المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: سـورة الـزلـزلـه مع شرح التفسير
منتدي الحلم العربي > منتديات العبادات > قسم القرآن الكريم
فــرح مـونـي



السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

إخوتي الكرام .. هذا ما أكرمنا الله به من القرآن العظيم .. سورة الزلزله تعدل نصف القرآن

و إليكم أولاً تفسير الآيات الكريمات للعلماء ثم مع الشرح والفوائد المستخرجه من السوره

وهو لنفس أستاذه التفسير






بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا* وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ


إضغط لإظهار المرفق


ســهام
بســم الله الـرحمــن الرحيــم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

بارك الله فيك فرح ...و جازاك الله عنا كل خير
...
فادية يوسف
وعليكــم السـلام ورحمة الله وبركاتـه..


بارك الله فيكى حبيبتى 000


حقا انه يوم عظيم 0 يسعد فيه من يسعد ويشقى فيه من يشقى 000


اللهم اجعلنا واياكى من السعداء فى الدنيا والاخرة 000


يا له من مشهد رهيب حين تنشق الارض وتخرج كل ما بها 00 ليعرضوا على الله سبحانه وتعالى 00


ياله من مشهد رهيب 000


قال تعالى --- ونضع الموازين الفسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حسيبا 00


يا سبحان الله 000 لطفك بعبادك يا الله 000






فــرح مـونـي
الأخت العزيزه سهام هلا بك

والأخت الفاضله فاديا بارك الله فيكِ

وان شاء الله سأورد الفوائد بالطريقه المعتاده للتشجيع على المتابعه معاً وليعم النفع ونظراً لأهمية السوره

وان شاء الله يفتح الله بها قلوبنا ويحفزنا على طاعته ويردنا إلى دينه .. رداً .. جميلا

ويتقبله مني خالصاُ لوجهه ويكون الوقت والجهد في ميزان الحسنات

فــرح مـونـي


الـفـوائـد

1- الحث على التفكر في أحوال الآخرة :



بدأت السورة بكلمة "إذا " وهو ظرف زمان يستعمل لتوقيت الحدث ومعلوم أنه ليس المقصود من السورة توقيت حدوث الزلزال وإنما المقصود الإخبار عن حدوثه وما يتبعه من مشاهد وأحداث, فلماذا عبر بظرف زمان ولم يعبر بمثل قوله (حين تزلزل الأرض ) أو (عندما تزلزل الأرض ) يحدث كذا وكذا ؟

قال علماء التفسير : (إن استعمال ظرف الزمان هنا جاء للتشويق) بمعنى أنه سبحانه يريد بهذا اللفظ أن يُعلمنا أنه ليس الغرض من السورة مجرد سرد أخبار وأحداث عن يوم القيامة

وإنما المقصود أن تحدث لنا عِظـة من هذه الأخبار عن طريق التأمل والتفكر فجاء الكلام بصيغة تحث القارئ على عرض هذه المشاهد المذكورة في السورة على القلب

حتى تُثمر له عبرة وعِظة تـنفعه. وكلما زاد التأمل والتفكر في الآيات عظم حجم العظة التى تصل إلى القلب.

والقلب لا يستيقظ من غفلته إلا إذا كانت تأثير العِظه فيه كتأثير الزلزال في الأرض فحينئذ تحدث الإفاقة المرجوة وتنفجر في القلب ينابيع الإيمان ويخرج ما في باطن الفطرة من خيرات.

فنحن نحتاج إلى عِظة تزلزل قلوبنا لننتبه ونفيق من غفلتنا لنخرج من الضعف والكسل في طاعة الله ويسهل علينا ترك المعاصي .

ولا يتم ذلك إلا إذا استمعنا إلى القرآن وعقلناه فأهل النار يقولون (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" ) فكم من عظة لا تؤثر وكم من فكر لا يُثمر .. لأننا لا نسمع وإذا سمعنا لا نعقل.

ونحن حين نقرأ القرآن نسمع صوت الحروف والكلمات التى ينطق بها اللسان وليس هذا هو السمع المطلوب الذي ينفع صاحبه وإنما المطلوب هو الاستماع كما أمر الله تعالى ( وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " )


والاستماع معناه
: أن تسمع كلاماً يقال لك وتعتقد أنك أنت المخاطب به فإذا قال لك فلاناً من الناس (استمع إلىّ) إذاً هو يريد أن يوجه لشخصك أنت كلام.

وحين يأمرنا الله تعالى أن نستمع للقرآن فهو يخبرنا أنه يخاطبنا به يقصدنا بالكلام كأفراد وأشخاص.

حتى حين يخاطبنا بصيغة الجمع فهو في الأصل يقصدنا كأفراد.

فهو يخاطب كل إنسان بقوله " يا أيها الناس" ويخاطب كل مؤمن بقوله " يا أيها الذين آمنوا "

وكثير من الناس يقرأ القرآن كأنه يقرأ أخبار تُحكى وأحداث مضت أو سوف تحدث كأن هذا الكلام لا يخصه.. أو يقرأه متعبداً بتلاوته فقط , وغير حاضر في ذهنه أن مقصود التلاوة الأصلي أن تفهم عن الله مراده الذي يخاطبك به ...

وفرق كبير أن تسمع كلام يُقال .. أو كلام يقال لك أنت .

مثال .. أن يحكي لك شخص حادثة معينة فأنت تسمع لها للتعرف على أحداثها وتفاصيلها لمجرد العلم أما إذا كانت هذه الحادثه تخص ابنك أو إنسان يهمك أمره أو لها

مساس بمصالحك الشخصية فحينئذ ستستمع باهتمام أشد ويكون همك الحصول على فهم تبنى عليه قراراً،

وحين يكلمنا الله عن حدث كوني أو تشريعي أو أخروي أو عن وصف من أوصافه ينبغي أن تستمع له كأنه رسالة خاصة لك مُوجهة إليك باسمك

كما كان حال أهل السلف مع القرآن فقد كانوا يصفون القرآن بأنه رسائل من ربهم موجهة إليهم فينصتون إليها باهتمام شديد ويعقلون ما فيها .

لذلك فإن عليك وأنت تستمع القرآن أن تعقل الخبر الذي يخاطبك به ربك لتفهم مراد الله تعالى من هذا الخبر

فمثلاً هذه السورة التي يخاطبك الله بها ويقص عليك خبر الزلزال الذي تقوم به الساعة وما يحدث بعده من أحداث .. هذا الكلام يقال لك أنت .. يخاطبك الله به ..

يقص عليك خبر من أخبار القيامة ويصف لك بعض تفاصيلها فعليك أن تتفكر في هذه الأحداث وتتخيلها كأنك تراها رؤيا العين.

ثم تتفكر لتعقل مراد الله تعالى من توجيه هذا الخطاب لك لتعلم أن المقصود أن ترى حجم الأهوال التي تنتظرك يوم القيامة.

.فإذا عقلت ذلك دخل الخوف والحذر إلى قلبك وعظم أمر الآخرة عندك وهانت عليك الدنيا وسهل عليك فعل الطاعات وترك المنكرات.

ولقد اتفق علماء القلوب أن العبد لا يصل إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبة الله, ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر والذكر..

ولا يتيسر دوام الفكر والذكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذائذ الدنيا وشهواتها.

ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ولا تقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف .

فالخوف هو النار المحرقة للشهوات وبقدر ما يُحرق من الشهوات بقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات .




يتبع ..


ما الحكمة من وصف هذا الزلزال والإخبار عنه؟


قمرى 2
جزاكى الله كل خير

ونفعك بما علمك
وائل القلم الجرىء
السلام عليكم

بارك الله فيكي اختي فرح

وجزاكي الله خيرا وجعله في ميزان حسناتك

والله يرزقك من حيث لاتحتسبين ويرزقك اكثر مما تستحقين والمسلمين اجمعين
فــرح مـونـي
قمري 2 والاخ وائل جزيتم الله خيرا على المرور الكريم وان شاء الله نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
ويا ريت كلنا نعيش مع القرآن وهذا التفسير الوصفي ونتخيل هذا اليوم الــ.. لإنه حيمر علينا حيمر لا مفر منه .. فماذا أعددنا له .. لو مت اليوم أصبحت فيه




2- واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله :


في هذه الآيات يصف الله تعالى لنا زلزال الأرض حين تقوم الساعة,

فما الحكمة من وصف هذا الزلزال والإخبار عنه؟

قال المفسرون : إن الزلزال هو الحركة الشديدة مع الاضطراب ومعنى (إذا زلزلت الأرض) أي تحركت تحركاً عنيفاً واهتزت اهتزازاً يقطع القلوب ويفزع العقول حتى يخيل للناس إنها خرجت من حيزها.
وقد اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة فمنهم من يرى أنها تكون في آخر عُمر الدنيا وأول أحوال الساعة ومنهم من يرى أنها تكون يوم القيامة عند خروج الناس من قبورهم.

لذلك ينبغي أن نستعرض مشهد كل زلزال لمعرفة الحكمة في تذكير القرآن به في أكثر من موضع.

أما عن الزلزال الأول :
والذي يكون في آخر عمر الدنيا حيث تنتهي على أثره وتفنى .. فسوف يحدث حين ينفخ سيدنا إسرافيل في البوق بأمر الله

فتكون النفخة الأولى التى سماها القرآن "الراجفة" في قوله تعالى " يوم ترجف الراجفة ".

يقول الجزائري في عقيدة المؤمن:

إذا أذِن الله جل جلاله وعظم سُلطانه بانقراض الكون وانتهاء هذه الحياة الأولى أمر ملكاً يدعى إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة واحدة للفناء فينفخ نفخة

فيصاب الكون كله بخلخلة عنيفة فتنحل بها كل الروابط التى كانت تربط بين أجزاء الكون فترتج الأرض رجاً عنيفاً وتتزلزل زلزالاً مروعاً وتندك مع جبالها دكاً فتصير هباءاً منبثاً,

وتصاب السماء بانفطار عظيم يبطل معه قانون الجاذبية المعروف الآن فتتناثر الكواكب وتنكدر الشمس ويذهب ضوء الكل ويفقد الجميع كيانه.

يقول : "أما الإنسان الذي يزعم أنه سيد هذا الكون ولم يبرح يتطاول ويتعالى حتى على خالقه جل وعلا فإنه يشاهد هذه الأهوال بعينه ويسمع دويها بأذنيه

يفقد كل رشده وتخف أحلامه ويطيرعقله ويفقد كل صوابه حتى يُصبح كالفراش في حمقه وقلة تعقله .. هائجاً سكرانًا من شدة الفزع والهول وما هو بسكران,

مراضعه عما ترضع ذاهلة وحوامله لما في بطنها واضعة"



وتفصيل هذا الحدث جاء ذكره في أكثر كتب التفسير في حديث لأبي ابن كعب أورده القرطبي والشوكاني وصاحب التفسير الكبير وغيرهم من المفسرين وذلك في تفسير سورة التكوير:

قالوا : أخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب :

قال " بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس " وقوله هذا يعنى أن الأمر سيأتي بغتة غير مسبوق بأحداث تؤهل له أو تنبه عليه فالناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي يشترون ويبيعون في الأسواق ويؤيد هذا

ما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم في قوله صلى الله عليه وسلم "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل ب

لبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه ( أي يطينه ويصلحه) فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها
"

وقوله (ذهب ضوء الشمس ) يبين هول المفاجأة فلم يكن هناك سابق إنذار وإنما فجأة وهم في أسواقهم ذهب ضوء الشمس أي اختفى .

قال (وبدت النجوم) أي ظهر ضوئها في السماء لغياب ضوء الشمس فتعجب الناس أشد العجب فقد تحول النهار إلى ليل بدت نجومه.

قال( فتحيروا ودهشوا ) ومعنى ذلك أنهم لا يدركون حقيقة ما يحدث ثم قال (فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وسقطت) بينما الناس في حيرة ودهشة من غياب الشمس وظهور ضوء النجوم

إذ يتفاجئون بحدث أشد ضخامة وفظاعة .. وهو سقوط النجوم من السماء على الأرض فتحدث صوتاً مدوياً مفزعاً وينكسر وينهدم كل ما تقع عليه لأنها ذات أحجام عظيمة ..

