هذه رسالة من واحدة من بنات الشوارع قراتها في جريدة الاخبار المصرية يوم الجمعة الماضية اتركها بين يدي القراء ليعرفوا الوجه الاخر من مصر المحروسة... الموضوع كامل بدون حذف.


عزيزتي حسْن شاه:


سوف أروي لك قصتي بل مأساتي التي انتهت بي في الطريق. فأمي وأبي بدلا من أن يكون أول من يعينني في هذه الحياة كان أول من تسبب في ضياعي.

فأنا ياسيدتي فتاة أبلغ من العمر 19 عاما علي حسابات الدنيا لكنني أشعر بأن عمري يزيد علي قرون وأنا بنت من ثلاث بنات..

أنا جئت إلي الدنيا لكي أري أمي وأبي في شجار دائم فلم يكن يمر يوم دون أن يجتمع الجيران في بيتنا وكانت أمي تصرخ أن الرجل السكير الذي هو أبي سوف يكون سببا في جنونها.

وكان أبي يصيح أن أمنا مشيها بطال وكنت لا أعي معني هذه الكلمة. ولكن مع الأيام عرفت قصة أبي..

فأمي كانت تسعي للحصول علي النقود بأي وسيلة.. وكانت تعمل في احد البارات..

أما والدي فكان يعمل في مقهي بلدي ودائما ما كان يردد 'ماعنديش فلوس' أنا عندي ثلاثة هموم عايزين الوف عشان يعيشوا. وقد زادت المشاكل بينها خصوصا عندما انجبت أمي اختي الصغيرة

وعندما عرف والدي أنها بنت كاد أن يجن وصرخ قائلا..دي مش ممكن تكون بنتي.. مش معقول تكون خلفتي كلها بنات.. وكانت هذه هي آخر مرة أراه فيها فقد تركنا وهجر أمي وثلاث بنات وهرب.

وعندما وجدت أمي نفسها تواجه الدنيا دون رجل أعلنت انها لا تستطيع الانفاق علي ثلاث بنات غيرها.. وأنه يكفيها أن تحمل هم نفسها.

ووجدت أن الحل في أن توزعنا علي أقاربها ومعارفها. وكان عمري وقتها ستة عشر عاما واختي الثانية أربعة عشر عاما والصغيرة كان مايزال عمرها عامين..

وأرسلتني أمي عند خالتها وهي سيدة عجوز مريضة تحتاج لمن يرعاها وتعيش بمفردها. فوجدت منها المعاملة الطيبة التي لم أجدها عندي امي.

وكنت في الصف الثاني الثانوي التجاري.. بريئة تماما لا أعرف مرارة وقسوة الأيام التي تنتظرني. كنت أعيش راضية رغم بعد كل من اختي عني.

وفي منزل الخالة العجوز كنت أقوم بكل اعمال البيت من ترتيب ونظافة وتمريض للخالة العجوز واحضار الطلبات من الخارج.. فلم أعد قادرة علي التحصيل الدراسي فهجرت المدرسة الي غير رجعة..

وقد سألت هذه السيدة عن مكان كل من أختي فقالت ان أمي تركتهما عند بعض الناس الذين لا نعرفهم وانها قد تزوجت من رجل سعودي وسافرت معه الي السعودية.

ولم تمتد فترة استقراري وسعادتي في هذا المنزل الا أربعة أشهر لا غيره فقد ماتت الخالة الطيبة التي كانت تؤوني وترعاني..

وبعد ان انتهت ليالي العزاء جاء ابنها وقال لي 'مع السلامة'. ورددت عليه بكل براءة 'الله يسلمك حضرتك ماشي'.. فقال 'لا انتي اللي ماشية.. وأعلن أنه سوف يبيع الشقة أو يؤجرها..

وأنه لا مانع لديه من أن اكون المستأجرة وعندما رددت بأنه ليس معي نقود رد بكل جبروت 'اللي ما معاهوش مايلزموش' وبعد توسلات طويلة ودموع كثيرة أعطاني عشرين جنيها وقال

'امشي دلوقتي' سألته 'أروح فين؟' رد قائلا: دي مشكلتك! وخرجت رغما عني. وكان هذا هو أصعب يوم في حياتي ونزلت إلي الشارع لا اعرف الي اين اذهب وقد عذرت هذا الرجل..

فاذا كان كل من أمي وأبي لم يرحماني.. فلماذا يرحمني هذا الرجل؟ وتوجهت إلي منزلنا القديم فسألت الجيران عن أخوتي فلم أصل إلي شيء..

وكان كل من يراني يهرب مني وكأنني ارتكبت جريمة وقالت لي احدي الجارات أنتي جاية تفسدي بنتي.. لوشفت وشك هنا تاني هبلغ عنك الحكومة..

ووجدت نفسي أسير في شوارع غريبة أراها لأول مرة في يوم كامل بليلة ونهاره وأنا أسير والدموع تسيل من عيني..

