المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: شرح تفسير سورة العاديات
منتدي الحلم العربي > منتديات العبادات > قسم القرآن الكريم
فــرح مـونـي


السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

بمناسبة الشهر الفضيل وازدياد الهمه العاليه في العباده و أعمال الخير .. فلندعو الله أن تكون كل همتنا بمثل هذا الحماس طوال العام .. بل العُمر .. لنتأسى بتلك الخيل التى أقسم بها ربّ العــزّة





* ســورة الـعــاديــات *

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا {1} فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا {2} فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا{3}
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5} إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6} وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ {7}
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {8} أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ{9} وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ {10}
إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ {11}


قال الألوسي في تفسيره : السورة مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وقال بعضهم أنها مدنية .

أغراضها : التنويه بشأن الجهاد والمجاهدين وفضل الخيل التي تربط من أجل إعلاء كلمة الله وبيان ما جبل عليه الإنسان من حرص على منافع الدنيا وتحريض الناس أن يتزودوا بالعمل الصالح الذي ينفعهم يوم الحساب .

التـفـسيـر

(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا {1})

العاديات : جمع عادية ، أسم فاعل من العدو وهو المشي بسرعة .
ضبحًا : الضبح هو اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، والمراد به هنا صوت أنفاس الخيل عند جريانها بسرعة .
في فتح البيان : العاديات هي الخيل العادية في الغزو نحو العدو .
وفى التفسير الكبير : الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ولكنه صوت نفس . وإنما قال (ضبحًا) لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب فكأنه تعالى يقول إنه مع ضعفه لا يترك طاعته فليكن العبد في طاعة مولاه أيضاً كذلك

(فَالْمُورِيَاتِ قَـدْحًا {2})

الموريات : جمع مورية اسم فاعل من الإيراء وهو إخراج النار .
القدح : ضرب شيء بشيء لكي يخرج من بينهما شرر النار .
والمراد به هنا : النار التي تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة .
قال ابن كثير : احتكاك نعالها بالصخر فتقدح نار .

(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا{3})

المغيرات : جمع مغيرة من أغار فلان على فلان إذا باغته بفعل يؤذيه .
صبحاً : أي وقت الصباح .
قال القرطبي: كانوا إذا أرادوا الإغارة ساروا ليلاً ليأتون العدو صبحاً لأن ذلك وقت غفلة الناس ومنه قوله (فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ {177}) ( سورة الصافات )
والإغارة : سرعة السير .

(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4})

فأثرن : هيجن . نقعاً : النقع أي الغبار من شدة الجري .
قال الزمخشري : فهيجن بذلك العدو - الجري غبار .
وجاء في فتح البيان وتخصيص إثارته بالصبح لأنه وقت الإغارة ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل .

(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5})

أي فتوسطن في ذلك الوقت جميع الأعداء والمراد بالعاديات والموريات والمغيرات خيل المجاهدين في سبيل الله .
قال القنوجي : وإنما أقسم الله عز وجل بخيل الغزاة تنبيهاً على فضلها وفضل رباطها في سبيل الله ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية والأجر والغنيمة .
وقال البقاعي : أقسم بها الله عز وجل ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت بها أمثالها من الدواب .

والمعنى : وحق الخيل التي يعتلى صهوانها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله والتي تجري بهم في ساحات القتال فيسمع صوت أنفاسها والتي تظهر شرر النار من إثر صك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتي تغير على العدو في وقت الصباح فتثير الغبار وتمزق جموع الأعداء وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات...

(إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6}) ( التفسير الوسيط )

(إن الإنسان لربه لكنود) هذا جواب القسم .
والمراد بالكنود : الكفور بالنعمة .
يقال : فلان كند النعمة إذا جحدها ولم يشكر الله عليها .
قال القرطبي : أي طبع الإنسان على كفران النعمة .

وقال صاحب التحرير والتنوير: "الإنسان" تعريف للجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً أي أن في طبع الإنسان الكنود لربه أي كفران نعمته وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوت منه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكامل أهل الصلاح لأنه عارض ينشأ على إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة ولا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره وبغير ذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ...
والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه ، والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخُـلق منها والعزائم متفاوتة في استطاعة ما غالبته ، فالإنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة بالقول والقصد أو بالفعل والغفلة
.

ونقل القرطبي في تفسيره هذه الأقوال :
عن ابن عباس : الكنود: هو الكفور الجحود لنعم الله .
وقال الحسن : الكنود :هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم .
وقال أبو بكر الوسطي : الكنود الذي ينفق نعم الله في معاصي الله .
وقال أبو بكر الوراق: الكنود: الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه .
وقال الترمذي : الكنود: الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم .
وقال ذا النون المصري : هو الذي إذا مسه الشر جزوع وإذا مسه الخير منوع .
وقيل : هو الجهول لقدره .
وفى الحكمة : من جهل قدره هتك ستره .
قال القرطبي : هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود .
وقال البقاعي في ( نظم الدرر) : الكنود الذي يزدرى القليل ولا يشكر الكثير وينسى كثير النعم بقليل المحنة ويلوم ربه في أيسر نعمة.
وقال الفضيل : هو من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثير من الإحسان .

وقال السعدي في تفسيره : قوله ( إن الإنسان لربه لكنود ) أي منوع للخير الذي لله عليه فطبيعة الإنسان وجبلته أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق فتؤديها كاملة موفرة بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليها من الحقوق المالية والبدنية إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق ...


والمعنى : أن في طبع الإنسان إلا من عصمه الله تعالى الكنود لربه, والكفران لنعمته, والنسيان لمننه, وإحسانه, والغفلة عن المواظبة على شكره تعالى, والتضرع إليه سبحانه عند الشدائد والضراء, والتشاغل عن ذلك عند العافية والرخاء .

(وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ {7})

قال الزمخشري : أي يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره ،

وقال الشيخ محمد عبده : قوله ( وإنه على ذلك لشهيد) أي أن الإنسان شهيد على كنوده وكفره لنعمة ربه لأنه يفخر بالقسوة على من هو دونه وبقوة الحيلة على من فوقه وبكثرة مافي يده من المال مع الحذق في تحصيله وقلما يفتخر بالمرحمة وبكثرة البذل ، اللهم إلا أن يريد غشاً للسامع وفى ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود لأن ما يفخر به ليس من حق شكر النعمة بل من آيات كفرها .

وقال صاحب الظلال : إن الإنسان ليجحد نعمة ربه وينكر جزيل فضله ويتمثل كنوده وجحوده مع مظاهر شتى تبدو منه أفعالاً وأقوالاً فتقوم علية مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة وكأنه يشهد على نفسه بها أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود ( وإنه على ذلك لشهيد ) يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال ...


(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {8})

قال جمهور المفسرين : المقصود "بالخير" المال .
قال القرطبي : أي إنه لقوى في حب المال .
وقال القنوجي : أي إنه لحب المال قوى مجد في طلبه وتحصيله .
وقال ابن زيد : سمى الله المال خيراً وعسى أن يكون شراً وحراماً ولكن الناس يعدونه خيراً فسماه الله خيراً لذلك .
وقال ابن كثير : قوله ( إنه لحب الخير لشديد ) فيه مذهبان :-
أحداهما : إنه لشديد محبة المال .
الثاني : إنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح .
ومن ذلك قال الزمخشري الشديد : البخيل الممسك يقال فلان شديد ومتشدد أي لقوى .