وعلى الرغم من حدوث هذه الأهوال لم يدرك الناس أنها الساعة وأن ما يحدث هو نهاية الدنيا وذلك لشدة فزعهم فقد ذهبت عقولهم فلم يبقى لديهم قوة إدراك أو فهم لما يجري.

وقد وصف القرآن ما يصيب الناس من ذهول ورعب في قوله تعالى "إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ " الحج 1

ذهبت عقول الناس من الخوف والرعب حتى أصبحوا كأنهم سكارى وبلغ الخوف منتهاه حتى ذهلت كل مرضعة عن رضيعها ووضعت الحامل حملها.

يقول ( فبينما هم كذلك ينظرون إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واحترقت وصارت هباءاً منثوراً) ووقوع الجبال حدث رهيب وسببًا كافيًا لهلاك كل الأحياء ..

لأن الجبال ذات أحجام ضخمة عظيمة وأعدادها كثيرة, وقد أخبر الله تعالى

أنها كالأوتاد بالنسبة للأرض وأهم ما يميز الوتد أن معظم حجمه في باطن الأرض والذي يظهر منه هو جزء بسيط لأن وظيفته تثبيت طرف الخيمة في عمق الأرض كي لا تحركها الرياح وغيرها.

ومعنى ذلك أن الجبل الذي نراه ما هو إلا الجزء الأصغر من الحجم الحقيقي أما باقي الجبل فهو في باطن الأرض فكيف تقتلع هذه الجبال بأحجامها العظيمة ثم تتحرك وتنفجر وتنسف حتى تصير "هباءاً منثورا"

والهباء هو ذلك الفتات الذي يُرى في ضوء الشمس حين يدخل من النافذة.

فما حجم هذه الهزة التي أحدثها الزلزال كي تتحول الجبال على أثرها من أحجامها الهائله لذلك الهباء المبثوث؟

إنها هزة عنيفة شديدة لا مثيل لها ولا تقدر عقولنا على تقديرها مهما تخيلناها.

والعجيب أن كل ذلك يحدث من تساقط النجوم وانفجار الجبال لم يسبب موت الأحياء الذين يتواجدون في هذا الوقت على سطح الأرض رغم أنه سببا كافي لإهلاكهم جميعاً,

ولكن إرادة الله اقتضت أن يظلوا أحياء ليشهدوا فناء الدنيا وزوالها


وهذا قد يحدث بالفعل في الدنيا ويشهده الناس حين ينهدم بناء عالى فوق أصحابه فيموتوا جميعاً بينما يخرج من أسفل ذاك البناء المنهدم إنسان أو أكثر أحياء

وذلك بإرادة الله التى شاءت بقدرته سبحانه أن يظل حياً رغم توفر أسباب الموت حوله.

وإلى هذه اللحظة لم يدرك الناس أنها نهاية العالم وخراب الدنيا وذلك بسبب ذهاب عقولهم وتطاير أفئدتهم من شدة الأهوال التى يرونه .

قال .. (ففزعت الإنس إلى الجن والجن إلى الإنس )

تحيرت الخلائق وفزعوا حتى ظهر الجن للإنس ورأت الإنس الجن وذهب ما بينهما من خوف وعداء ولجأ كل منهما للآخر لأنهم يواجهون مشكلة واحدة ومصيبة عظيمة ألا

وهي هذه الإنفجارات الهائلة التي تحدث في الكون الذي يسكنون فيه .

بل واختلطت الحيوانات باختلاف أصنافها من شدة الفزع قال (واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير ) واختلاطها يدل على أنها تناست ما بينها من توحش,

قد أذهلهم الخوف عن غرائزهم الطبيعية فلم يبقى عندهم رغبة في الافتراس ووقف الغزال مع الأسد والنعاج مع الذئب لا يلتفت أحد منهم إلى الآخر لشدة ما أصابهم من خوف وفزع .

وقد جاء هذا الخبر في قوله تعالى ( وإِذَا الْـوُحُـوشُ حُـِشرَتْ ) قال المفسرون أي إجتمعت متناسية ما بينها من توحش .

قال (ثم قالت الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر ) ذلك لأنهم يملكون طاقات وقدرات أقوى من الإنس فهم يستطيعون الانتقال من مكان لمكان في أسرع وقت, فأرادوا أن ينقبوا في البلاد عن خبر يفهمون به حقيقة ما يحدث بعد أن انهدم كل ما على البر فانطلقوا إلى البحار .

قال (فانطلقوا إلى البحار فإذا هى نار تتأجج )

أي وجدوا البحار تحترق وهذا ما جاء في قوله تعالى "وإذَا الْـبِحَارُ سُـجِّـرَتْ " أي احترق ماؤها

وذلك لكون الماء يتركب من عنصري الأكسجين والهيدروجين ومعلوم من خواصهما أن أحدهما يشتعل والآخر يساعد على الاشتعال وذلك إذا وجد كل منهما في حالة منفردة عن الآخر ..

أما في حالة اتحاد العنصرين برابطة معينة فإنه يتكون الماء .. فإذا أراد الله تعالى تسجير البحور انفصل كل عنصر عن الآخر واشتعل أحدهما وساعد الآخر على الإشتعال وتحولت المياه إلى نار تأجج بإذن الله تعالى وأمره .

وبذلك لم يعد مكان على الأرض إلا وقد دُمر تماماً ومع ذلك فالخلق جميعاً أحـيـاء يعانون هذا الدمار وتلك الأهوال إلى أن قال :

(فبينما هم كذلك تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة )

انشقت الأرض وابتلعت كل ما عليها وخسفت بكل ما فيها إلى الأرض السابعة ومع ذلك لم يموتوا لتعلق ذلك بإرادة الله تعالى التى لم يشأ أن يموت الأحياء إلا بعد أن يروا كل أحداث النهاية..

فلما تمت هذه الأحداث أذِن الله تعالى بموتهم .. ولكن كيف أماتهم؟

قال ( فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم )

وهذا لا يعز على قدرة الله تعالى التى شاءت لأهل النار أن يُعذبوا فيها ولا يموتوا فقال مُخبراً عنهم " وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ " ابراهيم 17

ولكن لماذا لم يموت هؤلاء الخلائق الذين حضروا أحداث النهاية من البداية – مع توفر أسباب موتهم ؟

ذلك أنه المقصود – والله تعالى أعلم – أن يرى الأحياء التى تقوم عليهم الساعة هذه الأهوال ويفزعوا لها تعذيباً لهم وعقوبة لذلك جاء في الحديث الصحيح " لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " (أخرجه مسلم)

وفي لفظ البخاري "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء "


أما عن حكمة التذكير بهذا الزلزال الذي يحدث في آخر عمر الدنيا رغم أنه لا يقوم إلا على شرار الخلق ومعلوم أن كثير من الناس الذين خاطبهم القرآن لن يدركوا هذا الزلزال لأنه سيكون في آخر أيام الدنيا؟

الأمر الأول:
أن نرى عظيم قدرة الله تعالى وعزته حين يريد للشيء أن يكون فيكون و نرى سُلطانه في خلقه ونفاذ مشيئته فيعظم في قلوبنا قدره ونهابه ونخشاه ونرجو رحمته ونخاف عذابه .



فإن الابن حين يرى أباه يعاقب أخاه المُخطئ بعقاب يقشعر له بدنه فإن هذا الإبن وإن كان طائعًا لأباه بعيداً عن أن تناله مثل هذه العقوبة إلا إنه حين يرى ما يحدث لأخاه أو يعلمه من مصدر موثوق فيه فإنه يهاب والده هيبة عظيمة ويخشاه ويحذر من مخالفته, ويخشى على نفسه أن يقع فيما يعرضه لغضب والده لأنه رأى بطشه وأليم عقابه,

لذلك حين حكى لنا القرآن عن هذا الزلزال قال مخاطباً الناس جميعاً "يا أيّها النَّاس اتقوا ربّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم"

مما يبين أن إدراكنا لشدة الزلزال وما يصيب به الناس من أهوال سبباً موصلاً لنا إلى تقوى الله وهي الخوف منه وترك مخالفته ثم قال

" يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ "

فقوله (ترونها) يبين أن الإنسان حين يصله خبرالقرآن فكأنه رآه بعينه وسمعه بأذنه لأن الذي يخبره هو الله عزّ وجلّ, قال تعالى " وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ "

والتعبير بلفظ الرؤيا يبين استواء من يراها فعلاً بمن يعلم خبرها في شدة الخوف والفزع بحيث ينتج عن العلم بها ما يجعل الإنسان يخاف ربّه ويتقي عذابه .


الأمر الثاني عن حكمة الإخبار عن الزلزال


أن يرى الإنسان كيف ينتهي العالم وتفنى الدنيا ليعلم قدر هذه الدنيا وحقيقتها وإنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ..

فانظر كيف هدمها واقتلع ما عليها وذهب كل ما فيها من كنوز ومتاع فقد كانت هذه الدنيا مجرد سكن ومعبر إلى الآخرة فلما انتقل الساكن إلى داره الحقيقية خربها المالك لأنه لم يخلقها إلا لهذا الغرض .



فإذا علم الإنسان ذلك استحى أن يتخذها موطناً وأن يعمل لها تاركاً العمل لآخرته ومُقصرًا فيه لإنشغاله بدنياه.

وإذا علم أن الدنيا ستفنى ويفنى ما فيها تضاءلت في نفسه جميع متعها ولذائذها وعظم هم الآخرة في قلبه

ورغم أن كل مخاطب بالقرآن يعلم هذه الحقيقة وهي أن الدنيا فانية إلا أن وصف فناءها تفصيلاً بذكر الزلزال يؤصل في القلوب تفاهة الدنيا حين يسمع بإذنه

ويدرك بقلبه كيف تتحطم الدنيا وتنهدم كل القيم التى عاش كثير من الناس لأجلها وهم عن الآخرة معرضون.


تماماً كالطالب الذي يهمل مذاكرة دروسه ويشغل وقته برسم أشياء لا معنى لها ... ويظل هكذا حتى يأتيه معلمه فيرى إهماله وانشغاله بما لا ينفع فيمزق كراسه أمام عينيه كأنه يقول

[ ها هي الرسوم التى شغلتك قد مزقتها ولم يبق منها شيء على تفاهة قدرها ]


فينبغي لمن يعرف حقيقة الدنيا وما تؤول إليه من فناء أن لا يعجب بها فضلاً عن أن ينشغل بها ويعمل من أجلها .

وهذا هو المقصود من كل تفصيل عرضه القرآن لأحداث الساعة وما يصاحبها من فناء الدنيا ونهايتها .. لعل حبها يفنى في القلوب وتصغر قيمتها عند ذوي العقول ..

وسبحان من قال " وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ" البقره (269) "


*** ***

أما الزلزال الذي تقوم على أثره القيامة ويخرج الناس من قبورهم ويُحشرون إلى ربهم, فهذا يحدث نتيجة النفخة الثانية التى سماها القرآن (الرادفة) وفي قوله تعالى " يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة ُ" المرسلات

وقد ذهب أكثر المفسرون إلى أن هذا الزلزال هو المقصود ذكره في هذه السورة وهو زلزال هائل لا مثيل له. فقالوا : قوله (زلزالها) أي الزلزال الذي لا مثيل له في شدته.

وذلك لإن الأرض حين ينهدم كل ما عليها بعد النفخة الأولى وتصدعت إلى الأرض السابعة فقد ابتلعت كل ما عليها من أحياء إضافة إلى ما كان في باطنها من قبل

وسبحان من جعل الأرض تسع كل الخلائق من لدن آدم إلى آخر زمان الدنيا لذلك أمتن الله علينا بهذه القدرة الإلهية فقال تعالى " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا " المرسلات .

