المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: *** إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية ***
منتدي الحلم العربي > القسم العام > مكتبة الحلم العربي
عبدالله سليمان
الدكتور أحمد عكاشة يكتب: «إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية» «١ -٣» المصري المهاجر في أرضه.. المقيم في بلد ليس بلده

١/٩/٢٠٠٨



طلب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار من الدكتور أحمد عكاشة، الخبير النفسي العالمي، إعداد دراسة عن الشخصية المصرية وما طرأ عليها خلال العقود الأخيرة.

وجاءت الدراسة بمثابة تشريح دقيق لهذه الشخصية وتصرفاتها وطريقة تفكيرها، وعلاقة ما يصدر منها من سلوكيات، بالسلطة وقراراتها والجو العام المحيط بحياة المصريين.. وهنا نعرض نص الدراسة:


كلنا نشكو، ولنا جميعاً الحق في شكوانا. وإذا كنا نحس أسفاً علي ما آلت إليه أوضاعنا الأخلاقية وما آلت إليه قيمنا مما يمس الضمير العام، إلا أننا جميعاً خلال التعبير عن هذا الأسف،

ننسي أن ما نشكو منه هو في واقع الأمر نتاج لما حدث علي مر السنين، بمعني أن ما يشكو منه البعض ـ وهو طرف فيه أو شاهد عليه ـ قد يتجاهل أصحابه تماماً أن لهم بالمثل ممارسات يمكن أن تكون مثار شكوي آخرين،

ومن هنا يصبح علي المجتمع كله أن يتفق علي أن الإصلاح وتدارك الأخطاء وإيقاظ الضمير العام مسؤولية جماعية تضامنية، ودون ذلك لا أظن أن الضمير العام سيسلم من اتساع الثقوب، التي كلما حاولنا رتقها أخفقنا بل فوجئنا بالمزيد من الثقوب.

إن الأخلاق والضمير والقيم تتأثر بما يحدث في المجتمع، وضمير المجتمع ينشأ ويتطور وينهار حسب المعطيات المتواجدة في هذا المجتمع، وإذا نظرنا إلي ما حدث في الضمير المصري خلال نصف القرن الأخير لوجدنا تحولاً واختلافاً وانهياراً في القيم والضمير العام، والأسباب متعددة لهذا التدهور من عدم الإحساس بالمواطنة،

انخفاض درجة التضحية في سبيل الغير، التمركز حول الذات، الفقر، التفكك الأسري للهجرة والبحث عن الرزق، البطالة، الازدحام، حال التعليم، عدم توافر العلاج للأغلبية، الفهم الخاطئ للدين، عدم الشفافية، عدم المساءلة، عدم وجود العدل أو الفرصة بالتساوي، السماح بالرشوة العلنية، والغش وعدم احترام القانون كذلك تدهور هيبة الدولة،

انتشار الفساد، عدم تطبيق القانون والدستور الذي يتأرجح بين الاشتراكية والرأسمالية، و٥٠% عمال وفلاحين وتحول الدولة إلي قوة بوليسية، وعلي رأس ذلك عدم وجود القدوة سواء في الأسرة أو الحزب الحاكم أو المدرسة أو المجتمع، وسنحاول هنا أن نجد الحلول للنهضة في ضمير المجتمع، لأنها عملية تبدأ من القمة إلي القاع.

* كيف ينشأ الضمير العام؟

يولد الطفل بريئاً، تلقائي التصرف، سليم الطوية. وفي سنوات التنشئة الأولي يتكون لهذا الطفل ضمير هو في الواقع رافد من ضمير والديه، فمن خلالهما يعرف قاعدة الثواب والعقاب، إذا أحسن ـ من وجهة نظر والديه ـ يثاب، وإذا أساء ـ من وجهة نظر والديه أيضاً ـ كان العقاب.

والطفل في جميع الأحوال يعجز عن استيعاب مفاهيم الوطن أو الخير والشر أو العقيدة الدينية، إلي غير ذلك مما ينطوي عليه ضمير الراشد، وهكذا يكون ضمير الطفل مرآة لوالديه، حتي إذا بدأت مراحل النمو في التقدم بالعمر،

والتعليم والمخالطة الاجتماعية بدأ الضمير في التكون، ليتسق ضمير الفرد مع قيم المجتمع وتقاليده وأعرافه الاجتماعية، وقبل ذلك المعتقدات الدينية. وهناك من الأفراد من يتوحد مع هذا كله، وهناك من يمكنهم تكوين ضمير خاص بهم لا ينفصل عن الضمير الكلي للمجتمع، ويكون صاحب هذا الضمير الخاص قادراً علي أن يتناول ما يسود مجتمعه بنظرة نقدية،

إضافة وتعديلاً أو رفضاً أو توكيداً، وهذه الفئة من أفراد المجتمع يتوهج ذكاؤهم وتنفسح ثقافتهم، بحيث يتجاوزون المتاح للآخرين من معارف، هكذا الأنبياء والفلاسفة والعلماء والمفكرون علي حين تبقي الأغلبية الشعبية متوحدة مع الضمير الاجتماعي العام ذلك العنصر المؤثر في ضمائر الأفراد.

ولست أجد معني للضمير ـ عاماً كان أو خاصاً ـ إلا هذا التعبير القرآني العظيم (النفس اللوامة)، الرقيب الخاص داخل كل إنسان أو «الأنا الأعلي» التي تحاسب الإنسان في داخله حساباً عسيراً عما بدر منه من ممارسات وسلوكيات يأباها الضمير العام أو الخاص،

ويشكل الضمير العام في المجتمع هذا الحاجز الصلب المتين، أمام ألوان الانحلال والفساد والآثام والجرائم، كما يختلف التزام الأفراد بهذا الضمير العام في المجتمع عن التزامهم أمام الخالق ـ سبحانه ـ مخافة غضب الله والعقاب في الآخرة، فهل ثمة ما يمكن أن ندعوه قياسات الضمير الاجتماعي العام؟

* محاولة للإجابة

يتعرض الضمير الاجتماعي العام إلي هزات وقلاقل، وعلي قدر عنفها أو بساطتها يتبدي لنا حجم الأسف علي ما اعتري هذا الضمير العام من عطب، أو ما لحق به من ثقوب أصبح ينفذ من خلالها، ما لا يجوز أن يغض الضمير الاجتماعي العام الطرف عنه، بينما كان في الماضي لا يقبله ويأباه مستنكراً. فنحن جميعاً نذكر ـ خاصة أصحاب الأعمار المتقدمة ـ أن الدهشة كانت تعترينا إذا سمعنا من يحكي في استنكار أنه توجه لمرفق حكومي لقضاء مصلحة هي من حقه،

فإذا الموظف ـ صغيراً كان أو كبيراً ـ يفاجئه بطلب رشوة ـ مادية أو عينية ـ حتي يقضي له مصلحته، كذلك كان من النادر أن يستجيب صاحب الحاجة لمثل هذا الابتزاز، فضلاً عن إصراره علي قضاء مصلحته دون أي مقابل، وقد يحذر هذا الموظف علناً من مغبة هذا المسلك المشين.