وفي التفسير الوسيط : المعنى ..... وإن هذا الإنسان لشديد الحب لجمع المال ولكسبه من مختلف الوجوه وبدون تفرقه في كثير من الأحيان بين الحلال والحرام و التكثير منه وبالبخل على من يستحقه .

يقول د/ سعيد حوى في تفسيره : يمكن أن يكون المراد بالخير في هذا السياق ما هو أعم من المال مما يدخل في كل ما يعتبره الإنسان خير لنفسه .

وقال صاحب الظلال : ( وإنه لحب الخير لشديد ) .. فهو شديد الحب لنفسه ومن ثم يحب الخير ولكن كما يمثله مالاً وسلطة ومتاعا بأغراض الحياة الدنيا هذه فطرته وهذا طبعه ما لم يخالط الإيمان قلبه فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته ويحيل كنوده وجحوده اعترافاً بفضل الله وشكراناً كما يبدل أثرته وشحه إيثاراً ورحمة ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكدر والكدح وهى قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأغراض الحياة الدنيا ..

ويقول السعدي : الإنسان كثير الحب للمال وحبه لذلك هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه فقـدم شهوة نفسه على رضا ربه وكل هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار وغفل عن الآخرة ولهذا قال حاثاً له على الخوف يوم الوعيد ... ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ... )

(أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ{9})

... تهديد لهذا الإنسان الكنود وتحريض له على التفكر والاعتبار وتذكيراً له بأهوال القيامة .

جاء في تفسير الأساس : انصب السياق على ذكر طبيعة الإنسان فهو كنود ويحب المال والمنافع وذكرت السورة علاج هاتين الصفتين وذلك بتذكر البعث وما يكون فيه من تحصيل ما في الأنفس

إن هذا التذكر هو الذي يحرر الإنسان من كنوده وحبه الشديد للمال حتى لا يلقى الله عز وجل بأمراضه المخجلة تلك، فإذا علم الإنسان ذلك تحرر من الكفر وأقبل على الإيمان والصلاة والإنفاق وإتباع كتاب الله عز وجل فلا صارف يصرف عنه هذه الأشياء مثل جحود نعم الله عز وجل ومحبة الدنيا


" أفلا يعلم " الاستفهام للإنكار
أي : أيفعل هذا الإنسان الجحود لنعم ربه فلا يعلم مآله وعاقبته إذا (بعثر ما في القبور)

قال القرطبي : لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت وإنما يراد في الدنيا .

"بعثر" أثير وأُخرج وقُلب رأساً على عقب .

يقال : "بعثر فلان متاعه" إذا جعل أسفله أعلاه .
"ما في القبور" من أموات

(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ {10})

"حُصِلَ" أي أُظهر وُميز .
قال ابن كثير : يعنى أُبرز وأُظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم .

وفى التفسير الوسيط : إخراج اللب من القشر ..... والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور والمجازاة على ذلك .

والمعنى ... إخراج وجمع ما في الصدور بغاية السهولة من خير وشر مما يظن أنه لا يعلمه أحد أصلاً وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال .

وهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها وخص أعمال القلوب بالذكر وترك أعمال الجوارح لأنها تابعة لأعمال القلوب فإنه لولا تحقق البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح
...

وفي التفسير الكبير : إن كثيراً ما يكون في باطن الإنسان بخلاف ظاهره أما في يوم القيامة فإنه تنكشف الأسرار وتنتهك الأستار ويظهر ما في البواطن ...

(إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ {11})

قال ابن كثير : أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون ومجازيهم أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة .

قال النسفي : وخص "يومئذ" بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ .

قال الزجاج : الله خبير بهم وفى ذلك اليوم وغيره ولكن المعنى إن الله يجازيهم في ذلك اليوم .

فــرح مـونـي






الشرح والفـــوائد


1- كن عابداً مجاهداً.....


أقسم الله تعالى بالخيل التي تغزو في الحرب ..... والمعلوم أنه سبحانه إذا أقسم بشيء فذلك لبيان أهميته وشرفه .

والقسم هنا ليس بالخيل كحيوان من سائر الدواب ، فإن من الخيل ما يستعمل للزينة وللسباق وللركوب في غير ساحة القتال وإنما خص الله الخيل المستعملة في ساحة القتال فتبين من ذلك أنه يقسم بأداة من أدوات الجهاد والخيل هي إحدى هذه الأدوات لذلك أقسم بها ..... وهذا يدل على أن المقصود بالقسم بيان فضيلة الجهاد ذاته وإنما أقسم بأداة من أدواته لبيان علو شأنه وعظم فائدته وشرف منزلته .

والجهاد هو كل عمل يهدف إلى نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله والسورة تحث المسلم أن يكون مجاهداً وليس مجرد عابداً ...

وفرق بين العبادة إذا قصد بها أداء النسك والشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والصدقة والذكر والتسبيح ، وبين الجهاد, فالعبادة إذا أُطلق معناها على العموم فإنها تشمل الجهاد لأنها تعنى حينئذ كل ما يتقرب به إلى الله ...

أما إذا قرن بينها وبين الأمر بالجهاد فيعلم من ذلك أن الجهاد المراد شيء آخر غير أداء الشعائر التعبدية ، إنه يخص كل عمل قصد به نصرة الإسلام وأعلى هذه الأعمال القتال في سبيل الله يليه كل عمل قصد به إعلاء كلمة الله كنشر الدين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتعلم الدين وتعليمه وتربية النشء على الإسلام وأي عمل من أعمال الإصلاح في الأفراد والمجتمعات .

والله تعالى يريد من المسلم أن يكون عابداً مجاهداً فلا تشغله العبادة عن الجهاد ولا يشغله الجهاد عن العبادة بل يكون مجاهداً في عبادته وعابداً بجهاده وهذا الأمر قد ظهر بوضوح في آخر سورة الحج في قوله تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77} وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ {78})
(سورة الحج) .

أمر الله تعالى بالعبادة ثم أمر بالجهاد رغم أنه داخل في العبادة فهو من أعظم ما يتعبد به المسلم لربه أن يجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض ولكنه يخص الجهاد بالأمر حتى لا يتوهم المسلم أنه حين يصلى ويصوم ويفعل الخيرات ويترك المنكرات فقد أدى كل ما عليه لربه فجاءت الآية بهذا التفصيل ليبين لكل مسلم أنه مأمور بالعبادة في ذات نفسه أولاً وذلك بأداء ما افترضه الله عليه فقال ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون )
فأمر المسلمين أن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة وعمود الإسلام وأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا وهو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم عن فعل الشر فإن من أول الخير أن تترك الشر ، فهذا ما أمر به كل مسلم في ذات نفسه ، ثم هو مأمور ثانياً فيما يخص غيره من الناس بالجهاد لإعلاء كلمة الله بنشر الدين والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والدفاع عن العقيدة من شبهات المبطلين وقتال الأعداء متى أمكنه ذلك .
وهذا المراد من قوله تعالى ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) فبين له واجبه نحو نفسه ثم واجبه نحو أمته ثم كشف الله تعالى عن سر هذا التكليف وحكمة هذه الفريضة فقال ( هو اجتباكم ) أي أنه اختاركم واصطفاكم من دون الناس فجعلكم خلفاؤه في أرضه وورثة رسوله صلى الله عليه وسلم في دعوته .

