المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: **** «فوبيا العلم.. لماذا نكره العلم؟!» ****
منتدي الحلم العربي > المنتديات التعليمية > القسم العلمى
عبدالله سليمان
الدستور تنشر الفصل الأول من كتاب د. خالد منتصر الجديد «فوبيا العلم.. لماذا نكره العلم؟!»
تقارير وأخبار
«معقول إحنا نكره العلم ونخاف منه ونشمت فيه ؟!، يا شيخ قول كلام غير ده، معقول وإحنا حضارتنا الفرعونية مهد العلم، بالعكس ده زي مانت شايف، الموبايل في إيدين كل الناس، والدش في كل بيت، وأطفالنا ما شاء الله بيلعبوا علي الكمبيوتر زي العفاريت، عايز إيه أكتر من كده حب للعلم !!».

من المؤكد أن كثيراً من القراء بمجرد قراءة العنوان سيرفعون في وجهي هذه الكلمات السابقة الساخرة من مبالغتي في تشخيص حالة العداء العلمي التي باتت تسكن خلايانا وعقولنا وتسبح مع كرات دمنا الحمراء، وأنا متوقع استنكاراً شديداً لوصفي لها بالظاهرة والتأكيد علي أنها مجرد حالات فردية لا تمثل تياراً، وأن مصر بخير، وعقلها بخير، وهيئة بحثها العلمي بخير، وجامعاتها بخير، وباحثيها بخير.....إلي آخر سياسة كله تمام يافندم، وحزب كل شيء تحت السيطرة، وشعار بوس إيدك وش وضهر وده إحنا في نعمة... وأحسن من غيرنا... وليس في الإمكان أبدع مما كان....إلي آخر هذه المسكنات التي تخدر الألم ولا تعالج الورم!.

نحن أكثر شعوب الأرض استهلاكاً لمنجزات العلم، وفي نفس الوقت أكثر شعوب الأرض كراهية وعداء للمنهج العلمي والفكري والإبداعي الذي أفرز هذه التكنولوجيا، نعم نحن نستعمل الموبايل والدش والتليفزيون والكمبيوتر، ولكننا نرفض مرحلة ما قبل صناعة هذه الأشياء، كيف تشكلت فكرة هذه الاختراعات والاكتشافات ؟، سقف الجرأة والتمرد والخيال اللامحدود، علامات الاستفهام التي بلا خطوط حمراء، الفكر النقدي الذي لا يعترف بأسئلة مسموحة وأخري مكبوحة، أو بآراء تعلن وأخري تدفن، نحن نجيد الضغط علي الأزرار، و في نفس الوقت الضغط علي المبدعين، والضغط علي المعارضين والمتمردين والمحلقين والخارجين علي النص والمغردين خارج السرب، ولا نجيد بل ولا نريد الضغط علي أزرار خلايا الإبداع عندنا لكي ينطلق مارد التقدم من قمقم الخرافة الذي يكبله، ويشد قاطرة مجتمع مشلول إلي الأمام.