والآن يأتي السياق مخالفاً تماماً لما كان عليه في الماضي، فصاحب الحاجة ـ أي حاجة ـ يحكي بدهشة عن أنه ذهب لقضاء مصلحة ما، وأنه قد أجيب إلي ما أراد دون أن يطلب الموظف مقابلاً عينياً أو مادياً، وقد يواصل صاحب الحكاية حكايته فيصرح بأنه كان علي استعداد لدفع أي شيء يطلب منه، فهو حين قصد هذه المصلحة الحكومية قد وقر في نفسه أن «الدفع» أمر معتاد، وكأنه قد أصبح القاعدة، والقاعدة قد أصبحت الاستثناء.

دهشة المستمعين إلي صاحب الرواية الأولي كانت معبرة عن صلابة هذا الجدار الفولاذي، أو الضمير الاجتماعي العام الذي يأبي ما يحدث، ودهشتهم في الرواية الثانية للرواية تكشف عن أن هذا الجدار، أعني الضمير الاجتماعي العام، قد تم اختراقه واعتورته الثقوب، إلي الدرجة التي سمحت بأن تكون الرشوة هي القاعدة، فلا شيء دون مقابل.

* حتي إذا اتسع الخرق

وثمة ما هو أدهي وأمر، وهو الانتقاص من حقوق الآخرين، فيأخذ من لا حق له ما هو من نصيب غيره، أليس هذا ناقوس خطر ينذر بأن الثقوب في الضمير الاجتماعي العام قد اتسعت، طالما نسمع مثل هذه الروايات دون أن تظهر علينا أمارات الاستغراب والدهشة؟

بل قد نعتبر ما نسمعه من الأمور المعتادة هذه الأيام، كما قد تصل مأساة الضمير الاجتماعي العام إلي حد النطق ببعض العبارات التي تنطوي علي شيء من الإعجاب «بشطارة» فرسان هذه الحكايات وفهلوتهم.

والمعني العام الذي أريد تأكيده أن ما يصيب جدار الضمير الاجتماعي من ثقوب ـ ضيقة أو متسعة ـ هو أمر جدير بالمراقبة والمتابعة، علي أن تكون هذه المراقبة جماعية كي نسد هذه الثقوب، بل علينا ـ وهذا أضعف الإيمان ـ أن نضيقها كلما أمكننا ذلك.

وهذا لن يتأتي إلا إذا عمل كل منا علي إيقاظ هذا الضمير الاجتماعي العام، بالحرص علي أن يطمئن الضمير الفردي أولاً ـ رافد الضمير الاجتماعي العام ـ إلي أن الثقوب الضيقة أو المتسعة لم تخترقه.

* أعذار لغياب الضمير العام

ولا شيء يحدث اعتباطاً، كما أن النظرة المتأملة المحللة لن تقدم الوسيلة إلي التعرف علي الأسباب التي تؤدي إلي ثقوب الضمير الاجتماعي العام واتساعها. ولا شك أن حياتنا قد تعقدت ولم تعد هي تلك الحياة البسيطة التي كنا نحياها في الماضي،

والتي كانت تحكمها أعراف تنطوي علي قيم جليلة كالتواد والتراحم والحرص علي احترام إنسانية الآخرين، حين كان المجتمع يطرح الفردية والأنانية الذاتية، وحين لم يكن شعار «أنا ومن بعدي الطوفان» قد ارتفع بعد، وحين لم نكن نعرف هذا التسيب العارم الذي اجتاح حياتنا المعاصرة.

أما الآن فقد تعقدت الحياة، وبات العالم كله يضج بتطور مفاجئ لاهث تنعكس آثاره علي كل مجتمعات الدنيا، بعد أن لحق الخلل والعطب الصفات الأخلاقية العامة، ومجتمعنا بالتأكيد هو مجتمع ينتمي إلي الأسرة الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل، ويتأثر هو الآخر بما عند الآخرين بعد أن قربت المسافات وأصبح العالم كله قرية صغيرة كما يقولون، وهذا التأثر الخارجي يضاف بدوره إلي التطورات التي يشهدها مجتمعنا علي مختلف الأصعدة.

* القدوة

ولابد أن نعترف أن مجتمعنا الآن باتت تعوزه القدوة، فالأفراد يعرفون ويسمعون الكثير عن انحرافات تؤرق ضمائرهم، بل هم يرونها تقع في أوساط ومستويات كان الأولي أن تتسم بالنزاهة، كما يشهدون أن العقاب قد يلحق بالبعض دون البعض الآخر، علي حين يناشد الموسرون العامة شد الأحزمة علي البطون! من ليس عنده يؤخذ منه،

ومن عنده يعطي ويضاعف له العطاء! البعض يأمر دوماً بالمعروف وينسي نفسه! الخطب في الشعائر الدينية لا تقدم للناس تفسيراً مقنعاً لما أصاب المجتمع من عطب!

والحلول إما شعارات غوغائية أو غير واقعية، أو هي لا حلول علي الإطلاق، أو هي جديرة ببثها في مجتمع من الملائكة، ثم إذا الناس يداهمون بما يجرح مشاعرهم لما تحمله بعض الوقائع من مفاجآت بعد أن أحسنوا الظن، فإذن حسن الظن هذا لون من الغفلة أو الغيبوبة، والإعلام ـ ولاسيما المرئي منه ـ أصبح يعني «بالشطارة» أكثر مما يعني بقيمة العمل... فهل من قدوة نقتفي أثرها؟؟

* الانتماء الذي يتحدثون عنه

كلنا نستشعر الآن أن المواطن المصري قد أصبح جزيرة منعزلة مستقلة عن الوطن، يشعر بوحدة غريبة وانكفاء علي الذات دون أن يجد حلاً أو مهرباً خاصاً لمشاكله، الأقرباء والجيران والأصدقاء والمعارف لم يعودوا عزوة المواطن، بل باتوا إما غرباء عنه أو انقلبوا خصوماً له في بعض الأحيان... وترتفع بين الحين والحين شعارات من قبيل «إعادة بناء المواطن المصري» و«الانتماء.. كيف يتحقق» إلي غير ذلك من الشعارات..

والذين يتحدثون عن انتماء المواطن المصري لا يهتمون كثيراً بالبحث عن دور هذا المواطن في وطنه، ولا ينادون بتدارك وتلافي الأسباب التي حدت بهذا المواطن إلي أن يصبح جزيرة منعزلة، نحن أمام مواطن ليس له بالفعل أي دور في مجريات أمور وطنه.

ومازال أصحاب نظرية أن الشعب قاصر، والحكام هم الأوصياء عليه متمسكين بنظريتهم، نشيطين في تطبيقها بكل الوسائل وفي كل ما يمس حياة المواطن، يريدون من المواطن أن يحتشد كلما دعت حاجتهم هم إلي الاحتشاد، ويلزمونه بأن يتفرق عن غيره،

وينصرف إلي نفسه إذا انتفت الحاجة ـ حاجتهم هم أيضاً ـ إلي احتشاده! يقررون أبسط أمور حياته اليومية والعامة وأعقدها، ويؤكدون له أن سائر الشؤون ليست شؤونه! إذا كانت للدولة مشكلة مع المواطن كانت هي المشكلة الأولي صاحبة الأولوية المطلقة، أما إذا كان للمواطن مشكلة مع الدولة فهي آخر قوائم اهتماماتهم،

هذا إذا عنيت بها أصلاً، وعلي المواطن أن يدفع للدولة ما تقرره حقاً لها فيما يملك؟ وإذا ثبت أن له حقاً فلا يسترده ـ ولو حدث بطريق الخطأ أن حصل عليه فدونه عناء وعنت يشق علي نفسه وروحه المنهكة أصلاً! وهل قرأ أحدنا بعناية عقداً وقعه المواطن مع الدولة نظير انتفاعه بخدمة من خدماتها ودفع المقرر عليه كعقد التليفون أوالكهرباء مثلاً؟

هل قرأ أحدنا بإمعان وتأمل جيداً كيف هو عقد إذعان غريب؟! لقد دفع المواطن من ماله مقابل انتفاعه بالخدمة التليفونية، ومن حقه أن تكون هذه الخدمة مكفولة له سليمة مادام قد دفع! لكن المرفق الحكومي الذي أبرم المواطن معه هذا العقد، يري أن يذعن المواطن بالدفع دوماً وعدم التوقف عن ذلك مهما كانت الأسباب، حتي ولو كانت هذه الأسباب تعطل خطه التليفوني وتوقف الخدمة! مصالحه لا تعني أحداً في هذا المرفق الحكومي إذا تعطلت!

