيكول. و برغم كونها مرهقة فقد جلست تفكر فيما أخطأ فيه الفريق كي يمكن إصلاحه. لقد بقيت لي فرصة واحدة كي أعيش و أنا أنوي اقتناصها. قامت نيكول بإعادة التجربة مع كيس جديد من دمي و تلك المرة زادت كمية المادة التي تقتنص الخلايا السرطانية.
إن التقدم في العلم التجريبي بطئ و متراكم و لكن في هذه الليلة فإن هذا الفريق أثبت صحة المقولة التي تزعم أن البحث العلمي يتكون من أجزاء متساوية من الإلهام و تكريس الجهد و الإجتهاد البالغ. و علينا أن نضيف كلمة اليأس إلى تلك المكونات.
مع مرور الوقت ازدادت لزوجة عينة الدم التي منحتها و بدأت الخلايا البيضاء تتلاصق مما استدعى إحضار جهاز آخر و تم قسمة عينة الدم إلى جزءين و استخدام جهازين لإجراء الفصل لكل نصف.
انتهى العمل عند منتصف النهار. جهاز الإضاءة هو الكرة البلورية التي تتنبأ بمستقبلي. هذه المرة لم يكشف الجهاز عن أي بقع مضيئة. لقد نجح فريق البحث في الحصول على عينة نقية من خلايا المنشأ لإعادة زرعها في دمي. أخبرتني نيكول بذلك على التليفون فتنفست الصعداء، لقد ربحت للتو معركة خاسرة.
قبل أن أدخل المستشفى لعملية الزرع تلقيت أنباء مروعة فقد حكم القاضي بإسقاط الحكم الذي صدر لصالحنا و أمر بعقد محاكمة ثانية. اندهشت للقوة و السلطة التي بيد هذا القاضي. إذ كيف له ان يلغي حكماً قضائياً صدر بالفعل. أما التوقيت فكان غير مناسب فليست لدي أي قوة لأقود المعركة لبقاء الشركة. على زملائي أن يتابعوا القضية حتى أستعيد صحتي.
سيعطيني الطبيب جرعة أخرى من الكيماويات و الإشعاع لقتل السرطان الذي يسري في دمي قبل أن يحقنني بالخلايا السليمة.
و قد استخدم الطبيب تقنية جديدة في العلاج بالإشعاع. ففي السابق كان الأطباء يوجهون جرعة مكثفة من الأشعة التي تقتل الخلايا السرطانية لكنها تدمر العديد من أعضاء الجسم المهمة. أما الآن فيستخدمون أجسام مضادة وحيدة الهدف محملّة بالأشعة و موجهة إلى الخلايا السرطانية فقط لخفض الضرر الذي ينشأ عن وجود الأشعة بالجسم.
بعد استخدام الأشعة سيبقى جسمي مصدراً للأشعة لمدة عشرة أيام. لذلك علي البقاء في المستشفى طوال هذه الفترة في غرفة مجهزة لهذا الغرض تمنع حوائطها تسرب الأشعة في مستشفى الجامعة. إذ تحتوي الحوائط على ألواح من الرصاص سماكتها 15 سم تمتص الإشعاع.
قامت الممرضة بتعليق الكيس الذي يحتوي على الأجسام المضادة المشعة على حامل ثم غرست إبرة في ذراعي متصلة بأنبوبة بهذا المحلول.
بعد مرور ساعة جاء أحد الفنيين و قام بقياس نسبة الإشعاع في جسدي بجهاز يدعى عدّاد جيجر. بداخل جسمي بدأت معركة عنيفة فبلايين الأجسام المضادة التي تحمل أسلحة إشعاعية تبحث و تهاجم الخلايا السرطانية.
كانت عائلتي تزورني يومياً و لكنهم مُنعوا من البقاء معي فترات طويلة خشية التعرض للإشعاع فجسمي يطلقها طوال الوقت. لذلك حال بيننا لوحين عازلين من الرصاص. و بالرغم من الإجهاد فقد آذتني تلك العزلة عن البشر إذ ليس مسموح لأحد أن يلمسني أو يقترب مني.