نعم نحن نعاني مرض فوبيا العلم، وإلا فما تفسير سيطرة الفكر الخرافي علي حياتنا ؟، وما هو سر تغلغل الأوهام والأساطير في جنبات مجتمعنا ومؤسساتنا حتي التي تحمل لافتة مؤسسة كذا العلمية أو فلان وعلان التكنولوجية، شعب أدمن الخرافة حتي النخاع بل في قمة الانبساط واالنشكاح بأنه مضحوك ومنصوب عليه وغرقان فيها حتي أذنيه ومضروب علي قفاه بسببها وهو للأسف يطلب المزيد ويقول كمان !!، مليارات تصرف علي الدجل والأعمال والمندل والربط....إلخ، نصابون يبيعون ويروجون لأعشاب سامة ليست عليها أي رقابة صيدلية ويروجون لها في فضائيات والناس تتهافت عليها ويجعلون تجارها مليارديرات، قوانين حياة أو موت مثل قانون زرع الأعضاء تظل في أدراج مجلس الشعب ربع القرن من الزمان في حين تصدر قوانين أخري في ربع الساعة، هستيريا طلب فتاوي في كل شيء وأي شيء، وسحب سلطة ومكان مناقشة القضايا العلمية من العلماء وساحات المعامل إلي الكهنة وساحات أماكن العبادة، اعتراف بزواج إنس من جن، وأحاديث عن شجر مبروك وظهور قديسين ومساعدات ملائكة في حروب وزلازل وبراكين وعواصف رسائل غضب من الله، وتجار سوبر ماركات الإعجاز العلمي الذين يتاجرون بالدين وينتظرون إنجازات الغرب حتي ينسبوها إلي أنفسهم ويقدموها إلينا في سلوفان ديني، شماتة في سفن فضاء غربية تسقط وتحترق واعتبار أن هذا السقوط والاحتراق تأديب من الله عز وجل للبشر المفترين من أهل الغرب الذين يناطحون الخالق عز وجل ويتصور علماؤهم أنهم يستطيعون تقليد الإبداع الإلهي!، وشماتة في أدوية تفشل في علاج أمراض سرطانية وإيدز، وشماتة في تجارب هندسة وراثية وعلاجات جينية تفشل في زيادة محصول أو استنساخ بني آدم أو علاج مرض وراثي عضال!!، بكاء وعويل وندب علي أيام زمان وسب وقذف لمنجزات الحضارة التي أفسدتنا وبوظت حياتنا ودمرت أولادنا، الكهرباء جعلت أهل الريف يسهرون، والدش علم أولادنا الإباحية، والمبيدات قتلت مزروعاتنا، والهندسة الوراثية أفسدت طعامنا، والموبايل دمر عواطفنا، والمواصلات لوثت هواءنا، والأدوية أنهكت أجسادنا...إلخ، باختصار حتي المنجزات الغربية نستعملها وندمنها ولا نستطيع الاستغناء عنها، وبرغم ذلك ندينها ونكرهها، وندينهم ونكرههم، يعني لا طايقك ولا قادر علي بعدك كما يقول المثل المصري.

مرض فوبيا العلم وكراهيته ليس مرضاً مصرياً فقط ولكنه مرض عالمي، ولكن المرض المصري والعربي مختلف عن المرض الغربي الأوروبي والأمريكي والياباني وحتي الصيني والماليزي، فمرضنا حتي الآن مرض شامل ومزمن يسري في كل خلايا الجسم ويستقر في العقل أو المخ الذي للأسف لا تتجدد خلاياه العصبية، أما مرضهم وكراهيتهم للعلم فهي عرض زائل سطحي لا يؤثر في مسار العلم، لا يتسلل إلي العلماء في معاملهم أو مدرجاتهم، وإن نجح في التسلل فهم هناك يستطيعون حصاره لأن تيار المنهج العلمي شديد وقوي، كراهيتنا للعلم نبض وحرارة تجعلنا محلك سر، أما كراهيتهم فهي مجرد صرخات في الهواء لا تؤثر علي مسيرة القافلة التي تسير للأمام في طريقها العلمي المرسوم، لا نستطيع أن نقول إن العلماء هناك في الغرب لا يلقون بالاً للانتقادات حول مسار العلم، ولكنهم يعتبرون ما يحدث من تجاوزات علمية أو أضرار بحثية هي بمثابة الأعراض الجانبية للدواء، لابد من تحملها من أجل مكاسب أكبر ومنافع أشمل وأعم، يبحثون لهذه الأعراض الجانبية عن حل ولا يتخذون مثلنا موقفاً متطرفاً كارهاً للعلم، نستطيع أن نقول إننا لدينا كراهية وموقف مبدئي من العلم، ولكن لديهم مجرد اعتراضات وليست كراهية وشماتة، والأمثلة كثيرة علي الاعتراضات التي نشأت في الغرب كرد فعل للتقدم العلمي.