أي جعلنا الأرض وعــاء ومكاناً تجتمع فيه الخلائق: الأحياء منهم يعيشون فوقها والأموات منهم يدفنون في باطنها.

والآن قبل قيام القيامة الأرض تحوي في باطنها كل ما كان على ظهرها من مخلوقات من بداية الخليقة إلى نهايتها .. فما حجم الهزة التي تكفل للأرض إخراج كل هذه الخلائق ؟
إنها ولابد هزة عنيفة شديدة,

وقد حكى القرآن عن هذه اللحظة فقال سبحانه " وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ " الانشقاق

حين يأمر الله تعالى الأرض بإخراج ما في جوفها من الخلائق فإنها تنقاد لأمر ربها طائعة وتستجيب بسرعة فتهتز بعنف شديد وتتحرك حركة مهولة لتُلقي بكل ما فيها ..

وقوله " وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ " فيه إيحاء برغبة الأرض في التخلي عما في باطنها وإخراجه وذلك لأن أكثر الخلائق عصاة ضالين يقول تعالى

" وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " الانعام 116

فبين تعالى أن أكثر أهل الأرض ضالين لذلك فالأرض تضيق بهم فتسرع في الاستجابة لأمر الله" وأذِنت لربها وحُقت " وحق لها أن تفعل.


وبذلك قد اجتمع في هذا الزلزال أمران : شدته، ورغبة الأرض في حدوثه.


ورغم أن الإنسان بمجرد موته علم أنه قادم على الآخرة وإنه في القبر كالزائر ينتظر لحظة انتقاله إلى الحياة الأبدية بل وقـد بُـشر كل إنسان في قبره بما ينتظره من نعيم أو عذاب

إلا أنه حين تقوم الساعة وتهتز الأرض هذه الهزة العنيفة يفزع الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم طائعهم وعاصيهم ..


فيتساءلون في عجب "مالها" أي ما الذي يحدث للأرض لماذا تضطرب وتهتز بهذا العنف ويُصيبهم جميعاً الخوف والرعب

وتذهل عقولهم للحظات الأولى من البعث لشدة الصيحة التى أيقظتهم ولهول ما يرونه من انشقاق الأرض في كل جزء من أنحائها.

ثم يفيق الجميع من ذهولهم وينتبهون لحقيقة ما يحدث حين يرون الأرض تلفظ كل ما فيها من خلائق فيدركون أنها الساعة قد جاءت وأن القيامة قد قامت,

وهنا يشتد الرُعب والخوف بالكفار والعُصاة حين يوقنون بقيام القيامة فيقولون "يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا "

لأنهم كارهون للبعث والنشور فهم يعلمون ما ينتظرهم من العقوبة منذ لحظة الموت

أما المؤمن فيقول " هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ " يس (52)

راجياً رحمة من ربّه تخفف عنه هول ما يرى وشدة ما ينتظره من أهوال كتطاير الصحف ونصب الموازين والمرور على الصراط فيرجو رحمة الله أن ينجو بها .

فكل إنسان يوم القيامة يقوم من قبره خائف وجل وذلك لأن هذا الزلزال الذي يوقظ الناس من قبورهم له من الشدة والفجأة ما تنقطع به القلوب وينسى المرء كل محاسنه.

ولك أن تتخيل إنسان نائم فيأتي من يوقظه قائلاً : قم القيامة قامت؟ الجزاء حضر, قم لتقابل ربّك, قم لتُسئل وتحاسب, قم لتعرف مصيرك, ترى كيف تكون فزعته وخوفه ؟؟


إن المؤمن في هذه اللحظات ينسى أنه مؤمن وينسى ما بشر به في القبر من دخول الجنة من شدة الموقف وهول المطلع

تماماً كالطالب الذي عرف نتيجة امتحانه قبل إعلانها من مصدر موثوق فيه ولكنه حين يذهب لمدرسته ليستلم نتيجته التى عرفها من قبل فيرى هلع الناس وخوفهم وبكاءهم ونواحهم

فقد يذهل عقله ويطير قلبه من شدة الخوف حتى يشك هل هو ناجح أم لا .. وينسى ما قد علمه من قبل من شدة خوفه على نفسه.


إن شـدة الصيحة التى توقـظ الناس من قبورهم تفزعهم فزعاً شديداً تطير معه القلوب, فهي ليست مجرد طرق على باب القـبر أو صوت عالى إنما هي زلزالاً مدوياً تنفجر له الأرض

وتنشق عما في باطنها فيخرج الخلائق مسرعين " يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا " ق (44)

وقد وصف القرآن لحظة خروجهم فقال " يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ " القمر 7

ووصفهم فقال " يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ " القارعه

فوصفهم كالجراد في كثرتهم ..فقد بلغوا من الكثرة بحيث يركب بعضهم فوق بعض كغوغاء الجراد.

فأجسادهم تملأ الآفاق فشبههم بالجراد من حيث الكثرة والتموج.

ثم شبههم بالفراش في اضطراب حركته..
فهم في انتشارهم وإقبالهم نحو أرض المحشر كالفراش المتفرق في كل اتجاه في حيرة واضطراب لأنهم سيكونون في حالة شديدة من الخوف والفزع unsure.gif

فلا يدري أحدهم في أي اتجاه يسير لكثرة ما يرى حوله من خلائق لا حدود لهم .

ولك أن تتخيل نفسك بين هذا الكم الهائل من الخلائق .. إنها أجيال وأجيال من لدن آدم إلى آخر من قامت عليهم الساعة..

أعداد لا حصر لها من الخلائق تخرج في وقت واحد, والخوف والفزع يعم الجميع, إنهم يخرجون فلا يرون أمامهم سوى أرض متسعة مستوية ليس فيها شجر ولا حجر ولا حائط ولا بناء.


فكيف بك وأنت ترى نفسك بين هذه الجموع الكثيفة لا تعرف أحد ولا يعرفك أحد .. والكل حولك يتحرك حركة مضطربة يتخبط بعضهم في بعض كالفراش الذي لا اتجاه له..

فترى نفسك تارة تتجه هذه الجهة وتارة إلى جهة أخرى تساق مع الجموع في كل اتجاه وأنت مذهول الفكر عن كل شيء سوى التفكير فيما ينتظرك من سؤال وحساب وميزان وجزاء..

فكل إنسان مشغول بنفسه كما قال تعالى " لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " عبس(37)

فهذه الآية تبين شدة الكرب الذي يكون فيه الناس بعد خروجهم من القبور بحيث يكون لكل واحد منهم شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأي أمر سواه, فلا ينتبه الناس لبعضهم رغم كونهم عراة يختلط النساء بالرجال,

وذلك لكونهم في أشد حالات الخوف والفزع فلا ينظر بعضهم لبعض ولا ينشغل أحد إلا بنفسه ولا يفكر إلا في مصيره.

إنها لحظات عصيبة ينسى المرء فيها كل محاسنه ويرى صغائر ذنوبه كالجبال.

ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا, قلت يا رسول الله: الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض" .

لكن أي فزع ذلك الذي يجعل الإنسان يقف بين هذه الجموع الكثيفة من البشر ولا يرى بعينه هذا العري الفاضح الذي يحيط به من كل جانب؟

إذا أردت أن تعرف قدر هذا الذهول الذي يصيب الناس حتى لا يلتفت بعضهم إلى بعض فاستمع إلى هذه المشاهد التي وصفها القرآن لحالة الناس حين يخرجون من القبور لترى كيف أخذ الفزع بعيونهم فلم ترى, وعقولهم فلم تعي.


يقول تعالى " يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ " سورة القمر

قوله مهطعين إلى الداع أي ممدودة رقابهم أمامهم في اتجاه الداعي الذي يسوقهم إلى أرض المحشر

والإهطاع : معناه أن يجري الإنسان بسرعة وذله واضطراب مع مد العنق واتجاه البصر نحو شيء معين .

ثم قال في سورة إبراهيم " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ "


مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ " أي مع امتداد رقابهم يرفعون رؤوسهم إلى أعلى لا يلتفتون يميناً ولا شمالًا

يقال : أقنع فلان رأسه إذا رفعه دون أن يلتفت .

وشخوص الأبصار معناه : انفتاح حدقة العين إلى آخر مدى من شدة الرعب, يقال له(شخص بصر فلان ) إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف .

وقوله " لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ " أي لا تتحرك أجفان عيونهم بل تبقى مفتوحة بدون حراك لهول ما يشاهدونه في هذا اليوم العصيب .

وقوله " وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ " أي قلوبهم فارغة خالية عن الفهم بحيث لا تعي شيئاً من شدة الفزع والذهول.

وإذا تاملت مجموع هذه المشاهد من الإهطاع والإقناع وشخوص الأبصار أدركت بسهولة كيف يذهل الإنسان عن النظر لغيره في تلك اللحظات .

وهذا ما نراه في دنيا الناس حين يسمع الإنسان خبر يفجعه فيصيبه بالذهول حتى لا يسمع من يكلمه ولا يرى بعينيه ما أمامه وتظل عينيه مفتوحتان دون حراك من شدة الفزع

وقد يأخذ أحدهم بيده ويحركه شمالاً ويميناً فيتحرك دون أن يحس بجسده وذلك لخلو قلبه من التفكير في أي شيء.

فما بالك بفجعة يوم القيامة .. وانتظار نتيجة أبدية بالخلود في الجنّة أو النار .. ولا فرصة للإعادة أو الإصلاح.

إن يوم القيامه يوم ثقيل شديد, كثيرة أهواله عظيمة مصائبه ولو لم يكن فيه من الأهوال إلا هول المطلع وهو لحظات البعث والخروج من القبور وما يصاحبها من شدة الفزع والخوف لكان حقاً على الناس أن يهابوا ذلك اليوم .



فقد ذكر أبو نعيم في الحلية عن أبي حازم أنه قال : لو نادى مناد من السماء أمِن أهل الأرض من دخول النار لحق عليهم الوجل من هول ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع.


وعن سلمان الفارسي قال : ثلاثة أحزنتني حتى أبكتني – فراق الأحبّه محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه , وهول المطلع, والوقوف بين يدي الله تعالى لا أدري إلى الجنّة يُؤمر بي أم إلى النّـار
.

وعن عبد الله بن الرومي قال : بلغني أن عثمان رضي الله عنه قال: لو أني بين الجنّة والنار ولا أدرى إلى أيتهما يُؤمر بي لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.


إن أهوال الساعة شديدة ومع ذلك نحن لا نستعد لها ولا نحسب لها حساب في غالب أوقاتنا وذلك لشدة حبنا للدنيا ولولا أننا نحبها ما شغلنا همها عن هم الآخرة

وقد قال تعالى " إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا" الانسان 27

إنه حقاً يومًا ثقيلاً .. يومًا يجعل الولدان شيبًا .. يوم تنفطر السماء لشدته .. يوم مجموع له الناس .. وذلك يوم مشهود .

ولكننا كثيراً ما نتعمد نسيان تلك الأهوال التى تنتظرنا يوم القيامة هروباً من محنة التفكير فيها على الرغم أن تذكر هذه الأهوال والشدائد يعين الإنسان على بذل الجهد في طاعة ربّه

لأن التفكير في شدائد الآخرة يذيب في القلب جبال الحرص والتعلق بالدنيا فتنهدم في القلب لذات الدنيا ويعظم فيه هم الآخرة .

لكن الشيطان يسول للإنسان أن التفكير في شدائد الآخرة سيخفف من عزيمته ويضعف أمله في النجاة لأن الأمر شديد في نفسه سواء كان الإنسان صالحاً أو طالحاً .

والحق الذي ينبغي أن يعرفه كل إنسان أن الأمر الشديد إذا طالت مدته على من يلابسه يكون من الصعوبة والألم بشكل يختلف عمن قصرت له المدة .



فإذا فرضنا مثلاً أنك قد وضعت إصبعك في فم إنسان ثم إنه ضغط بأسنانه على إصبعك بشدة. لمدة ثانية من الزمن هل هذا الألم يساوي من استمر بالضغط ساعة كاملة بنفس الشدة أو أكثر من ساعة.

