المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: الحلم العربي 3..خصائص الحضارة الاسلامية..يتبع..
منتدي الحلم العربي > المنتديات التعليمية > القسم التاريخى
ســهام
بســم الله الـرحمــن الرحيــم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين


الجانب الاقتصادي في الحضارة الإسلامية

المال من أهم مقومات الحياة، جعله الله أداة لتيسير حياة الإنسان ومعيشته واستقراره، وجعله الله زينة من زينة الحياة الدنيا، فالإنسان مفتون به، مشغول بجمعه، قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14].

وهذا الشغف بجمع المال قد يدفع الإنسان إلى عدم تحري الحلال في جمع المال، وبالتالي يصبح هذا الإنسان عبدًا للمال، ذليلاً له، كما أن ضعفه أو عجزه عن مقاومة شهواته وغرائزه قد يدفعه إلى إنفاق المال بصورة قد تضرُّ به وبمجتمعه، فوضع الإسلام ضوابط للكسب والإنفاق، وبين أن الناس مسئولون عن أموالهم وطرق إنفاقها، وحذرهم من انشغالهم بها عن آخرتهم أو افتتانهم بها، فجاء هذا بارزًا في قوله (: (لا تزولُ قدما عَبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ: عن عُمْرِهِ فيمَ أفناه، وعن علمِه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه) [الترمذي].

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9]، وقال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15].

وهناك أمور ينبغي على المسلم أن يعرفها عن المال، وهي:

1- أن هذا المال شأنه كشأن غيره مما في هذا الكون ملك لله.
2- هذا الكون بما فيه من مالٍ وغيره مسخر للإنسان تكريمًا له.
3- المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، فإن أحسن التصرف فيه؛ فله خير الجزاء، وإن أساء التصرف فيه؛ فحسابه على الله.

4- المال هو وسيلة لحياة كريمة عزيزة، لا غاية يسعى الإنسان لتحقيقها، ويضيع عمره من أجلها، فالمسلم الحق لا يدع حب المال يستبد به، بل يجمع المال من حلال، وينفقه فيما يحب الله.

5- المال الذي اكتسبه صاحبه من طريق حلال ملك له ملكية خالصة، يجب أن يحافظ عليه، ولا يجوز لأحد التعدي عليه.

وبناء على هذه المبادئ والأسس السابقة يكون للإنسان الحق في التصرف في ماله كسبًا وإنفاقًا وإدارة، وهي حقوق مترتبة على ملكية الإنسان للمال الذي جاء من طريق شرعي.

الطرق المشروعة في كسب المال

على المسلم أن يتحرى الحق والصواب في طلب المال، ومن هذه الطرق المشروعة:

- العمل الشريف: مثل الزراعة والصناعة والتجارة والوظيفة والحرفة، وغيرها، فممارسة العمل الشريف حماية للإنسان من التعطل وتوجيه لطاقته من أجل البناء والتعمير والتنمية، واستخراج خيرات الأرض، استجابة لأوامر الله.
وقد عمل ( والصحابة من بعده، فهذا أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- يعمل بيده لينفق على نفسه، حتى طلب منه المسلمون التفرغ للخلافة وأمور المسلمين. وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إني لأرى الرجل ليعجبني قوله؛ فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني.

- الميراث: وذلك بأن تنتقل ملكية المال إلى ورثة المتوفى، طبقًا للقواعد الشرعية المقررة لهذا الميراث.
- الهبة: وهي أن يتنازل الإنسان عن بعض ماله إلى غيره دون مقابل، فتنتقل ملكية هذا المال إلى هذا الغير.
- الوقف: ويكون بحبس المال الحلال على بعض أوجه الإنفاق الشرعية، ولا يتصرف في أصله، والوقف قد يكون على الأهل والأقارب ومن بعدهم الفقراء، وقد يكون الوقف على أبواب الخير، مثل: بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو ما سوى ذلك من المشاريع الخيرية.

- الوصية: وهي أن يهب الإنسان إنسانًا آخر جزءًا من ماله لا يتجاوز الثلث، يأخذه بعد موت الموصي.
- غنائم الحرب: وهي المال الذي يؤخذ من أعداء الإسلام نتيجة الحروب، وقد أحل الله الغنائم للمسلمين.
- الفىء: وهو المال الذي يؤخذ من أعداء الله نتيجة استسلامهم، ولا يبذل المسلمون في ذلك مشقة، ولا يتكلفون فيه قتالاً.

الطرق المحرمة في اكتساب المال

حرم الإسلام بعض الطرق التي يكتسب بها المال، وهي:

الربا: حرم الله الربا بكل صوره، قال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}
[البقرة: 275]، وقال (: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديْه وكاتبه) [مسلم وأصحاب السنن].

الاحتكار: وهو حرام لقوله (: (من احتكر فهو خاطئ (آثم)) [مسلم وأبو داود وابن ماجه].
العدوان: فلا يجوز للمسلم أن يعتدي على مال الآخرين ليأخذه، قال الله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190].

الرشوة: فالمسلم الذي يحصل على ماله من طريق الرشوة آثم عند الله تعالى، قال الرسول (: (لعن الله الراشي والمرتشي) [أبو داود والترمذي].