ذكر لنا د.أحمد مستجير في كتابه «دفاع عن العلم » بعضاً من هذه الاعتراضات الغربية التي صاحبت مرحلة النهضة العلمية الأوروبية والأمريكية، والتي كانت لحسن حظهم مرحلة وعدت، وفترة ومرت بسلام، ولم تتحول عندهم كما تحولت عندنا إلي تكريس للسحر والشعوذة والتنجيم، من ضمن هذه الاعتراضات ما كتب 1962 في كتاب «الربيع الصامت » لراشيل كارسون الذي هاجمت فيه المؤلفة المبيدات التي ستجعل ربيعنا صامتاً بلا طيور تغرد، وبعدها كثر الحديث عن ثقب الأوزون وظاهرة الصوبة والمطر الحمضي وتآكل التنوع الحيوي، وتم توجيه الاتهام إلي الصناعة والتكنولوجيا التي يغذيها العلماء، ومن هنا ظهر شعار العلماء غير جديرين بثقتنا، لقد أفسدوا الأرض، أمنا الأرض، وذاع الخلط بين العلم والتكنولوجيا، ولو كان هذا الاتجاه قد انتصر لكنا قد أصبنا بالتشاؤم ورفض التقدم كما أشار د.مستجير « التقدم يعني التطلع إلي مستقبل يحيا فيه أبناؤنا وأحفادنا حياة أكثر سعادة وأكثر صحة، هو يعني الأمل، فإذا رفضناه فلن تكون لدينا أهداف بعيدة المدي، لن نجد ما يستحق أن ندافع من أجله، هل يجوز لنا أن نسمح لأحد أن يجعلنا نخشي المستقبل ؟».

هذا السؤال مطروح علي الأجيال القادمة، لابد ألا نصادر أحلامهم، نحن جيل سيحمل عصاه ويرحل، كتب عليه القدر أن يعيش فترة زمنية تعالت فيها أصوات الأصولية والتغييب في المنطقة، ولكن علينا أن نبذر بذور الحلم للجيل القادم، وألا نخاف من المستقبل وصياغته العلمية بهذا الشكل، لأن الخوف من المستقبل يولد التشاؤم «الكثير من التنبؤات الشائعة التي يطلقها أعداء العلم تحذرنا من أن المستقبل سيكون بالتأكيد أسوأ، ومن أن غطرسة العلماء من شأنها أن تقضي علينا، ليس من المستغرب إذن أن يتسبب هذا الخوف الذي ذاع في انشغال بال الناس هنا، والآن سننهمك لنحظي من الحاضر بلذاته، ننشد الربح المادي السريع ونجري وراء المتعة العابرة، ونجعل للثروة أعلي القيم، ينكفئ البعض علي نفسه في عدمية ذاهلة، ويرتد البعض يبحث عن ماض ذهبي جميل ولي، أو إلي فكرة في الماضي عفا زمانها، فيقبلون بحكم الكهول والموتي، ويهيم آخرون في يوتوبيا يأملون أن يقيموا مجتمعاً جديداً لم يسبق أن كان له مثيل، مجتمع أبداً لن يتحقق، ويدعي البعض أنهم يبحثون عن الحقيقة، عن معني في الطبيعة يمكن أن يرتبطوا به ويتناغموا معه، فالحقيقة عندهم لا يمكن إدراكها إلا بالحدس، لا بالعلم والعقلانية، وتهرب جماعة أخري تنشد التطهر فلا تأكل الأطعمة الملوثة بما يسمي الكيماويات ولا تسمع من الموسيقي إلا خرير الجداول تثرثر فوق الأحجار، وصوت الريح في الشجر يداعب الأوراق، وغناء الطير يشدو بألحان التزاوج!، ثم يتركون جميعاً المشاكل الحقيقية التي تواجه البشر تتفاقم بلا حل، فإذا مضينا في هذه الحماقات وسمحنا لمعارضي التقدم أن يحكموا قبضتهم، فسينزلق المجتمع، هذا الخائف، خارجاً في رفق من التاريخ إلي عالم النسيان » .