والمال الذي يدفعه بلا مقابل من خدمة هو حلال علي هذا المرفق الحكومي الذي يحرص علي احتكار تقديم هذه الخدمة التليفونية منفرداً في الوطن بلا منافس!

وليس العيب هنا مبدأ احتكار الدولة لخدمة من الخدمات أو سلعة من السلع، لكن العيب أن يكون هذا الاحتكار مقروناً بهذا الاستبداد الشديد، وفي دول كثيرة من العالم ـ بل كل دول العالم ـ تري حكوماتها احتكار خدمات وسلع بعينها، لكنها تحرص أولاً علي الوفاء بواجباتها أمام المواطن الذي يدفع مقابل الخدمة والسلعة المحتكرة!

وهكذا تتنوع الخبرات المرة لهذا المواطن المصري، إلي الحد الذي يجعله غير عابئ بشيء في الوطن بدءاً بحقه الانتخابي وانتهاء بحرصه علي عدم الإسراف في استهلاك المياه، هذا إذا توافرت في صنابير منزله أصلاً.

فإذا حدث أحد هذا المواطن عن أمر من الأمور العامة بادر محدثه علي الفور «يا عم.. يعملوا اللي يعملوه.. البلد بلدهم» يقولها هذا المواطن دون أن يفسر لك بلد مَنْ الذين جعل البلد «بلدهم»!

وقد نجد مواطناً آخر وقد اتسم بالعدوانية الشديدة علي كل ما يمت للملكية العامة بصلة، يحطم أو يمزق هنا وهناك إذا لاحت له الفرصة، يتهرب من ضريبة واجبة أو يغافل محصل سيارة النقل العام، وإذا استطاع اقتلع شجرة نابتة في الشارع، أو يدهس النجيل الأخضر عمداً أو عن غير عمد!

* وأين الهدف العام؟

كثيراً ما تصادف الذين يترحمون علي الماضي الذي يعني بالنسبة لهم كثيراً من المعاني الجميلة التي يأتي الانتماء علي رأسها، وربما لا ينتبه هؤلاء إلي أن الأفراد في الوطن كانت تربطهم خلال هذا الماضي جميعاً أهداف واحدة، وأن هناك هدفاً بعينه كان نصب عيون المصريين جميعاً، وهو هدف تحقيق جلاء الإنجليز عن مصر، وحل القضية الوطنية بالاستقلال.

كانت هذه القضية هي الوطن، والوطن هذه القضية، فذاب المصريون جميعاً، وانصهروا في بوتقة واحدة عندها، ولم يكن هناك ما يدعو إلي مناقشة فكرة الانتماء علي الإطلاق، من الفلاح الأمي في قرانا، إلي دارس الدكتوراه داخل مصر وخارجها.

ولم يكن هذا الانتماء الصلب للوطن من صنع أحد، أو وقفاً علي طائفة دون أخري، إذ كان الهدف واضحاً معلناً، وكانت الصفوة تؤدي أمام الأغلبية دور القدوة.

لم تعد بنا حاجة إلي الحديث عن انتماء المصري لوطنه، لشعورنا جميعاً بأنه ليس لنا هدف يجمعنا، وأن ما يعلن علي الناس من أهداف هي غير واضحة، أو أن الذين يروجون لهذه الأهداف بيننا لا يعملون بإخلاص من أجلها! أو هي أهداف منفصلة عن المواطن انفصالاً شديداً بحيث يستوي تحقيقها أو عدم تحقيقها.

وما الذي جعل الفلاح المصري المنتمي إلي الأرض تاريخياًـ حتي إنها لم تكن تعد أرضه فحسب بل عرضه ـ يهجرها إلي البعيد القريب داخل الوطن في العاصمة والحواضر، أو البعيد البعيد خارج هذا الوطن؟! كان هذا الفلاح منتمياً إلي أرضه، منكفئاً عليها راعياً لها مدافعًا عنها، عندما كانت هذه الأرض توفر له قوته وقوت عياله وتفي بمتطلبات حياته.

وقد أرهقناه لسنوات طويلة بمختلف الطرق والتجارب والنظريات والبدع، حتي انتهي إلي الإحساس الحاد بأن البقاء علي هذه الأرض لن يقيم حياته ولن يوفر له القوت.. فكان أن هجرها إلي حيث يستطيع أن يجدها هذا القوت، ولو فارق بلدته وعزوته وامرأته وولده، بكل ما ينجم عن ذلك من آثار مدمرة علينا وعليه!

وما يفعله هذا الفلاح المصري الآن: هو ما يفعله كذلك المتعلم ابن المدينة بالهجرة من الداخل، مغترباً عن المجتمع، هارباً إلي التطرف أو العنف أواللهو الإجرامي، أو مهاجراً إلي الخارج بحثاً عن حياة كريمة عزت عليه في وطنه، ليبقي الانتماء الذي يتحدثون عنه دون مضمون حقيقي، أو هو مما تلوكه الألسن فحسب!

* هدف عام لكنه خاص

لقد أصبحنا نسعي إلي الهدف العام جميعاً كل بطريقته. أما الهدف العام فهو الحصول علي ما يكفل لكل واحد منا مواجهة التزامات الحياة التي تتزايد أعباؤها ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم! بينما هو في واقع الأمر الهدف الخاص جداً، فقد أصبح علي كل مواطن أن يتدبر أمره، وينظر حوله منقباً عن مصادر دخل تتيح له الاستمرار في هذا السباق اللاهث.

البعض يعمل فوق طاقته حتي اختفت من حياته جوانب كثيرة ضرورية لنموه ونمو أسرته نفسياً وروحياً، فهمومه هي أن يوفر المال، والبعض الآخر يري أن تنويع مصادر دخله لا يجوز أن يخضع لمجرد التفكير في مشروعية هذه المصادر من عدمها، بل ويبرر ما يفعل، بدعوي أن الكل يقرع الدف نفسه، وأن المهم أن يكون معك، لا ما يحفظ عليك حياة كريمة فقط، بل ما يكون فائضاً زائداً علي الحاجة..

المرتشي بالقليل الضئيل هو ذات المرتشي بالألوف والملايين، لا يدرك أن الرشوة في واقعها هي احتقار للذات وعدوان عليها، ولعله لا يدرك ذلك لأنه ينال احتراماً اجتماعياً يتناسب مع ما يملك أو يتفق، لاسيما أن ثقوب الضمير الاجتماعي العام قد أصبحت تسيغ له الكثير من المبررات..