الغش: فاكتساب المال من طريق الغش حرام لا يجوز، قال (: (من غَشَّ فليس منا) [مسلم وأبوداود].
وعلى المسلم أن يبتعد عن الشبهات، لقول رسول الله (: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [متفق عليه].

استثمار المال

المال له أهمية عظيمة في إنعاش اقتصاد الدولة، وفي رفع مستوى معيشة الأفراد، والتخفيف من المعاناة التي يحس بها الإنسان، وقد كان أصحاب النبى ( يعملون في التجارة وغيرها ويربحون ربحًا حلالا.

وعندما هاجر النبى ( إلى المدينة وهاجر أصحابه- تاركين أموالهم من خلفهم- آخى ( بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين
عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وسعد بن الربيع من الأنصار، فعرض سعد على عبد الرحمن أن يأخذ نصف ماله، فقال عبد الرحمن لأخيه: بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دُلَّني على السوق. فدله على سوق بني قينقاع، فذهب إليه، وتاجر حتى كثر ماله وصار من أغنياء المسلمين، فكان ينفق ماله في سبيل الله، قال (: (نِعْم المال الصالح للرجل الصالح) [أحمد].

ويُستثمر المال في الزراعة والصناعة والبناء، وغير ذلك مما فيه عمارة الأرض وصلاح الإنسان، أما أن يُستثمر المال في تجارة محرمة أو أمر فيه ضرر على الأمة فهذا ما لا يبيحه الإسلام.

الحقوق في المال

جعل الله المال لتيسير الحياة على الناس، وأمرهم بالاستمتاع بالطيبات في اعتدال بلا إسراف ولا تبذير، لأن الله حرَّم ذلك، فقال سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]، وحرم الله كنز المال لغير مصلحة، وذم البخل به دون سبب؛ لأن في ذلك تعطيلاً لمصالح المسلمين، وتعسيرًا على الناس، قال تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} [النساء: 37].

والزكاة حق معلوم في المال، وهي تُؤخذ من الأغنياء وتُعْطَى للفقراء بقواعد حددها الشرع، وقد حدد الإسلام مصارف هذه الزكاة، والمستحقين لها، فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة : 60].

وقد حدد الشرع الأموال التي تجب فيها الزكاة ومقدار ما يجب إخراجه من كل صنف، ومنها: النقدان (الذهب والفضة)، والحيوان (الإبل والبقر والجاموس والغنم والخراف والماعز)، والزروع، وعروض التجارة، وزكاة الرِّكاز (وهي ما يُستخرج من باطن الأرض مثل البترول والمعادن).

والزكاة شعار ورمز لوحدة المسلمين، وهذه الوحدة مطلب أساسي من مطالب الإسلام، يقول رسول الله (: (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) [متفق عليه].

والزكاة واحدة من تشريعات كثيرة تعمق المحبة بين المسلمين؛ لأنها تطهير لمال الغني وحفظ له من التلف، وإحساس بالواجب نحو فقراء المسلمين، وهي كذلك تقضي احتياجات الفقراء، وتدفع عنهم أعباء الحياة ومشاقها، كما أنها شكر لله على نعمته.

وإيتاء الزكاة يقضي على الأمراض الاجتماعية الخطيرة، مثل: الحقد، والحسد، والبغضاء، وهي تضر بالمجتمع وبالفرد معًا.

وإذا لم تكفِ الزكاة لسد حاجة الفقراء وكسوتهم، فإنه يؤخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء ويسد رمقهم، ويؤمِّنهم من الخوف، وهذا الحق مقداره أن تُكْفى حاجة الفقراء، قال (: (إن في المال حقًّا سوى الزكاة)، ثم تلا هذه الآية {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [الحديث رواه الترمذي].

كما اتفق الفقهاء على أنه عند حدوث الكوارث مثل هجوم عدو على ديار المسلمين، ولم تستطع الدولة رد هذا العدوان لعدم وجود المال، فإنه يجب على الأغنياء أن يُخرجوا من أموالهم ما يكفي لإعداد الجيوش، ولو دفعوا زكاة أموالهم كلٌّ حسب درجة غناه. قال الإمام مالك: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك كل أموالهم.

مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام

لقد عالج الإسلام الفقر من عدة جوانب، منها:

1- الحث على التكسب وطلب الغنى، وبيَّن أن الفقر في أحيان كثيرة خطر على المجتمع، يمنع استقراره، ويجعل للرذيلة والفساد مكانًا فيه، وأوجب إخراج الزكاة، وجعلها حقًّا للفقير لا يحق له أن يترك المطالبة به، ولا يجوز للغني منعه، بل يُعاقب إن فعل ذلك، وأصرَّ عليه كما فعل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة.

2- جاء الإسلام بقاعدة أن المال مال الله، وأن الأغنياء ليسوا ملاكًا للمال حقيقة، وإنما هم مستخلفون فيه، وهو أمانة من الله عندهم، قال الله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7].