بعد اثني عشر يوماً، لم أعد أمثل خطراً على أحد. لذلك سمح لي الطبيب أن أذهب للبيت. و قد سرني ذلك إذ عدت إلى عائلتي و قمت معهم بما اعتدت القيام به من مشاهدة التليفزيون و تناول العشاء سوياً.
عدت إلى المستشفى في اليوم التالي حيث تم حقني بالأدوية الكيميائية ببطء على مدى أربع ساعات فشعرت بغثيان و بدت لي الأيام التالية كالجحيم.
الخطوة التالية هي خطوة الزرع و إذا نجحت تلك فستستقر خلايا المنشأ في نخاع العظم و تبدأ في التكاثر و تتحول إلى خلايا دم بيضاء و خلايا مناعية. تم تعليق كيس الخلايا و حقني بها و استغرقت العملية 10 دقائق فقط.
ليس بدمي خلايا دم بيضاء فقد قتلت الأدوية الخلايا السليمة و المريضة لذلك فأنا أواجه خطر الحمى و انتقال العدوى و النزيف. و كلها خطيرة بالنسبة لحالتي.
يقوم الفريق الطبي بتسجيل مؤشراتي الحيوية من ضعط الدم و النبض و درجة الحرارة و معدل التنفس ثلاث مرات يومياً. و قد انتابتني حمى ذات يوم فأعطاني الأطباء عدة أنواع من المضادات الحيوية لقتلها و قد تسببت المضادات في احمرار جلدي و تكون طفح بالجلد.
ثم انتابتني كحة شديدة و حين نفخت عبر أنفي بشدة انساب الدم منه. يا للأسى فليس بجسمي صفائح دموية كافية للتجلط و سد الجرح. و تكرر ذلك في اليوم التالي فقام الأطباء بتصوير الجيوب الأنفية بالأشعة المقطعية ليعرفوا أين المشكلة. لدي طفح جلدي و نزيف و حمى، لكن أسوأ ما انتابني كان الألم الشديد. في البداية لم أرغب في أخذ المورفين لتسكين الألم فهو يلغي إحساسي بالواقع حولي. لكن الممرضة ألحت علي و قالت لي:" أن من يتحمل هذا الألم لا ينال جائزة."
تناولت المورفين مما أدى إلى غيابي عن الوعي و استعادتي له مرات عديدة على مدى اسبوع. كل ما احتاجه هو أن تدل الأرقام أن خلايا الدم البيضاء تزداد في دمي.
بعد عدة أيام زاد عدد تلك الخلايا إلى 500 و بدأت الحمى تهدأ و الطفح الجلدي يتراجع. و بسبب الغثيان لم يمكنني الأكل. قال لي الطبيب:"إن تمكنت من الإحتفاظ ب 1000 سعر حراري في معدتك فسأسمح لك بالعودة إلى البيت." و لذلك أخذت أتناول الزبادي و التفاح المهروس ثم اكتشفت مشروب إنشور و هذا أعطاني الكثير من الطاقة. لقد كان اليوم الذي تناولت فيه الطعام و احتفظت في جسمي بألف سعر حراري من أهنأ أيام حياتي.
حزمت أمتعتي و ارتديت ثيابي لأول مرة منذ اسبوعين و توجهت إلى منزلي. و تحتم علي العودة إلى المستشفى يوماً بعد يوم للتأكد من تعداد خلايا الدم البيضاء في دمي. و كل يوم أشعر أنني أستعيد قوتي و أنني أعود إلى ما كنت عليه قبل هذا المرض. و في صباح رائع قلت لزوجتي، لقد استرددت عافيتي فما رأيك أن نبحر في القارب الشراعي. و قد أجهدني رفع الشراع لكننا تمكننا من الإبحار إلى مكان يدعى ميناء لودلو. مهما كان المجهود الذي بذلته فقد ربحت بسببه الكثير من الإنبساط و الرضا.
بنهاية سبتمبر من عام 96 عدت إلى طبيبي للتأكد من نجاح عملية الزرع. فأجرى الطبيب أشعة مقطعية للعقد الليمفاوية و أخذ عينة من نخاع العظم و أجرى تحليلاً لخلايا الدم.