فشدائد الآخرة تختلف من حيث الوجود والزمن فهناك شدائد لا يمر بها المرء المؤمن أصلاً وهناك شدائد يمر بها في زمن يسير جداً بحيث لا يعاني منها ما يعاني غيره من الألم,

فمن الشدائد التي لا يمر بها صالح المؤمنين الوقوف تحت حر الشمس في أرض المحشر حيث يقفون في ظل العرش .. ويتفاضل سائر الناس بحسب إيمانهم ودرجات أعمالهم في طول الوقوف أو قصره وكثافة العرق أو قلته .
وكذلك شدة الحساب فمن الناس من يحاسب حساباً يسيراً ومنهم من يحاسب حساباً عسيرًا وهناك من يدخل الجنّة بغير حساب .


وهناك شدائد حتمية الوجود كالفزع الذي يصيب الناس من زلزال الأرض وهول المطلع عند الخروج من القبور .. حتى يصل إلى أرض المحشر فيحشر حينئذ على ما مات عليه .

وعند تطاير الكتب حتى يعلم أيقع كتابه في يمينه أو شماله,

وعندما تنصب الموازين حتى يدري أيثقل ميزانه أم يخف ؟

وعندما يُنصب الصراط على متن جهنم حتى يمر عليه ويجتازه .


فهذه المواقف شديدة في ذاتها سيمر بها المؤمن حتماً ولكن يختلف زمانها بحيث تمر سريعاً على المؤمن ويطول زمانها كلما ضعف إيمانه وقل عمله ويمتد زمانها طويلاً على العصاة .

مما يدل على ذلك قوله تعالى في المرور على الصراط " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا " مريم 71

فالمرور على ظهر جهنم أمر حتمي لابد أن يلاقيه كل إنسان ويمر بها لذلك قال "حتماً مقضيا " وهو من أشد أهوال يوم القيامة.

فما من نبي مُرسل ولا ملك مقرب إلا ويقول "اللهم سلم سلم " من هول الموقف .. بينما يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جانبي الصراط يدعو ربّه قائلا "اللهم أمتي أمتي " خوفاً عليهم من السقوط في النار

ومهما آل الأمر في النهاية إلى أن المؤمن سيمر على الصراط ولن يقع في النار لكنها لحظات عصيبة شديدة لأنه لا يدري هل يمر بسلام أم سيقع .

ولكن هذه اللحظات تمر على كل مؤمن في زمن يسير عن غيره بحسب درجة إيمانه وعمله.


فمن الناس من يمر على الصراط بسرعة كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطير ومنهم من يمر كالخيل السريع ومنهم من يمر زحفاً , يحبو أحياناً ويتعلق أحياناً .


فإن قيل : ما الحكمة من ذلك ولماذا يعاني المؤمن من هذه الشدائد رغم أن أمره في النهاية إلى الجنّة ؟

الجواب : حتى يشعر بمدى رحمة الله وعنايته به التى أنقذته من هذه الشدائد وتكمل فرحته وسعادته بالنجاة, فهو حين يدخل الجنة دون أن يرى النار لن تكون فرحته وسعادته كأن يرى النار ولو لطرفة عين ثم ينجو منها .

لذلك قال تعالى " فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ " آل عمران 185

فالفوز هو زحزحته عن النّار ليدخل الجنّة .

ومن هنا يتبين لك أن تذكر هذه الشدائد هي خير معين لك على العمل وليس سبباً لليأس والقنوط فقد قال صلى الله عليه وسلم (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية, ألا إن سلعة الله هي الجنّة)

فتفكر في هذه الأحوال حتى يشتد خوفك ويزداد جهدك في الطاعة لكي تنجو من هذه الأهوال

ومهما ارتفع إيمانك وكثر عملك فإياك أن تأمن من هذه الأهوال لكونك مؤمناً ولكون القرآن يتوعد بها الكفار والظالمين
في مثل قوله تعالى " فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ " المدثر 10

ويقول " فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا " المزمل 17

ويستثني المؤمنين فيقول " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا " الإنسان 11

ويقول " وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ " الزمر 61

فما أدراك أولاً أنك ستحتفظ بإيمانك حتى تلقاه وقد علمت أن الدنيا دار فتن و ومحن وابتلاءات وأن القلوب تتقلب وهي في تقلبها أشد تقلباً من القدر في غليانه

ثم إن القرآن الذي توعد الكافر واستثنى المؤمن - الذي يموت على إيمانه – ذكر من أهم أسباب الثبات على الإيمان هو الخوف من أهوال القيامة .


فحكى القرآن عن المؤمنين قولهم " إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا " الإنسان 10

فحينئذ قال سبحانه " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا "

ووصفهم في موضع آخر فقال " وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ " أي خائفون وعلل سبب خوفهم بقوله تعالى " إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ " المعارج 27

وحكى أيضاًعن أهل الجنّة قولهم "قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فمنّّ اللهُ عَلَيْنَا فَوقَانَا عَذَابَ السَّمُوم" الطور


وبين في موضع آخر أن وقوع العذاب على الناس يوم القيامة بسبب نسيانهم لهذا اليوم فقال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابَ " سورة ص 26


إذاً لابد أن تخاف أن تدركك أهوال هذا اليوم حتى ينجيك الله منها ..

وقد قال الغزالي : إن أسلم الناس من أهوال يوم القيامة من طال فيها فكره في الدنيا فإن الله تعالى لا يجمع بين خوفين على عبد فمن خاف من الأهوال في الدنيا

أمنها في الآخرة ولست أعنى بالخوف رقة كرقة النساء تدمع عينك ويرق قلبك حال السماع ثم تنساه على القرب وتعود إلى لهوك ولعبك..

فما هذا الخوف في شيء بل من خاف شيء هرب منه ومن رجا شيئاً طلبه فلا يُنجيك إلا خوف يمنعك عن معاصي الله تعالى ويحثك على طاعته
.

وسبحان من قال " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "

وجعلها آخر آية نزولاً .. لتكون هي خاتمة خطابه لجميع الناس .

ايهاب دياب
جزاكي الله خيرا
فــرح مـونـي
وإياك أخي الكريم ايهاب





3- هذه هي الدنيا التى تشغلك ..




في قوله تعالى " وأخرجت الأرض أثقالها "

قال العلماء (الأثقال) ما يكون في جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون في باطنها.

فإذا سألت عن الحكمة في إخراج هذه الكنوز مع الموتى ؟؟

فقد أجاب بعض المفسرون قائلاً : إن الحكمة من ذلك هي : إراءة الناس تفاهة ما تعبّدوا له وعملوا له واختصموا له .

ففي الحديث الصحيح : قال صلى الله عليه وسلم : "تـُلـقي الأرض فلذات أكبادها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيئ القاطع فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذوا منه شيء "

معنى ذلك أن أول ما تقع عين الإنسان عليه بعد خروجه من قبره هو منافع الدنيا التى كان يسعى لها.

هذه هي الأموال التى بسببها سرق السارق في تجارته و قطع القاطع رحمه وتخاصم فلان مع إخوته وتعادى فلان مع أقاربه وجيرانه.

هذا هو الذهب الذي بسببه طُلقت فلانة من زوجها وبسببه تحول الأصدقاء إلى أعداء وتفرق الإخوان وتناحر الأقارب.

هذا هو المال الذي أفسد حياة فلان وغيّر قلب فلانة.

هذا هو المال الذي جلب لك الجاه والمنصب والعمارة والسيارة فأين هذه المنافع التى جلبها لك المال...

لقد ذهبت وفنيت والآن هذا هو المال .. ها هو أمامك .. ذهب وفضة وغيرها من الكنوز.. لكن لن تستطيع أن تملكها كما كنت تقدر في الدنيا لأن الله سبحانه وتعالى ملكك هذه المنافع في الدنيا لتشتري بها الآخرة أما الآن وقد ذهبت الدنيا وفنيت .. فالمُلك كله لله ولن تملك من الله شيء .

فهذا هو المال الذي اشتريت به سعادتك وراحتك في الدنيا لا تملك اليوم أن تشتري به كتاباً غير كتابك .. أو تزيد به حسنة في ميزانك أو تعبر بسببه على الصراط أو تخفف عن نفسك الحساب .

وهذه هي الدنيا التى شغلتك بأموالها ومتعها وشهواتها تتمثل أمام عينيك " كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا " النور 39

وليت هذا الأمر انتهى عند هذا الحد وإنما " وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ " النور39


ليت المصيبة في أنك لم تجد من المال نفعاً في الآخرة وحسب, وإنما ستجد في انتظارك محنة أشد وأعظم وهي حساب ربك .. سيسألك عن هذا المال الذي ضيعته ومن أين اكتسبته وفيما أنفقته.

هذه هي الدنيا التى من أجلها خاصمت ومنعت وقطعت وفرطت, أبغضت فلان لمصالحك .. وأحببت فلان لمصالحك .. تخاصمت مع هذا أو ذاك ولم تتحمل إساءة فلان .. ولم تشكر جميل فلان .. ولم تصبر على أذى فلان ..

كل هذا لأجل الدنيا .. لأجل أن لا تشق على نفسك فيها أو تتعب

إن هذه الأشياء ستنغص عليك راحتك وسعادتك في الدنيا لهذا فأنت تبخل بها .. تريد أن تجلب لنفسك خير عاجل وتدفع عنها شر حاضر ولم تفكر فيما ينتظرك غدًا .

كثير من الناس يهرب من كرب الدنيا ومتاعبها ليريح نفسه لأنه لا يتحمل مشقة حرمانها مما تريد .

إنه حين يُؤثر النوم عن قضاء فرض أو نفل يتقرب به إلى الله تعالى فهو يهرب من المشقة ويبحث عن الراحة, وحين يقعد ويكسل عن أي عمل صالح فهو يهرب من المشقة ليريح نفسه, وحين لا يتصرف في نعم الله كما يريد ربه سبحانه بل يتصرف بهواه فهو يهرب من المشقة ليُرضي نفسه.

ونسي أن الدنيا دار عمل ومشقة وأن الراحة والجزاء في الآخرة فمن هرب من مشقة الدنيا أدخل نفسه في مشقة الآخرة والفرق بينهما كبير .. قال تعالى " وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

فلا تغرنك الدنيا بمباهجها ولا تلهث خلف متاعها ولا تحرص على خيرها مبتغياً الراحة فيها .. فإنما الراحة والمتعة الحقيقية في الآخرة .. أما الدنيا فليس فيها متاع حقيقي إنما هي أوهام.. سترى حقيقتها حين تخرج من قبرك .

سترى تفاهة ما أنفقت عمرك في الحصول عليه حين ينقطع عنك نفعه في أحوج ما تكون إليه .. سواء كان مالاً سعيت لتحصيله أو إنسان سعيت لإرضاءه أو بلاء هربت من مشقته .. كل هذا سينقطع عنك نفعه .. وتراه أمام عينيك يوم القيامة لتتحسر على كل لحظة انشغلت بها عن ربّك .

فإياك والانشغال بالدنيا والجزع من كربها والهروب من مشقتها فالدنيا مهما طالت بأحزانها وحرمانها ومتاعبها فهي منتهية, والآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربّك فترضى .

فاصبر مهما كان الصبر شديد ... واعمل مهما كان العمل شاق .. وتحمل مهما كان الحرمان كبير ..لأن شدائد الآخرة أشق وأعظم من شدائد الدنيا .

ولا تكن من الذين قال الله تعالى فيهم " إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا " الانسان

فادية يوسف
وعليكــم السـلام ورحمة الله وبركاتـه..



بارك الله فيكى حبيبتى فرح وجازاكى خير الجزاء على هذا التوضيح الوافى 000
فــرح مـونـي
بارك الله فيك اختنا الكريمه فاديا.. جزانا وإياكي من فضله وكرمه ان شاء الله




4- استحي ممن يشهد عليك غداً ..