وإذا حدثت أحداً عن قيمة أخلاقية يجب الحرص عليها والتمسك بها، فهذا في نظره ضرب من ضروب استحضار الماضي، فقلة الإمكانيات وعظم المسؤوليات هي المبرر الوحيد المشروع لأن يفعل كل ما يفعل.

* العيب

ولعلنا نلاحظ أننا لا نعرف حتي الآن حدود «العيب» التي نتوقف عندها، فالرشوة رغم أنها سقطة فادحة إلا أن الضمير الاجتماعي العام أصبح لا يتوقف أمامها.

وقد استحدث لدينا منذ سنوات قانون اسمه «قانون العيب»! ولكنني لا أعلم حتي الآن ما هي هذه العيوب التي يحيط بها القانون حتي لا يتورط الإنسان في العيب، وإن كان في ظني أن القوانين العادية دوماً - وما أكثرها لدينا - كفيلة بأي انحراف لو طبقت. وما أكثر ما لدينا من قوانين معطلة مما أهدر نظرية الردع.

وليست القوانين وحدها هي السبيل للقضاء علي الانحراف، بل هناك دور الضمير الاجتماعي العام الذي يمكن له أن يتصدي، إذا تم رتق ثقوبه والحيلولة دون اتساعها. والعيب نسبي في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة، وما نعتبره عيباً عندنا قد يكون شيئاً عادياً في مجتمع آخر، لكن الانحراف هو الانحراف في كل مكان، والمجتمعات لا تستقيم أمورها بالقوانين فقط، بل بضميرها العام الذي يشكل أساساً درعاً ضد الفساد.
عبدالله سليمان
الدكتور أحمد عكاشة يكتب: «إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية» «٢-٣» مأساة قومية في ضمائر المصريين

٢/٩/٢٠٠٨





علي هذا المجتمع، من خلال ضميره العام، أن يلعب دوراً مؤثراً فعالاً في إدانة التطرف في كل شيء.. وبداية، لا أميل لأن تظل صفة التطرف لصيقة بالدين، لأن الدين لا يعرف التطرف، ولا يسوغ لأحد أن يعتدي علي أحد، بدعوي أن المعتدي عليه ليس كامل العقيدة أو مخالف لها.

وبالطبع، فليس من حق مسلم أن يتعدي علي مسيحي لمجرد أنه مسيحي، والعكس صحيح.. والدولة قد تتخذ إجراءات تري فيها مقاومة للتطرف والقضاء عليه، خاصة ما يقترن بالإرهاب، وقد تخفق الدولة في إجراءاتها أو تنجح، لاسيما أن وسائل إعلامها لا تعي أبعاد القضية، بل في كثير من الأحيان تزيد النار اشتعالاً أو تزين التطرف، وهنا يأتي دور الضمير الاجتماعي العام الذي يجب أن يتصدي للمأساة، فلا يسوغ العدوان المتطرف، ولا يسمح للأفكار المتطرفة بالمرور، هذا إذا سلم من الثقوب التي يتخذ منها البعض دافعاً لتطرفه، مادام ثقب الضمير العام يمرر الكثير من الآثام الحقيقية في المال العام وغيره!

علينا أن نقطع الطريق علي تلك القيادات التي تمارس غسل المخ للشباب الضائع، وتبث الأفكار التي من شأنها إغراق هذا الشباب في غيبوبة فكرية، تصل إلي حد التنويم الكامل والإقدام علي أي شيء في سبيل هذه الأفكار، فبتنا نسمع عن نهب متاجر في جريمة سرقة واضحة قد تقترن بالقتل للإنفاق علي تحقيق أفكار جماعة من الجماعات!

أما الذين يطلعون علي الناس بمظاهر الاستفزاز الترفي والاستهلاك الأحمق في تِيهٍ بما يملكون، حراماً أو حلالاً، فلا يدرون حجم الجريمة التي يرتكبونها في حق هذا الوطن، فهذا الاستفزاز في الواقع هو أحد أسباب إشعال نيران التطرف وسط الأغلبية التي تعاني ـ الكثيرين العاجزين عن توفير المأوي أو القوت لأنفسهم ـ مما يسهل مهمة قادة الأفكار المتطرفة في إقناع ضحاياهم بالاستشهاد من أجل هذه الأخطاء، والوعد بالجزاء العادل والحياة الناعمة المؤجلة في العالم الآخر.. حقاً لقد اختل التوازن المنشود في ضمائر الناس وذواتهم، حتي إن هذا الخلل يشكل مأساة قومية، لأننا قد نغفل عما حاق بنا، نحن الذين نخطو نحو النهاية، ولكننا لابد أن نأخذ في الاعتبار أبناءنا الذين هم أصحاب هذا الوطن ومستقبله، فلا نترك صغارنا نهباً لكل ما يلوث عقولهم ويعتم علي بصائرهم الغضة.

علينا أن نغرس فيهم حرية التفكير، فلن تقتنع عقولهم بدعوي أننا بمقتضي حق الأبوة والأمومة لابد أن تسيطر أفكارنا عليهم. علينا أن نعلم الصغار احترام آراء الآخرين وتقديس حق المخالفة في الرأي. لابد أن نغرس فيهم إدانة لكل ما يكرس القبح في الروح وأن ننشئهم علي أن العمل وحده هو السبيل الوحيد إلي التقدم. إن الذي يعتبر طفله شاطراً أو فهلوياً لأنه نجح في الغش من زميله علي مقاعد الدرس، لا يدري أن بمباركته هذه لفعلة ابنه إنما يعد للوطن رجلاً فاسد الخلق عديم الضمير، ولا يدري أنه يسهم دون أن يدري في أن يظل الضمير الاجتماعي العام عرضة لثقب بعد آخر يتسع يوماً بعد يوم.

إن علي المجتمع أن يتوجه توجهاً عاماً نحو تنقية ضميره العام، حتي نخرج من أزمة الضمير الحالية الخانقة سالمين، حتي نطمئن علي المستقبل الذي هو ليس ملكاً لنا في الواقع.. علينا أن ننطلق من نقاء الضمير الخاص إلي نقاء الضمير العام. فليكن قلقنا أولاً لما يقع بيننا مخالفاً للضمير العام، ثم ليتطور هذا القلق ليغدو قلقاً للضمير الإنساني العام.. إذا ما وقع في الأقاصي البعيدة ما يأباه الضمير الإنساني.

لا نجاة لنا إلا إذا جعلنا هذا شاغلاً أول لنا حتي يستقيم المجتمع كله بدلاً من الأنين والشكوي الجماعية. وكأن ما يقع مثاراً للشكوي هو في مجتمع آخر، أو نتحايل علي تبرير فسادنا بدعوي أن أجنبياً وراء ذلك، ولنتأكد أنه لو أراد لنا الغرباء هذه الشرور المستطيرة لما استطاعوا دون معاونة منا! وأظن أن ممارستنا حتي الآن تقدم هذه المعاونة للغرباء بأحسن ما يكون الأداء، ومع ذلك فإنني أشك كثيراً في أن الغرباء مشغولون بنا إلي هذا الحد، فلو كنا شاغلهم لما تفرغوا لما يحققون كل يوم من إنجاز، نكتفي نحن أمامه بالانبهار.. فهل نبدأ؟!.. ومتي؟!

