اتفاقية المعابر لم تعد تلزمنا
أسوأ ما فى الأمر ان يصبح تدمير حياة الفلسطينيين فى غزة خبراً عادياً، وأن يعد استمرار الحصار حدثاً مقبولاً، وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك.
(1)
يسألنى فهد الرشود من الرياض: ما هو مستقبل أهلنا فى غزة؟ و أتلقى رسالة من لجنة أهالي المرضى فى غزة، رسالة تتساءل عما اذا كان هناك حكم بالإعدام على 1200 مريض يحال بينهم و بين العلاج فى الخارج. و يصبحون مخيرين بين الموت على فراش المرض او الموت برصاص حرس الحدود. يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التى احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه. كما يتزامن مع المذكرة التى قدمها رئيس وزراء لبنان الاسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح و فك الحصار، إلى السفير المصرى فى بيروت، و المظاهرة التى قام بها بعض النشطاء المصريين امام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة، مطالبين بفتح المعبر و رفع الحصار. و اخيرا الباخرتين اللتين حملتا بعض النشطاء الاوروبيين و اتجهت الى غزة لمحاولة كسر حصارها.
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر فى عام 2005. كما نشرت الصحف الاسرائيلية (هآرتس 12/8) الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذى قدمه اولمرت الى الرئيس محمود عباس، بدد الأمل الذى علقه البعض على إمكانية التوصل الى اتفاق مع الحكومة الاسرائيلية، حتى و ان كان اتفاق "رف"، يحسن المنظر دون ان يقدم او يؤخر.
هذه المؤشرات التقت على أمرين، اولهما: انها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح احد العناوين الرئيسية للاسبوع الماضى، و ثانيهما: انها استبعدت، فى ظل موازين القوة الحالية، إمكانية التوصل الى حل سلمى مع الاسرائيليين. و هو ما يدعونا الى الكف عن المراهنة على حسن نوايا الآخرين (إن وجدت)، و يطرح علينا السؤال الذى يهرب الكثيرون من الإجابة عنه، و هو: ماذا علينا ان نفعل فى هذه الحالة؟
(2)
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطينى الدكتور خليل النيس على باب معبر رفح، و قد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن و نصف طن من الأدوية و المساعدات الطبية، أراد توصيلها خلالها دول اوروبا الى ان وصل الى العريش فى نهاية المطاف، لكن دخوله الى القطاع ـ الذى يفترض الا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح ـ اصبح مشكلة لا حل لها، خلال شهر كامل على الاقل.
حال الدكتور خليل ليست فريدة فى بابها بطبيعة الحال، بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذى يربط فلسطين بالعالم الخارجى هو الأصل، و هو الإغلاق ذاته الذى يسرى على المعابر الأربعة الأخرى، التى تتحكم اسرائيل فيها، و تستخدمها فى إحكام الحصار و خنق الفلسطينيين و إذلالهم.
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدى الحصار، اذ الى جانب ثورتهم ضد المعابر، و محاولتهم كسر القيود التى كبلت حياتهم، فإنهم لجأوا الى حفر الأنفاق لمحاولة تمرير بعض الاغذية و الادوية التى تسد الرمق و تخفف بعضا من الوجع. و فى تقرير نشرته الشرق الاوسط (فى 12/8) ذكرت أنهم حفروا حوالى 900 نفق عبر الحدود من رفح الى غزة، لتوصيل بعض البضائع، إلا ان الاسرائيليين و معهم الامريكيون أصروا على إغلاقها و تدميرها، بحجة انها تستخدم فى نقل السلاح الى غزة، فى حين ان الذين أقاموها و بدأوها كانوا مهربى المخدرات بالدرجة الاولى، و بعدهم دخل التجار على الخط، و توسعوا فى العملية، الامر الذى رفع من أجور حفاري الأنفاق حتى وصل الاجر الشهرى للواحد منهم الى 2،500$. و خلال العام الاخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة فى مشروع الحصار، حتى قيل: ان الأمريكيين ساعدوا على توفير اجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق و تتبع مسارها، كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التى تطلق فى النفق فيصيب مستخدميه بالاختناق. و اذا اضفنا الى هذه الخلفية ان ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار فى شهر سبتمبر 2006، الذى اعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية فى الشهر التالى مباشرة، و تذكرنا ان مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها، فسوف تدرك ان جهود إحكام الحصار و التضييق منه تواصلت و تقدمت، فى حين ان جهود رفعه و فتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة الى الامام. و تلك خلاصة كاشفة، لأنها تشير بوضوح الى ان القدرة العربية فى هذه القضية فى مستوى الصفر، الأمر الذى يستدعي السؤال التالى: اذا كانت تلك حدود القدرة العربية فى "قضيتهم المركزية"، فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟!
