بارك الله فيك اختنا الكريمه فاديا.. جزانا وإياكي من فضله وكرمه ان شاء الله
4- استحي ممن يشهد عليك غداً ..
يقول تعالى " يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا "
معنى ذلك أن الأرض ستتحدث وعندها أخبار ستنشرها يوم القيامة.
فما هي هذه الأخبار .. ؟؟
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) قال أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا الله ورسوله أعلم,
قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا,يوم كذا.
فالقرآن يخبرك أن هناك من يراك, ويسمعك, ويعرف أخبارك, ويشهد عليك كالمكان والزمان والملكان والأركان واللسان والديوان .
والانسان بجحوده قد ينكر يوم القيامة ما كتبه الملكان ولا يقبل ما نطق به الديوان ويكذب شهادة الزمان والمكان ويطلب شهادة من نفسه ..
فتشهد عليه أعضاءه ويصدقها اللسان وبالرغم من ذلك قد يُصر على الإنكار .. ويحلف لله تعالى " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " الانعام
فحينئذ تأتيه شهادة الرحمن فما يستطيع ردها " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً" النساء (122)
وقال " وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" فاطر
ولكن ألم تكن تكفي شهادة الله تعالى وقد قال سبحانه " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً ؟ قُلِ اللّهِ ؟؟ الانعام (19)
والجواب :
إن الله تعالى يُكثر علينا الشهود لعلنا نستحي منها في الدنيا إذا علمنا كثرة من يشهد علينا في الآخرة.
فكثير من الناس لا يخشون ربّهم بالغيب .. ولا يستحون من الكرام الكاتبين فالإنسان لا يرى الله ولا يرى الملائكة فأعطاه الله شهوداً من نفسه وشهوداً حوله يراها وأعلمه إنها تشهد عليه لعله كلما رآها وهو مصدقاً لخبر القرآن بشهادتها موقناً به استحى أن تخبر بما فعل .
ولكن هناك من لا يستحي من فعل القبيح ولا يؤثر فيه أن يراه أحد أو يعرف أخباره أو يشهد عليه .
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة إذ لم تستحي فافعل ما شئت "
لذلك ينبغي لكل منا أن يسأل نفسه أولاً هل يهمه أن يراه أحد حين يفعل الخير أو الشر وهل يهمه أن تنشر أخباره في الدنيا والآخرة.
إن الإنسان بطبعه يحب أن يُرى وهو يفعل الخير و يكره أن يُرى وهو يفعل الشر لأنه مجبول على حب المدح وكراهية الـذم.
فإذا كان الإنسان سوياً صاحب فطرة سليمة فإن هذا الأمر يهمه وبذلك سيؤثر فيه هذا الخبر "يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا"
فيحدث له ذكرى في قلبه تُثمر له حياءاً ورقابة لله تزجره عن المعصية وتمنعه من الخطيئة وتحثه على فعل الخيرات.
فالله تعالى يخبرنا في هذه الآية أن الأرض ستشهد علينا..
فكيف يشهد الجماد على الإنسان ؟
لكي نفهم ذلك لابد أن نعلم أن كل ما في الكون من كائنات سواء الجماد والحيوان أو النبات أو الأفلاك و النجوم والشمس والقمر كلها مخلوقات تتفق مع الإنسان في غاية الوجود ألا وهي عبادة الله الواحد الأحد .
فالحكمة من وجود جميع الكائنات هي عبادة الله تعالى .. ولكن بعضها مخير كالإنس والجنّ وكل ما سوى ذلك مُسير للعبادة مسبحاً بذاته كما قال تعالى
" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "
فكل مخلوق يعبد الله بالهيئة والكيفية التي وضعها الله فيه قال تعالى " كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ " النور
أي كل شيء في الوجود علم كيف يُصلي لله وكيف يسبح .