3- توفير فرص العمل للقادرين، فالدولة المسلمة عليها مسئولية وواجبات تجاه القادرين على العمل، فهي مسئولة عن توفير فرص العمل لهم، جاء رجل من الأنصار إلى النبى ( يسأله مالاً، فقال له النبى ( : (أما في بيتك شيء؟). قال: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ نشرب فيه الماء. قال: (ائتنى بهما). فأتاه بهما؛ فأخذهما رسول الله (، وقال: (من يشترِي هذين؟). فقال رجلٌ: أنا آخذها بدرهم. قال: (من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثًا)، قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشترِ بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا؛ فائتني به)، ففعل الرجل ما أمره به الرسول ( وأَحضر قدومًا، فشدَّ رسول الله ( عودًا بيده، ثم قال: (اذهب واحتطب وبعْ، ولا أرينَّك خمسة عشر يومًا)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا. فقال رسول الله (: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (شديد)، أو لذي غرم مُفظِع، أو لذي دم موجع)
[أبو داود والترمذي وابن ماجه].

فالإسلام لا يعرف عاطلاً، قال الرسول (: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) [البخاري].

وقد جعل القرآن الكريم العامل الذي يكسب رزقه من عمل شريف، مساويًا للمجاهد في سبيل الله في الفضل، قال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]. وعلى الدولة المسلمة أن تعين العاجزين عن العمل إن احتاجوا إلى إعانة، وأن تمدهم بالمال إن احتاجوا إليه، وإن عجزت الدولة عن توفير فرص عمل شريف لهم.

4- كفالة العاملين بالدولة: فعلى الدولة المسلمة أن توفر الرعاية الاجتماعية للقادرين على العمل من أبنائها، فقد ورد أن رسول الله ( ذكر أن من كان من عُمَّاله وليس له زوجة فليتخذ زوجة، ومن ليس له خادم فليتخذ له خادمًا، ولم يكتفِ الرسول ( بهذا، بل بين أنه على العمال أن يطمئنوا على أهليهم، فمن ترك مالا فلورثته، ومن ترك أولادًا صغارًا ضعافًا، فإن على ولي الأمر أن يرعاهم ويتكفلهم.

مبادئ الاقتصاد الإسلامي

للاقتصاد الإسلامي مبادئ تحفظ له صلاحية تطبيقه في المجتمعات على مر العصور، منها:

أولا: لم يجعل الإسلام الغنى حاكمًا أو متسلطًا، كما كان الحال من قبل، وليس معنى هذا أن الإسلام يحرِّم على الغنى أن يكون حاكمًا أو أميرًا أو واليًا، ولكن الغنى ليس المقياس الأوحد للحكم.

ثانيًا: اهتم القرآن بتوجيه المسلمين إلى مصادر الثروة المختلفة، سواء منها ما اتصل بالصناعة أو الزراعة أو الصيد أو استخراج المعادن أو البترول، وما سوى ذلك، قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد: 25]. وقال: {أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63 - 64]. وقال: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [النحل: 14].

ثالثًا: عرف الإسلام نظام الملكية العامة والملكية الخاصة، وبين أن هناك أشياء لا يجوز أن يملكها الأفراد، وهي التي لا يستغني عنها فرد من أفراد الدولة الإسلامية، وهذه الأشياء تختلف حسب البيئات والظروف، وقد أشار الرسول ( إلى ثلاثة منها وهي: الماء والكلأ والنار، لأنها هي التي كانت منتشرة في البيئة الصحراوية التي كانت في مهد الإسلام.

وهذه الأشياء الثلاثة يمكن أن يقاس عليها غيرها مما يشبهها، فقد جعل
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الأرض المفتوحة بالعراق ملكًا عامًّا للدولة، واسترد الإمام علي والخليفة عمر بن عبد العزيز ما منحه الخلفاء قبلهما كهبات لبعض الناس وتم إعادتها للملكية العامة، حتى يكون النفع بها أعم للناس جميعًا، وليس مقصورًا على آحاد الناس.

وقد أقر الإسلام الملكية الفردية، وشجع عليها، وحرسها للمالك، واتفق بذلك مع فطرة الإنسان وغريزته التي جُبِلت على حب التملك، ولم يقيدها إلا بأن تكون من مصادر مشروعة، وأن تؤدي ما فيها من حقوق كالزكاة وغيرها، ويهدف الإسلام من وراء ذلك إلى جعلها ملكية مقيدة وليست مطلقة، وجعلها وظيفة اجتماعية يعود نفعها على المجتمع، وإلا تمَّ أخذها من ذلك الذي أساء التصرف فيها، وأسندها
إلى من يديرها إدارة تناسب مصلحة المجتمع حتى يعود ذلك المسىء إلى الحق والصواب.

رابعًا: يرفض الإسلام أن تكون الملكيات الكبيرة في أيدي فئة قليلة، إذا لم يخرجوا منها حق الله؛ وذلك حتى لا تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، قال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7].

خامسًا: أجاز الإسلام التفاوت بين الناس في الملكية على أساس التفاوت بينهم في الجهد والعمل والمواهب. قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل: 71].

سادسًا: جعل الإسلام في مال الغني حقوقًا للفقير، قال تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 19].