يقول تعالى " يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا "

معنى ذلك أن الأرض ستتحدث وعندها أخبار ستنشرها يوم القيامة.

فما هي هذه الأخبار .. ؟؟

قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) قال أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا الله ورسوله أعلم,

قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا,يوم كذا.


فالقرآن يخبرك أن هناك من يراك, ويسمعك, ويعرف أخبارك, ويشهد عليك كالمكان والزمان والملكان والأركان واللسان والديوان .

والانسان بجحوده قد ينكر يوم القيامة ما كتبه الملكان ولا يقبل ما نطق به الديوان ويكذب شهادة الزمان والمكان ويطلب شهادة من نفسه ..

فتشهد عليه أعضاءه ويصدقها اللسان وبالرغم من ذلك قد يُصر على الإنكار .. ويحلف لله تعالى " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " الانعام

فحينئذ تأتيه شهادة الرحمن فما يستطيع ردها " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً" النساء (122)

وقال " وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" فاطر

ولكن ألم تكن تكفي شهادة الله تعالى وقد قال سبحانه " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً ؟ قُلِ اللّهِ ؟؟ الانعام (19)

والجواب :

إن الله تعالى يُكثر علينا الشهود لعلنا نستحي منها في الدنيا إذا علمنا كثرة من يشهد علينا في الآخرة.

فكثير من الناس لا يخشون ربّهم بالغيب .. ولا يستحون من الكرام الكاتبين فالإنسان لا يرى الله ولا يرى الملائكة فأعطاه الله شهوداً من نفسه وشهوداً حوله يراها وأعلمه إنها تشهد عليه لعله كلما رآها وهو مصدقاً لخبر القرآن بشهادتها موقناً به استحى أن تخبر بما فعل .

ولكن هناك من لا يستحي من فعل القبيح ولا يؤثر فيه أن يراه أحد أو يعرف أخباره أو يشهد عليه .

وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة إذ لم تستحي فافعل ما شئت "


لذلك ينبغي لكل منا أن يسأل نفسه أولاً هل يهمه أن يراه أحد حين يفعل الخير أو الشر وهل يهمه أن تنشر أخباره في الدنيا والآخرة.

إن الإنسان بطبعه يحب أن يُرى وهو يفعل الخير و يكره أن يُرى وهو يفعل الشر لأنه مجبول على حب المدح وكراهية الـذم.

فإذا كان الإنسان سوياً صاحب فطرة سليمة فإن هذا الأمر يهمه وبذلك سيؤثر فيه هذا الخبر "يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا"

فيحدث له ذكرى في قلبه تُثمر له حياءاً ورقابة لله تزجره عن المعصية وتمنعه من الخطيئة وتحثه على فعل الخيرات.

فالله تعالى يخبرنا في هذه الآية أن الأرض ستشهد علينا..

فكيف يشهد الجماد على الإنسان ؟

لكي نفهم ذلك لابد أن نعلم أن كل ما في الكون من كائنات سواء الجماد والحيوان أو النبات أو الأفلاك و النجوم والشمس والقمر كلها مخلوقات تتفق مع الإنسان في غاية الوجود ألا وهي عبادة الله الواحد الأحد .

فالحكمة من وجود جميع الكائنات هي عبادة الله تعالى .. ولكن بعضها مخير كالإنس والجنّ وكل ما سوى ذلك مُسير للعبادة مسبحاً بذاته كما قال تعالى

" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "


فكل مخلوق يعبد الله بالهيئة والكيفية التي وضعها الله فيه قال تعالى " كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ " النور

أي كل شيء في الوجود علم كيف يُصلي لله وكيف يسبح .

ومعنى ذلك أن هذه المخلوقات لها حس وفهم وإرادة بها تعرف الله معرفة تناسب خلقتها وتخرج منها عبودية تناسب هيئتها,


مثال ذلك :

الحيوان وهو أرقى الموجودات بعد الإنسان .. حدثنا القرآن عن هدهد سليمان عليه السلام كيف أنكر على أهل سبأ السجود للشمس قائلاً

" أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ " النمل 25

فعلمنا أن هذا الطائر له حس وفهم أدرك به الصواب والخطأ والحق والباطل وله إرادة تميل إلى جانب الحق

وحدثنا القرآن عن النملة وهي حشرة كيف أدركت بفهمها وحسها اقتراب الخطر من قومها حين مر عليهم نبي الله سليمان عليه السلام وجنوده فقالت

" يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يشعرون" النمل 18

ولها إرادة ميزت بها كون سليمان وجنده غير قاصدين تحطيم قرية النمل فقال " وَهُمْ لَا يشعرون "

وقد أخبر علماء العلم الحديث أن هناك لغة للأسماك ولغة للطير وتوصلوا إلى أن الحيوان يستشعر بوقوع الزلزال مباشرة وخاصة الحمار وأنها تهرب من المكان قبل وقوع الزلزال مباشرة..

إذن جميع الحيوانات لها وسائل إدراك ولهم لغة يتفاهمون بها ولهم منطق يعبرون به.

أما عن النبات فقد حكت كتب السُنّة عن بكاء جزع الشجرة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عنده ليخطب الخطبة فلما صنعوا له منبر

وانتقل عن الجذع سمع الناس أنين الجزع على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكف عن الأنين إلا بعد ما مسه صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح البخاري " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل – يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال إن شئتم, فجعلوا له منبرًا.

فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي, ثم نزل صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يُسكّن, قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكرعندها.


وأما عن الجماد .. فقد حكى القرآن عن القرية التى دخلها موسى عليه السلام والخضر عليه السلام فسألوا أهلها الضيافة فامتنع أهل القريةعن قبول ضيافتهما بُخلاً وشُحاً ثم

أخبر الله تعالى أنهما وجدا في القرية جداراً ووصفه بقوله" جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ " الكهف (77)

فأثبت أن للجدار إرادة أراد بها أن ينهدم وقال العلماء: لا مانع أن تكون إرادة الجدار حقيقية لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه,

فقال " و َإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ "الاسراء(44)


فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وهو واقع عن إرادة لهم يعلمها سبحانه ونحن لا نعلمها. [ تفسير أضواء البيان]


وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني لأعرف حجراً كان يُسلم علي بمكة "

وقال تعالى " وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " البقره 74

فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في كون الجماد له إرادة وفهم لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه.

وقوله تعالى " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ " الاحزاب 72


فتصريحه جلّ وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت .. دليل على أن ذلك واقع بأرادة وإدراك يعلمه هو جلّ وعلا ونحن لا نعلمه.

إذن فهذا الكون بما يحويه من كائنات عابداً لله تعالى مسبحاً له ولذلك هو ينفعل مع المؤمن إذا أمن وينسجم معه في حركة الحياه وينفعل ضد العاصي حين يعصي ولا يتوافق معه في حركة حياته.


ويظهر هذا بوضوح في مشاهد الواقع حين نرى الإنسان المؤمن الموصول بربّه تسعفه الأشياء حوله في قضاء حوائجه فيجد اليسر والسهولة في حركة سعيه في الحياة كأن الكائنات حوله تتجاوب مع مطالبه فتساعده.

فإذا أراد أن يقوم بعمل ما تجده مُعان في تحضير ما يلزمه وتجد الأشياء لينة في يده وإذا أراد أن يبحث عن شيء يجهل مكانه فسرعان ما تقع عليه عيناه ويجد الشيء كأنه يدله عليه, وإذا وقف ينتظر شيء يأتيه سريعاً ..

وهكذا فالكون كله مصطلح معه .. منسجم معه لاشتراكهم في هدف واحد وسيرهما في خط متوازي ألا وهو عبادة الله تعالى .


ويعلو هذا التوافق بين الكون والمؤمن حتى تبكي السماء وتبكي الأرض على فراقه بعد موته

فقد قال المفسرون في قوله تعالى عن آل فرعون " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ " الدخان

قالوا : إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم ولم يصعد لهم من السماء من كلامهم ولا عملهم شيء صالح فيفقدهم فيبكي عليهم.

وقد أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم " ما من عبد إلا وله بابان,باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات فقداه وبكيا عليه

وتلا هذه الآية .." فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ"

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحًا.

وعن سيدنا علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء (أخرجه مسلم في صحيحه )

فثبت من الآية أن السماء والأرض لا تبكيان على الكافر مما يدل على أنها تبكي فقد الصالحين.

وهذا تفاعل وانسجام بين أعظم المخلوقات في الكون وبين المؤمن حين اتصل بالله اتصال عبوديه

فتوافـقت مهمته مع مهمة الكون فحصل هذا الانسجام .. فالكون كله ساجد لله طائع لله يحب الطائعين ويكره العاصين كذلك.


فالعاصي حين ينحرف عن أداء مهمته في الكون فيعمل بمعاصي الله ولا يؤدي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها فيحصل بذلك تضاد بين حركته وحركة الكون وينشأ عن ذلك أن تعاكسه الأشياء

فيرى عدم الاستجابة من معطيات الكون حوله فلا تنقاد له بسهوله فتكون حركته في الحياة ثقيلة عسيرة ليس من السهل أن يجد ما يبحث عنه ولا يتم له أمر إلا من بعد عناء ومشقة

وتؤلمه المصائب اليسيرة وتتباعد عنه الحلول ولا يسعفه الزمان ببركة الوقت ولا يبره المكان بسهولة الحركة كأن الكون كله في حالة عصيان له وجفاء معه طالما إنه في جفاء مع ربّه

وانقطاع عن طاعته لذلك كان أحد الصالحين يقول : إني أرى أثر معصيتى في سوء خلق زوجتي ودابتي.

فجميع ما في الكون كاره للعاصي حال عصيانه.

وقد روى الإمام أحمد في مسنده (ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربّه أن يُغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه

والربّ تعالى يقول دعوا عبدي فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض, إن كان عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإليّ )


إذن فجميع المخلوقات في الكون لها حس وإدراك وشعور وبذلك يسهل على المرء أن يفهم كيف تشهد الأرض على الإنسان بعدما علم أن الأرض كسائر مخلوقات الله لها حس وفهم وإدراك .

ولذلك قال العلماء إن المقصود بقوله تعالى " بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا " أي أمرها فهي تعي أمر الله تعالى وتفهمه وتنفذه

وقد قال بعضهم لم يقل "أوحى " لعله إنما قال " لها " أي فعلنا ذلك لأجلها لكون الأرض تتوسل بذلك للتشفي من العصاة, أي إن لها مراد في إخراج ما في باطنها لكون أكثر أهل الأرض ضالين عصاه

لذلك ما إن صدر إذن الله لها حتى ألقت ما فيها وتخلت .

هذه الأرض لكونها المكان الذي يحيا عليه الإنسان فهي شاهدة لكل أفعاله وأعماله لذلك فهي تشهد يوم القيامة و تخبر عن كل ما عمل الإنسان عليها وذلك حين يخلق الله فيها عقل تنطق به

مع بقاء شكلها ليسمعها كل من حضر هذه الشهادة.

فتخبر عن المؤمن قائلة : فلان صلى وذكر وصام وحج فيّ .

وتخبر عن العاصي قائلة : فلان سرق وزنى وظلم فيّ حتى يتمنى هذا الأخير أن ينصرف إلى النار من شدة الفضيحة,

لذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة عنه.


وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يُنطق الله هذه الأشياء في الدنيا لتكون عوناً لنا على ترك المعاصي ؟

الجواب:

إن الإنسان إذا شهد عليه الجماد وسائر المخلوقات في الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعصي الله فكلما كان في مكان خاطبه ونهره ونهاه عن المعصية

وحينئذ سيكون تاركاً للمعصية حياءاً من الجماد ولكن الله تعالى يريد أن نترك المعصية من أجله حياءاً منه وخوفاً من عذابه ورجاءاً في رحمته .


