السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،
كُـثـر هـم مجاهدوا فلسطين الذين لا نعرف عنهم شيئاً .. وما أكثر هؤلاء الجنود المجهولون عبر التاريخ كله ..
جاءوا وذهبوا وسريعا ما غادروا ممر الدنيا ولم تُسلط عليهم الأضواء ولم تذكرهم الأنباء
أحببت أن أشير إلى قصصهم ولو بهذا النقـل البسيط ..لفته فـقـط ولو بقـدر عرفان لهم والجزاء الأكبر من ربّ العالمين أو رحمة ندعوا بها لهم ..
أو أثر نـقـتدي به فما زال الوطن سلييييب
الشيخ أحمد النحوي*
تاريخ النشر: 28/07/2007 -
د. علي صافي حسين
ولد الشيخ أحمد ابن الشيخ نديم النحوي سنة سبع وثمانين وثمانمائة وألف ميلادية ( سنة 1887) في مدينة صفد بلواء الجليل، شمال فلسطين وكان أبوه الشيخ نديم يتبوأ في تلك المدينة العربية العتيدة، منصب الإفتاء على مذهب الحنابلة، ويقال إن نسبه يتصل بإمام النحاة في عصره، الذي اشتهر باسم سيبويه المصري ومن ثم أطلق على هذا البيت لقب النحوي.
استهل الشيخ أحمد حياته العلمية بدراسة القرآن وحفظه في مكتب الشيخ جابر الحمد وظل فيه حتى ختم القرآن ثم أرسله أبوه إلى المعهد الأحمدي بجامع الجرار في مدينة عكا بشمال غرب فلسطين فلبث فيه نحو ثمانية أعوام، استظهر خلالها عدداً من كتب الفقه وأصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ودرس كتاب الكشاف للزمخشري في تفسير القرآن الكريم، واستظهر كذلك كتب ابن هشام في النحو كقطر الندى وشذور الذهب وشروح ألفية ابن مالك كأوضح المسالك والأشموني وابن عقيل.
ثم عاد إلى صفد ليلي منصب إفتاء الحنابلة خلفاً لأبيه الذي كان قد وافته المنية في أخريات سنة ثمان وتسعمائة وألف ( سنة 1908) وبقي يشغل هذا المنصب حتى انسحب الأتراك من البلاد وآل الأمر فيها إلى الإنجليز، فترك صفد وذهب إلى القدس حيث شغل فيها منصب القضاء.
وفي سنة 1920 اشترك مع جماهير المصلين الذين اندفعوا من حرم القدس الشريف إثر صلاة الجمعة تجاه حي موشيوم الصهيوني الواقع شمال غرب المصرارة، خارج أسوار القدس القديمة، وقد ألحق هو ومن معه أضراراً جسيمة بمتاجر ومنشآت الصهاينة، وقتلوا منهم ثلاثة عشر فرداً،
فألقى الإنجليز القبض على الشيخ أحمد النحوي ووضعوه بقشلاق القدس نحو ثلاثة أيام بلياليها أذاقوه فيها أشد العذاب، ثم أفرجوا عنه بعد أن ذهب إلى المندوب السامي وفد من وجهاء القدس برئاسة موسى كاظم باشا للمطالبة بإخلاء سبيل الشيخ أحمد ورفقائه، وقد أكد السيد موسى كاظم للمندوب السامي براءة ساحة الشيخ أحمد ورفقائه مما نسب إليهم وإن ما اتهمهم به اليهود لم يكن سوى محض افتراء.
وفي 21 من مارس سنة 1922، ترأس الشيخ أحمد النحوي المؤتمر العربي الفلسطيني الثاني الذي انعقد وقتذاك في مدينة حيفا من أجل النظر في الوسائل والأعمال التي يقتضيها الحال، وقد اتخذ المجتمعون في ذلك المؤتمر قرارات تتضمن المطالبة بوقف الهجرة الصهيونية وإلغاء وعد بلفور وإصدار قانون بتحريم بيع الأراضي لليهود والعمل على استقلال البلاد.