سابعًا: أوجب الإسلام على الحكومة المسلمة أن تدافع عن الفقراء إذا حدث لهم أي ظلم من جانب الأغنياء، وقد قاتل أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- مانعي الزكاة لما في ذلك من مخالفة لحكم الإسلام وظلم للفقراء وهدم لحقوقهم.
العـزيـز بالله
جزاكي الله خيرا



latif116
شكرا على الموضوع موفق
ســهام
إقتباس(العـزيـز بالله @ Aug 7 2008, 08:28 PM) *
جزاكي الله خيرا


و لك بالمثل اخي العزيز...

إقتباس(latif116 @ Aug 7 2008, 08:40 PM) *
شكرا على الموضوع موفق

العفو...هدا من دواعي سروري...
و بارك الله فيك..
ســهام
بســم الله الـرحمــن الرحيــم

الجانب العسكري في الحضارة الإسلامية

مفهوم الجهاد ومكانته في الإسلام

الجهاد هو بذل الجهد في الدفاع عن محارم الإسلام ضد أعدائه، وأعلى الجهاد وأشرفه الجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، وهو فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل سليم الجسد، إذا احتاج الجهاد إليه، كأن يُحتل بلد إسلامي، وإلا فهو فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين.

وللجهاد مكانة سامية في الإسلام، فهو ذروة سنام الإسلام، وهو التجارة الرابحة مع الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 10-12].

وهذا المعنى فهمه أصحاب رسول الله (؛ فعندما اقترب المشركون من المسلمين في غزوة بدر، قال ( لأصحابه: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض). فقال عمير بن الحِمَام الأنصارى: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بَخٍ بَخٍ (حسنًا حسنًا). فقال الرسول (: (وما يحملك على قول بَخٍ بَخٍ ؟). قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أَهْلِهَا). فأخرج عمير تمرات من جرابه، وجعل يأكل منها، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم ألقى التمرات، وقاتلهم حتى قُتل. [مسلم وأحمد].

والجهاد الإسلامي لا مكان فيه للعدوان على حق الآخرين في العقيدة، ولا في الحياة، وليس فيه إهدار لأي حق من حقوق أي إنسان، إنما هو جهاد من أجل الدين، من أجل أن تصل رسالة الله إلى الأرض كلها، وهو جهاد لمن يقف أمام تبليغ كلمة الله إلى الدنيا بأسرها قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193].

وهكذا نرى أن الجهاد في الإسلام للدفاع عن العقيدة سواء كان المسلمون يقاتلون عدوًّا اعتدى على بلادهم ومقدساتهم، أو كانوا يحاربون من عادى دعوة الله تعالى وصدَّ الناس عنها، فوجب قتالهم لتصل الدعوة إلى الناس، وبعدها يبقى الناس أحرارًا في الدخول في الإسلام أو البقاء على دينهم الأول فلا إكراه في الدين.

أنواع الجهاد

وقد ذكر العلماء عدة أنواع للجهاد، منها:

جهاد المشركين:

فهم يحاربون دين الله -تعالى-، ولذلك لابد من محاربتهم، حتى تصل تعاليم الإسلام إلى الناس كافة. قال تعالى: {قاتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].

جهاد المرتدين:

لما مات رسول الله ( ارتد كثير من القبائل عن الإسلام، فقام
أبو بكر -رضي الله عنه- بمحاربتهم، فأرسل الجيوش بقيادة خالد ابن الوليد -رضي الله عنه- لقتالهم، فهزمهم في معركة اليمامة، فمن ترك دين الإسلام وكفر به، وجب قتاله وقتله، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217]. وقال (: (من بدَّل دينه فاقتلوه) [البخاري].

جهاد البغاة:

ويقصد بهم الخارجون من المسلمين على الحاكم المسلم العادل، أو الباغون المعتدون على غيرهم من المسلمين، إذا كانت الجماعتان مسلمتين، وهنا يجب قتال الفئة الباغية؛ منعًا للفساد وعملاً بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجر: 9].

جهاد أهل الكتاب:

بعث رسول الله ( برسالة إلى هرقل عظيم الروم، كتب فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أسلم يُؤْتِكَ الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيَّيْن (عامة الشعب).. يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64].

لم يستجب هرقل والروم معه لدعوة رسول الله (، فكان سقوط إمبراطورية الروم على يد المسلمين تمهيدًا لنشر دعوة الإسلام بعد أن وقفوا حائلاً دون وصولها إلى قومهم، فوجب قتالهم حتى يزول هذا الحائل، فإن زال فلا إكراه في الدين، فيدخل الإسلام من شاء ويظل على دينه من شاء. قال الله -عز وجل-: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29].
والمسلمون لا يبدءون بالقتال إلا بعد التبليغ والإنذار، فإن دخل أهل الكتاب الإسلام، أو قبلوا دفع الجزية، فلا قتال، وإن أَبَوْا حوربوا.

جهاد المنافقين:

والمنافقون قوم يظهرون الإسلام ويخفون في صدورهم الكفر، وهم موجودون في كل زمان ومكان، وكان منهم جماعة في زمن الرسول ( يعيشون معه في المدينة المنورة، وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة هي سورة المنافقون، وقد أمر الله بجهادهم قائلاً: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73]. إلا أن جهاد المنافقين يختلف عن جهاد غيرهم، فجهادهم باللسان وبالإنكار عليهم ما يفعلون وبإقامة الحدود فيهم.