ولكن حين يخبرنا بأن هذه الشهود ستنطق بما علمت يوم القيامة وتشهد عليك بما فعلت فينبغي إن كنت عاقلاً عالماً بمصلحة نفسك تريد لها النجاة غداً

أن تجعل هذه الشهادة لصالحك بأن تجتهد في فعل الخيرات أينما حللت وذهبت ليشهد لك كل من سمعك ورآك,



لذلك كان أبي سعيد الخدُري رضي الله عنه يقول لابنه: يا بني إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالآذان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يسمعه جنّ ولا إنس ولا حجر ولا شجر إلا وشهد لك "

وكان أبو أمية يصلي في المسجد هنا وهناك .. فلما سُئل قال: قرأت هذه الآية " يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا" فأردت أن يشهد لي يوم القيامة


فطوبى لمن شهد له المكان بالذكر والتلاوة والصلاة وويل لمن شهد له بالزنى والشرب والسرقه والمساوئ
وائل القلم الجرىء
السلام عليكم

تسجيل متابعه واستفاده


بارك الله فيكي وجزاكي كل خير اختي
عمار وائل غيث
بارك الله فيكي
فــرح مـونـي
الاخوه الكرام .. وائل وعمار .. بوركتم على المرور .. اللهم اجعلنا ممن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه



5- انتبه فأخبارك معروفة وسوف تنشر:

من الآية السابقة " يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا "
علمت أن الأرض سوف تشهد عليك مثلها مثل سائر الشهود ومعنى ذلك أن أخبارك كلها سوف تُنشر غداً أمام الخلائق وبين يدي الله تعالى سواء الأخبار الطيبة أو الأخبار السيئة.

وقد تنشر هذه الأخبار أو بعضها في الدنيا قبل أن تُنشر جميعها في الأخرة فقد قال تعالى " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ " محمد 31

فقوله تعالى " ونبلوا أخباركم " معناه كما جاء في التفسير الوسيط " أي نظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح وقوي الإيمان من ضعيفه.

فالإنسان مهما خفي حاله في الدنيا على من حوله فلابد أن يظهر الله من أخباره ما يُبين مكنون قلبه وحُسن أو سوء سريرته فيظهر ذلك في أفعاله أو كلامه أو أحواله .. فيفهمها من يفهم ويجهلها من يجهل .


عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن للحسنة نوراً في القلب وضياءاً في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق.

فالإنسان المؤمن يُعرف بين الناس بإيمانه فيدل ظاهره على باطنه ويؤيد باطنه ظاهره فتجد بهاء الطاعة ظاهراً على وجهه وقوة إيمانه ظاهرة في مسلكه .. فهذا هو انتشار خبره في الدنيا .

والإنسان إذا كان ضعيف الإيمان وفي باطنه كثير أو قليل مما يخالف ظاهره فسوف تُنشر أخبارهً .

فيظهر منه انحراف عن الصواب في زاوية أو أكثر من حياته .. ومهما حاول أن يُخفى مساوئه وسوء سريرته فإنها تظهر على قسمات وجهه وكلامه وسوء تصرفاته.


(ومهما عصى الله في السر فإنه متى استمر على ذلك فسوف ينشر خبره ويهتك سره إما بأن يراه أحد فيخبر عنه أو يخبر هو عن نفسه فيقول فعلت كذا وكذا ) ..

أما في الآخرة فالأمر أشد وأعظم .. لأن أخبار الإنسان سوف تنشر بشهادة الشهود وأمام جميع خلق الله .. وفي حضور ربّ العالمين الملك العظيم .

وسوف تنشر أخباره بتفاصيلها وليس مجرد علامات و دلالات على حاله .. كما كان الأمر في الدنيا.

فإذا علمت أن اخبارك كلها ستُنشر في الآخرة ؟ الأخبار الحسنة والأخبار القبيحة, التي تحب أن تُعرف بها أو التى تكره أن يعرفها أحد عنك.


فبماذا تحب أن تُعرف يوم القيامة ؟ وما الذي تكره أن يعرفك به أحد ؟

* أتحب أن يقال عنك : نشهد أن فلان كان كثير الذكر أو عظيم البر لوالديه أو واصلاً لرحمه .. مُحسناً لأهله.

أتحب أن يقال : كم من جهد بذله في قيام الليل وكم من مرة بكى فيها من خشية الله , وكم من مرة تصدق فيها سراً.

أتحب أن يقال عنك : لقد أصيب بكذا من المصائب فصبر و لقد أعطي كذا وكذا من النعم فشكر.

أو يقال: لقد تعلم دينه وعلمه للناس .. لقد نصر الإسلام وأعزه في موطن كذا وكذا ..

أتحب أن يُعرف لك قدرك وينبأ الله عن خيرك أمام هؤلاء الذين سخروا منك واستهزؤا بدينك وحقروا من شأنك واتهموك بالجهل ورموك بالمعايب.

أتحب أن يقال عنك : هذا الذي لم تعرفوه وجهلتم قدره وأزدرأتم شأنه كان في الحقيقة ولياً من أوليائي وحبيباً من أحبائي وكان عندي عظيماً وفي الملأ الأعلى كريماً ..

حتى هو لم يكن يعرف نفسه و لم يدري أنه قريباً من رحمتى فائزاً برضاي .. لأنه كان دائماً خائفاً من سخطي مُشفقاً من عذابي ..

غير راضٍ عن نفسه كان يبكي حيث لا يراه أحد وكان يتعب ولا يحس به أحد .. كان يصلي والناس نائمون ويذكرني والناس غافلون ويتحمل ما لا يتحمله المنافقون.

بعيني ما كان يكابد من أجلي .. وما كان يعاني بسببي وعزتي وجلالي ما زويت عنه الدنيا لهوانه عليّ ولكن لما أعددت له اليوم مما لم ترى عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ..

يا له من عز وفخر ينبغي أن تسعى له إن كنت تعقل.

ويا له من تكريم ينبغي أن تحرص عليه إن كنت تفهم.

* أم تُحب أن يقال عنك .. نشهد أنه كان غافلاً عن ربّه جاهلاّ بدينه, ناسياً لذنوبه, مشغولاً بدنياه.

أتحب أن يقال: كان جيفة بالليل حمار بالنهار لا هو في عمل الدنيا ولا هو في عمل الآخرة, يتكسب ليأكل .. ويأكل ليعيش وينام ليستريح.

أتحب أن تعرف بأنك القاطع لرحمه .. أو البخيل على أهله .. أو المُؤذي لجيرانه أو المفتون بالمال .. أو المفتون بالنظر المحرم أو المغتر بحلم الله .

أتُحب أن يُخبر عنك فيقال: كم من مرة نام عن صلاة الفجر؟ كم من صيام أفسده؟ كم من صدقة بخِل بها ؟

أو يقال : كان كثير الشكوى قليل الصبر – كان جحودًا لنعم الله !

أتحب أن يشهد عليك حائط غرفتك فيقول كم من مرة رأيته وهو يُغلق حجرته فينظر للمحرمات ويرتكب المخالفات .

أتحب أن تعرف حقيقتك ويُخبر الله بأنبائك أمام أعداءك وأحبابك فيقال هذا الذي أظهر المعروف وتشبه بالصالحين في ملبسه وملفظه ..

كان يكذب يوم كذا أو يغتاب فلان وفلان .. أو كان يحقد على فلان ويحسد فلان .. أو كان متكبراً في نفسه معجباً بعمله, هذا الذي ظننتموه عالماً كان يأمركم ولا يأتمر وينهاكم ولا ينتهي ..

هذا الذي حسبتموه صالحاً كان يفعل كذا وكذا من المنكرات,

هذا الذي كان عظيما بين الناس كان وضيعاً عند الله

كان راضياً عن نفسه والله عليه ساخط, كان مغتراً بحلم الله عليه و الله يمهله ويعد عليه ذنوبه .

كم من كلمة قالها أذى بها إنسان .. وكم من نظرة نظرها أغضب بها الرحمن, وكم من نفوس أفسدها .. واناس ظلمهم وحقوق ضيعها.


يا لها من فضيحة .. يتمنى الإنسان أن يُذهب به إلى النار ولا يخبر عنه بشيء من هذا وياله من خزي بعد التكريم وكشف بعد الستر ويا له من عار أن يشهد عليك الجماد ويسمعه الأعداء والأحباب .

إنها مصيبة ينبغي أن تشتري نفسك منها .. وخسارة ينبغي ألا تعرض نفسك لها.

فالأمر جد وما هو بالهزل .. وإذا كان الله تعالى قد يستر علينا في الدنيا إمهالاً وفي الآخرة غفراناً فينبغي أن نسعى لمغفرته في الآخرة وتستغل إمهاله في الدنيا .

فإذا وجدت الله يُمهلك .. فاستحي منه أن تستمر على المعصية أو تظل مُقصراً في الطاعة وتب إلى الله أول بأول فإنه إذا غفر لك الذنب ستر عليك العيب ورفع عنك العقوبة,

فالذنب إذا غُـفر مُحي من صحيفتك وأنساه الله للحفظة والشهود فلا يشهد عليك شاهد ولا يُخبر عنك مخبر ..

فاحرص على فعل الخيرات واحذر من فعل المنكرات وامحو السيئات لأن أخبارك ستنشر وأحوالك ستُعرف


فادية يوسف
وعليكــم السـلام ورحمة الله وبركاتـه..


جزاكى الله خيرا حبيبتى فرح على هذا الشرح والتفسير الوافى 000


اللهم اجعلنا واياكى من اهل القران 000


اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده 0 ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده 0 000


واجعلنا من اهل القران الذين هم اهلك وخاصتك 0 يا ارحم الراحمين 000


اللهم اجعله لقلوبنا ضياء 0 ولابصارنا جلاء 0 ولاقسامنا دواء 0 ولذنوبنا ممحصا 0 وعن النار مخلصا 000


اللهم امين 0 امين 0 امين 000 يا رب العالمين 0000



فــرح مـونـي
آمين .. لنا ولكِ ولكل المسلمين .. بوركتى اختى الكريمه



6-اختار لنفسك كيف تكون ومع من تكون..

قال المفسرون في قوله تعالى " يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا " أن الناس يصدرون متفرقين كل إلى جهة بحسب أعمالهم وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها في مراتب الخير و الشر.

فالناس حين يخرجون من القبور وبعدما يعاني كل إنسان من شدة الفزع والهلع بسبب هول المطلع يساقون إلى أرض المحشر .. فحينئذ يختلف الناس في الصورة التي يحشرون عليها..

فمنهم من يُحشر حافياً عارياً .. حيث يظل عارياً كما خرج من القبر ..
ومنهم من يكسوه الله تعالى ثياباً حسنة .. ومنهم من يُحشر وقد ابيض وجه ومنهم من قد اسود وجهه
ومنهم من يُحشر راكباً .. ومنهم من يُحشر ماشياً .. ومنهم من يُحشر على وجهه.
ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف .. صنفاً مشاة وصنفاً ركباناً وصنفاً على وجوههم "

وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يُحشر الكافر على وجهه؟

قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة؟

قال قتادة : بلى وعزّة ربنا..قلت وذلك قول الله عزّ جلّ " وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا " الاسراء 97

وقال أبو حامد في كتاب كشف علم الآخرة

ومن الناس من يُحشر بفتنته الدنيوية فقوم مفتونون بالعود معتكفون عليه دهرهم فعند قيام أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده ويقول سحقاً لك شغلتني عن ذكر الله فيعود إليه

يقول أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين وكذلك يبعث السكران سكران والزامر زامر وكل واحد على الحال الذي صدّه عن سبيل الله "
التذكره للقرطبي

وإذا كرهت أن تُحشر مع الفاسقين فلا تتشبه بهم .. فمن تشبه بقوم فهو منهم ..

فلا تتشبه بأهل الفجور والعصيان في أي وصف من أوصافهم أو أي جزئية من حياتهم حتى لا يُصيبك من شؤم صحبتهم أو التشبه بهم فتُحشر معهم.

وخالط أهل التقوى والصلاح لعلك تنال بركة صحبتهم وينالك من خيراتهم ما يسر به قلبك غداً يوم القيامة.