بعد اسبوع أخبرني الطبيب و هو يبتسم أن العينة لا تشوبها خلايا سرطانية. لكن يتحتم علي المتابعة كل عدة أشهر. آخر علامة لشفائي كانت عودة شعري للنمو مرة أخرى و قد سرني رؤية هذا الزغب يعلو رأسي.
قرارات حرجة:
بحلول نوفمبر كنت أعود للمستشفى كل شهر للتأكد من خلوي من السرطان و قد كانت كل تحاليلي سلبية و بالرغم من ذلك كنت حذراً و لم أرغب أن أظن أنني شفيت تماماً.
بدأت المحاكمة الثانية في مارس من نفس السنة و قد اندهشت كيف أسقط القاضي كل أدلة الدفاع التي عرضناها و حكم لصالح باكستر. في نفس الوقت كانت هيئة الأدوية قد منحتنا موافقة على استخدام جهاز سيبرت و تم استخدامه في 50 تجربة علمية إكلينيكية (تتضمن مرضى) في أعلى المؤسسات الطبية عبر البلاد.
إحدى تلك التجارب كانت على جنين في بطن أمه اكتشف الأطباء نقص حاد في الخلايا المناعية لديه و بالتالي توقعوا أن يموت فور خروجه للحياة، لكن جهازنا ساعدهم على حقنه بخلايا منشأ سليمة تحمل جيناً سليماً، بعد خمسة أشهر وُلد هذا الطفل معافى بجهاز مناعي طبيعي.
أما التجارب الأخرى فتضمن بعضها علاج الأمراض المناعية مثل مرض اللوبس (تهاجم الخلايا المناعية خلايا الجسم و تدمرها فيفقد الشخص القدرة على تحريك مفاصله و عضلاته ثم القدرة على التنفس ثم يموت و لا علاج لهذا المرض) و كذلك تم تجربة الجهاز على مرضى بالروماتويد الذي تتدمر فيه خلايا المفاصل بسبب غامض فيعجز المريض عن الحركة و يكون المرض مصحوباً بألم شديد.
يبدو لي أننا قد صنعنا تقنية رائعة ستحدث تغييراً في عالم الطب و كان من الصعب علي أن أتخيل أن تلك التقنية ستختفي بسبب نزاع مصالح. لكن هذا ما حدث بالضبط.
ففي يوليو من عام 1997 حكم القاضي أننا قد تجاوزنا براءة الإختراع الممنوحة لباكستر و أننا تعدينا على قانون حق الملكية الفكرية. و طلب منا أن ندفع 7 مليون دولار تعويضاً لهم بالإضافة إلى أتعاب المحاماة. ثم طلب منا إزالة جهاز سيبرت من السوق بعد أن أصدرت هيئة الدواء و الغذاء الأمريكية تصريحاً لجهاز مشابه كي يتم بيعه. و أمر القاضي بدفع جزء من أرباح جهازنا لشركة باكستر.
صدمني حجم التعويضات التي علينا أن ندفعها. لكن تلك لم تكن آخر الأحزان، فقد صدّقت محكمة أخرى على قرار القاضي و حرمت المرضى من تكنولوجيا قد تنقذ حياة آلاف. فور صدور الحكم قام عملاؤنا بشراء كل ما تبقى لدينا من أحهزة فكل جهاز يمكن استعماله مرة واحدة فقط. ثم بعنا لباكستر آخر 800 جهاز لدينا. ثم قامت باكستر ببيع جهاز أيزولكس المناظر لجهازنا لشركة أخرى.
أدت تلك الإجراءات لضعف موقف الشركة المالي فقام مالكوها ببيعها لشركة أخرى. في عام 1999 أخذ جهاز أيزولكس لفصل الخلايا موافقة هيئة العذاء و الدواء الأمريكية كي يصبح منتجاً يباع في الأسواق. لقد استغرق تطوير جهازنا مالاً و وقتاً طويلاً و كل ذلك ضاع هباء مع قرار المحكمة.
أحزنني تفكك الشركة و تفرق فريق البحث الرائع الذي عمل معي. قررت أن أتريث قليلاً قبل أن أخطو خطوتي التالية، فعملي في تطوير تكنولوجيا حيوية تساعد في شفاء المرضى مما يسعدني و لكن علي أن أستفيد من الدروس الخاصة بالشركة القديمة و أبدأ من جديد.