(3)
لا مفر من الاعتراف بان اسرائيل نجحت فى فرض ترسانة من الاتفاقات التى كان هدفها الاساسي التحكم فى قطاع غزة، و تحويله الى سجن كبير تملك مفاتيحه، و ان استخدمت فى ذلك واجهات اخرى. وهذه الاتفاقات أربع هى: اتفاقية المعابر الاسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة فى 15 نوفمبر 2005 ، واتفاق اسرائيلى ـ اوروبى ـ فلسطينى لمراقبة المعبر، والاتفاق المصرى ـ الاسرائيلى الموقع فى اول اغسطس عام 2005 و المعروف باسم اتفاق فيلادلفى، واتفاقية السلام بين مصر و اسرائيل الموقعة فى 29 مارس 1979.
للباحث القانونى محمد سيف الدولة بحث مهم فى هذا الموضوع، تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار. و كيف ان خنق معبر رفح بوجه اخص أسهمت فيه أربع اتفاقيات و ثلاثون دولة. و قد ذكر ان معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية و المصرية، وان هناك معبرا آخر بين غزة و مصر يخضع لسلطات الاحتلال، هو معبر كرم ابو سالم (كيريم شالوم). من الناحية الشكلية ايضا، فان تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هى اسرائيل و السلطة الفلسطينية و الولايات المتحدة و مصر، و الاتحاد الأوروبي بدوله السبع و العشرين. و هذه الأطراف هى الموقعة على الاتفاقيات الأربع سابقة الذكر. لكن من الناحية العملية فان التحكم فى المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير (الكاميرات)، و أجهزة الفحص للأشخاص و السيارات التى فرضتها اسرائيل للمراقبة. و هذه الأجهزة تتحكم فى فتح و إغلاق المعبر، لان وجودها شرط أساسى لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقيات. ولذلك فان اسرائيل عندما تريد إغلاقه فانها إما ان تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب الى عملهم، و الذرائع لديها كثيرة، على رأسها الحجج الامنية. و إما ان تسطو على الأجهزة و تأخذها الى مواقعها بعيدا عن المعبر، الأمر الذى يؤدى الى إغلاقه تلقائيا. ذلك انه لا عبور بدون مراقبين، و لا عبور بدون أجهزة تصوير ومراقبة، وهذه هى خلاصة اللعبة التى تتم منذ اكثر من عامين.
(4)
الحجج التى أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير حسام زكي، لا تخلو من وجاهة ـ لأول وهلةـ لكن هناك أكثر من رد عليها. ذلك ان هذه الاتفاقات لا تتحرك فى فراغ قانوني، بمعنى أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولى العام، و القانون الدولى الانسانى. و الكلام ليس من عندي، و لكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون، و قد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولى العام بجامعة القاهرة، الذى اعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية، حول النتائج المترتبة على إغلاق اسرائيل للمعابر. و فى هذه المذكرة تحدث بوضوح عن ان حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها، والمقررة قانونا، الأمر الذي لا يجيز لأي دولة ان تفرض حصارا يعزل اى دولة عن العالم المحيط بها، و يمنع وصول مقومات الحياة اليها. فى رأيه ايضا، انه فى حال التعارض بين اى اتفاقات موقعة، و بين القانون الدولي الإنسانى فالأولوية للقانون الأخير، لأنه فى غير حالة الحروب المعلنة، فلا ينبغي ان يسمح بالتضحية بحياة البشر لاى سبب كان.