الفساد في مصر ووسائل محاربته

إنني أعتبر الفساد سبباً رئيسياً يحول بين مصر وتحقيق أهدافها الاستراتيجية بعد أن تضخمت أبعاده في المجتمع المصري عبر العصور، حتي اكتسب كثير من صور الفساد مع الوقت قيماً اجتماعية إيجابية!

ولاشك أن الفساد أحد الأسباب الرئيسية للتغيير في الضمير والأخلاقيات والقيم والتسيب في المواطن المصري فالفرد الذي ينجح في التهرب من القوانين أو الضرائب، كثيراً ما يوصف بالمهارة التي تستحق التقدير والتقليد، والموظف الكبير الذي يساعد أقرباءه وبلدياته في الحصول علي الوظائف «علي حساب من هم أولي بها» يوصف بالشهامة، ومسؤول الضرائب أو الجمارك الذي يتغاضي عن التحصيل مقابل خدمات تقدم له من الممول يوصف بالعرفان بالجميل، ورجل الأعمال الذي يفسد مناخ المنافسة برشوة المسؤول يوصف بالفاعلية ويعفي من العقوبة إن أبلغ عما جنته يداه، والمسؤول الكبير الذي يحتفظ بالهدايا التي تقدم له من جهات في الداخل أو الخارج يشبّه بالنبي «الذي قَبل الهدية»، إلي آخر الصور الشائعة المعروفة في مصر وفي بعض الدول النامية الأخري.

أضف إلي ذلك أنه في معظم البلاد الأخري يدفع الراشون لكي يحصلوا علي منافع غير مشروعة أو ليتهربوا من القواعد المعمول بها، أما في مصر فقد أصبحت الرشوة جزءاً من سمات التعامل العادي في كثير من الأماكن، وأصبحت أكثر الرشاوي الصغيرة تدفع لكي يقوم الموظف بأداء العمل المكلف به أصلاً دون تباطؤ أو تعقيد، وفي معظم البلاد الأخري تتم ترقية الموظفين أساساً بناء علي كفاءتهم في الأداء، بينما كثيراً ما تتم في مصر علي أساس الأقدمية أو إرضاء الرؤساء والتزلف إليهم مما يزيد من تخلف الجهاز الإداري.

وفي البلاد الأخري يؤدي المدرسون عملهم في فصول المدرسة التي تكرس لتقديم تعليم حقيقي للطلاب، أما في مصر فإن كثيراً من المدرسين يتخاذلون عن ذلك ويبذلون معظم جهودهم في «الدروس الخصوصية» التي لا يستفيد منها إلا من لهم القدرة علي الدفع، ولا ننسي تأثير الأبوين في تشجيع الغش والمراوغة علي أخلاقيات النشء، وثمة أمثلة أخري لا نهاية لها لصور الفاسد الظاهر والمستتر.

وفي هذا المناخ لم يعد الفساد والعلاقات الشخصية مجرد ظاهرة توجد في المعاملات من حين لآخر كما هو الوضع في كثير من المجتمعات، وأصبحا في حالات كثيرة أساساً للتعامل وبديلاً لحكم القانون، بل معياراً للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، وحتي الذين يرون الفساد فساداً تراهم يكتفون بالتباكي علي الأخلاق الضائعة أو يقولون: إن المشكلة في أساسها «مشكلة أخلاقية» مما يعني ضمناً استحالة معالجتها ما لم تنصلح أخلاق الناس بأعجوبة من الأعاجيب.

لأن الفساد مشكلة المجتمع كله ولا يمكن مواجهتها بفاعلية بغير المشاركة الحقيقية والالتزام من جانب غالبية الشعب خاصة من يتسببون في الفساد بتقديم الرشاوي للحصول علي معاملة خاصة «مشروعة أو غير مشروعة» كما هو سائد في التعامل في مصر نتيجة التعقيدات الشديدة في المعاملات العادية، بل إن المواجهة الفعالة لبعض صور الفساد «مثل الرشاوي في المناقصات الدولية، وغسيل الأموال الناتجة عن أعمال إجرامية بتهريبها إلي دول أخري»، تقتضي ـ كما رأينا ـ مجهودات علي المستوي الدولي وليس فقط داخل الدولة التي يقع الفساد فيها، خاصة مع التقدم التكنولوجي الهائل والانفتاح المستمر في التعامل عبر الحدود.

وحتي الإصلاحات التي لا تستهدف الفساد بصورة خاصة قد، تؤدي إلي تقليص فرص الفساد بشكل مؤثر:

* كثيراً ما يرجع الفساد إلي عيوب في الطرق التي يتم بها تنفيذ القوانين والنظم وضعف الأجهزة المسؤولة عن ذلك مما يدفع الناس إلي تفادي الانتظار الطويل واختصار الطريق بالرشاوي والوساطة وما إليها.

* وكثيراً ما يرجع الفساد إلي الطريقة التي يتم بها الإنفاق الحكومي وتخير أوجه هذا الإنفاق، ويساعد علي الفساد الضعف الواضح في رواتب الموظفين العموميين وقصورها عن تغطية المتطلبات الأساسية، مما يورث اليأس لدي العاملين ويدفعهم إلي البحث عن دخول تكميلية، ويحرم الجهاز الحكومي ممن تتوافر لديهم الرغبة والقدرة علي الخدمة العامة.

واضح في مثل هذه الحالات أن الإصلاح في المجالات المختلفة وتقوية الأجهزة المسؤولة عن وضع السياسات وتنفيذها وحسم المنازعات بشأنها، يترتب عليه تقليص فرص الفساد.

* وفي هذا الشأن يأتي الإصلاح القانوني للاهتمام بالقواعد القانونية التي تضع الضوابط السليمة وتقتصر علي الحد الأدني من الموافقات والقيود التي تفرضها مصلحة عامة حقيقية، وللاهتمام بالإجراءات المتبعة في تنفيذ هذه القواعد بهدف تبسيطها وتخفيض الرسوم التي تصطحبها.

* كذلك الأمر بالنسبة للإصلاح القضائي الذي يستهدف تحقيق الكفاءة والنزاهة في هذا الجهاز المهم بأن يضمن للقضاء استقلاليته ويتيح اللجوء إليه لوقف التعسف في ممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويضمن للعاملين في هذا الجهاز من قضاة ومحققين وكتبة ومحضرين.. إلخ، مستوي من المعيشة يكفيهم شر الفساد، في الوقت الذي يهتم فيه بتحسين إدارة المحاكم وإدارة القضايا وإجراءات التقاضي، مع إنشاء محاكم ذات إجراءات سريعة ومبسطة ولا تخضع للاستئناف لتتولي القضايا الصغيرة.

* والحق أن مثل هذه الإصلاحات القانونية والقضائية هي جزء لا يتجزأ من الإصلاح الاقتصادي اللازم لزيادة الاستثمارات وتغيير الضمير والأخلاقيات، ويعتبر الإصلاح المالي عنصراً مهما في تخفيض الفساد كذلك، فالنظام المالي يضع قواعد صارمة ومعلومة للجميع للإنفاق الحكومي، الذي يتجه إلي أوجه الإنفاق العام التي تقل فيها فرص الفساد.

وكذلك الأمر بالنسبة للإصلاح الإداري، ففي مصر جهاز حكومي متضخم جداً، تفوق نسبة عدد العاملين فيه إلي مجموع السكان النسب المماثلة في معظم الدول الأخري، وقد ترتب علي هذا التضخم الشديد عجز الحكومة عن تقديم رواتب للعاملين فيها تكفيهم شر البحث عن وسائل أخري للكسب، مما أدي إلي اعتماد كثيرين منهم علي دخول أخري بطرق مشروعة أو غير مشروعة، بل إلي تعاطف بعض الناس مع تلك الممارسات واعتبارها نتيجة طبيعية للدخل الحكومي المنخفض.