دوافع الحرب عند المسلمين

رد العدوان:

يقول الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190]. وبعد أن انتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر، وصلت الأخبار إلى رسول الله ( بأن أهل قريش أعدوا العدة لقتال المسلمين، والانتقام منهم، فاستشار رسول الله ( أصحابه في الخروج لملاقاتهم وقتالهم فأشار عليه الصحابة بالخروج، فخرج الرسول ( لقتالهم.

فأول دوافع الحرب عند المسلمين هو الاعتداء عليهم، فإذا تعرض المسلمون لأي اعتداء على النفس أو العرض أو المال أو العقيدة، فعليهم أن يقفوا أمام العدوان، قال تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191]. وقال رسول الله (: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) [الترمذي].

الدفاع عن المسلمين المستضعفين:

يروي لنا التاريخ أن امرأة مسلمة ذهبت إلى سوق يهود بني قينقاع، لتبيع بعض ذهبها، وجلست إلى صائغ، فأراد بعضهم أن تكشف النقاب عن وجهها؛ فرفضت.
فأمسك الصائغ بطرف ثوبها في غفلة منها، ووضعه على ظهرها؛ فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت المرأة، فأنقذها رجل مسلم، وقتل الصائغ، فاجتمع عليه اليهود وقتلوه، فاستغاث أهله بالمسلمين، فطرد الرسول ( يهود بني قينقاع من المدينة.

ومن هنا وجب على المسلمين أن ينهضوا جميعًا لمناصرة إخوانهم في العقيدة، في أي مكان، إذا تعرضوا لأذى، قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا} [النساء: 75].

إزالة الاضطهاد عن الدين والدفاع عن حرية التدين:

لما نقض يهود المدينة عهدهم مع رسول الله (، أثاروا القبائل والفتن ضد المسلمين، اضطر الرسول ( إلى طرد بعضهم من المدينة وقتل بعضهم، جزاء الغدر والخيانة، فإذا نقض أعداء الإسلام ما بيننا وبينهم من عهود ومواثيق، وظهرت منهم بوادر الخيانة وجب علينا قتالهم، قال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}
[الأنفال: 58]. ولم يذكر لنا التاريخ حادثة واحدة نقض فيها المسلمون عهدًا واحدًا مع غيرهم وبدءوهم بالقتال.

الاستعداد للمعركة في ظل مبادئ الإسلام

أرسل رسول الله ( إلى العباس بن عبد المطلب في غزوة أحد؛ ليراقب تحركات قريش واستعداداتها العسكرية، فكان ينقل تحركاتهم أولاً بأول، ويرسل إلى الرسول ( بذلك، وظلت المدينة في حالة استعداد دائم لا يفارق رجالها السلاح حتى أثناء الصلاة، وتحركت الدوريات حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للهجوم على المسلمين، وعقد رسول الله ( مجلسًا يستشير فيه الصحابة ويتبادلون فيه الآراء حول المعركة. ومن هنا فإنه يجب على المسلمين أن يكونوا على استعداد دائم للجهاد في سبيل الله، ومن صور الاستعداد للحرب:

إعداد الجندي المسلم:

الجندي المسلم هو العامل الحاسم في المعركة، ولذلك يجب الاهتمام باختياره وإعداده، ويكون ذلك وفق خطوات محددة، هي:
- تقوية إيمانه ويقينه بالله عز وجل، فالإيمان بالله هو السلاح الأقوى والحاسم في المعارك، لذلك ركز القرآن على تثبيت ذلك المعنى في النفوس، قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51].

والجندي المسلم يربى على معرفة نهاية المعركة، وهي: إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، فإن كانت الأولى حمد الله، وإن كانت الأخرى فهو لا يهاب الموت؛ لأنه يعلم فضل الشهادة.

- إعداده وتربيته على أن النصر لا يتوقف على كثرة العدد والعدة وحدهما، ففي غزوة بدر الكبرى كان المسلمون قلة، وكان الكفار كثرة، ولكن المسلمين بقوة الإيمان والثقة بنصر الله انتصروا قال تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].

- أن يربى الجندي على الطاعة، فعندما استشار رسول الله ( أصحابه يوم بدر، قام المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، امض لما أراد الله، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد (اسم مكان في أقصى الجزيرة العربية) لجالدنا (لحاربنا) معك حتى تبلغه. وقام سعد بن معاذ وقال: امض لما أراك الله فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك.

ولا شك أن طاعة القيادة المؤمنة من طاعة الله ورسوله؛ قال النبي (: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) [البخاري]. فعلى الجندي المسلم أن يطيع توجيهات قائده الذي يقوده نحو النصر. وهذه الطاعة للقائد المسلم لا تكون إلا في المعروف، أما إذا أمرهم القائد أو الأمير بمعصية فلا طاعة له عليهم لقول رسول الله (: (إنما الطاعة في المعروف) [متفق عليه].