*** *** *** ***

7- اجتهد قبل أن تندم .. فلا ينفعُك الندم ..



حين يصدر الناس في أرض المحشر على اختلاف صورهم وأحوالهم وهم يعانون من الشدّة والكرب ما لا وصف له يزيد في كربهم أن يعلموا ما ينتظرهم بعد طول الوقوف..

فسوف يُساقون إلى الحساب حيث يرون جزاء أعمالهم .

فقد قال تعالى " يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ "

وأشد ما يؤلم الإنسان في الدنيا أن يواجه بعمله .. فيقال له تعال لترى سوء أعمالك .

مجرد عرض الأعمال عليه ومواجهته بها شيء مؤلم وقد يكون أحياناً أشد من الجزاء نفسه .

فالأب مثلاً حين يواجه ابنه بما عمله فيسرد عليه أفعاله ويواجهه بقبائحه فإن الابن قد يتمنى بشدة أن يعاقبه الأب دون أن يذكره بتفاصيل أعماله, فالعقاب عنده أهون من المواجهة لأن فيها من التوبيخ والألم النفسي ما يفوق الألم البدني,
والإنسان ذاته قد يتألم من ذكر بعض أعماله بينه وبين نفسه فيكره أن يتذكر عملاً قبيحاً صدر منه ذات يوم وكلما مر بخاطره وجاء ذكره في قلبه شعر بغضاضة ومرارة يجد مذاقها في نفسه فيسارع في طرد هذا الفكر ويحاول أن يشغل نفسه بشيء آخر حتى ينسى قبيح ما عمل.

فكيف بمن يواجه بأعماله أمام ملك الملوك العظيم الجبّار ؟


إن هذه الجملة "لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ " تلسع القلب الحيّ لسعاً شديداً وتوخز الضمير وتستنفر مشاعر الخوف والخشية في النفس اللوامة لأنها تصف للمرء عقوبة هائلة رهيبة

وهي مواجهة عمله الذي يعقبه الحساب الدقيق الذي لا يدع ذرة من خيٍر أو شٍر حتى يزنها ويجازي عليها .

إن التعبير بلفظ الرؤية في قوله " لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ " كناية عن معنى الحساب والجزاء على الأعمال فيه معنى التذكر التام لتفاصيل العمل

حين يحاسب عليه الإنسان حتى لكأنه يراه أمامه معروضاً على شاشة ذهنه, فكلما قيل لك أتذكر يوم فعلت كذا فسوف تتذكر هذا الفعل كأنك فعلته منذ ساعة فتراه بعين قلبك حينما يذكرك الله به

ويسألك عنه مما يزيد في كرب كل إنسان ومحنته لشدة ما يصيبه من الحياء والوجل لعلمه أن الله قد اطلع على هذه التفاصيل وسجلها له ثم الآن يعرضها عليه ويقرره بها .

فأي خجل يعتريك وأي خوف يدخل قلبك حينذاك .. وأنت تستعرض بذاكرتك كل أعمالك أمام ربّك فترى الآن نظره عليك وقد أغفلته من قبل وتوقن باطلاعه عليك وقد تناسيته من قبل .. وهو يقررك بذنوبك وأخطاؤك.

إنها لحظات عصيبة شديدة وإن آل الأمر في النهاية أن يقال لك اذهب قد غفرت لك أو سترتها عليك.

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عُمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"

يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربّه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف ؟ فيقول : أي ربّ أعرف - قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم "



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال "يدنى العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه فيستره من الخلائق كلها ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول له :

إقرأ يا ابن آدم كتابك قال : فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه, قال : فيقول الله تعالى له أتعرف يا عبدي؟ قال : فيقول نعم يا ربّ أعرف قال : فيقول : فإني أعرف بها منك قد غفرتها لك
.


فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم (فيقرره بذنوبه) وقول أبو هريرة (ويمر بالسيئة فيسود وجهه) لتعلم أنه لو لم يكن في التقلل من الذنوب ومعالجة العيوب إلا النجاة من هذا الكرب لكان سبباً كافياً .

فما بالك وأنت مُعرض لأشد من ذلك من إيقاع العقوبة عليك والمكث في النار بقدر ما بقى لك من الذنوب .. إن لم يغفرها الله لك ..

فاجتهد الآن في محو سيئاتك بالتوبة واعتذر عن قبيح أفعالك قبل أن تعتذر غداً فلا يقبل منك اعتذار ولا ندم

قال تعالى " يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ " غافر

وقال تعالى "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " المرسلات


ولا تعمل اليوم عملاً تستحي من عرضه على ربّك غدًا.. فإنه إن لم يكن في الذنوب شر سوى إطلاع الله عليها وقراءتك لها أمامه لكان ذلك رادعاً لك عنها.

فاجتهد في محو الذنوب قبل أن تراها في حضرة علام الغيوب .

واجتهد في تكثير حسناتك لكي تفرح برؤيتها يوم الحساب,

فما أجمل أن تقف بين يدي ربّك تقرأ خيرات أعمالك فيستنير وجهك بياضاً ..

وكلما جاءتك سيئة فقرأتها فكاد الخجل أن يُذيب لحم وجهك أسعفك ذكر الحسنة بالاعتذار


وأنهضك من مقام الخوف إلى مقام الفرح وابيض وجهك بعد سواده وتظل هكذا تقرأ كتابك وترى أعمالك وأنت واقفاً بين يدي ربّك حتى تسمع هذا النداء : اذهب لقد غفرت لك .


فما أحلاه من نداء وما أعظمه من فوز .. نسأل الله تعالى أن نكون من الفائزين وأن يصير مآلنا إلى ذلك فيغفر لنا ويعفو عنا .. آمين


فــرح مـونـي



8- تعظيم الأمر والنهي من تعظيم الآمر الناهي ..


قال العلماء في قوله تعالى " فمن يعمل مِثْـقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَـَره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شَـّراً يَـرَه "

فقالوا : المثقال هو ما يقدر به الوزن.

الــذر : هو صغار النمل أو هوما يُرى في شعاع الشمس من الهباء أو أن يضرب الرجل بيديه على الأرض فما علق بها من التراب فهو ذرة.

ومعنى ذلك أن الله تعالى يُحاسبنا على كل أعمالنا مهما دقت فلا يترك مثقال ذرة من خيٍٍر أو شٍر إلا ويُجازي عليها بالمثوبة أو العقوبة ..

فما السر في هذا الحساب الدقيق الذي لا يفوت مثقال ذرة إلا ويزنها؟

قال صاحب التفسير الكبير : لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف (وهذا لا يليق ) وفي الطاعة تعظيم وإن قل ( وهذا لا يضيع )

ومعنى كلامه أن المعصية مهما كانت صغيرة فهي في الأصل مخالفة لأمر الله فقد نهاك الله عنها .. وبذلك فأنت حين تعصي الله فقد جهلت قدره واستخففت بنظره فهان عليك مخالفته .

لذلك قال بعض السلف : إذا أذنبت ذنباً فلا تنظر إلى صغره ولكن انظر قدر من عصيت .

فالذنب وإن كان صغيراً فهو يدل على الاستخفاف بنظر الله إليك فلم تستحي منه أن يراك حيث نهاك.

والناس يتعارفون على أن الإنسان يستحي ممن عظم قدره عنده .. فلو فُرض أن إنسان يُخطئ خطأ ما .. فنظر إليه رجل من كبار القوم فإن كان إنسانا سويًا فسوف يستحي منه حياءً شديداً.

فإذا كان الناظر إليه أقل مكانة فسوف يقل حياءه .. فإن كان الناظر إليه أحد الصبية الصغار فإنه لن يعتد بنظره ولا يهمه أمره .

وقد أورد أبو حامد في(مكاشفة القلوب) هذا الأثر: أوحى الله إلى أحد أنبيائه:

( أن قل لقومك ما لكم تسترون الذنوب عن خلقي وتظهرونها لي فإن كنتم ترون أننى لا أراكم فأنتم مشركون بي وإن كنتم ترون أنني أراكم فلما تجعلونى أهون الناظرين إليكم ).

ففي الذنب وإن صغر دليل على غفلة الإنسان عن مراقبة مولاه فيكون المقصود من إنزال العقوبة عليه هو التباسه بهذا المعنى من ضعف تعظيمه لله وغفلته عن مراقبته وليس المراد من العقوبة حجم الذنب نفسه .

فلو أن والداً أعطى لكل واحداً من أبناءه نصيباً من طعام ثم أمرهم ألا يأخذ أحدهم من الآخر شيئاً ثم إن أحدهم تناول من طعام أخيه حبة من الأرز, فأراد والده أن يعاقبه .. فإذا اعترض عليه أحد أنه لم يأخذ سوى حبة واحدة لم تُنقص من حجم الطعام ما يستدعي العقوبة فإن الأب له أن يحتج قائلاً: أن عقوبتي له ليست على حبة الأرز ولكن على عدم تعظيمه لأمري حتى استباح لنفسه أن يخالفني, ثم أنني لو لم أعامله هذه المعاملة لأغتر بعفوي واجترأ على مخالفتي فيما هو أكبر من ذلك ولكنه طالما علم أنني لا أفوت له الخطأ ولو صغر فسوف يأخذ دائماً حذره فيعان على طاعتي .

ومن هنا نعلم أن تعظيم الأمر والنهي من تعظيم الآمر الناهي,

فإن كنت معظماً لمن أمرك فسوف تحرص على تنفيذ أمره وإن كنت مستهتراً بحيث لا تهابه ولا تخشاه فسوف تهمل تنفيذ الأمر أو يهون عليك تركه وعدم القيام بحقه,

وكذلك إذا نهاك أحد عن شيء فبقدر تعظيمك له تهاب مخالفته, وإذا ضعف خوفك وهيبتك له اجترأت على مخالفته .

ولهذا قال علماؤنا : إن الذنب يصغر عند الله إذا كان كبيراً عند العبد .. ويعظم عند الله إذا كان صغيراً عند العبد (ابن القيم ) .

فالذنب إذا كان كبيراً عند العبد صغر عند الله لأن الذنب إنما كان كبيراً في قلب العبد بسبب علمه بجلال الله وأنه سبحانه أهل للتقوى .. أي جدير بأن يُتقى فلا يُعصى.

وبسبب هذا التعظيم يكون الذنب عند الله صغير لأن العبد لم يستخف بحق الله عليه في الانتهاء عما نهاه ولم يرى نفسه معذوراً فيه ولم يستحله.. بل صدر منه نتيجة ضعف إيمانه أو في لحظات غفلته أو لغلبة شهوته فهو مع إتيانه للذنب مُقراً لله بحقه معترفاً بخطأه .. مستشعراً عظمة جُرمه .. مستعظماً قدر مخالفته مجتهداً في تركه.

والذنب إذا كان صغيراً عند العبد كبر عند الله لأن الذنب ما صغر في قلب العبد إلا لجهله بحق الله عليه وعظيم قدره وإنه أهل للطاعة فيما أمر, فأي مخالفة لأمره هي استخفاف بحقه .

لذلك كان بعض العارفين يقول : لا صغيرة .. بل كل مخالفة كبيرة لأن مخالفة العظيم عظيمة.

لذلك كان بعض الصحابة يقول للتابعين : إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات (أي المهلكات)

وذلك لأن معرفة الصحابة بجلال الله وقدره كانت أتم وأكبر من غيرهم فكانت الصغائر عندهم من الكبائر .

ومن هنا علمنا الحكمة في الحساب الدقيق على المخالفات حتى لا يفوت مثقال ذرة من شٍر إلا و يجازي عليها.

ذلك لأن المعصية وإن قلت فيها استخفاف وهذا لا يليق بجلال الله .

ولقد ذم الله تعالى من لم يُعظمه حق عظمته فقال سبحانه على لسان نبي الله نوح " مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا " نوح(13)

قال سعيد ابن جبير : أي مالكم لا تعظمون الله حق عظمته.