في عام 98 عرضت علي شركة أخرى في مجال التقنية الحيوية العمل كرئيس لها لتطوير أجهزة لمساعدة من أصابتهم هشاشة العظام بكسور في العامود الفقاري على استعادة القدرة على الحركة.
أعيش مع زوجتي الآن في سان فرانسيسكو و قد تخرج ولدي الأكبر من الجامعة و حصل على درجة الماجستير في مجال الهندسة الحيوية. بينما تخرج الأصغر من الجامعة و كان بحث التخرج عن استخدام نوعاً من السموم لعلاج السرطان. إنه مما يشعرني بالفخر أن يعمل ابناي في المجال الطبي.
لقد تعلمت الكثير من الدروس مما حدث لي في شركة سل برو. لقد ارتكبنا العديد من الأخطاء. على العلماء و من لهم مصالح تجارية و المشرعيّن القانونيين أن يعملوا سوياً للتأكد أن مصلحة المرضى و هم الأضعف و الأكثر عوزاً تأتي أولاً في مجال البحث الحيوي الذي تسوده المنافسة.
وصلتني رسالة الكترونية من مريض بالسرطان كان ضمن 131 مريضاً مصاباً بسرطان الجلد تلقوا علاجاً تجريبياً باستخدام جهاز سيبرت. يقول هذا المريض:"بعد مرور 3 سنوات على العلاج لايزال جسمي خالي من السرطان. أعمل على مدى 60 ساعة كل أسبوع و أمارس ركوب الدراجات و الأحصنة و أي نشاط أرغب فيه. لم يكن بإمكاني القيام بذلك دون جهازكم. سأبقى للأبد شاكراً لكم."
هذا ما ينبغي أن يكون عليه العلم في الولايات المتحدة.

هناك قانون يدعى قانون حقوق الملكية الفكرية في الولايات المتحدة يتم بموجبه منح شخص ما براءة اختراع عن أي كشف علمي يقوم به و على أي شركة تريد استثمار ذلك الإختراع أن تشتري من المخترع الرخصة الممنوحة له و لا يمكن لأحد أن يطّور تكنولوجيا مشابهة حتى لو اختلفت في بعض التفاصيل و طرحها في السوق و إلا اعتبر منتهكاً للقانون و تعرض للمساءلة القانونية. و قد فرضت الولايات المتحدة على العديد من دول العالم المشتركة في معاهدة للأدوية تم توقيعها العام الماضي (لا يحضرني اسم الإتفاقية الآن و لكنها فرع من اتفاقيات الجات لتنظيم السوق العالمي) بحيث يتعين على السوق المصرية أن تشتري الدواء الأجنبي و لا يمكنها تطوير شيئاً مشابهاً حتى لو تم بتفاعلات مختلفة. و قد كسرت الهند و الصين تلك الإتفاقيات و أنتجت أدوية مشابهة للأدوية الأمريكية و طرحتها في الأسواق بأسعار تقل عن نظيرتها الأمريكية. و منذ اسبوع أعلنت البرازيل عزمها على كسر تلك الإتفاقية و السماح لشركات الدواء الهندية بإنشاء مصانع لها في البرازيل لإنتاج دواء رخيص للإيدز لوجود 20,000 مصاب بهذا المرض في البرازيل و ذلك بقرار من رئيس الدولة. كما ينوي هذا الرئيس إصدار العديد من القوانين التي تلغي قانون حقوق الملكية الفكرية في البرازيل بالنسبة للأدوية.
و إذ توقّع مصر تلك الإتفاقية تلزم نفسها بسحب أدوية كثيرة رخيصة و فعالة من السوق المصري و استبدالها بأخرى مستوردة أغلى منها ثمناً (و لعل فاعليتها لم تثبت حقاً فكما ترى الأمر كله حول المصالح التجارية و التواجد بالسوق و الإحتكار!)
ما رأيك بقانون حماية حقوق الملكية الفكرية؟ أتظنه متفق مع الشرع، فقد أفتى علماء من الأزهر أنه صائب ولكنه يبدو لي احتكاراً مطلقاً و الشرع ضد الإحتكار!