- أن يربى الجندي على الشجاعة، فقد كان رسول الله ( يحارب مع الجنود كأنه فرد منهم، فقد كان له تسعة سيوف يبارز بها، وسبع دروع يحتمي بها من الطعنات، وفي غزوة أحد، عندما هرب الناس وانفضوا عنه (، وقف النبي ( في شجاعة نادرة يقاتل المشركين. وفي غزوة حنين، عندما فر كثير من المسلمين وقف في ثبات وقوة يقاتل وينادي المسلمين قائلاً:

أنا النبي لا كذبْ أنا ابْنُ عبدِ المطَّـلِب
حتى اجتمعت صفوف المسلمين مرة أخرى فكان لهم النصر. [متفق عليه]. فالشجاعة والثبات والصبر في المعركة من أهم صفات الجندي المسلم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون}
[الأنفال: 45].

- أن يتدرب الجندي على الحيطة والحذر؛ فقد كان رسول الله ( شديد الحيطة والحذر؛ عملاً بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا} [النساء: 71].

فالجندي المسلم لابد أن يكون حذرًا يقظًا يتابع كل تحركات العدو، ولا ينخدع بالحيل والمكائد التي يتبعها الأعداء، وكذلك يكون أمينًا على الأسرار الحربية، والجندي المسلم لا يتأثر بالشائعات التي تؤدي إلى إضعاف الروح المعنوية، وتفريق الصفوف.

- أن يتخلق الجندي بالتواضع، ويبتعد عن الغرور، فعندما فتح الله على المسلمين مكة ودخلها الرسول ( منتصرًا ومعه المسلمون، دخل ( وهو مطأطئ رأسه؛ واضعًا لله، وهكذا يعلمنا رسول الله ( التواضع عند النصر وإرجاع الفضل لله تعالى.

ولذلك يجب على الجندي المسلم أن يكون متواضعًا لا يعرف الغرور والكبر، ويدرك أن النصر من عند الله، ويشكره على تلك النعمة العظيمة، والمسلم لا يتباهى بقوته، ولا يتمنى لقاء العدو، وإنما يسأل الله العافية، فإذا اضطر للحرب صبر عند اللقاء، لقول رسول الله (: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا) [متفق عليه].

- إمداد الجندي المسلم بكل عناصر القوة اللازمة؛ فقد كان رسول الله ( يهتم بتسليح الجنود، ويشرف عليهم بنفسه، ويوم حنين لم يجد سلاحًا كافيًا، فاستعار سلاحًا من صفوان بن أمية على أن يعيده إليه بعد المعركة حرصًا على قوة الجيش الإسلامي، كما كان يتفقد الصفوف، فإذا وَجَدَ بينهم ضعيفًا أو صبيًّا لا يقوى على حمل السلاح استبعده من الصفوف.

فالجندي المسلم لابد أن يتسلح بأحدث الأسلحة بقدر المستطاع عملاً بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60].

تنظيمات الجيش الإسلامي:

لقد عرف المسلمون من البداية تنظيم الجيوش، وكان للجيش الإسلامي مقدمة ومؤخرة، وميمنة وميسرة وقلب، وكان القائد يقف في قلب الجيش حتى يشرف عليه ويوجههم في كافة مراحل القتال.
وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنشأ ديوانًا خاصّا بالجند، ليسجل أسماءهم، ويصرف مرتباتهم، كما أعفاهم من العمل في المهن مثل الصناعة والتجارة وغيرها حتى يتفرغوا للفتوحات الإسلامية. كما أقام الحصون والمعسكرات الدائمة لراحة الجند، وأمر ببناء المدن الجديدة كالفسطاط بمصر، والكوفة والبصرة بالعراق لنفس الغرض، كما وُجد في عهده نظام المرابطة، وبخاصة في الأماكن الساحلية كالإسكندرية وغيرها؛ ذلك لصد هجمات الأعداء على سواحل المسلمين.

وفي العصر الأموي، عرف المسلمون نظام الصوائف والشواتي، وهو عبارة عن حملات عسكرية ضد الدولة البيزنطية صيفًا وشتاءً لتأديبها ومنعها من التفكير في غزو السواحل الإسلامية في بلاد الشام.

ويطل العصر العباسى بروعته، ويتم تقسيم الجيوش الإسلامية حسب جنسياتهم، فيكون الفرسان المسلمون الذي يرمون بالرماح من العرب، والمشاة من الفرس وبخاصة من خراسان، ومن بداية عصر الخليفة المعتصم (218 ـ 227هـ) انضم الجنود الأتراك للجيش الإسلامي، وازدادت أعدادهم زيادة كبيرة، ولم يهمل المسلمون البحرية العسكرية، وإنما اهتموا بها اهتمامًا كبيرًا، وخاضوا بها معارك عنيفة مثل معركة (ذات الصواري) في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وألحقوا بأسطول الرومان في البحر المتوسط هزيمة ساحقة.

وبلغ اهتمام المسلمين بالبحرية الإسلامية أن أنشئوا في مصر دارًا لصناعة السفن في جزيرة الروضة، منذ سنة (54هـ)، وكان لها دور بارز في تاريخ البحرية الإسلامية.

واهتم المسلمون اهتمامًا خاصًّا باختيار القادة الأكفاء، تبعًا لمواصفات خاصة لا تتوفر إلا في قلة من الناس، كالشجاعة، والذكاء، وقوة الشخصية، والدهاء، وحسن التخطيط، والولاء التام للدين الإسلامي من أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد، وغيرهم ممن كان لهم فضل كبير في نشر دين الله في كل مكان.