ثم إنه بين أنه لا يعز على مسلم في أي زمان ومكان أن يقوم بهذا الواجب من أداء العبادة أو أداء أمر الجهاد فقال ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) لن يكون هناك حرج في إقامتها بحيث يصعب على الإنسان تنفيذها أي أن أحكام الدين صالحة لكل زمان ومكان ، فالمسلم في كل زمان ومكان قادر على أن يكون عابداً لله كما أمر, مجاهداً لله مهما ضاقت أسباب الجهاد فإذا أغلق باب فإن أبوباً كثيرة غيره مفتوحة فإن منعت من الجهاد وقتال الأعداء, فإنك قادر على الدعوة إلى الله فإن لم تستطع فأنت قادر على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإن لم تقدر على ذلك فبتربية أولادك على الإسلام ليعملوا ما عجزت أنت عن إدراكه وإن لم يبق لك إلا أن تحدث نفسك بالجهاد وأنت صادق في ذلك وجب عليك أن لا يغيب عن ذهنك أنك مأمور بذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :
( من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه فقد مات على شعبة من النفاق )
أخرجه مسلم .


فأمر الله بالعبادة لأنها هي أصل العلاقة بينك وبين الخالق ثم أمر بالجهاد حتى لا تنشغل بالعبادة عن الجهاد ثم أمر بالعبادة مرة ثانية في آخر الآية ( فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) حتى لا يشغلك الجهاد عن العبادة لأن كثير من الدعاة والمصلحين تشغلهم دعوتهم عن أداء ما افتُرض عليهم من فرائض ونوافل العبادة فيقصرون في قراءة القرآن وقيام الليل ورعاية أولادهم بحجة القيام بواجب الدعوة .


ومن هنا يتبين أنه لا ينبغي أن تنشغل بخاصة نفسك وتترك الدنيا حولك تعم بالفساد دون أن تهتم بما حل بأمتك من ضعف وانحلال وهزيمة ويكون التدين عندك محصور في أداء الصلوات والإكثار من نوافل الطاعات ، فأنت بذلك كالمسافر الذي نزل قبل محطته التي يقصدها فهو بذلك لم يحصل غرضه ولا يصل إلى ما أراد من سفره ولا يعتبر وصل إلى ما يريد . كذلك من أخذ من الإسلام جوانب الطاعات وقام بها وحافظ على نفسه من الكبائر أو غيرها فهو لا يزال غافلاً عن جانب من أخطر جوانب الإسلام ألا وهو الحركة والسعي والعمل في نصرة الإسلام وحمل الدعوة إلى الغير،

فإذا كانت سورة العاديات تنبه كل من يقرأها إلى أهمية الجهاد فينبغي أن يسأل كل منا نفسه عما قدمه لدين الله ؟ وفي أي باب يجاهد ؟ وليعلم أنه مسؤول عن البذل لنصرة هذا الدين كما هو مسئول عن صلاته وصيامه وتسبيحه .

فأعداء الله يتربصون بأمتنا ويخططون ليل نهار لهدم صرح الإيمان في قلوب المسلمين فهم يستهدفون نفسك بالتخريب ويستهدفون بيتك وأولادك وإخوانك وبلادك بصور شتى وأنواع متعددة ومتكررة من وسائل الإفساد.

فهل تقف مكتوف اليدين أمام هذا العداء أم ينبغي أن تشمر عن ساعديك وتجاهد في سبيل نصرة الإسلام في نفسك وأهلك وبلادك مستشعراً معنى كونك مجاهداً عابداً لله بهذا الجهاد ، فليست العبادة أن تقيم أوامر الله في نفسك ثم تسلم رقبتك ورقاب من حولك لأعداء الله ليستأصلوها وإنما لابد أن تحرس عقيدتك وتحمى وجودك بإعلان كلمة الله في كل الوجود وهذه هي وظيفتك التي من أجلها خلقت قال تعالى :

( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ {110} ) ( سورة آل عمران ) .

فجاهد بتعلم دينك وتعليمه لمن حولك بادئاً بأهل بيتك والأقربين وكل من فرض الله عليك رعايتهم , وجاهد بتقديم القدوة الحسنة والصورة الطيبة للمسلم الموصول بربه لكل من يراك ويعاملك .

وجاهد بتربية جيل موصول بربه عارفاً بدينه متمسكاً بسنة رسوله صلى الله علية وسلم .

وجاهد بإقامة شرع الله في بيتك ونفسك وأولادك وكل من تتولى أمرهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك .

وهكذا لينظر كل منا النقاط التي يتفوق فيها على غيره لتكون هي مركز البذل ومحل الجهد الذي يقدمه لدين الله
.

فــرح مـونـي


2- كونوا كالخيل ...

حين أقسم الله تعالى بالخيل التي تستعمل في الجهاد ذكر تفصيلاً حركة الخيل وما تبذله من جهد في ساحة القتال ... وذلك إشارة إلى وجوب بذل الجهد في طاعة الله ، كأنه سبحانه يقول :

إن الخيل مع شدة ضعفها لا تترك طاعة سيدها فهي تعدو بسرعة شديدة حتى تضطرب أنفاسها في صدورها وتشتد في العدو حتى تخرج النيران من حوافرها حين تصطدم بأحجار الأرض وهى تهيج الغبار في الجو من شدة عدوها ...

فأنت أولى منها بالبذل والسعي بكل طاقتك في طاعة ربك . ولا ينبغي أن تسعى ببطء أو تقف لتستريح فالخيل رغم أنها بلغت غاية الضعف من شدة التعب لسرعة جريها, لم تتوقف وواصلت وتوسطت جموع الأعداء بسهولة .

والدنيا ما هي إلا ساحة قتال , أعداءك فيها جموع كثيرة من جنود الإنس, والجن, وفتن الدنيا والشهوات, والشبهات, ومعوقات الإيمان, ورؤساء هذه الجنود وقادتهم هم : النفس والهوى والشيطان .

فالنفس دائماً أمارة بالسوء والهوى غلاب والشيطان لا ينام , فكيف تواجه هذه الجموع من الأعداء وكيف تهزمهم ؟

أنت محتاج لجهد شديد متواصل كجهد الخيل في القتال ...

محتاج لسرعة في الحركة وقوة في السعي واستمرارية دون توقف واستغلال لكل لحظة في عمرك وانتقاء الأوقات المباركة فإذا فعلت ذلك تمكنت من أعداءك ولم يتمكنوا منك, فلا يحق لمسلم مع صعوبة الحياة وكثرة الفتن ومعوقات الإيمان وقلة المعينات أن يقول أنا تعبت أو ضعفت أو مليت فالهموم كثيرة والفتن محيطة ولا أحد يعينني وأنا بمفردي والمسؤوليات كثيرة .