اللؤلؤ ليس سوي مجرد مرض في المحارة!، والأعراض الجانبية. للمنجزات العلمية هي مرحلة لابد أن نمر بها حتي يتكون لؤلؤ العلم والحياة والتقدم والحضارة، والنغمة العالية المضادة للعلم التي تحولت في الآونة الأخيرة إلي أوركسترا زاعق وصاخب، صارت لها اليد العليا في المجتمع، وما أزعجني حقاً هو تحول كارهي العلم من مجرد أفراد إلي حزب وعصابات منظمة، ومن مجرد أصحاب نظرية أو رأي إلي مستفيدين وأصحاب بيزنس، وهذا ما لمسته بنفسي عن قرب خلال بعض المعارك التي خضتها ضد هؤلاء، وكانت أشهرها معركة مافيا الأعشاب التي وصلت فيها التهديدات إلي أقصي مدي لها، ولولا أنني لا أريد أن أحول القضية إلي قضية شخصية فأهمشها وأنتقص منها، لكنت قد كتبت عن السيناريوهات الدراكيولية التي استعملتها عصابات مافيا العلاج بالأعشاب لتهديد كل من يجرؤ علي الاقتراب من مملكتها وانتقاد أباطرتها، ولكن المهم أن هذه المعارك أشعرتني بمدي خطورة استشراء هذا التيار المضاد للعلم والمروج للخرافة، خاصة أنني في خضم هذه المعارك وجدت مؤيدين ومفتونين ومبهورين بهذا التيار ورموزه، بدرجة مدهشة تقترب من التأليه والتقديس، وكانت الحجج التي كان دراويش هذا الحزب يشهرونها في وجهي بسيطة ولا منطق لها ولا تستطيع قياسها وبالتالي لا تستطيع الرد عليها، عبارات غامضة من قبيل « دول ناس طيبين »..« دول بتوع ربنا».. .« دول ناس مش عايزين يضرونا ولو مانفعش دواهم بالتأكيد مش حيضر »...« إنتم حاقدين عليهم علشان شركات الأدوية بتشتغلوا لمصلحتها »....إلي آخر هذا الكلام الذي لا يصمد أمام أي تحليل، والمحمل بكل أمراضنا المجتمعية من سذاجة تقييم الناس من خلال فاتريناتهم الطقوسية الشكلية، وتبني نظرية المؤامرة، والتجارة بالدين واستعماله كجواز سفر للمرور من خلال أي بوابة حتي ولو كانت بوابة جهنم، وهنا أيقنت أن التيار المعادي للعلم صار تياراً منظماً قوياً، أو باختصار هو أكبر حزب في مصر والعالم العربي كله.

حاولت أن أفهم أنا شخصياً سر جاذبية هذا التيار المضاد للعلم قبل أن أكتب لأقنع الآخرين بخطورته، فوجدت أن أفضل ما أفعله قبل أن أكتب أفكاراً مرتبة، أن أمارس ما يسمونه بالعصف الذهني BRAIN STORMING ، ولم أجد أفضل من د.زكي نجيب محمود أو بالأصح أفكار هذا الرجل العبقري الذي لم تقدره مصر حق قدره، لأمارس معه علي الورق هذا العصف الذهني غير المرتب ولكنه بالتأكيد غير مرتبك، وقد اخترت د.زكي نجيب محمود لهذه التجربة لعدة أسباب: منها ما هو شخصي ومنها ما هو موضوعي، والسبب الشخصي هو أن د.زكي له الفضل من خلال لقاء واحد في بيته القابع بجوار السفارة الإسرائيلية عند كوبري الجامعة في تشكيلي العقلي النقدي، كان لقاء وحيداً ولكنه كان علامة فارقة في حياتي، كنت وقتها في كلية الطب أعاني من تعنت الجماعات الإسلامية لأي نشاط ثقافي أو فني في زمن عمادة د.هاشم فؤاد العاصفة لكلية الطب، كنت محبطاً أحس باللاجدوي مما أفعله، اقترحت علي أصدقائي أن نجري حواراً مع د.زكي نجيب محمود وننشره في مجلة حائط بدلاً من المجلات التي كلما علقتها مزقها رئيس اللجنة الثقافية بكلية الطب وهو الذي أصبح فيما بعد قطباً إخوانياً كبيراً في نقابة الأطباء، زاد الزملاء من إحباطي عندما سخروا من اقتراحي بمبرر «هو الراجل فاضي يقابل شوية عيال !»، ولكني تجرأت وركبني عناد طفولي متحدياً سخرية أصدقائي، وهاتفت د.زكي تليفونياً فرد عليّ بصوته الهادئ المبحوح الذي يحمل حكمة سقراط، إمتص ارتباكي ووافق علي الفور، ورضي الفيلسوف أن يقابل شوية عيال، وكانت جلس امتدت لأربع ساعات كاملة، سألنا وأجاب، أحسست أنه خلق لكي يكون محاضراً، تدفق أفكار، أمثلة توضيحية مبسطة لأعقد الفلسفات انتقال سلس من موضوع لموضوع، والمهم أنها كانت جلسة دفاع عن العقل والعلم والمنهج العلمي في التفكير، خرجت منها إنساناً مختلفاً عما دخلت، مؤمناً بأنه لا حل إلا بالعلم، ولا طوق نجاة إلا العلم.

