السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،
بمناسبة الشهر الفضيل وازدياد الهمه العاليه في العباده و أعمال الخير .. فلندعو الله أن تكون كل همتنا بمثل هذا الحماس طوال العام .. بل العُمر .. لنتأسى بتلك الخيل التى أقسم بها ربّ العــزّة
* ســورة الـعــاديــات *
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا {1} فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا {2} فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا{3}
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5} إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6} وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ {7}
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {8} أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ{9} وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ {10}
إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ {11}
قال الألوسي في تفسيره : السورة مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وقال بعضهم أنها مدنية .
أغراضها : التنويه بشأن الجهاد والمجاهدين وفضل الخيل التي تربط من أجل إعلاء كلمة الله وبيان ما جبل عليه الإنسان من حرص على منافع الدنيا وتحريض الناس أن يتزودوا بالعمل الصالح الذي ينفعهم يوم الحساب .
التـفـسيـر
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا {1})
العاديات : جمع عادية ، أسم فاعل من العدو وهو المشي بسرعة .
ضبحًا : الضبح هو اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، والمراد به هنا صوت أنفاس الخيل عند جريانها بسرعة .
في فتح البيان : العاديات هي الخيل العادية في الغزو نحو العدو .
وفى التفسير الكبير : الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ولكنه صوت نفس . وإنما قال (ضبحًا) لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب فكأنه تعالى يقول إنه مع ضعفه لا يترك طاعته فليكن العبد في طاعة مولاه أيضاً كذلك
(فَالْمُورِيَاتِ قَـدْحًا {2})
الموريات : جمع مورية اسم فاعل من الإيراء وهو إخراج النار .
القدح : ضرب شيء بشيء لكي يخرج من بينهما شرر النار .
والمراد به هنا : النار التي تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة .
قال ابن كثير : احتكاك نعالها بالصخر فتقدح نار .
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا{3})
المغيرات : جمع مغيرة من أغار فلان على فلان إذا باغته بفعل يؤذيه .
صبحاً : أي وقت الصباح .
قال القرطبي: كانوا إذا أرادوا الإغارة ساروا ليلاً ليأتون العدو صبحاً لأن ذلك وقت غفلة الناس ومنه قوله (فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ {177}) ( سورة الصافات )
والإغارة : سرعة السير .
(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4})
فأثرن : هيجن . نقعاً : النقع أي الغبار من شدة الجري .
قال الزمخشري : فهيجن بذلك العدو - الجري غبار .
وجاء في فتح البيان وتخصيص إثارته بالصبح لأنه وقت الإغارة ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل .
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5})
أي فتوسطن في ذلك الوقت جميع الأعداء والمراد بالعاديات والموريات والمغيرات خيل المجاهدين في سبيل الله .
قال القنوجي : وإنما أقسم الله عز وجل بخيل الغزاة تنبيهاً على فضلها وفضل رباطها في سبيل الله ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية والأجر والغنيمة .
وقال البقاعي : أقسم بها الله عز وجل ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت بها أمثالها من الدواب .
والمعنى : وحق الخيل التي يعتلى صهوانها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله والتي تجري بهم في ساحات القتال فيسمع صوت أنفاسها والتي تظهر شرر النار من إثر صك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتي تغير على العدو في وقت الصباح فتثير الغبار وتمزق جموع الأعداء وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات...
(إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6}) ( التفسير الوسيط )
(إن الإنسان لربه لكنود) هذا جواب القسم .
والمراد بالكنود : الكفور بالنعمة .
يقال : فلان كند النعمة إذا جحدها ولم يشكر الله عليها .
قال القرطبي : أي طبع الإنسان على كفران النعمة .
وقال صاحب التحرير والتنوير: "الإنسان" تعريف للجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً أي أن في طبع الإنسان الكنود لربه أي كفران نعمته وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوت منه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكامل أهل الصلاح لأنه عارض ينشأ على إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة ولا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره وبغير ذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ...
والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه ، والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخُـلق منها والعزائم متفاوتة في استطاعة ما غالبته ، فالإنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة بالقول والقصد أو بالفعل والغفلة .
ونقل القرطبي في تفسيره هذه الأقوال :
عن ابن عباس : الكنود: هو الكفور الجحود لنعم الله .
وقال الحسن : الكنود :هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم .
وقال أبو بكر الوسطي : الكنود الذي ينفق نعم الله في معاصي الله .
وقال أبو بكر الوراق: الكنود: الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه .
وقال الترمذي : الكنود: الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم .
وقال ذا النون المصري : هو الذي إذا مسه الشر جزوع وإذا مسه الخير منوع .
وقيل : هو الجهول لقدره .
وفى الحكمة : من جهل قدره هتك ستره .
قال القرطبي : هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود .
وقال البقاعي في ( نظم الدرر) : الكنود الذي يزدرى القليل ولا يشكر الكثير وينسى كثير النعم بقليل المحنة ويلوم ربه في أيسر نعمة.
وقال الفضيل : هو من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثير من الإحسان .
وقال السعدي في تفسيره : قوله ( إن الإنسان لربه لكنود ) أي منوع للخير الذي لله عليه فطبيعة الإنسان وجبلته أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق فتؤديها كاملة موفرة بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليها من الحقوق المالية والبدنية إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق ...
والمعنى : أن في طبع الإنسان إلا من عصمه الله تعالى الكنود لربه, والكفران لنعمته, والنسيان لمننه, وإحسانه, والغفلة عن المواظبة على شكره تعالى, والتضرع إليه سبحانه عند الشدائد والضراء, والتشاغل عن ذلك عند العافية والرخاء .
(وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ {7})
قال الزمخشري : أي يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره ،
وقال الشيخ محمد عبده : قوله ( وإنه على ذلك لشهيد) أي أن الإنسان شهيد على كنوده وكفره لنعمة ربه لأنه يفخر بالقسوة على من هو دونه وبقوة الحيلة على من فوقه وبكثرة مافي يده من المال مع الحذق في تحصيله وقلما يفتخر بالمرحمة وبكثرة البذل ، اللهم إلا أن يريد غشاً للسامع وفى ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود لأن ما يفخر به ليس من حق شكر النعمة بل من آيات كفرها .
وقال صاحب الظلال : إن الإنسان ليجحد نعمة ربه وينكر جزيل فضله ويتمثل كنوده وجحوده مع مظاهر شتى تبدو منه أفعالاً وأقوالاً فتقوم علية مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة وكأنه يشهد على نفسه بها أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود ( وإنه على ذلك لشهيد ) يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال ...
(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {8})
قال جمهور المفسرين : المقصود "بالخير" المال .
قال القرطبي : أي إنه لقوى في حب المال .
وقال القنوجي : أي إنه لحب المال قوى مجد في طلبه وتحصيله .
وقال ابن زيد : سمى الله المال خيراً وعسى أن يكون شراً وحراماً ولكن الناس يعدونه خيراً فسماه الله خيراً لذلك .
وقال ابن كثير : قوله ( إنه لحب الخير لشديد ) فيه مذهبان :-
أحداهما : إنه لشديد محبة المال .
الثاني : إنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح .
ومن ذلك قال الزمخشري الشديد : البخيل الممسك يقال فلان شديد ومتشدد أي لقوى .
وفي التفسير الوسيط : المعنى ..... وإن هذا الإنسان لشديد الحب لجمع المال ولكسبه من مختلف الوجوه وبدون تفرقه في كثير من الأحيان بين الحلال والحرام و التكثير منه وبالبخل على من يستحقه .
يقول د/ سعيد حوى في تفسيره : يمكن أن يكون المراد بالخير في هذا السياق ما هو أعم من المال مما يدخل في كل ما يعتبره الإنسان خير لنفسه .
وقال صاحب الظلال : ( وإنه لحب الخير لشديد ) .. فهو شديد الحب لنفسه ومن ثم يحب الخير ولكن كما يمثله مالاً وسلطة ومتاعا بأغراض الحياة الدنيا هذه فطرته وهذا طبعه ما لم يخالط الإيمان قلبه فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته ويحيل كنوده وجحوده اعترافاً بفضل الله وشكراناً كما يبدل أثرته وشحه إيثاراً ورحمة ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكدر والكدح وهى قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأغراض الحياة الدنيا ..
ويقول السعدي : الإنسان كثير الحب للمال وحبه لذلك هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه فقـدم شهوة نفسه على رضا ربه وكل هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار وغفل عن الآخرة ولهذا قال حاثاً له على الخوف يوم الوعيد ... ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ... )
(أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ{9})
... تهديد لهذا الإنسان الكنود وتحريض له على التفكر والاعتبار وتذكيراً له بأهوال القيامة .
جاء في تفسير الأساس : انصب السياق على ذكر طبيعة الإنسان فهو كنود ويحب المال والمنافع وذكرت السورة علاج هاتين الصفتين وذلك بتذكر البعث وما يكون فيه من تحصيل ما في الأنفس
إن هذا التذكر هو الذي يحرر الإنسان من كنوده وحبه الشديد للمال حتى لا يلقى الله عز وجل بأمراضه المخجلة تلك، فإذا علم الإنسان ذلك تحرر من الكفر وأقبل على الإيمان والصلاة والإنفاق وإتباع كتاب الله عز وجل فلا صارف يصرف عنه هذه الأشياء مثل جحود نعم الله عز وجل ومحبة الدنيا
" أفلا يعلم " الاستفهام للإنكار
أي : أيفعل هذا الإنسان الجحود لنعم ربه فلا يعلم مآله وعاقبته إذا (بعثر ما في القبور)
قال القرطبي : لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت وإنما يراد في الدنيا .
"بعثر" أثير وأُخرج وقُلب رأساً على عقب .
يقال : "بعثر فلان متاعه" إذا جعل أسفله أعلاه .
"ما في القبور" من أموات
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ {10})
"حُصِلَ" أي أُظهر وُميز .
قال ابن كثير : يعنى أُبرز وأُظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم .
وفى التفسير الوسيط : إخراج اللب من القشر ..... والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور والمجازاة على ذلك .
والمعنى ... إخراج وجمع ما في الصدور بغاية السهولة من خير وشر مما يظن أنه لا يعلمه أحد أصلاً وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال .
وهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها وخص أعمال القلوب بالذكر وترك أعمال الجوارح لأنها تابعة لأعمال القلوب فإنه لولا تحقق البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح ...
وفي التفسير الكبير : إن كثيراً ما يكون في باطن الإنسان بخلاف ظاهره أما في يوم القيامة فإنه تنكشف الأسرار وتنتهك الأستار ويظهر ما في البواطن ...
(إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ {11})
قال ابن كثير : أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون ومجازيهم أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة .
قال النسفي : وخص "يومئذ" بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ .
قال الزجاج : الله خبير بهم وفى ذلك اليوم وغيره ولكن المعنى إن الله يجازيهم في ذلك اليوم .