وقائع المعركة في ظل مبادئ الإسلام

سرعة الاستجابة لداعى الجهاد:

كان رسول الله (، يتفقد الشهداء في غزوة أحد، فوجد
حنظلة بن أبي عامر يتقطر الماء من جسده، فبعث بعض الصحابة إلى زوجته فلما عادوا، أخبروه بأنه، كان حديث عهد بالزواج، فلما سمع نداء الجهاد، ترك فراش عروسه وأسرع إلى ميدان القتال، ليدافع عن دينه، فأخذ يشق الصفوف حتى وصل إلى قائد المشركين أبي سفيان بن حرب (قبل أن يسلم) وكاد أن يقتله، ورآه شداد بن الأسود فضربه فقتله.

فلما علم النبي ( بذلك قال: (إن صاحبكم لتغسله الملائكة) [الحاكم والبيهقي]. وهكذا ينال حنظلة أعلى منزلة عند الله سبحانه لأنه أسرع يلبي نداء الجهاد استجابة لأمر الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41]، فعلى المسلم أن يلبي نداء الجهاد، وإلا دخل تحت قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير} [التوبة 38 39].

وقد استجابت النساء أيضًا لنداء الجهاد، وكان لهن دور عظيم، فكنَّ يداوين الجرحى، ويجهزن الطعام، والشراب للمجاهدين، بل نجد أكثر من ذلك، فقد كانت نسيبة بنت كعب -رضي الله عنها- ترمي المشركين بالسهام، وتقف وتقاتل مثل الرجال، كل ذلك في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته، فما أروع الجهاد، وما أعظم الجزاء عند الله.

الثبات في المعركة:

تفرق المسلمون في غزوة أحد، فقتل منهم من قتل، وفر منهم من فرَّ، وتكاثر الكفار على رسول الله ( يريدون قتله، ولكنه ( ظل صامدًا كالجبل هو وبعض أصحابه، ووقف يقاتل بعزيمة لا تلين، وقلب لا يهتز، حتى انصرف المشركون من حوله.

ويضرب الرسول ( المثل في الثبات يوم حنين عندما فَرَّ المسلمون من حوله ( لكنه لم يترك مكانه، وثبت معه عدد قليل من المسلمين، وكان ( ينادى في المسلمين:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
فتجمع المسلمون حوله مرة ثانية، وثبتوا حتى جاءهم نصر الله. [متفق عليه].

ولا يجوز للمسلم الفرار من المعركة، إلا للانتقال إلى مكان آخر هو أصلح، أو لينضم إلى إخوان له من المجاهدين في مكان آخر، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}
[الأنفال: 15-16].

آداب الحرب في الإسلام

الإسلام دين المبادئ والقيم والأخلاق الفاضلة، ودين العدل والرحمة والسماحة، حتى مع أعدائه، فقد لقى الرسول ( هو وأتباعه من كفار مكة أشد ألوان العذاب، وعندما أنعم الله على المسلمين بفتح مكة، ووقع هؤلاء في أيدي الرسول (، ظنوا أنه سينتقم منهم، ويفتك بهم، لكنه عفا عنهم، وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) [ابن هشام].

وكان رسول الله ( يوصي قواده قائلاً: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا)
[مسلم وأبوداود والترمذي].

فالإسلام لا يعرف الانتقام، والتمثيل بأجساد الموتى، وتمزيق أجسادهم، مثلما فعل كفار مكة بجثة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- وغيره من الشهداء في غزوة أحد، فهو دين السماحة والعدل، كذلك حرَّم الإسلام الغدر، وتقطيع الأشجار وإحراقها، وقتل الحيوان، وتخريب البيوت والمزارع، إلا عند الضرورة القصوى، وفي أضيق الحدود وبالشكل الذي يرغم الأعداء على الاستسلام كما حدث في بعض حروب النبي ( مع اليهود.

والتاريخ خير شاهد على تسامح المسلمين مع أعدائهم وعدم الغدر بهم، فعندما ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى القدس ليتسلم مفاتيح بيت المقدس من نصارى الروم، وجاء عليه وقت صلاة، خرج ليصلي خارج الكنيسة، ورفض أن يصلي داخلها حتى لا يتخذ المسلمون فعله حجة في اتخاذ كنائس النصارى مساجد.

وحتى في العصور الإسلامية المتأخرة كان هذا التسامح سبب إعجاب الجميع، فهذا محمد الفاتح -رحمه الله- بعد فتح القسطنطينية، يترك للنصارى كنائسهم يتعبدون فيها، ويعامل قساوستهم بإكرام واحترام، مما جعل بعض هؤلاء القساوسة يقول: لقد لاقينا من الحفاوة والتكريم، ما لم نلقه من إخواننا من أهل ديننا النصارى.