لإصلاح ذي طابع سياسي وأخلاقي

بالرغم من وجود الفساد في المجتمعات الديمقراطية وغير الديمقراطية، فقد أثبتت التجربة بغير شك أن فرص ارتكاب الفساد والتستر عليه تزيد كثيراً في المجتمعات التي لا تتوافر فيها حرية الصحافة والتعبير والنشر، والتي تتسم فيها أعمال الحكومة بسرية مبالغ فيها، ولا تكون الحكومة فيها مسؤولة أمام مجالس نيابية حقيقية، ويعود ذلك بصورة خاصة إلي أن الضوابط التي تمكن المجتمع من كشف محاولات الفساد قبل وقوعها ومن محاكمة المسؤولين عنها بعد وقوعها تكاد تختفي في المجتمعات غير الديمقراطية،

وإذا كنا نسمع عن قضايا الفساد في المجتمعات الديمقراطية أكثر مما نسمعه عنها في المجتمعات المغلقة فليس معني هذا ندرة الفساد في المجتمعات الأخيرة، بل معناه عدم القدرة علي الكشف عن الفساد في هذه المجتمعات والتكتم عليه، حيثما وجد، والذي وصل إلي أرواح كثير من الناس وأصبح جزءاً من طباعهم، يقتضي تغييراً كبيراً في المفاهيم والسلوك الأخلاقي للجماعات والأفراد.

وليست المسألة في مصر نقصاً في قواعد السلوك السوي أو جهلاً بهذه القواعد، إنما تكمن المسألة في النفاق الذي جعل الالتزام بالقواعد لا يجاوز الأقوال في معظم الأحوال، وتعود المجتمع علي التعايش مع هذه القواعد المثالية مع تجاهلها معظم الوقت في الحياة اليومية دون أن يجد في ذلك غضاضة كبيرة.

ولا يمكن الاعتماد هنا علي إصلاح الأخلاق المعوجة بالوعظ والإرشاد، إنما يقتضي الأمر أولاً سلوكاً قويماً من جانب القيادات السياسية والإدارية في جميع المستويات، وكذلك من جانب الآباء في المنازل والأساتذة في المدارس والجامعات والزعماء داخل الحزب الحاكم وخارجه، فلاشك أن لهذا السلوك تأثيراً مباشراً علي أخلاقيات الجيل الصاعد.

غير أن الضمانة الرئيسية للالتزام بهذا السلوك تكمن في حكم القانون ومعاقبة الخارجين عليه، ودور مؤسسات المجتمع المدني التي تراقب المسؤولين وتحاسبهم إن اختلفت أقوالهم عن أفعالهم، كما تكمن في بناء الجهاز الإداري علي أساس مهني سليم يقوم علي الكفاءة والنزاهة مع تحسين أحوال العاملين في الدولة، خاصة أعضاء هيئات التدريس، المسؤولين عن تعليم النشء وغرس القيم السليمة فيه عن طريق سلوكهم الفعلي، وبغير ذلك كله تصير محاربة الفساد مجرد شعار آخر يضاف إلي مئات الشعارات التي فقد الناس الأمل فيها.

دستور جديد

لا يمكن الإحساس بالانتماء والعدل وحب الوطن ونهضة الأخلاقيات والقيم إلا عند تطبيق دستور يحترم المواطن:

أولاً: الدستور الحالي يفترض دولة اشتراكية في حين أن مصر تتجه إلي اقتصاد السوق.

ثانياً: الدستور الحالي يخضع كثيراً من الحريات والحقوق المدنية والسياسية الواردة فيه لقيود غير محددة قد يأتي بها التشريع مما يفقدها قيمتها الدستورية.

ثالثاً: الدستور الحالي يتضمن أحكاماً مهمة تعتبر من قبيل الشعارات التي لم تطبق عملياً.

رابعاً: الدستور الحالي يتوسع في الحالات التي تعطي لرئيس الدولة سلطات استثنائية تسمح بتعطيل العمل بالدستور أو القوانين العادية.

خامساً: الدستور الحالي يتضمن تفاصيل ليس محلها الدستور ولا تجد مقابلاً لها في دساتير الدول الديمقراطية العريقة.

سادساً: الأحكام الواردة في الدستور الحالي بشأن نائب الرئيس قد تفيد بوجوب تعيين نائب للرئيس، في حين أن هذا لم يحدث منذ عام ١٩٨١.

سابعاً: النص الدستوري الخاص بالمدعي الاشتراكي يقتضي إعادة النظر فيه.

ثامناً: الدستور الحالي يتضمن عدداً من المسائل المهمة الأخري التي تحتاج إلي إعادة البحث والدراسة، في ظل تقدم مصر علي الطريق الديمقراطي منذ تولي الرئيس مبارك رئاسة الجمهورية:

أ- طريقة اختيار رئيس الجمهورية.

ب - مدة رئاسة الجمهورية.

ج - عدد أعضاء مجلس الشعب وتشكيله.

د - جواز الجمع بين عضوية مجلس الشعب والوظائف في الحكومة والقطاع العام.

هـ - دور مجلس الشعب في إقرار الموازنة العامة.

و - شرط موافقة مجلس الشعب علي أي قرض تقترضه الحكومة.

ز - الأحكام الخاصة بمسؤولية رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس الشعب.

ح - دور مجلس الشوري.

تاسعاً: الدستور الحالي، رغم إسهابه لا يتضمن أحكاماً مهمة تنص عليها الدساتير الحديثة:

ـ ليس في الدستور مادة واحدة بشأن حماية البيئة.

ـ ليس في الدستور نصوص تتعلق بحقوق المصريين المقيمين في الخارج.

ـ ليس في الدستور نصوص تتعلق بحماية الآثار وحماية التراث الثقافي لمصر.

ـ لا يعالج الدستور بصورة كافية دور المجتمع المدني.

ـ لا يتكلم الدستور عن مسؤولية البنك المركزي عن السياسة النقدية ولا يكفل استقلاله في تحديد هذه السياسة.

ـ يحتاج الدستور إلي تأصيل حقوق الوالدين وحقوق الأطفال.

دعوة للإحياء والتجديد

وإذا سألني أحد عن الأسباب الرئيسية التي تحول بين مصر وتحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية الواضحة، وكثيراً ما تسببت في تشتيت تفكيرها في أمور أخري أكثرها من القشور التي لا تفيد، بل في تعطيل حركاتها وقدرتها، سأقول أيضاً بغير تردد إنها تكمن أساساً في ثلاث مسائل متداخلة ذات طابع نفسي وثقافي واجتماعي وهي:

١- التردد لفترة طويلة في تطبيق الإصلاحات الجذرية والتخوف من تبعة هذه الإصلاحات باعتبار أن كثيراً منها يتعارض مع شعارات رفعت في الماضي، ومع مصالح اكتسبها المستفيدون من أوضاع خاطئة، والذين مازال لهم قول مؤثر فيما يتخذ من قرارات، وقد رأينا الحظ بداية لتراجع هذا التردد، والتخوف في السنوات الأخيرة، كما أن رئيس الدولة أعلن أكثر من مرة تحيزه الكامل للإصلاح ولمصالح الأغلبية الفقيرة، لكن طريق الإصلاح مازال طويلاً وشاقاً وفي حاجة إلي مواصلة الخطوات الشجاعة في جميع المجالات.