فأنت ممتحن بكل هذا والله تعالى أخبرنا أن الدنيا دار مشقة وكبد.
قال تعالى ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ {4} ) ( سورة البلد ) .

وكل هذا مقصده الاختبار قال تعالى "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" 'آية 7 سورة هود'

فإذا أردت الجنة فاسعي جاهداً في طلبها , أبذل كل ما عندك من طاقة اجري كالخيل لا تتوقف , ولا تبحث عن الراحة فغداً سترتاح حين تنتهي المعركة بانتهاء أيامك من الدنيا حين يأمر سيدك بإخراجك من ساحة القتال ..

أما أن تترك المعركة لترتاح قليلاً أو كثيراً فسوف تمتد أيادي أعدائك إليك بالأذى فاعلم أن كل لحظة تقف فيها تخسر نصراً أحرزته لأن الشريعة ليس فيها وقوف


فقد قال تعالى :

" لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر{37}" 'سورة المدثر'

فإما إلى الأمام وإما إلى الخلف ولم يذكر وقوفاً فالحياة كل الحياة لابد أن تكون لله

" قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} " 'سورة الأنعام'

لا يوجد شيء تعمله لدينك وشيء تعمله لدنياك وإنما لابد أن تكون حياتك كلها مبذولة لطاعة ربك , ولا يتم ذلك إلا بأن تطالب نفسك ببذل الجهد وأن لا ترى لها حقاً في طلب الراحة أو التمتع بما بين يديك , فالدنيا ليست دار جزاء وإنما دار عمل , ونعيم الدنيا زائل لا ينبغي أن تبحث عنه وتسعى له ونعيم الآخرة يحتاج إلى ثمن تقدمه فقد قال صلى الله علية وسلم في الحديث الصحيح " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله هي الجنة "صححه الترمذي

فمن فهم ذلك لم يصعب علية أن يعمل ليل نهار .. فلن يكون عاجزاً أن يخرج مبكراً إلى عمله ثم يعود مرهقاً متعباً فلا يمنعه ذلك من أن يحافظ على أداء الصلوات في وقتها ولا يدفعه الكسل لترك واجب من واجبات أسرته وأهله ثم أنه لن يشح بجهده أن يقيم الليل ويقرأ القرآن ويكثر من ذكر الله بعد عناء اليوم الطويل لأنه يرى أنه لابد من بذل غاية الجهد في طاعة الله ولا يعتبر تعبه في عمل قدمه سبباً وعذراً في ترك عمل آخر مطلوب منه وكثيراً ما نرى من يعمل بالنهار ينام كل الليل بحجة أنه تعب كثيراً بالنهار ونرى من يشح ببذل الخير لأسرته لانشغاله بعمل الخير لغيرهم ونرى من يصوم ويقصر في صلاته لكونه صائم جوعان , وغير ذلك من قصور في الأعمال ..

لذلك فإن الذي لا يفهم حجم الجهد المطلوب منه لأخرته فإنه دائماً يبحث عن الساعة التي ينام فيها وكلما بذل جهداً أراد بعده راحة ويستعظم ما يقدمه من عمل ولو كان قليل ولا تجود نفسه بآخر ما عنده من جهد وإنما يفعل ما دون ذلك ولا يقدر على أكثر منه ولا يعتقد أنه بإمكانه أن يقدم أكثر ويظن أنه عاجز عن الزيادة رغم أنه قادر عليها ,

فالمرأة التي تقول أنني منذ أن أصبح إلى أن أمسى وأنا أعمل في خدمة الزوج والأولاد فهل أستطيع بعد كل هذه الحركة وذاك الجهد أن أصف قدماي لصلاة في الليل أو أكثر من قراءة القرآن وذكر الله أو أجد وقتاً لأصل رحماً أو أقدم نصيحة لغيري , إنها لا تجد وقتا لأنها تستعظم ما قدمته من عمل وتظن أنه ليس بإمكانها أن تفعل أكثر مما فعلت ..

وكذلك الرجل الذي يسعى في طلب الرزق , فقلما يجد وقتاً لطلب العلم وقلما يجد جهداً لصلاة في الليل أو وقتاً يجالس فيه أولاده يعلمهم دينهم أو وقتاً ينصح فيه جيرانه أو أصدقاءه.

وقد يوجد الوقت ولا تتحرك الهمم لفعل ما ينفع وذلك لأننا لا نفهم حجم الجهد المطلوب منا لنصل إلى الجنة , نظن أن السعي في طلب الرزق أو خدمة الأولاد مع أداء الصلوات الخمس بأي شكل كان مع ذكر الله بأقل قدر, هو كل ما نستطيع فعله , وكلما دعينا لتقديم المزيد في ديننا وبذل جهداً أكثر اعتقدنا أنه ليس بالإمكان فعل أكثر مما كان

فلا يوجد أحد إلا من رحم الله يعطى الله أقصى جهده وآخر ما عنده فالذي لا يقرأ القرآن ألا يستطيع أن يقرأ كل يوم صفحة؟ والذي يقرأ صفحة ألا يستطيع أن يكثر؟ والذي لا يصلى بالليل ألا يستطيع أن يصلى؟ والذي لا يصل رحمه ألا يستطيع أن يصلهم ؟ والذي لا يصبر على مصائبه أيعجز عن الصبر؟ والذي يشح بفعل الخير ألا يقدر على فعله؟ والذي يفعل الشر أعاجز هو عن تركه ؟

إن كنا أمرنا بكل ما سبق فمن المؤكد أننا نطيق فعله ونقدر عليه لأن الله تعالى قال :
" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " 'آية 286 سورة البقرة

فلماذا لا تفعل ؟

لأننا نبخل على ديننا بتقديم المزيد لا نريد أن نشق على أنفسنا ونتعبها فلماذا لا يقلل ساعات نومه لمجرد أن يصلى ساعة بالليل أو يقرأ جزء من القرآن أو يقرأ فيما يزيد به معرفة لدينه ... إن ذلك سيحرمه من النوم والراحة فهو لا يجد وقتاً بالنهار ولا يهون عليه أن يكلف نفسه جهداً بالليل رغم أنه حين يحتاج زيادة بذل في عمل الدنيا للحصول على منفعة عاجلة فإنه يجد لدية الطاقة التي يبذل بها الجهد أما ما يرتبط بآخرته فإنه يضعف أو يكسل وما هذا إلا بسبب تعظيم منافع الدنيا والزهد في منافع الآخرة والجهل بأن الآخرة لابد لها من بذل شديد وليس مجرد حركة رتيبة لا تعود على الروح بثمرة , وغاية ما فيها أنها تعطى لظاهر الإنسان رسم العبودية دون أن يتحقق بحقيقتها التي تعنى أن يبذل الإنسان آخر ما عنده وأقصى جهده لرضا مولاه ولا يتوقف إلا حين يكل من الحركة فيكون وقوفه حينذاك وقوفاً يستمد منه زاداً للحركة مرة ثانية ..