أما السبب الموضوعي فهو أن هذا الفيلسوف الكبير غرد كالبجعة قبل أن تموت وكتب هذا المعني المعبر عن إحباطه في آخر كتبه، قضيته الكبري كانت تحديد المصطلحات والتوفيق ما بين التراث والمعاصرة، ونشر المنهج العلمي في التفكير، والمدهش أنه تنبأ كزرقاء اليمامة بقدوم هذا التيار المعادي للعلم والمروج للخرافة قبل أن يراه الكثيرون رؤي العين مجسداً في مافيا كاملة صارت تقود وطناً معمي العينين في ساقية التخلف كقطيع مساق إلي حتفه أسفل جبل شاهق.

تعالوا نجرب في الفصل القادم هذا الحوار المفترض مع اقتباسات من د. زكي نجيب محمود لنتحسس موضع أقدامنا من هذه القضية « العداء للعلم» ما سببه وما السبيل إلي علاجه؟.
عبدالله سليمان
منتصر فى حوار تخيلي مع د. زكي نجيب محمود:
تقارير وأخبار
اختيار المفكر الكبير زكي نجيب محمود لإجراء هذا الحوار الافتراضي مع مقتبسات من كتبه ليس ترفاً أو رفاهية ولكنه ضرورة يحكمها أن هذا المفكر العظيم هو من المفكرين العرب القلائل الذين نذروا حياتهم لقضية منهج التفكير العلمي، وإنقاذ وطنه من أسلوب التفكير المتخلف الغارق في مشكلات الماضي، الرافض للالتحاق بركب الحضارة العالمية، ولأن كتابته كما قال عنها هي الكتابة الكشاف وليست الكتابة المرآة فهو كما وصف نفسه يكتب بمنطق الطبيب وليس بمنطق بائع الخردوات، ولأنه نسيج متفرد من المفكرين العرب الذي نهل من الثقافتين العربية والغربية بنفس العمق ونفس القناعة، وأيضاً سمحت له حياته الأكاديمية الطويلة أن يعدل من أفكاره وينّوع من رؤاه ويصحح من أسلوبه، ولكن تم كل هذا في إطار هدفه الرئيسي ومشروعه الفكري احترام العقل والعلم.

سألت مفكرنا الكبير وأنا أتأمل حالنا عندما نتعامل مع التراث، كأننا مشدودون بكرة حديدية مثل التي كانت تربط إلي أقدام المسجونين، وعيوننا تنظر إلي الخلف دوماً ونظن أننا ننطلق إلي الأمام، فنخبط ونتخبط، وأحياناً نمارس التمرين العسكري الشهير الجري في المكان ونحن محلك سر لا نمارس إلا صفا وانتباه، ونتخيل أننا سنكسب الماراثون، كيفف نتعامل مع التراث؟

يجيب د.زكي نجيب:

«التعامل مع التراث لابد وأن يكون محاكاة في الموقف لا مادة للمشكلات، محاكاة في النظر لا في تفصيلات ما يقع عليه البصر».