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن ان اتفاقية المعابر التى يكثر الاستشهاد بها تحمل اسرائيل بالتزامات أخلّّّّّّّّّت بها، منها مثلا: النص على ان تعمل المعابر بشكل متواصل، و ان تسمح اسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع، وان تضمن انسياب حركة مرور الاشخاص و البضائع والمنتجات عبر المعابر التى تصل الأراضي الفلسطينية بمصر (معبر رفح) و باسرائيل و بالأردن. منها ايضا: النص على تشغيل ميناء غزة مع تعهد اسرائيل بعدم التدخل فى عمله. ولأن اسرائيل لم تفِ بشئ من تلك الالتزامات، جريا على عادتها، فى أن تأخذ و لا تعطي (تاريخها حافل فى رفض الشرعية الدولية التى تتذرع بها، من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية الى بطلان إجراءات تهويد القدس، الى قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار، و اخلالها بما تم الاتفاق عليه فى انابولس لوقف الاستيطان)، لذلك، فان من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها اما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد، او توقف العمل بها، استنادا الى المادة 60 من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات. كما ان لها الحق فى ان تطالب اسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة.
النقطة الثانية التى أثارها المتحدث الرسمي، والتي لا تخلو من وجاهة ايضا: هى انه يتعذر فتح معبر رفح و تشغيله فى غياب السلطة الفلسطينية الشرعية. لكن ذلك ايضا مردود عليه، بان ذلك العامل له أهمية، لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع، و منع وصول الاحتياجات الحياتية إليه، لان الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغى ان تسمو فوق اى اعتبار سياسى. من ناحية ثانية فان فى فلسطين شرعيتين، و ليس شرعية واحدة، ذلك ان السلطة القائمة فى غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها فى الانتخابات النيابية، كما ان السلطة الموجودة فى رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية. و في حدود علمي فان سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين. و هو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتى يتم الوفاق بينهما.
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية: إن مصر تضغط على اسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية، لأننا الأولى بذلك، ان لم يكن ما تمثله مصر، فعلى الأقل، احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني. ثم ينبغى ألا ننسى ان صبر المحاصرين ليس بلا حدود، و أننا ينبغي ان نتوقى أسباب الانفجار قبل ان نضطر الى التعامل معه بعد وقوعه.
أسوأ ما فى الأمر ان يصبح تدمير حياة الفلسطينيين فى غزة خبراً عادياً، وأن يعد استمرار الحصار حدثاً مقبولاً، وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك.
(1)
يسألنى فهد الرشود من الرياض: ما هو مستقبل أهلنا فى غزة؟ و أتلقى رسالة من لجنة أهالي المرضى فى غزة، رسالة تتساءل عما اذا كان هناك حكم بالإعدام على 1200 مريض يحال بينهم و بين العلاج فى الخارج. و يصبحون مخيرين بين الموت على فراش المرض او الموت برصاص حرس الحدود. يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التى احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه. كما يتزامن مع المذكرة التى قدمها رئيس وزراء لبنان الاسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح و فك الحصار، إلى السفير المصرى فى بيروت، و المظاهرة التى قام بها بعض النشطاء المصريين امام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة، مطالبين بفتح المعبر و رفع الحصار. و اخيرا الباخرتين اللتين حملتا بعض النشطاء الاوروبيين و اتجهت الى غزة لمحاولة كسر حصارها.
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر فى عام 2005. كما نشرت الصحف الاسرائيلية (هآرتس 12/8) الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذى قدمه اولمرت الى الرئيس محمود عباس، بدد الأمل الذى علقه البعض على إمكانية التوصل الى اتفاق مع الحكومة الاسرائيلية، حتى و ان كان اتفاق "رف"، يحسن المنظر دون ان يقدم او يؤخر.
هذه المؤشرات التقت على أمرين، اولهما: انها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح احد العناوين الرئيسية للاسبوع الماضى، و ثانيهما: انها استبعدت، فى ظل موازين القوة الحالية، إمكانية التوصل الى حل سلمى مع الاسرائيليين. و هو ما يدعونا الى الكف عن المراهنة على حسن نوايا الآخرين (إن وجدت)، و يطرح علينا السؤال الذى يهرب الكثيرون من الإجابة عنه، و هو: ماذا علينا ان نفعل فى هذه الحالة؟
(2)
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطينى الدكتور خليل النيس على باب معبر رفح، و قد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن و نصف طن من الأدوية و المساعدات الطبية، أراد توصيلها خلالها دول اوروبا الى ان وصل الى العريش فى نهاية المطاف، لكن دخوله الى القطاع ـ الذى يفترض الا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح ـ اصبح مشكلة لا حل لها، خلال شهر كامل على الاقل.