ومعنى ذلك أن هذه المخلوقات لها حس وفهم وإرادة بها تعرف الله معرفة تناسب خلقتها وتخرج منها عبودية تناسب هيئتها,
مثال ذلك :
الحيوان وهو أرقى الموجودات بعد الإنسان .. حدثنا القرآن عن هدهد سليمان عليه السلام كيف أنكر على أهل سبأ السجود للشمس قائلاً
" أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ " النمل 25
فعلمنا أن هذا الطائر له حس وفهم أدرك به الصواب والخطأ والحق والباطل وله إرادة تميل إلى جانب الحق
وحدثنا القرآن عن النملة وهي حشرة كيف أدركت بفهمها وحسها اقتراب الخطر من قومها حين مر عليهم نبي الله سليمان عليه السلام وجنوده فقالت
" يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يشعرون" النمل 18
ولها إرادة ميزت بها كون سليمان وجنده غير قاصدين تحطيم قرية النمل فقال " وَهُمْ لَا يشعرون "
وقد أخبر علماء العلم الحديث أن هناك لغة للأسماك ولغة للطير وتوصلوا إلى أن الحيوان يستشعر بوقوع الزلزال مباشرة وخاصة الحمار وأنها تهرب من المكان قبل وقوع الزلزال مباشرة..
إذن جميع الحيوانات لها وسائل إدراك ولهم لغة يتفاهمون بها ولهم منطق يعبرون به.
أما عن النبات فقد حكت كتب السُنّة عن بكاء جزع الشجرة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عنده ليخطب الخطبة فلما صنعوا له منبر
وانتقل عن الجذع سمع الناس أنين الجزع على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكف عن الأنين إلا بعد ما مسه صلى الله عليه وسلم.
ففي صحيح البخاري " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل – يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال إن شئتم, فجعلوا له منبرًا.
فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي, ثم نزل صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يُسكّن, قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكرعندها.
وأما عن الجماد .. فقد حكى القرآن عن القرية التى دخلها موسى عليه السلام والخضر عليه السلام فسألوا أهلها الضيافة فامتنع أهل القريةعن قبول ضيافتهما بُخلاً وشُحاً ثم
أخبر الله تعالى أنهما وجدا في القرية جداراً ووصفه بقوله" جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ " الكهف (77)
فأثبت أن للجدار إرادة أراد بها أن ينهدم وقال العلماء: لا مانع أن تكون إرادة الجدار حقيقية لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه,
فقال " و َإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "الاسراء(44)
فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وهو واقع عن إرادة لهم يعلمها سبحانه ونحن لا نعلمها. [ تفسير أضواء البيان]
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني لأعرف حجراً كان يُسلم علي بمكة "
وقال تعالى " وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " البقره 74
فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في كون الجماد له إرادة وفهم لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه.
وقوله تعالى " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ " الاحزاب 72
فتصريحه جلّ وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت .. دليل على أن ذلك واقع بأرادة وإدراك يعلمه هو جلّ وعلا ونحن لا نعلمه.
إذن فهذا الكون بما يحويه من كائنات عابداً لله تعالى مسبحاً له ولذلك هو ينفعل مع المؤمن إذا أمن وينسجم معه في حركة الحياه وينفعل ضد العاصي حين يعصي ولا يتوافق معه في حركة حياته.
ويظهر هذا بوضوح في مشاهد الواقع حين نرى الإنسان المؤمن الموصول بربّه تسعفه الأشياء حوله في قضاء حوائجه فيجد اليسر والسهولة في حركة سعيه في الحياة كأن الكائنات حوله تتجاوب مع مطالبه فتساعده.
فإذا أراد أن يقوم بعمل ما تجده مُعان في تحضير ما يلزمه وتجد الأشياء لينة في يده وإذا أراد أن يبحث عن شيء يجهل مكانه فسرعان ما تقع عليه عيناه ويجد الشيء كأنه يدله عليه, وإذا وقف ينتظر شيء يأتيه سريعاً ..
وهكذا فالكون كله مصطلح معه .. منسجم معه لاشتراكهم في هدف واحد وسيرهما في خط متوازي ألا وهو عبادة الله تعالى .
ويعلو هذا التوافق بين الكون والمؤمن حتى تبكي السماء وتبكي الأرض على فراقه بعد موته
فقد قال المفسرون في قوله تعالى عن آل فرعون " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ " الدخان
قالوا : إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم ولم يصعد لهم من السماء من كلامهم ولا عملهم شيء صالح فيفقدهم فيبكي عليهم.
وقد أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم " ما من عبد إلا وله بابان,باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات فقداه وبكيا عليه
وتلا هذه الآية .." فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ"
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحًا.
وعن سيدنا علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء (أخرجه مسلم في صحيحه )
فثبت من الآية أن السماء والأرض لا تبكيان على الكافر مما يدل على أنها تبكي فقد الصالحين.