«أستعير القيم، مثلما أستعير مسطرة كانت تقيس الورق لأقيس بها الآن قماشاً»

«التراث ليس كنزاً للتبرك»

«لابد أن نتشرب تراثنا حتي يتحول إلي ضمير»

«كل منا هو دون كيخوته جديد، أجساد من ورق، ودماء من مداد، وأدمغة مشحونة بكلمات السابقين، لا لتكون مصدر إلهام، بل ليعيد عيشتها كرة أخري»

«نحن حفاظ علم لا علماء»

«قراءة الطبيعة مختلفة عندنا عنهم في الغرب، مثلاً عندما يكون الموضوع حركة الكواكب نرجع نحن للكتب، هم يخترعون تليسكوباً ليشاهدوه»

«الماضي هو ما نعلمه عنه»

«إدراكنا بدائي مثل سكان الكهف الذين أعطوا ظهورهم لفتحة الخروج لا يرون إلا ظلالاً وانعكاسات علي الجدار الداخلي»

«نقرأ القدماء نعم، ولكن لا لنكون عيالاً عليهم»

«قراءة الماضي عندنا كمن يعتصم بالجبل لحمايته من الريح أو الطوفان»

«الحل هو تغيير أوتار القيثارة ليتغير النغم»

«نحن في الفكر عارضو أزياء لا نحن ناسجوها ولا بائعوها»

«فكرنا هو فكر علي فكر نصبه علي أفكار الآخرين وليس فكراً علي مشكلات حية»

«هم يصبون طاقتهم العقلية علي الأشياء، نحن نصب طاقتنا علي الأقوال»

«المفكر عندنا مجرد معَّلق أو شارح»

«الصدق عندنا هو صدق الاستدلال من الفكرة الرئيسية وليس صدق تطبيق الفكرة الرئيسية علي الواقع»

اقتباسات زكي نجيب محمود بالرغم من أنها كتبت منذ أكثر من ربع قرن فإنها معاصرة وكأنها تقرأ الواقع الآن، نحن بالفعل أستاذي العزيز مازلنا نشرح الشروح ونحشي الحواشي ونلخص الملخصات، نتشرنق داخل ذواتنا، كدودة تتغذي علي الورق الأصفر القديم، أقصي ما نفعله من إنجاز هو أن نعيد قراءة كتاب قديم في الصيدلة والطب، وبدلاً من استلهام منهجه البحثي ونظرته النقدية إلي ما سبقه، نجد أن قراء هذه الكتب ينقشون ما فيها وكأنها نهاية المآل والمنال ومنتهي الإنجاز، فيتمسكون بعلاجات البردقوش وحبة البركة لأنها آتية من بطون هذه الكتب الصفراء، ينبهرون بالقديم لمجرد أنه قديم، ويكرهون الجديد لمجرد إتيانه من بلاد الغرب، وعندما ينتبه هؤلاء إلي أنهم غارقون حتي آذانهم في منجزات هذا الغرب الذي يكرهونه، بل يستعملون منجزاته العلمية في ترويج الخرافة، الإنترنت لمواقع الجن والإنس والحجامة وعلاج الحسد، والموبايل لاستقبال رسائل تنظيم القاعده وإنزال نغمات التواشيح والتفاخر بالموبايل الإسلامي المصنوع في بلاد البوذيين !، والدش لإنشاء فضائيات أدوية بول الإبل وأعشاب الضعف الجنسي، يستخدمون الميكروفون الياباني والكاميرا الألماني والسبحة الصيني والصالون الإيطالي وأجهزة الصوت الأمريكاني، ليصرخوا في الأستوديو بحناجر هادرة«الله قد سخر لنا منجزات الغرب كالدواب نستعملها لمصلحتنا».

سألت أستاذي الذي كان صوته يقطر حزناً عن العلم، والمنهج العلمي، والفرق بين اليقين العلمي واليقين الديني، وهل هناك تضاد أو حرب بين العلم والدين؟، ولماذا هذه الحرب الوهمية المفتعلة بين العلم والدين دائماً ما تنشأ في مجتمعنا المصري والعربي فقط؟!!