حال الدكتور خليل ليست فريدة فى بابها بطبيعة الحال، بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذى يربط فلسطين بالعالم الخارجى هو الأصل، و هو الإغلاق ذاته الذى يسرى على المعابر الأربعة الأخرى، التى تتحكم اسرائيل فيها، و تستخدمها فى إحكام الحصار و خنق الفلسطينيين و إذلالهم.
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدى الحصار، اذ الى جانب ثورتهم ضد المعابر، و محاولتهم كسر القيود التى كبلت حياتهم، فإنهم لجأوا الى حفر الأنفاق لمحاولة تمرير بعض الاغذية و الادوية التى تسد الرمق و تخفف بعضا من الوجع. و فى تقرير نشرته الشرق الاوسط (فى 12/8) ذكرت أنهم حفروا حوالى 900 نفق عبر الحدود من رفح الى غزة، لتوصيل بعض البضائع، إلا ان الاسرائيليين و معهم الامريكيون أصروا على إغلاقها و تدميرها، بحجة انها تستخدم فى نقل السلاح الى غزة، فى حين ان الذين أقاموها و بدأوها كانوا مهربى المخدرات بالدرجة الاولى، و بعدهم دخل التجار على الخط، و توسعوا فى العملية، الامر الذى رفع من أجور حفاري الأنفاق حتى وصل الاجر الشهرى للواحد منهم الى 2،500$. و خلال العام الاخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة فى مشروع الحصار، حتى قيل: ان الأمريكيين ساعدوا على توفير اجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق و تتبع مسارها، كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التى تطلق فى النفق فيصيب مستخدميه بالاختناق. و اذا اضفنا الى هذه الخلفية ان ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار فى شهر سبتمبر 2006، الذى اعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية فى الشهر التالى مباشرة، و تذكرنا ان مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها، فسوف تدرك ان جهود إحكام الحصار و التضييق منه تواصلت و تقدمت، فى حين ان جهود رفعه و فتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة الى الامام. و تلك خلاصة كاشفة، لأنها تشير بوضوح الى ان القدرة العربية فى هذه القضية فى مستوى الصفر، الأمر الذى يستدعي السؤال التالى: اذا كانت تلك حدود القدرة العربية فى "قضيتهم المركزية"، فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟!
(3)
لا مفر من الاعتراف بان اسرائيل نجحت فى فرض ترسانة من الاتفاقات التى كان هدفها الاساسي التحكم فى قطاع غزة، و تحويله الى سجن كبير تملك مفاتيحه، و ان استخدمت فى ذلك واجهات اخرى. وهذه الاتفاقات أربع هى: اتفاقية المعابر الاسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة فى 15 نوفمبر 2005 ، واتفاق اسرائيلى ـ اوروبى ـ فلسطينى لمراقبة المعبر، والاتفاق المصرى ـ الاسرائيلى الموقع فى اول اغسطس عام 2005 و المعروف باسم اتفاق فيلادلفى، واتفاقية السلام بين مصر و اسرائيل الموقعة فى 29 مارس 1979.