٢- عجز المجتمع المصري في مجموعه حتي الآن عن أن يجد صيغة مناسبة للتوفيق بين قيمه الموروثة وما يتطلع إليه من تقدم في العصر الحديث، بحيث يتمكن من تغليب مصالح المستقبل علي اعتبارات الماضي، أي بحيث لا يجعل قيم الماضي قيداً علي التقدم بل يجعلها حافزاً لبناء مستقبل أكثر تحرراً وأكثر اهتماماً بالمساواة والعدالة وبالحكم الديمقراطي والعمل الإنتاجي طبقاً للمفاهيم العصرية لهذه المبادئ.

٣- شيوع الفساد الظاهر والمستتر في الجوانب المختلفة للحياة المعاصرة، وذلك كظاهرة اجتماعية عامة وليس كمجرد ظاهرة بيروقراطية تقتصر علي بعض الموظفين العموميين.

التوفيق بين الماضي والمستقبل

يحول العجز عن التوفيق بين اعتبارات الماضي والمستقبل دون تغليب الحداثة في التفكير والتشريع والممارسات، وقد نتج من هذا العجز عدة اعتبارات معقدة يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

١- الاتجاه العام لدي الشعب المصري، لأسباب تاريخية واجتماعية، إلي تمجيد الماضي والحط من الحاضر وما يتبعه من تقديس أقوال الأولين وأفعالهم، وتغليب الآراء السلفية علي الآراء الحديثة مع إحاطة الماضي بسياج من المثالية ليس له دائماً سند، وقد تزامن مع اتجاه متزايد في منطقتنا، وفي مناطق أخري نحو إثارة الرموز والشعارات الدينية، بل التعصب لما يميز كل مجموعة داخل المجتمع من هوية دينية أو عرقية.

٢- تحكم الطبقة المتوسطة ذات الأصول الريفية في جهاز الحكم مع غلبة القيم المعلنة لهذه الطبقة، وهي قيم سلفية في الأساس تكتسب تأييداً واسعاً بسبب جذورها الدينية، هذا مع التفاوت الواضح بين القيم المعلنة والسلوكيات الفعلية.

٣- التوسع الكبير في الخطاب الديني في التعليم والإعلام دون اعتبار مسبق لما يترتب علي ذلك من حيث مجالات العمل لخريجي التعليم الديني، وتأثيرهم العام في تفكير المجتمع، فقد تضاعفت أعداد طلاب المعاهد الأزهرية عدة مرات، وكثرت المدارس الأهلية ذات الطابع الإسلامي أو المسيحي، وزادت المقررات الدينية في جميع المدارس، وتعددت كليات «الشريعة والقانون»، وظهرت الصفحات الدينية في الصحف والمجلات بما لم يكن معروفاً من قبل، وشاعت البرامج والمواعظ الدينية في أعمال الإذاعة والتليفزيون بما لا يقاس بالوقت المخصص للبرامج العلمية ومناقشة الأفكار المعاصرة، بل بما جعل البرامج الأخيرة تتخذ أحياناً طابعاً دينياً هي الأخري.

وقد أدي التوسع الكبير إلي أن تخطي الأمر مطالبة الناس بالتمسك بدينهم، وتعدي ذلك إلي حالات من التعصب والتشنج الديني حتي سادت في أماكن كثيرة في مصر الدعوة إلي أن يعيش الناس في الواقع في نهاية القرن العشرين علي ما كان عليه سكان شبه الجزيرة العربية في القرن السابع، ليس فقط فيما يتعلق بمكارم الأخلاق أو شؤون العبادات، وإنما أيضاً في ملبسهم وتعاملهم اليومي وشؤون الحكم فيهم،

وفي هذا المناخ العام أصبح كثير من الدعاة الذين عينوا أنفسهم لهذا العمل، وحظوا بدعم واسع من أجهزة الإعلام الرسمية، رموزاً للفكر في المجتمع، وانحسرت القيم التحررية في المجال الديني وفي غيره وسادت مظاهر في السلوك تعتمد علي أكثر التفاسير تشدداً وأبعدها عن التلاؤم مع مقتضيات الحياة في مجتمع حديث، والأهم من ذلك أن العقلية التي نجمت عن هذه الإجراءات كلها قد زادت، بدعوتها إلي الحلول السطحية، في تعقيد المشاكل السياسية والاجتماعية التي تواجه المجتمع في مصر وتشجيع الفهم الديني الخاطئ.

٤- تفشي الأمية بين البالغين وضعف مستوي التعليم عند الأطفال والشباب بما يسهل علي الذين يستغلون الدين لأغراض سياسية مهمتهم، ويدفع السياسيين إلي مسايرة التيار اكتساباً للشعبية.

٥- انتظار البطالة السافرة والمقنعة التي تورث اليأس بقدر ما تتيح المناخ والوقت لرواج الدعوات المتطرفة.

عبدالله سليمان
الدكتور أحمد عكاشة يكتب: «إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية» «٣ -٣» الخائفون لا يبدعون.. ولا يصنعون المستقبل

٣/٩/٢٠٠٨



هل للوراثة دخل في تحديد سمات الشخصية؟ أو بعبارة أخري: هل يرث الأولاد عن آبائهم ملامح شخصياتهم؟ إن عامل الوراثة ضعيف في تحديد سمات الشخصية المتصلة بمعاملات الأشخاص الاجتماعية، كموقف الصداقة أو العداء بالنسبة للآخرين.

كذلك الأمر في المستويات الأخلاقية والاتجاهات التقدمية أو الرجعية أو التطرفية والتذوق الجمالي، ولو أن البعض يجزم بدور الاستعداد الوراثي، أي يولد الطفل باستعداد خاص بصرف النظر عن الوالدين، حتي في هذه الأبعاد. لكن العامل الوراثي يؤدي دوراً مهماً في أبعاد الانطوائية والانبساطية، ويغذي الثبات أو عدم الاتزان الانفعالي، وكذلك السلوك المنحرف الشاذ.

تتميز الشخصية المصرية بالانبساطية، وحب الاختلاط، والدفء العاطفي، وسهولة الإيحاء «فيما يسمي بطيبة القلب» مع الإحساس بالمسؤولية الأسرية، والانتماء والتماسك مع الدين والأسرة أكثر من الوطن. ومع ذلك توجد بعض السمات التي تحتاج إلي إيضاح وتفسير وتعديل، حتي نستطيع أن نواكب ثورات العالم التكنولوجية، وسأحاول أن أفرد لكل منها مناقشة بسيطة سهلة. فكثير من المصريين يتميزون بما يسمي الشخصية السلبية/ العدوانية والاعتمادية.

وينعكس ذلك علي سبيل المثال في النكتة السياسية، الإشاعة وهي سمة عدوانية ولكنها سلبية. كذلك الاستكانة ثم التقوقع حول الذات والأسرة بغض النظر عن المبادئ، وعدم التواصل والمثابرة والتغير المستمر والعجز عن الابتكار، والتصور الخاطئ للدين، وإهمال الواقع المادي والانغماس في القرارات الانفعالية والعاطفية، وأخيراً فوضي اللغة.