نتائج المعركة في ظل تعاليم الإسلام

عادة ما ينتج عن الحروب ما يلي:

توقيع عقد أمان:
وقد يكون هذا الأمان على شكل من الأشكال الآتية:

- الأمان المؤقت الخاص: وهو أن يمنح جنديٌ مسلمٌ جنديًّا من جنود الأعداء أمانًا إذا استسلم، أو طلب ذلك، وكذلك إذا استسلمت جماعة من الأعداء لجماعة من جند المسلمين، فإذا رأى المسلمون أن المصلحة تقتضي الاستجابة لهؤلاء؛ كأن لتعريفهم الإسلام إذا رأوا منهم ميلاً إليه أو يحصلوا على أسلحتهم، أو على أسرار عسكرية، جاز منحهم الأمان، والواحد منهم يسمى مستأمنًا، وله أن يقيم مع المسلمين إقامة غير دائمة، حتى يصل إلى المكان الذي يأمن به، وهذا الأمان يمضيه الحاكم المسلم قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6].

- الأمان المؤقت العام (الهدنة)، وهو الاتفاق على وقف القتال مدة من الزمن، قد تنتهي إلى صلح، ويجب منح الأمان في حالتين: إذا طلبه العدو، فإنه يجاب إلى طلبه، مع وجوب الحذر والاستعداد، قال تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 61-62].

والحالة الثانية في الأشهر الحرم، فإنه لا يحل فيها البدء بالقتال وهي ذو القعدة،
وذو الحجة، ومحرم، ورجب، إلا إذا بدأ العدو بالقتال، فإنه يجب القتال حينئذ، وكذلكٍ إذا كانت الحرب قائمة، ودخلت الأشهر الحرم، ولم يستجب العدو لوقف القتال وقبول الهدنة.

الأسرى:

وقع ثُمامة بن أُثَال أسيرًا في أيدي المسلمين، فجاءوا به إلى النبي (، فقال: (أحسِنوا إساره). وقال: (اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه). فكانوا يقدمون إليه لبن ناقة الرسول ( غُدوًّا ورواحًا، فلما رأى ثمامة حسن المعاملة؛ أعلن إسلامه. فالدين الإسلامي يحرص على حسن معاملة الأسرى، لعل الله يهديهم إلى الإيمان، أو يتم استبدالهم بأسرى مسلمين.

والقرآن الكريم يوضح حكم الأسرى، قال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا بضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا والوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4].

والآية الكريمة ترشدنا إلى ضرورة قتال المشركين حتى نقضي على قوتهم، ثم بعد ذلك نأخذ منهم الأسرى، ولهؤلاء الأسرى أحكام وضحتها الآية الكريمة، وهي:

- المن وهو إطلاق سراحهم دون مقابل لعلهم يهتدون ويدخلون في دين الله.

- القتل وهو جائز في حق بعض الأفراد من كبار أعداء الأمة، ولا يكون حكمًا عامًّا مطلقًا، وقد ورد أن رسول الله ( قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط يوم بدر، وقتل أبا عزَّة الجمحي يوم أحد، قال تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} [الأنفال: 67].

- الفداء: وهو إطلاق سراحهم في مقابل ما يدفعونه من مالٍ أو عمل يؤدونه للمسلمين، أو مقابل إطلاق أسرى المسلمين عند العدو، ففي غزوة بدر فدى رسول الله ( بعض المشركين بالمال، وبمبادلتهم بأسرى المسلمين عندهم.

فقد صحَّ أن رسول الله ( فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين، كما فدى بعض المشركين في مقابل أن يعلِّم الواحد منهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.

- الاسترقاق، وهو أن يصبحوا رقيقًا للمسلمين، وهذا في الحرب فقط، ومع ذلك أمر بحسن معاملتهم إذا استُرقوا.

وقد يقع بعض المسلمين أسرى في يد أعدائهم، وهنا يجب على الحاكم المسلم والقادة متابعة أحوالهم وفداؤهم بكل الطرق، مثل عقد الاتفاقيات وتبادل الأسرى وما سوى ذلك.

السبايا:

وهم الأسرى من النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم ممن لا علاقة لهم بالحرب، والحاكم مخير في أمرهم يفعل بهم ما يشاء وحكمهم حكم الأسرى، بما فيه الاسترقاق، ويصير النساء منهم ملك يمين لمن يكنَّ من نصيبه، ولا يجوز قتل هؤلاء السبايا.

ولا شك أن هذه الأحكام كانت نقلة حضارية كبيرة جاءت مع الإسلام، حيث لم تكن توجد يوم جاء الإسلام التزامات محددة يلتزم بها العالم تجاه الأسرى الذين كانوا يتعرضون لأسوأ المعاملة، ويجوز قتلهم قتلا مطلقًا، فجاء الإسلام بتشريع واضح ملزم يُجيز لهم إطلاق أسراهم، بل فتح الإسلام أبواب الحرية أو المكاتبة أو العتق.
وهكذا، نجد عظمة الإسلام نابعة من مبادئه السامية، في مجال الحياة العسكرية، وسيظل يحث أتباعه على الجهاد من أجل نشر تعاليمه وإعلاء كلمة الله، مع الحفاظ على مبادئه التي شرعها حالة الجهاد.

فــرح مـونـي
سلمت يداك أختى الكريمه سهام .. ما شاء الله موضوع رائع ونافع

في ميزان حسناتك ان شاء الله
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.