وفي عام 1929 قاد الشيخ أحمد النحوي إحدى فصائل المجاهدين ضد مستعمرات الصهاينة ومعسكرات الإنجليز، وقد هاجم غير مرة الصهاينة في حي هاكرمل بحيفا ومستعمرة الخضيرة بين حيفا ويافا وخاض معركة حامية الوطيس ضد القوات البريطانية في أخريات شهر مايو ( أيار ) من السنة المذكورة عند رأس العين التي دامت نحو يومين، وقتل عدد غير قليل من عساكر البريطانيين، كما استشهد فيها كذلك من المجاهدين نحو ثمانية، وفيها جرح الشيخ أحمد في عضده الأيمن ورجله اليسرى، وبذلك وقع أسيراً في أيدي الإنجليز.
وبعد أن تماثل للشفاء اقتاده الإنجليز إلى محكمة يافا مصفداً بالأغلال، وذلك في مستهل كانون الثاني ( يناير ) سنة 1930، وقد طالب محاموه رئيس المحكمة أن يفك قيود الشيخ أحمد طبقاً لما تقضى به تقاليد القضاء فلم يستجب القاضي الإنجليزي إلى طلب الدفاع، وأصر على أن يظل الشيخ أحمد في السلاسل والأغلال طيلة المحاكمة، وبعد جلستين صوريتين أصدر القاضي حكمه عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة،
غير أنه لم يمكث في السجن إلا ثلاثة أعوام فقط إذ أفرج عنه في أوائل سنة 1933 حيث أصدر المندوب السامي عفواً عاماً عن جميع المسجونين بسبب الاشتراك في ثورة 1929،
وكانت حكومة الانتداب تهدف من وراء ذلك العفو أن تظهر حسن معاملتها للعرب أمام لجنة التحقيق الملكية التي كانت قد ناطت بها وزارة المستعمرات البريطانية أمر التحقيق في القضية الفلسطينية على الطبيعة آنذاك.
وفي سنة 1936 عاد الشيخ أحمد إلى الجبال في شمال فلسطين حيث انضم إلى الشيخ عبد الرحيم قائد عام المجاهدين في جميع أنحاء شمال فلسطين أثناء ثورة 1936 المشهورة فنال الشيخ أحمد النحوي تقدير وإكبار ذلك القائد المغوار حيث ولاه رئاسة المحكمة العسكرية التي اختصت بالنظر في شؤون المجاهدين وأحوال المواطنين في إقليمي طولكرم وجنين،
ولم يكن الشيخ أحمد ليقتصر على مباشرة مهام تلك المحكمة فقط بل كان يقوم إلى جانب ذلك بمختلف الأعمال العسكرية، إذ كان يشرف على توزيع الأسلحة بين المجاهدين وتقسيم الملابس والتموين بالعدل والإنصاف.
وفي أوائل سنة 1937 قاد معركة جبع وبلعة وخاض في أخريات آذار ( مارس ) معركة وادي بلاطه، وكانت مع نحو ألف جندي بريطاني جلبتهم حكومة الانتداب من جنوب ووسط البلاد لمحاصرة جند الشيخ عبد الرحيم،
وقد ظل الشيخ أحمد النحوي يقارع الإنجليز ويمطرهم بوابل من الرصاص من سفح الجبل حتى نفد كل ما لديه من الرصاص والقنابل فوقع أسيراً في قبضة الإنجليز، ولكن بعد أن تمكن الشيخ عبد الرحيم قائد عام المجاهدين من
الانسحاب إلى جهة عبته، ثم أخذ الشيخ أحمد النحوي إلى القدس حيث وضع في القلعة مدة خمسة عشرة يوماً بلا محاكمة ثم قدموه إلى محكمة صورية، وكان يبدو ناحل الجسم شاحب الوجه من الجوع والتعذيب،
وبعد جلسة قصيرة لم ينطق فيها القاضي الإنجليزي بغير هذا السؤال هل أنت مذنب،
فأجاب الشيخ أحمد بكل شجاعة ورباطة جأش : بل أنتم المذنبون ! ..
فغضب القاضي الإنجليزي وأصدر حكمه الجائر بإعدام ذلك الشيخ الجليل شنقاً، وبذلك نال رحمه الله شرف الاستشهاد بعد حياة حافلة بمختلف أنواع الكفاح وشتى ضروب الجهاد.
ـــــــــــ
* من كتاب (مجاهدون في فلسطين) إصدار كتاب الجمهورية الديني.
يتبع ...