لا اعرف إلي أين أذهب وتذكرت اثناء سيري وياليتني ما تذكرت أني رأيت يوما برنامجا في التليفزيون عن اولاد الشوارع وانهم يجتمعون في محطة مصر..

فذهبت إلي هناك فقابلتني فتاة عمرها حوالي 19 عاما.. كانت تقف كالصقر لصيد البنات اللائي يأتين بالقطارات هاربات من بلادهن أو مطرودات من رحمة أهليهن..

فوقعت معها ورويت لها قصتي فقالت ولايهمك حتعملي إي بأهلك.. أنا حعمل لك أحلي عائلة. وفي البداية جعلتني اشتغل شغلانة خفيفة واعطتني علب مناديل لأبيعها في الطريق

وقالت انت وجهك بريء وتنفعي تستعطفي الزبائن علشان يشتروا منك. واصبحت أنام معها هي ومجموعة من الاطفال في حجرة بل في عشة صفيح قذرة ومقززة ومثيرة للاشمئزاز.

وبعد ايام قالت لي.. كل بنت هنا لازم تختار ولد اكبر منها علشان يحميها ويدافع عنها من الصبيان اللي معانا وأنا أخترت لك أحسن ولد. وكان شابا في الثانية والعشرين من عمره جلست معه ووجدته يعاملني بلطف.

ثم ابلغتني البنت أنه لابد أن ننتقل إلي حجرة أخري أنا والولد الذي يحميني وهي والولد الذي يحميها.. وعشنا نحن الأربعة فترة..

وفي يوم اختلي بي هذا الشاب وقد كنت من البراءة والسذاجة بحيث لم أفق إلا علي انني فقدت عذريتي..

وجريت إلي البنت واخبرها عما حدث وما فعله بي هذا الشاب وقبل أن أتم حديثي قالت لي 'مبروك' انتي كده بقيتي مراته ومسئولة منه..

ولكنني صممت علي أن يتزوجني وبعد فترة عناد من جانبه قال لي 'خلاص حنتجوز بورقة بيني وبينك'

وجاء بورقة كتب فيها 'أنا فلان وفلانة الفلانية اصبحت زوجتي' كان هذا هو كل ما كتب في الورقة بدون شهود أو رقم بطاقة أو أي اثبات.

لكنني وقتها كنت مقتنعة بانني زوجته.. فكنت أخرج معه يوما للتسول ويوما لمسح زجاج السيارات.. ويوما لبيع أشياء بالقطارات..

ويوما لسرقة الركاب.. وكان كل ما نحصل عليه من نقود يأخذه ولا يعطيني منه شيئا. وكنت راضية وبعد ايام قليلة من الحب بدأ يعاملني معاملة سيئة جدا..

وكان يتعاطي جميع انواع المخدرات.. وبعد شهرين شعرت بأنني حامل.. وحين أخبرته قال 'ما ليش دعوة بالكلام ده' وعندما سألته 'يعني أعمل ايه؟'

رد 'دي مشكلتك'! نفس الجملة التي قالها لي ابن صاحبة الشقة التي كنت أقيم معها ولكن هذه المرة كان وقوعها اكثر قسوة ومرارة.

وبعد فترة جاء قائلا 'خلاص'.. انا قررت اتزوج منك رسمي علشان اللي في بطنك..

بس كل ده سوف يكون قبل الولادة مباشرة وخلال هذه الفترة سوف أختبرك لأعرف اذا كنت تصلحين لكي تكوني زوجتي ام لا تصلحين فقلت متلهفة..

كل ما تطلبه مني سوف ألبيه فورا دون نقاش قال 'سوف نجرب.. وبعد ساعة سوف أعود ومعي أول اختبارك لك'

انتظرته فوجدته قد عاد ومعه شاب شكله مخيف وملامحه قاسية. وقال لي عايزك تعتبريه زوجك لمدة نصف ساعة فقط..

فهمت طبعا قصده فظللت أصرخ في وجهه 'حرام عليك انا مراتك.. انت ما بتحبنيش'. وعندما رفضت قام بتكتيفي..

فكانت اكثر لحظة أهنت وظلمت وتألمت فيها..

فالذي اعتقدت انه يحميني هو الذي باعني يومها أخذ نقودا من هذا الولد وقال أول مرة بس هي اللي صعبة بعدين حتتعودي مش عايز أشوف دموعك تاني'.

هربت منه وظللت أجري دون أن أعرف إلي أين اذهب حتي سقطت علي الأرض وسقط مني حملي وحمدت الله كثيرا..

فهذه كانت اكبر رحمة للجنين الذي كان في بطني. وبعد ساعات وجدته أمامي ومعه مطواه شرعها في وجههي وقال أنه زوجي وان لم أرجع معه فسوف يقتلني.

وحملت منه مرة ثانية فلما اخبرته اختفي من حياتي حتي وضعت ابنتي وكانت البنات زميلاتي هن اللائي ينفقن علي وقت الولادة..فلما عاد وسألته..