وهذا تفاعل وانسجام بين أعظم المخلوقات في الكون وبين المؤمن حين اتصل بالله اتصال عبوديه
فتوافـقت مهمته مع مهمة الكون فحصل هذا الانسجام .. فالكون كله ساجد لله طائع لله يحب الطائعين ويكره العاصين كذلك.
فالعاصي حين ينحرف عن أداء مهمته في الكون فيعمل بمعاصي الله ولا يؤدي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها فيحصل بذلك تضاد بين حركته وحركة الكون وينشأ عن ذلك أن تعاكسه الأشياء
فيرى عدم الاستجابة من معطيات الكون حوله فلا تنقاد له بسهوله فتكون حركته في الحياة ثقيلة عسيرة ليس من السهل أن يجد ما يبحث عنه ولا يتم له أمر إلا من بعد عناء ومشقة
وتؤلمه المصائب اليسيرة وتتباعد عنه الحلول ولا يسعفه الزمان ببركة الوقت ولا يبره المكان بسهولة الحركة كأن الكون كله في حالة عصيان له وجفاء معه طالما إنه في جفاء مع ربّه
وانقطاع عن طاعته لذلك كان أحد الصالحين يقول : إني أرى أثر معصيتى في سوء خلق زوجتي ودابتي.
فجميع ما في الكون كاره للعاصي حال عصيانه.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده (ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربّه أن يُغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه
والربّ تعالى يقول دعوا عبدي فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض, إن كان عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإليّ )
إذن فجميع المخلوقات في الكون لها حس وإدراك وشعور وبذلك يسهل على المرء أن يفهم كيف تشهد الأرض على الإنسان بعدما علم أن الأرض كسائر مخلوقات الله لها حس وفهم وإدراك .
ولذلك قال العلماء إن المقصود بقوله تعالى " بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا " أي أمرها فهي تعي أمر الله تعالى وتفهمه وتنفذه
وقد قال بعضهم لم يقل "أوحى " لعله إنما قال " لها " أي فعلنا ذلك لأجلها لكون الأرض تتوسل بذلك للتشفي من العصاة, أي إن لها مراد في إخراج ما في باطنها لكون أكثر أهل الأرض ضالين عصاه
لذلك ما إن صدر إذن الله لها حتى ألقت ما فيها وتخلت .
هذه الأرض لكونها المكان الذي يحيا عليه الإنسان فهي شاهدة لكل أفعاله وأعماله لذلك فهي تشهد يوم القيامة و تخبر عن كل ما عمل الإنسان عليها وذلك حين يخلق الله فيها عقل تنطق به
مع بقاء شكلها ليسمعها كل من حضر هذه الشهادة.
فتخبر عن المؤمن قائلة : فلان صلى وذكر وصام وحج فيّ .
وتخبر عن العاصي قائلة : فلان سرق وزنى وظلم فيّ حتى يتمنى هذا الأخير أن ينصرف إلى النار من شدة الفضيحة,
لذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة عنه.
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يُنطق الله هذه الأشياء في الدنيا لتكون عوناً لنا على ترك المعاصي ؟
الجواب:
إن الإنسان إذا شهد عليه الجماد وسائر المخلوقات في الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعصي الله فكلما كان في مكان خاطبه ونهره ونهاه عن المعصية
وحينئذ سيكون تاركاً للمعصية حياءاً من الجماد ولكن الله تعالى يريد أن نترك المعصية من أجله حياءاً منه وخوفاً من عذابه ورجاءاً في رحمته .
ولكن حين يخبرنا بأن هذه الشهود ستنطق بما علمت يوم القيامة وتشهد عليك بما فعلت فينبغي إن كنت عاقلاً عالماً بمصلحة نفسك تريد لها النجاة غداً
أن تجعل هذه الشهادة لصالحك بأن تجتهد في فعل الخيرات أينما حللت وذهبت ليشهد لك كل من سمعك ورآك,
لذلك كان أبي سعيد الخدُري رضي الله عنه يقول لابنه: يا بني إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالآذان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يسمعه جنّ ولا إنس ولا حجر ولا شجر إلا وشهد لك "
وكان أبو أمية يصلي في المسجد هنا وهناك .. فلما سُئل قال: قرأت هذه الآية " يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا" فأردت أن يشهد لي يوم القيامة
فطوبى لمن شهد له المكان بالذكر والتلاوة والصلاة وويل لمن شهد له بالزنى والشرب والسرقه والمساوئ