وانظر كيف خاطب الله نبيه صلى الله علية وسلم
فقال " فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ {7} وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ {8}" ' سورة الشرح'
قال ابن مسعود : أي إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل .

وقال ابن عباس : أي إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء.

وقال مجاهد : إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك.

وقد دعانا ربنا أكثر من مرة لبذل الجهد وسرعة في العمل كسرعة الخيل ورباط المعركة لا ينفك

فقال " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{133}" 'سورة آل عمران '

ثم قال عز وجل " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ{142}" 'سورة آل عمران'

فيا من تسعى إلى الجنة ,كيف يكون سعيك ؟ وكم يكون جهدك ؟

ويا من تريد النوم والراحة , غداُ ستنام في القبر طويلاً وبعده سترتاح في الجنة كثيراً وما الدنيا إلا أيام قصيرة تنتهي سريعاً ستراها يوم القيامة يوماً أو بعض فلا تستعظم جهداً تقدمه ولا تتأفف من تعب تبذله ولا تتألم لنعيم تفقده ..

فالتعب الحقيقي ستراه غداً يوم الحشر تحت ظل الشمس وقوفاً طويلاً فاتعب نفسك اليوم لتريحها غداً .

واعلم أن من الناس من يجد لذته وسعادته في تعبه وكده وسعيه في طاعة مولاه لأنه يملك قلباً مستنيراً بنور الله أضاء له فرأى الحق وأحبه ورأى الباطل وأبغضه وعلم حقيقة الدنيا وقد قال عز وجل" كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {219}فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" 'سورة البقرة'

وكل من تفكر وعلم أن " وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {17}"سورة الأعلى فسوف يجتهد في طلبها ويبذل كل ما في وسعه من جهد في كل ما يقربه لربه ..

وقد كان سلفنا الصالح يجتهدون أشد ما يكون الجهد في طلب الآخرة حتى روى عن أحدهم أنه لو قيل له ستموت غداً ما أستطاع أن يزيد في عمله ..

فــرح مـونـي



3- لا تكن جحوداً لربك

علام كان القسم بما سبق ؟ وعلى أي شيء يقسم ربنا ؟

لقد أقسم الله على كون "الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6}" أى جحود كنود لنعمته وقبل أن نعرف حقيقة هذا الكنود , نريد أن نعرف معنى ارتباط القسم بالمقسوم عليه , فالقسم كان بأداة من أدوات الجهاد إشارة لأهمية وشرف الجهاد , فما ارتباط الجهاد بجحود الإنسان لربه ؟

إن الجهاد في حقيقته هو بذل الجهد في طاعة الله ...

فكأن الإنسان حين يشح بالجهد المطلوب منه فيما أمر فإن هذا هو حقيقة الكنود وأصل الجحود فهو يستوفى حقوقه وماله عند الله ولا يوفى حق الله عليه ..

فالله تعالى أعطى بربوبيته للإنسان كل ما يحتاجه لتستقر حياته في الأرض فلم يمنع عنه الرزق ولو مع كفره به ولم يطمس ضوء الشمس لحظة ولو مع معصيته له , فلم يقصر في أداء حقه وإن لم يطلبه ولكن الإنسان لم يؤدى ما عليه من حقوق لربه وإن كانت لا تقارن بنعم الله عليه فقال تعالى " كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ {23}" 'سورة عبس'

وقد فسر العلماء ( الكنود ) بتفسيرات شملت كل معانية ودرجاته لأن الكنود درجات يتفاوت الناس في الاتصاف بها لكن أصل الكنود موجود في نفس كل إنسان لأنه مجبول عليه فهو مركز في طبعه لذلك عبر الله تعالى بقوله " إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ{6} " فكأن اللام المصاحبة لقوله " لِرَبِّهِ " و" لَكَنُودٌ " فيها إيحاء بالتباس هذه الصفة بذات الإنسان كأنها ملاصقة له ولا ينفك عنها ..

لذلك ينبغي معرفة معناها وحقيقتها لتوقي نتائجها و التحرز من معاملة الله بها فكل نفس مطبوع فيها خصال الخير والشر وقد قال تعالى " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَد ْأَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} " 'سورة الشمس'

فكل منا قادر أن يتوقى شر ما جبلت عليه نفسه من خصال الشر وذلك بتزكيتها بالإيمان والعمل الصالح ( وقالوا " الكنود" هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم) وهذا مظهر من مظاهر الكنود والجحود المتعارف عليه بين البشر بعضهم البعض
فإن الأب حين يغدق على أبناءه بكل ما يحتاجوه بل وأكثر ولا يمنع عنهم حقاً واحداً ثم حين يسيء أحدهم الأدب يضربه أو يعنفه ويقسوا عليه وقد يحرمه بعض ما يريد ليربيه على قوة التحمل ..
فإن هذه المعاملة من الأب وإن كانت في ظاهرها القسوة فإن في باطنها الرحمة ومع ذلك هي في ظن الأبناء عذاب أليم ومصاب شديد .
وما كان عليهم إلا أن يحسنوا الظن بأبيهم لو أنهم عرفوه حق المعرفة أنه أب حكيمٌ عادلٌ فإذا لم يحسنوا الظن فعلى الأقل يذكروا إحسانه كما ذكروا ما ظنوه إساءه منه لهم , فإنهم سيجدوا أن إحسانه أعم وأشمل ..

أما حين ينسى الأبناء كل ما قدمه الآباء لهم من رعاية لمجرد صدور ما يظنوه إساءة لهم وقسوة عليهم فإنه قد تعارف بيننا أن نسمى هذا الفعل منهم بجحود أو( قلة أصل ) فما بالك لو كان هذا المسلك يتعامل به الإنسان مع ربه وخالقه ..

وقلما تجد إنسان يرى في أي زاوية من حياته نعم الله علية كما يرى ما حرم منه , فدائمًا ينظر إلى ما حرم منه أكثر مما أعطي ,وإذا نظر إلى نعم الله عليه فإنه لا يعرفها إلا في وقت الرخاء وأما في وقت الشدة فقلما تجد الإنسان يتذكر نعم الله عليه وقت المصيبة إلا من رحم الله
فقد روى أن رجلاً أتهم ظلماً وتعرض للسجن فأرسل إلى أحد العلماء الصالحين طالباً منه الدعاء فأرسل إليه قائلاً أشكر الله ، ثم إن الرجل حكم علية بالسجن فأرسل للعالم أنه قد سجن فبعث إليه قائلاُ أن أشكر الله ثم أنه قد حبس معه رجل مجوسياً وقد قيد معه بقيد واحد وكان هذا المجوسي به داء ببطنه فكلما دخل الخلاء جر الرجل معه فأرسل الرجل إلى العالم الصالح يخبره بذلك فأجابه قائلاً أشكر الله أن ما به ليس فيك فأنت مسلم وهو مجوسي .

وفى الصحيح أن بعض الصالحين مر برجل مقطوع اليدين والقدمين يذكر الله ويثنى عليه قائلاً: الحمد الله الذي فضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً فسأله الرجل وما الذي فضلك الله به عن غيرك ؟
قال أن أعطاني لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وجسداً على البلاء صابراً ..