متي سنتزوج رد قائلا.. لا ياماما انا كده مش ضامن ان البنت دي بنتي. بعدها عاد يقول..

انا مستعد أتجوزك حتي لو البنت مش بنتي بس تجيبي لي فلوس كل يوم لا تقل عن مائة وخمسين جنيها فما هو هذا العمل الذي يأتي بهذا المبلغ في يوم واحد؟

واشتغلت في منزل عشرة ايام ولكنه قال.. كده ما ينفعش انا عندي الشغل اللي حيجيب لك الفلوس اللي أنا عايزها واكتر..

واخذني الي مكان بمصر الجديدة وقال لي 'بص كويس' ورأيت بنات يقفن علي الناصية ويركبن سيارات تقف لهن.. وقال.. انتي حتركبي اي سيارة تقف لك وتقبضي وتقبضيني..

وبعد اعتراضات مني قال 'يبقي انتي بقي مش عايزانا نتجوز.. فصدقته مرة أخري ولم يكن امامي غير أن اصدقه..

ووقفت لاركب واحدة من هذه السيارات ولم تطاوعني قدماي إلا بعد ان مرت عشرسيارات..

واخيرا ركبت مع شاب غني ونظيف ورائحته حلوة غير ما اعتدت عليه وعندما بدأ يمد يده نحو جسدي بكيت فقال 'انتي جاية تنكدي علية امشي انزلي'

وعدت الي زوجي الذي قال لي حمدالله علي سلامة القمر.. فين الفلوس؟' فلما رويت له ما حدث ضربني واخذني في اليوم التالي لنفس المكان

وركبت هذه المرة مع رجل في حوالي الخمسين من عمره بارك الله له في صحته وحياته فقد قال لي عندما رآني ارتجف من الخوف..لاتخافي.. باين عليك بنت كويسة.

إيه اللي يخليكي تعملي كده'.. وكان زوجي قد نبه علي ألا أحكي لاحد عن حياتي الخاصة. لكنني وجدت نفسي احكي للرجل كل شيء..

فسمعني ونصحني أن أترك هذا الرجل وقال لي.. هذا أولا ليس زوجك وانما هو نصاب محترف يستغلك ويبتزك..

واعطاني خمسين جنيها وطلب مني أن اعطيها لزوجي حتي لا يضربني اذا عدت بدون نقود وقال لي ربنا معاكي..

انتي يابنتي من الناس المطحونين في الدنيا وماحدش حاسس بيهم'.

وعندما عدت وأعطيت المبلغ لزوجي قال لي أيوه كده فرفشي وخدي الخمسة جنيه دي هاتي الله نفسك فيه قلت له 'انا نفسي تتجوزني علشان البنت'.

قال 'جواز إي ما انتي بقيتي حلوة وزي الفل وان كان علي البنت نوديها أي ملجأ أنا مش عايزها'.

والآن ياسيدتي فان هذا الرجل الذي اقول عنه انه زوجي سافر إلي بلده منذ عدة أيام. وأنا الآن أبيع الجرائد في محطة مصر..

ففكرت اثناء غيابي أن اكتب لك لانني أشعر بالتعب الشديد..

فقد مضي علي سنه ونصف وأنا في الشوارع رأيت فيها وعشت مآسي كثيرة

ومن أصعب ما رأيت رؤيتي لبنت صغيرة يغتصبها مجموعة من الشبان ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها..

وبنت أخري يجعل منها الشاب الذي يحميها مدمنة لكل أنواع المخدرات حتي يضمن أن تظل تحت سيطرته..

وأخري أخذ زوجها ابنها الرضيع في حقيبة ورماه في النيل بكل قسوة.. والوان أخري كثيرة من القسوة والاجرام..

وصدقيني انني رغم كل ما عانيت فان زميلاتي البنات يعتبرنني محظوظة لان مأساتي ربما تكون أقل من مأسيهن.

وأنا وزميلاتي البنات عندما يرانا الناس في الشوارع يشمئزون منا ويبتعدون عنا مع أن الناس لو اقتربوا منا فسوف يجدون أننا مظلومات في هذه الدنيا فكل واحدة منا في حياتها مأساة..

وأنا أريد أن أرحل قبل عودة أبو ابنتي ولكن كيف..وأين اذهب.. وماذا أفعل.. فقد اصبحت لا استطيع تحمل كل هذا الذل والهوان والحياة الحرام..

ارجو منك ان تنصحيني..ماذا أفعل؟..رجاء الا تهملي رسالتي..

فأنا في أمس الحاجة للنصح والارشاد.

مع خالص احترامي لك يا أمي..

اذا كنت تسمحين لي بأن اناديك بهذا اللفظ الذي حرمت منه.. أمي.

المظلومة بنت الشوارع

منقول

ولا حول ولا قوة الا بالله