أجاب د. زكي نجيب محمود بأسي ومرارة من أفني سبعين سنة من حياته في دق نواقيس الخطر في صحراء الصمت، والصراخ في آذان الصم، في مسرح ظن جماهيره تنتبه إلي صراخه، في حين أنها كانت مشغولة بوضع القطن في آذانهما وقزقزة لب الخرافة والشعوذة المريحة الكسولة المخدرة علي مقاعد ريش النعام وهم لا يعرفون أن أسفلها قنابل نابالم:

«نحن نتعامل مع اللفظ علي أنه الشئ نفسه، ولا نعرف أن كلمة الخبز ليست هي الخبز المأكول، اللغة ليست لذاتها، نحن تعاملنا معها كمن ظل يردد الطائرة ستقلع في التاسعة إلي أن فاتته».

«الواقع ليس علماً، ولكن هو موضوع مطروح للعلم»

«الدين قائم في نصوصه المحددة، ثم يأتي المؤمنون -التدين- ثم علوم الدين التي تحلل واقع النصوص»

«الدين ليس علماً كما يقولون، بل يقام عليه العلم»

العلامة الفارقة والفاصلة بين ما هو علم وبين ما هو غير علم هي قابلية الحكم بالصواب والخطأ، فإذا كان القول يمكن أن يوصف بأنه صواب أو خطأ فإنه يدرج في مجال المعرفة العلمية مثل قولنا (الأرض فيها بترول)، أما إذا كان القول مما يستحيل وصفه بالصواب أو الخطأ إلا علي قائله الوحيد الذي يزعم له الصدق دون أن يستطيع الآخرون مراجعته مثل القول (هذه الأرض محببة إلي نفسي).

«الفيصل الأهم في الفكرة العلمية هي قابليتها للبطلان أو التكذيب، بمعني أن يحاول الباحثون إبطالها بكل ما في وسعهم من تجارب، فإذا صمدت لهذه المحاولات كانت فكرة صحيحة مؤقتاً، إلي أن يظهر في مستقبل قريب أو بعيد بطلانها».

«الحكم علي فكرة بأنها صحيحة علمياً أو خاطئة لا يكون بالرجوع إلي مقياس قائم خارجها - الجدار طوله أربعة أمتار لابد أن يكون معنا مقاس المتر»

«في العلوم الطبيعية نجعل إمكان تطبيق نتائجنا التي نصل إليها علي الواقع الفعلي مقياس القبول، أما في مجموعة العلوم الرياضية أو الدين وسيلتنا إلي الحكم بالصحة أو الخطأ هو الرجوع للمسلمات الأولي، أي أن مقياسنا هو الاستدلال».

«العلم علم بمنهجه لا بموضوعه، سواء صخور المقطم أو دودة القطن أو مسرح شوقي أو موقف المصري من الموت»

«العلوم يغير بها الإنسان بيئته، الثقافة يغير بها الإنسان نفسه»

«الفرق بين العقل والإيمان، أن ما يميز العقل هو اعتماده علي وسيط - من مقدمة إلي نتيجة - أما الإيمان فيلمع مباشرة بلا وسيط»

«هل نستطيع أن نبني أي مشروع استراتيجي بدون الاستعانة بأجانب؟»

«الفارق بين رؤية العلم والخرافة، أن الأول يدرك الرابطة السببية العلمية، والثانية عدم إدراكها أو عدم البحث عنها»

هل ظل زكي نجيب محمود أسير الصراخ بدون أن يقدم الحل ويكتب روشتة العلاج؟، هذا ما سنعرفه في الفصل التالي.
أسماء فلسطين
يااخى اساس مصائب الامة

انه كل العلوم تؤخذ بصورة مجردة (مش الاصل قلة الامكانات)
المصيبة هو محبة استعدام الامكانات للراحة


على غرار الفكر الغربى التطبيقى فى كل شى

التفيكر اصبح الان واقفا على اطلال الماضى بالنسبة للشرققين
فى الغرب طريقة التدريس مختلفة تماما عن طريقة التدريس لدينا

فى المدارس لو غاب المدرس يقام فرحا من الطلاب لغيابه
(هذا ان لم يدعو عليه اصلا)

فى احدى الجامعات الامركيية اذكر ان الطلبة قاموا باستنكار لتغيب احد المدرسيين عن المحاضرة



طبيعة فكرهم ارق من فكرنا(يؤسفنى انى اتكلم بهذا الكلام)


ربنا يصلح حالنا فى كل المجالات

اختكم اسماء
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.