ولكن متى يرى الإنسان النعمة إذا كان لا يعرفها أصلاً فكم من مالكاً للمال ولا يرى أن المال نعمة وكم من مالكاً للأولاد ولا يدرى أنهم نعمة حرم منها كثيرون وأعطيها هو,
وكم من مالكاً للصحة أو سلامة البدن من الأمراض أو مالكاً لنعمة الستر على العيوب ولا يرى أنها نعمة , وكم من مالكاً لطاقات تمكنه من نفع غيره من الناس ولا يراها بل ولا يعرفها ,

وأن هذا أشد جحوداً ممن قبله وأشد منه جحوداً من قالوا عنه "الكنود" هو الذي يرى النعمة ولا يرى المُنعم ,وذلك لأنه يرى النعمة من نفسه أو من أعوانه فقد يحصل الإنسان مالاً أو جاه أو منزلة فيرى أنه وصل إليها بذكائه وجهده أو بمعاونه أبيه ورعاية فلان ونصح فلان وقد يرى أن الحظ هو الذي أسعفه والفرصة أتيحت له وينسى أو يجهل أن كل ما وصل إليه فهو من مالك الملك وأنه سبحانه هو الذي يملكه ويملك نفعه أو ضره ولا يتم شيء في الكون إلا بإذنه إنه حين يغيب ذكر الله عن قلوبنا ونجهل عنه هذه الصفات فإنه حتما سيؤدى بنا إلى هذا الجحود .

وقالوا "الكنود"هو الذي يستعمل نعم الله في معاصيه وهذا أشد جحوداً من كل ما سبق , فما أعطانا الله النعم إلا لنعرفه بها ونستدل بها عليه ونصل بشكرها إليه , فإذا أخذ الإنسان نعم الله واستعملها في معصيته فيفسد في الأرض وقد أمر بإصلاحها ويحارب الله بنعمه وقد أمر بطاعته فما هذا إلا عين الجحود " وقلة الأصل "

إنك حين تستشعر معنى هذا الجحود وأنت تعصى الله فإنك سوف تستحي من ربك أن تأخذ منه مالاً تنفقه في الحرام وتأخذ منه صحة لتستعين بها على معصيته ...

وقد يسلب الإنسان النعمة التي عصى الله بها فيعاهد الله أن يحسن الأدب مع مولاه في نعمته إذا ردها إليه , فإذا أعادها الله إليه عاد مرة ثانية إلى معصيته , أليس هذا منتهى الجحود وقلة الأصل من الإنسان لربه

لذلك فإن مثل هذا الإنسان الجحود مهما رده الله إلى نعمه ارتد بها إلى المعصية والمخالفة ,حتى لو أنه دخل نار جهنم وذاق عذابها ثم طلب العودة إلى الدنيا فإنه حتماً سيعود إلى ما كان عليه من الإعراض عن ربه ومخالفته على رغم ما ذاقه من الحرمان والعذاب
وفى ذلك قال تعالى : " وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " 28 'سورة الأنعام'

وكان من الصعب لمن يسمع هذه الآية أن يتخيل هذا الخبر الذي يحكيه فكيف لإنسان يذوق ألم نار جهنم ثم يستطيع أن ينسى شدة عذابها ويعود إلى الأسباب التي تدخله فيها مرة أخرى ,

إن السبب الوحيد الذي يفسر ذلك هو هذه الصفة المركوزة في نفسه أنه جاحد بطبعه متأصل فيه صفة "الندالة" فمهما أوتى من فرص وإكرام لا يغير هذا من طبعه ..

وقد سبق أن رأينا في الدنيا هذا الجحود متأصلاً بوضوح في فئة خاصة من البشر وهم اليهود , حتى كانوا يستقبلون كل نعم الله عليهم بهذا الجحود , بل وأعلنوها واضحة صريحة قائلون " قُلُوبُنَا غُلْفٌ " 'سورة البقرة' فلا يؤثر فيها المعروف ولا تحفظ الجميل ..

فإذا خطر ببالك حين تعصى ربك بنعمته إنك تشبهت بسبب هذا الجحود بأحقر خلق الله المغضوب عليهم , بل وقد تشبهت بإبليس الذي أنعم الله عليه بالمنزلة العالية ثم كان منه ما كان من العصيان فإن هذا الشعور قد يكون خير زاجراً لك عن المعصية .

فــرح مـونـي


4- تب إلى الله ولا تكن شاهداً على نفسك

قال العلماء إن المقصود بقوله تعالى " وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ" أن الإنسان يشهد على نفسه بالجحود الذي يعامل به ربه وذلك إما بمقاله أو بفعله ..

فهذا الذي يتكلم دائماً عما حُرم منه وعما يقاسيه من مصائب ولا تراه ذاكراً لنعم الله عليه أو حامداً لها بقدر ما يذكر من مصائبه إن هذا المقال يقوم مقام الشاهد عليه يوم القيامة ,وكذلك حين لا يحسن معاملة من له حق عليه فإنه يشهد بفعله هذا على نفسه بالجحود لربه الذي أمره ونهاه , فأنت شاهد على نفسك إما بحالك أو مقالك ..

كالمرأة التي كلما ذكرت زوجها فإنها تعدد مساوئه أكثر من ذكرها لمحاسنه , أو أنها تسيء معاملته مع إحسانه لها , فهذا جحود وذاك جحود ..

وكذلك الرجل حين يُسئل عن حاله في عمله وأسرته فإنه يذكر دائماً ويتكلم عن السلبيات والمعوقات والمتاعب التي يجدها , وقلما تجد إنسان يذكر مميزات من حوله بقدر ما يذكر عيوبهم ..

فتب إلى الله وطالب نفسك بالشكر على النعمة والصبر على المصيبة وأحسن الظن بمولاك فيما ابتلاك فهو القائل " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ " 'آية 216 سورة البقرة'

وإياك أن تنسيك المصيبة رؤية نعم الله عليك ..

وذكر نفسك أن الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء وإنك لن تنال فيها كل ما تريد وإن نعيمها لا يكمل أبداً فإذا أصابك منها خيراً من وجه أصابك شراً من وجه آخر وهكذا لا توجد نعمة كاملة أو خير مطلق إلا في الجنة , وكذلك لا يوجد شراً مطلق إلا في النار فكل خير في الدنيا يصاحبه شر من حيث لا تعلم , فلا تخلو نعمة من المكدرات والمنغصات فلا تطلب التمام والكمال إلا في الجنة ..


*** ***


5- اعلم ما هي أسباب الكنود



حين ذكر الله تعالى " إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ " ، " وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ " وأتبعه بقوله " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ " قال العلماء إن هذه الآية تجرى مجرى السبب لما قبلها فإن حب الإنسان للمال أو حبه للمنافع هو سبب كنود الإنسان لربه ..

فالإنسان حين يحب المال فإنه سينشغل به عن أداء حقوق الله عليه وكان شغل الإنسان عن ربه هو سبباً موصلاً للجحود لأنه لولا محبته ما انشغل به عن مولاه فالنعمة إما أن تنشغل بشكرها أو تنشغل بنفعها ,

فإذا أحببت نفعها سعيت في تحصيلها فأشغلك ذلك عن شكرها باستخدامها في طاعة الله ..