أما عن حكمة الله سبحانه في الحساب الدقيق لمثاقيل الذر من الخير بحيث لا يفوت مثقال ذرة من خيٍر إلا ويجازي عليها فذلك مقتضى فضل الله ورحمته بعباده أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا فهو سبحانه شكور لا يضيع أجر المحسنين, والطاعة مهما كانت قليلة لكنها صادرة في الحقيقة عن تعظيم العبد لله تعالى بحيث يبتغي رضاه بكل ما اتيح له من فرص وإن كانت صغيرة .

فالمعهود عند البشر أن الإنسان إذا عظم في قلبه شخص ما فإنه يتحبب له بكل وسيلة ويستغل كل الفرص صغيرها وكبيرها في القرب منه والوصول إلى رضاه.

فالوالد مثلاً كلما كان عظيماً في قلب أولاده اشتد حرصهم على طاعته والعالِم كلما كان معظماً في قلب تلاميذه فإنهم يتنافسون على خدمته فلا يحقر أحدهم أن يناوله قلم ليكتب به أو ليمسح له حذاء أو يرفع له ورقة أو يهيء له مقعده.

فهم يعظمون هذه الأعمال التى يعاملون بها معلمهم ويتقربون بها إليه لعلو مكانته عندهم .

وكلما ضعف قدر إنسان في قلوب الناس قل حرصهم على خدمته وتكاسلوا عن طاعته وتباطئوا في تنفيذ أمره أو تركوا تنفيذه مطلقاً .

من هنا يتبين أن تعظيم الأمر من تعظيم الآمر .. فكلما زاد تعظيمك للأمر دل ذلك على شدة تعظيمك للآمر

وقد قال الله تعالى : " ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ "

قال المفسرون : شعائر الله أي كل شيء لله تعالى فيه أمر.

والمعنى : أن تعظيم أوامر الله دليل على تقوى القلوب وهي خوفها من الله وتعظيمها له.

فظهر بذلك الحكمة من مجازاة الله تعالى على مثاقيل الذر من الخير بأن الطاعة وإن قلت فهي دليل على تعظيم الله الذي أمر بها, وهذا التعظيم من العبد لربّه جعله حريصاً على فعل الخير و لو كان عملاً بسيطاً لكونه مرضياً عند الله .. لذلك فهو لا يضيع عند الله بل يكافئه عليه بالأجر والثواب لأنه سبحانه شكور يجازي على الإحسان .

قال تعالى " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " الرحمن 60

حتى أنه سبحانه وتعالى يجازي العبد على نيته وإن لم يعمل إذا كانت خالصة لله تعالى .

والنية من عمل القلب وليست من عمل الجوارح فهي مجرد (قصد) وليست فيها أي مجهود بدني أو مشقة ومع ذلك يجازي الله عليها صاحبها ويساويه بها مع من قام بالعمل بجوارحه وتعب فيه .

مثال ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن جابر بن عبد الله الأنصاري قال :

كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : " إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض " وفي رواية إلا وشركوكم الأجر "

وأعظم من ذلك أن الله يجازي العبد على تركه للشر بعد أن هم بفعله ففي حديث (إن الله كتب الحسنات والسيئات ..) جاء فيه " وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها سيئة واحدة "
وهو حديث متفق عليه

ومعنى (من هم بسيئة ولم يعملها ) أي ترك فعلها أو التلفظ بها لوجه الله تعالى لا بسبب آخر كحياء من إنسان أو عجز أو رياء (كتبها الله عنده حسنة) لأن رجوعه من العزم على السيئة خير فالرجوع عن الشر خير فجوزي عليه وإن هم بها ففعلها كتبها الله سيئة واحدة
لقوله تعالى "فلا يجزى إلا مثلها "


وائل القلم الجرىء
<div align='center'>
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،


فعلا اختي الكريمه


هذا ما اكرمنا الله به من القران الكريم

ربنا يكرمك ويزيدك اختي فرح

وربنا يكرمك علي التفسير ويبارك فيكي

تسجيل استفاده ومتابعه

وان شاء الله نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه


ربنا يجعله في ميزان حسناتك اختي
</div>
فــرح مـونـي
جزاك الله خير ايا وائل ولا تنسى .. أنا أنقله لكم من درس استفيد منه ليعمنا جميعا نفعه




9- لا تستهين بالذنوب وإن صغرت ..

إذا علمنا أن الحساب يوم القيامة لا يترك مثقال ذرة إلا ويجازي عليها وإن ميزان العبد إذا زادت فيه سيئاته على حسناته خسر وخاب, فلا ينبغي أن نستهين بالذنوب مهما صغرت طالما أنها ستزن في الميزان وقد تؤثر في ثقل الميزان أو خفته إذا تكاثرت على العبد,
فالصغائر إذا كثرت كان لها تأثيرها في الميزان مثل كبائر الذنوب والإنسان عادة يحتاط لنفسه من الوقوع في الكبائر لاستعظامه قدر العقوبة عليها ولكنه يستهتر بصغائر الذنوب فلا يحتاط منها بمثل ذلك .. فيقول هذه كلمة وهذه نظرة وهذه كذبة وهذا هزل .. وهذا غير مقصود .
فيستخف بها فلا يستقبح الوقوع فيها.. ويساعده على ذلك سهولتها وإلفها لذلك أخطر المعاصي ما كانت مألوفة عند الناس وسهلة كالنظر والكلام فالإنسان يعتاد الكلام ويسهل عليه حركة اللسان وكذلك من طبعه حب النظر ويسهل عليه حركة الجفن .

وبدلك يكون صدور تلك المعاصي من هذه الجوارح أسهل وأكثر فالإنسان يسهل عليه الغيبة والكذب أكثر من السرقة لأن السرقة تحتاج لمجهود معين وهي غير مألوفة للطبع السليم وكذلك يسهل عليه النظر المحرم ويصعب عليه الزنا لأن النظر سهل ولا يتحرج منه كما يتحرج من الزنا .. ولا يحتاج من الوقت والحيطة ما يحتاجه للوقوع في الزنا ومن هنا يحصل الاستهتار بصغائر الذنوب لسهولتها وإلـفـها,

لذلك حين سئل معاذ بن جبل رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نؤاخذ بما نقول, فقال ثكلتك أمك يا ابن جبل وهل يكب الناس في النارعلى مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " صحيح البخاري

فأكثر ما يدخل النار هي معاصي اللسان لاستهتار الناس بها وعدم احتياطهم من الوقوع فيها .

وقد جاء في الخبر .. إن معظم النار من مستصغر الشرر فاستصغارك للذنب جرأك على إتيانه مراراً وتكراراً فاجتمع عليك عقوبة صغيرة ثم عقوبة صغيرة حتى يجتمع عليك قدر هائل من العقوبات فيكون سبباً كافياً في هلاكك .

لذلك حذر صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب وهي الذنوب التى يستهين بها الإنسان فلا يستعظم عقوبتها ويستهتر بقدرها وتأثيرها فبيّـن صلى الله عليه وسلم أن الاستهانة بها سبباً في الإستكثار فيهلك بسببها فقال صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعهن على العبد حتى يهلكنه)

ثم إنه صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثلاً (كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سواداً وأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها)

وقد نبه صلى الله عليه وسلم أمته لخطورة الكلمة الواحدة والنظرة الواحدة وما شابه ذلك مما لا تعتد به الناس كالهمز واللمز والتكلم فيما لا يعنى.

فقال صلى الله عليه وسلم " إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب " أخرجه البخاري ومسلم

فكم من كلمة ينطق بها الإنسان ولا يتبين ما فيها من خطورة ولا يلقى لها بال ولكنها تقع موقعاً يغضب الله كأن تكون سبباً في فساد قلب إنسان أو وقوع نزاع بين اثنان أو تقطع رحما أو تحلل حراماً أو تقنط إنساناً أو تجرأه على الله .., إلى غير ذلك


والذي يساعد على صدور مثل تلك الكلمات أننا كثيراً مانتكلم دون أن نفكر في صحة ما نقول أو خطورته لغياب خوف تلك العقوبة من القلوب والاستهتار بصغائر الذنوب .


* وقال صلى الله عليه وسلم "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس "

ومعنى قوله سهم مسموم أي أنها تصيب القلب السليم بالأذى كإصابة السم للجسد فإما أن يمرض فيطول شفاؤه أو يهلكه..

كذلك النظرة المحرمة وإن كانت واحدة فإنها قد تُدخل للقلب شهوة أو تزرع فيه رغبة محرّمة فيمرض القلب بالتعلق بالشهوة وينحرف وراء الرغبة وبالرغم من ذلك تجد كثير من الناس يتهاونون بصغائر الذنوب بل ويظنون أنهم مسامحون عليها.

ومن أعظم الأسباب التى تهون على الناس الوقوع في صغائر الذنوب نظرهم لمن هو أكثر منهم عيوباً واغترارهم بما يفعلوه من صالح الأعمال .. فيظن الواحد منهم بذلك أنه مسامح في صغائر الذنوب .. نظراً لاجتهاده في بعض الأعمال الصالحة وتفوقه على غيره .. فيستقل الذنب في جانب حسناته وعيوب غيره.

كأن يكون الإنسان متعفـفاً عن أكل الحرام واصلاً لرحمه كثير الإنفاق ومع ذلك تجده متهاوناً بغض البصر واغتياب الناس وكثرة المزاح والكذب وكذلك قد تجد من يحفظ القرآن ويقيم الصلاة ولكنه يعجز عن غض البصر وحفظ اللسان..
مغتراً بمحافظته على الصلاة وكثرة حفظه للقرآن حتى أصبحنا نرى من يحافظ على الصلوات الخمس قد تزل قدمه حتى يقع في الزنا .. ونرى من يحفظ القرآن كاملاً لا يتحرج من الجلوس الساعات الطوال أمام الأفلام .

ولا تجد الواحد منهم يجتهد في ترك ذنب صغير كجهده في فعل طاعة كبيرة بحيث يسهل عليه مثلاً أن يصوم في اليوم الشديد الحر ويصعب عليه أن يغض بصره عن النساء, ويهون على المرأة الصبر على مصائب شديدة كالمرض والفقر ويصعب عليها ترك الغيبة أو الصبر على سوء خلق الأولاد.

وذلك لأنه قد ارتكز في فهم كثير من الناس أن فعل الطاعات أشق وأهم من ترك الذنوب لذلك إذا أراد الواحد منهم أن يحكم على صلاح حاله فإنه ينظر إلى جانب ما يقدمه من طاعات ويغض الطرف عما يصدر منه من مخالفات في حين أن كثير من العلماء قد ذهب إلى أن أعمال البر يقدر عليها البار والفاجر ولا يقدر على ترك المعاصي إلا الصادق .(من كلام ابن القيم عدة الصابرين )


ومما يؤيد هذا القول أن أكثر الطاعات التى يؤديها الناس إما أن تكون من السهولة بحيث يعتادها الإنسان كالصلاة والصيام والحجاب والذكر أو من الصعوبة في أدائها لكن فيها حظوظ للنفس تعين عليها كالحج والصدقة و صلة الأرحام وحفظ القرآن .

ففي مثل هذه الأعمال سبباً للظهور والتميز وثناء الناس والهروب من المذمّة مما يجعلها سهلة على النفس.

أما المعاصي فلا يقدر على تركها إلا من عظم قدر الله عنده وغلب حبه في القلب على حبه لشهوات الدنيا ولذائذها .

فلا يكن حكمك على صلاحك بكثرة ما تؤديه من طاعات (مع أهميتها ولا شك) ولكن احكم على صلاح قلبك بما يصدر منك من مخالفات .. فإن كنت مُستكثراً منها أو مُصراً على بعضها أو مستحلاً لها فأنت أبعد ما تكون عن وصف الصالحين .

واعلم أن الإنسان مهما كمل إيمانه لا ينفك عن الوقوع في المعاصي لأنها مقتضى بشريته ونقصه.. وقد بكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين أنزلت (
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك ؟ فال هذه السورة, فقال صلى الله عليه وس