للباحث القانونى محمد سيف الدولة بحث مهم فى هذا الموضوع، تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار. و كيف ان خنق معبر رفح بوجه اخص أسهمت فيه أربع اتفاقيات و ثلاثون دولة. و قد ذكر ان معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية و المصرية، وان هناك معبرا آخر بين غزة و مصر يخضع لسلطات الاحتلال، هو معبر كرم ابو سالم (كيريم شالوم). من الناحية الشكلية ايضا، فان تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هى اسرائيل و السلطة الفلسطينية و الولايات المتحدة و مصر، و الاتحاد الأوروبي بدوله السبع و العشرين. و هذه الأطراف هى الموقعة على الاتفاقيات الأربع سابقة الذكر. لكن من الناحية العملية فان التحكم فى المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير (الكاميرات)، و أجهزة الفحص للأشخاص و السيارات التى فرضتها اسرائيل للمراقبة. و هذه الأجهزة تتحكم فى فتح و إغلاق المعبر، لان وجودها شرط أساسى لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقيات. ولذلك فان اسرائيل عندما تريد إغلاقه فانها إما ان تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب الى عملهم، و الذرائع لديها كثيرة، على رأسها الحجج الامنية. و إما ان تسطو على الأجهزة و تأخذها الى مواقعها بعيدا عن المعبر، الأمر الذى يؤدى الى إغلاقه تلقائيا. ذلك انه لا عبور بدون مراقبين، و لا عبور بدون أجهزة تصوير ومراقبة، وهذه هى خلاصة اللعبة التى تتم منذ اكثر من عامين.
(4)
الحجج التى أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير حسام زكي، لا تخلو من وجاهة ـ لأول وهلةـ لكن هناك أكثر من رد عليها. ذلك ان هذه الاتفاقات لا تتحرك فى فراغ قانوني، بمعنى أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولى العام، و القانون الدولى الانسانى. و الكلام ليس من عندي، و لكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون، و قد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولى العام بجامعة القاهرة، الذى اعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية، حول النتائج المترتبة على إغلاق اسرائيل للمعابر. و فى هذه المذكرة تحدث بوضوح عن ان حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها، والمقررة قانونا، الأمر الذي لا يجيز لأي دولة ان تفرض حصارا يعزل اى دولة عن العالم المحيط بها، و يمنع وصول مقومات الحياة اليها. فى رأيه ايضا، انه فى حال التعارض بين اى اتفاقات موقعة، و بين القانون الدولي الإنسانى فالأولوية للقانون الأخير، لأنه فى غير حالة الحروب المعلنة، فلا ينبغي ان يسمح بالتضحية بحياة البشر لاى سبب كان.
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن ان اتفاقية المعابر التى يكثر الاستشهاد بها تحمل اسرائيل بالتزامات أخلّّّّّّّّّت بها، منها مثلا: النص على ان تعمل المعابر بشكل متواصل، و ان تسمح اسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع، وان تضمن انسياب حركة مرور الاشخاص و البضائع والمنتجات عبر المعابر التى تصل الأراضي الفلسطينية بمصر (معبر رفح) و باسرائيل و بالأردن. منها ايضا: النص على تشغيل ميناء غزة مع تعهد اسرائيل بعدم التدخل فى عمله. ولأن اسرائيل لم تفِ بشئ من تلك الالتزامات، جريا على عادتها، فى أن تأخذ و لا تعطي (تاريخها حافل فى رفض الشرعية الدولية التى تتذرع بها، من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية الى بطلان إجراءات تهويد القدس، الى قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار، و اخلالها بما تم الاتفاق عليه فى انابولس لوقف الاستيطان)، لذلك، فان من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها اما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد، او توقف العمل بها، استنادا الى المادة 60 من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات. كما ان لها الحق فى ان تطالب اسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة.
النقطة الثانية التى أثارها المتحدث الرسمي، والتي لا تخلو من وجاهة ايضا: هى انه يتعذر فتح معبر رفح و تشغيله فى غياب السلطة الفلسطينية الشرعية. لكن ذلك ايضا مردود عليه، بان ذلك العامل له أهمية، لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع، و منع وصول الاحتياجات الحياتية إليه، لان الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغى ان تسمو فوق اى اعتبار سياسى. من ناحية ثانية فان فى فلسطين شرعيتين، و ليس شرعية واحدة، ذلك ان السلطة القائمة فى غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها فى الانتخابات النيابية، كما ان السلطة الموجودة فى رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية. و في حدود علمي فان سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين. و هو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتى يتم الوفاق بينهما.
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية: إن مصر تضغط على اسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية، لأننا الأولى بذلك، ان لم يكن ما تمثله مصر، فعلى الأقل، احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني. ثم ينبغى ألا ننسى ان صبر المحاصرين ليس بلا حدود، و أننا ينبغي ان نتوقى أسباب الانفجار قبل ان نضطر الى التعامل معه بعد وقوعه.