ومن هنا نعلم لماذا شغلتنا الوظيفة والأولاد عن طاعة ربنا لأننا نكتسب المال حباً في منفعته ونربى الأولاد لأنفسنا من أجل ما يحقـقوه لنا من عز أو جاه وثناء حسن بين الناس ,

أما إذا أحببنا النعمة لكونها موصلة لرضا الله وجنته فحينئذ لن تشغلنا النعمة عن الله بل سوف تشغلنا به فيكون الإنسان دائماً مؤثراً لرضا ربه على رضا نفسه ..


*** ***


6- اعلم علاج الكنود



لما بين الله تعالى سبب الكنود وهو الحب الشديد للخير ومنافع الدنيا ساق لنا ما يهذب في قلوبنا هذه المحبة التي كانت سبباً في كنود الإنسان لربه فذكرنا بأن كل ما نسعى له من منافع الدنيا وخيراتها سنفارقه حتماً بانقضاء الأجل ولن ينفعنا إلا ما قدمناه لأخرتنا وكل نعمة شغلتنا عن الله ستكون خسارة علينا يوم القيامة ..
فقال تعالى " أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ{9} "

سؤال تقرير وتوبيخ ألا يعلم هذا الإنسان المحب للمال والمتاع الكثير في الدنيا أنه سيترك كل ذلك حين يدخل قبره ثم يرى كل ما جمعه وشغله يوم القيامة قد بعثرته الأرض فلم يعد له قيمة ولن ينفعه في ذلك اليوم أن يراه أو يجده قال تعالى " يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم{89} " 'سورة الشعراء'

فهذه الآية تعلمنا أن علاج كنود الإنسان وهو انشغاله بالنعمة عن المنعم علاجه هو تذكر الموت وما بعده ..

فإذا تذكرت الموت أنهدم في قلبك حلاوة لذات الدنيا ,,
وإذا تذكرت الآخرة وما فيها من شدائد ذهب عن قلبك الحرص والتعلق بمتاع الدنيا فمن أراد أن يعالج قلبه ويؤدب نفسه ويترك جحود ربه فليأخذ بهذه النصيحة القرآنية وليكثر من ذكر الموت وما بعده ..

فالتفكير في أحوال الآخرة يحيى القلوب الميتة ويزكى النفوس المريضة ويصل المقطوعين بربهم ويقربهم إليه بعد أن أعرضوا عنه ..

فــرح مـونـي


7- اعتني بقلبك وانتبه لباطنك

حين ذكر الله تعالى أن سبب جحود الإنسان لربه هو حبه الشديد للخير بحيث شغلته النعم عن المنعم , فإنه قد يدعى البعض أنه لم يكن مشغولاً بالنعمة لأنه محباً لها مؤثراً لنفعها وإنما كان مشغولاً بها حباً في الاستعانة بها على طاعة الله ..

كأن ينشغل الإنسان في أكثر وقته بالسعي على الرزق مهملاً أداء بعض ما افترضه الله علية معتذراً بكونه يفعل ذلك للتوسعة على أهلة ولكون ذلك ضرورة من ضروريات الحياة فيكسل عن طاعة الله أو لا يجد وقتاً يبذله لدينه لانشغاله في أكثر وقته بهذا السعي , فيظن أنه معذوراً في ذلك في حين تكون الحقيقة أن سعيه هذا إنما حباً لتحصيل المال والاستكثار منه أو طلباً لتحصيل المتع التي يجلبها المال ..

وقد يدعى طالب العلم أنه مشغول بطلبه لوجه الله وهو يطلبه للشهرة ولحب الجاه وثناء الناس,
وقد يدعى قاريء القرآن أنه يقرأه طلباً للأجر والثواب وهو يطلبه للسمعة ,
وقد تدعى امرأة أنها تحب فلانة أو تكره فلانة وتعطى هذا أو تمنع ذاك كل هذا إرضاء لله والحقيقة أن في كل ما سبق

حظاً للنفس ومراعاة لمصالح ومنافع عاجلة ..

" فنحن كثيراً ما نكذب ثم نصدق أنفسنا "


حتى يأتي بعض الناس يوم القيامة فيحلف الواحد منهم بالله أنه صادق وهو كاذب وما جرأه على الحلف أمام ربه وهو بين يديه إلا أنه كان يعتقد أنه صادق ..

قال تعالى " وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ {22} ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ {23} انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَل َّعَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ {24}" ' سورة الأنعام'

فما السبب الذي يجعل الإنسان يصل إلى هذه الدرجة من الضلال حتى يخفى عليه حال نفسه فيكذب وهو يظن أنه صادق

إن السبب هو عدم الاعتناء بحال القلب والنظر فقط لحال الجوارح فالإنسان عادة يراقب ظاهره أكثر مما يراقب باطنه ..

والظاهر قد ينقاد إلى أوامر الشرع دون التحقق بمعناها فقد يصلى الإنسان وهو غير خاشع وقد يتصدق وهو غير صادق , وهكذا قد يفعل شيء في ظاهره الخير وتكون نيته فيه بخلاف ما يظهر وهو لا يدرى , لأن النية محلها القلب و الإنسان إذا مرض قلبه انطمست بصيرته فيرى الأشياء بخلاف حقيقتها ..


وقد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن الحساب يوم القيامة سيكون بمقتضى علم الله بنا وليس بمقتضى علم الإنسان بنفسه فقال تعالى " وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ "
أي أظهر وأبرز
والتحصيل معناه إخراج اللب من القشر كناية عن ظهور ما سترته الصدور من نوايا ومقاصد

ثم قال تعالى " إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ{11} " تهديد ووعيد فالله خبير عليم بما في الصدور وسوف يجازينا بما يعلم يوم القيامة وقد كان عالماً به في الدنيا لا يخفى عليه شيء ولكنه كان يسترنا فلم يفضحنا إمهالاً لنا وحلماً علينا لعلنا نفيق ونفتش عن ما قد يكون كامناً في صدورنا من مفاسد ..

والله عز وجل إذا رأى من إنسان اهتمام بحال قلبه ورغبة في معرفة عيبه فإنه يبصره به ويعينه على إصلاحه

أما إذا كان الإنسان راضياً عن نفسه أو مراعياً لنظر الخلق فإن ذلك يحيل بينه وبين البحث عما قد يخالف ظاهره ويفسد باطنه ولذلك يتركه الله في جهله وضلاله


حتى إذا جاءت الساعة جمع الله ما في صدره وأظهره وميز بين الخير والشر وحاسبه على ما أبطن وليس على ما أظهر ..

فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نراعى من أنفسنا النوايا والمقاصد ونفتش في بواطننا لا في ظاهرنا ولتكن هذه الآية نذير لكل إنسان يدفعه أولاً أن يسأل الله تعالى إصلاح سريرته وعلانيته ومداواة عيوبه الظاهرة والباطنة

ثم يأخذ بأسباب توقيه شر ذلك وهى :

1- العلم بأحوال القلوب ودراستها حتى يعرف معناها وعلاماتها ليستطيع أن يستدل بها على أحوال نفسه ويعالج ما ظهر له منها .
2- عدم الرضا عن نفسه مهما ظهر له من صلاح في ظاهر حاله فلعله يبطن خلاف ما يضمر وهو لا يعلم فليكن دائماً حذراً من الثقة بعمله وحسن الظن بنفسه بل ينبغي أن يتهمها في غالب أوقاته .
3- عدم مراعاة نظر المخلوقين والاهتمام بمدحهم وذمهم لأن هذا سبباً في الميل إلى تحسين الظاهر لأنه موقع نظر الخلق .
4- توطيد الصلة بالله عن طريق معرفته بأوصاف الجلال والكمال حتى يحصل له من ذلك الرغبة والرهبة التي تدفعه إلى مراقبة الله عز وجل في كل ما يفعل .



اللهم أصلح لي نيتي وآتني قلباً سليما .. اللهم بصرني بعيوبي .. اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها ..
اللهم لا تجعل في عملي هذا من حظ النفس فيه نصيب
aben_eleslam


لا حرمنا الله منك ومن مواضيعك اختنا فرح ..

وابشري خيرا اختاه ان شاء الله ..

وبارك الله الله ..
وتقبل الله منا اجمعين صالح الاعمال ...


سلااااااااااااام
فــرح مـونـي
بارك الله فيك اخي ابن الاسلام




8- قيمة الشيء باستخدامه في طاعة الله

حين أقسم الله تعالى بالخيل .... خص الخيل المستخدمة في الجهاد دون غيرها من أنواع الخيول الأخرى التي قد تستعمل في غير ذلك .

فما نالت الخيل هذا الشرف إلا باستخدامها في الجهاد في سبيل الله ومنه يتبين أن قيمة الشيء باستعماله في طاعة الله تعالى ..

والإنسان حين يعطل نعمة الله فلا يستخدمها في طاعته فقد أفقدها قيمتها, وقيمة الإنسان بحسن صلته بالله .

فالعاقل من أطاع الله ولو كان دميم المنظر, رث الهيئة , دنيء المنزلة

والجاهل من عصى الله ولو كان جميل المنظر , حسن الهيئة , عالي المنزلة

فإذا أردت أن يكون لك قيمة فاتصل بالله اتصال عبودية .

وإذا أردت أن يكون لعملك قيمة فاقصد به وجه الله,

وإذا أردت أن يكون لأولادك قيمة فأدبهم على طاعة الله ,

وإذا أردت أن يكون لحياتك قيمة فاجعلها كلها دائرة على حسب أوامر الله ..


*** ***


9- اغتنم وقت الصباح

في تخصيص إغارة الخيل بوقت الصباح في قوله " فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا{3} " إشارة إلى فضيلة وقت الصباح وهو أول النهار ..

فهذا الوقت له خصوصية في ذاته بحيث تكون المنفعة المرجوة من العمل فيه أعلى من أي وقت آخر, و‏عن ‏ ‏علي ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال‏ قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم


"‏ ‏اللهم بارك لأمتي في ‏ ‏ بكورها" مسند أحمد ، سنن أبى داود ، سنن ابن ماجة ، سنن الترمذي ، سنن الدارمي.

فأخبر صلى الله عليه وسلم أن في هذا الوقت بركة بحيث أن كل من قام فيه بعمل ما, ناله من التوفيق والثمرة ما لا يدركه إذا قام بنفس العمل في وقت آخر ..

وقد ذكر الله إغارة الخيل في هذا الوقت ثم قال بعدها :

" فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا {4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا {5}"

وقد قال العلماء أن الضمير في قوله " بِهِ " عائد على وقت الصباح أو على العدو أو كلاهما أي أن بسبب الإغارة في وقت الصباح استطاعت الخيل أن تصل بسهولة إلى جموع الأعداء وتتوسط هذه الجموع وفى ذلك إشارة إلى تحقق النصر وكذلك بسبب عدوها السريع ..

مما يبين لنا أن من أراد أن يصل إلى هدفه ويُنصر على ما أهمه من أمر دينه أو دنياه فعلية ببذل الجهد والتبكير أول النهار.


*** ***

10- استعن بالله ولا تعجز



إن التعبير بوصف الربوبية فى قوله تعالى " إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ "

في موطن الجزاء والحساب وكشف الأسرار والخبايا وتحصيل ما في الصدور فيه ما يقوى العبد في طلب المعونة من ربه والحث على الاستعانة بالله ..

لأن الجزاء والحساب من مقتضى صفات الألوهية فكان من المتوقع أن يعبر بوصف من أوصاف الجلال في موطن المُسآلة والحساب وأن يعبر بلفظ الجلال الجامع لكل الصفات .

فالرب هو المـــــالك القـــــادر المـــــربى الرحـــــيم اللطـــــيف الكـــــريم ......

فالتعبير بلفظ الرب فيه تقوية لرجاء الإنسان في أنه حين يستعين بالله سيعينه وحين يرجو منه صلاحاً سيعطيه ..

فمن أراد أن ينتفع بكل ما سبق ذكره من فوائد فعليه أن يرفع أكف الضراعة إلى ربه وسيده ومالكه ومربيه والمنعم عليه سائلاً إياه أن يعطيه فيرزقه الجد والاجتهاد والنشاط في طاعته حتى يبذل أقصى جهده في الوصول إلى رضاه ..

وأن يرزقه في هذا الجهد سرعة كسرعة الخيل واستقامة وثبات في معركته مع الحياة حتى لا يتوقف عن ضعف ..

ويسأله سبحانه أن يزكى نفسه من الجحود حتى لا ينسى حق الله عليه ولا يقصر فيما طلب منه وحتى لا يشح بجهده أن يبذله لله ..

ثم يسأله أن يجعل حبه في قلبه أعلى المحاب حتى لا يحب شيء أشد من حبه لله فيشغله عن طاعة مولاه.

ويسأله سبحانه سلامة القلب ونقاء الباطن ويستعيذ به من النفاق والرياء ومحبطات الأعمال .

ويسأله أن يستره ولا يفضحه يوم الحساب وأن يغفر له ذنوبه ما ظهر منها وما بطن وما علم منها وما لم يعلم ..

ويسأله سبحانه أن يحاسبه حساباً يسيراً وأن يعفو عنه ويتجاوز عن سيئاته ...



أسأل الله لي ولكم الهدى والتقى والعفاف والغِنى .. اللهم اجعلنا من السابقين إليك بالخيرات .. المبادرين بالطاعات .. الفائزين بالجنات

وأصلى وأسلم على سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وآله الأطهار الطيبين و صحبه المقربين .. والحمد لله رب العالمين


أيمن أبوكراع المحامى
جزاكم اللهم كل الخير أخيتنا الكريمة وجعله اللهم فى موازين حسناتكم
ونفع بكم أينما كنتم وأعزكم الله بالاسلام وأعز الاسلام بكم000 اللهم أمين
amr abdelnaby
بارك الله فيك أخت فرح ولكن يمكنك أن تقرأي فهما مخالفا تماما لهذا الفهم المنتشر على هذا الرابط
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=83
والذي يقول أن العاديات هي السحب وليس لها أي علاقة بالخيل أو الجمال!
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.