تتميز الشخصية الاعتمادية باعتماد شامل علي الآخرين، أو السماح لهم بتولي مسؤولية جوانب مهمة في حياة الشخص، وتسخير الاحتياجات الذاتية للآخرين الذين يعتمد عليهم، وإذعان غير مسوغ لرغباتهم، وعدم الاستعداد لمطالبة هؤلاء الآخرين «الذين يعتمد عليهم» بأي مطالب حتي ولو منطقية، والإحساس بعدم الراحة في الوحدة والإحساس بالكارثة والضياع عند انتهاء علاقة حميمة، والميل إلي التعامل مع المحن بإلقاء المسؤولية علي الآخر.

ونلاحظ كذلك في سلوك كثير من المصريين كثرة النقد والسخرية من سلوكيات يقوم بها هذا الشخص ويسقطها علي الآخرين، فهو ينقد التسيب، وعدم الانضباط، و«إنه مفيش فايدة»، ولكنه يقوم بالسلوك نفسه، كذلك تسقط هذه الشخصية كل الكوارث علي السلطة دون أن تقوم بأي عمل إيجابي.

تتميز الشخصية الاستهوائية في أقصي صورها بتفخيم في الذات وأداء مسرحي، وتعبير مبالغ فيه عن المشاعر، وقابلية للإيحاء والتأثر السهل بالآخرين، ومشاعر سطحية وهشة، وانغماس في الذات، وعدم وضع الآخرين موضع الاعتبار، اشتياق دائم للتقدير، والنهم للإثارة والنشاطات التي يكون هو - أو هي - فيها مركزاً للانتباه، وسلوك ابتزازي دائم للوصول إلي المنافع الذاتية.

الصحة النفسية هي القدرة علي التمركز حول الآخرين والاهتمام بهم وبالمشكلات العامة. وعلي العكس من ذلك، يكمن الاضطراب النفسي في التمركز حول الذات والتقوقع حول النفس والأسرة بغض النظر عن المبادئ أو القيم أو العادات.

كذلك هناك علاقة واضحة بين الازدحام والصحة النفسية. لكننا إذا نظرنا إلي القاهرة اليوم فسوف نجدها من أكثر مدن العالم ازدحاماً، حيث تبلغ كثافة السكان حوالي ٥٣٠٠٠ نسمة في الكيلو متر المربع.

يقول جيمس برستد في كتابه الشهير «فجر الضمير»: إن المصريين هم الذين أوجدوا الضمير الإنساني، لأنهم أول من عرفوا الله، وكذلك آمنوا بالعالم الآخر، ولم يتمكن أحد قبلهم من إدراك هذا الواقع. ويبدو أن الإيمان بالله واليوم الآخر يتوارث من خلال جينات الوراثة في المصريين.

إن المعايير المزدوجة المتمثلة في اهتمام الناس بالحج عشرات المرات وأداء العمرة كل سنة تتناقض مع السلوك اليومي الذي يتواكب مع الكذب والرياء والمعاملة السيئة والجشع والطمع. صحيح أن التعميم هنا غير دقيق، لكن المؤكد أن الاعتدال في الطقوس والالتزام بالمحتوي هو صلب الإيمان.

إن أحد الأسباب الرئيسية في العجز عن الابتكار والسلبية الاتكالية وعدم القدرة علي التحديث والحياة في إطار سلفي هو الفهم الخاطئ للدين. إن الكثيرين لا يعرفون الفرق بين التواكل والتوكل علي الله.

إهمال الواقع المادي والانغماس في القرارات

أو ما نسميها بالعامية «شخصية ودنية»، وهي سمات تغلب علي كثيرين من المصريين والعرب، وعادة ما تكون قرارات هذه الشخصية حماسية، انفعالية، سريعة لأنها في الغالب تكون رد فعل غير محسوب، لكنها سرعان ما تخمد، وتهدأ الحماسة.

ولا نتخذ قرارات مصيرية مدروسة، بل دائماً تكون قراراتنا رد فعل لما يحدث: فعندما يرتفع منسوب المياه نبدأ في التفكير في عمل بالوعات، وعندما تندلع الحرائق نبدأ في إنشاء شبكات الإطفاء، وعندما تقع الزلازل نبدأ في التفكير بالبناء بطريقة خاصة، وعندما يأخذ د. زويل جائزة نوبل ننشئ جامعة للتكنولوجيا، يحترق القطار ونحضر ديزل جديد، تغرق العبارة فنهتم بالفحص والتفتيش. نحن دائماً نسلك كرد فعل، ونادرا ًما نبادر بسلوك استباقي.

الحاكم سمة من سمات المصريين منذ الفراعنة، الأمر الذي يعيق الإيجابية والمبادرة في اتخاذ القرار. الاتكالية السلبية.. الخنوع.. عدم المبادرة.. عدم المسؤولية.. الاعتمادية علي صاحب القرار، مما يهدر الكثير من القرارات الحكيمة التي تصدر عن أبناء هذا الشعب.

إن ثبات وصدق اللغة هما بعض من الأسس المهمة للثقافة الحية والتقدم العلمي. فلا يمكن أن يكون للمنزل لغة وللشارع لغة أخري وللأغاني لغة ثالثة ثم للجرائد لغة رابعة، وللقرآن لغة خامسة.

فهذه الفوضي تسبب تشتتاً في الفكر، وضحالة في الثقافة، وانهياراً في التذوق الأدبي والجمالي.

وإذا ما لاحظنا ما حدث في مصر في العشرين سنة الأخيرة من الفوضي في لغتنا العربية لوجدنا أن الطبقات الميسرة تزج بأبنائها في المدارس الأمريكية والفرنسة والبريطانية والألمانية، فيتكلمون هذه اللغات أفضل من العربية، ويصبح الطفل في تشتت فكري يجعله ينجح في الامتحان لكنه غير قادر علي الابتكار.

ولا نجد في الجامعات استثناء من ذلك. سأعطي مثلاً بدراسة الطب، التي تتم حتي الآن باللغة الإنجليزية. ينص ميثاق ممارسة مهنة الطب علي ضرورة أن يفهم المريض اللغة التي يتكلم بها الطبيب، فالطبيب والمريض الألمانيان يتكلمان الألمانية والطبيب والمريض السويديان يتكلمان السويدية، والطبيب والمريض الإسبانيان يتكلمان الإسبانية.

إن هذا المخ المتميز عن مخ الحيوان هو الذي صاغ طريق الإنسان في البحث عن المعرفة، ولو لم يكن عندنا ذلك العقل الأكثر قوة من أي حيوان لما كنا قد استطعنا أن نصل إلي ما وصلنا إليه من ابتكارات واختراعات. ولكن الإنسان لديه تميز آخر إنه الوعي أو الضمير، وهو أمر لا نعرف أساسه جيداً، وسوف تكون دراسات الضمير من الدراسات العلمية الأساسية في القرن الجاري وهي من الأشياء التي تمثل علوماً مهمة في بعض الجامعات.

إننا نتساءل في هذا السياق حول ما إذا كان الضمير الحسن أو السيئ.. الخير أو الشر هو علاقة جينية معقدة أم أنه أمر يعود إلي البيئة فقط؟! ومن ثم نتساءل عما إذا كان التفكير غير العقلاني القائم علي الحرب والإرهاب والتعصب ومجمل المتاعب الإنسانية يأتي من خلال وعي وضمير مأزوم جينياً.

وهنا أثمن ما قاله العالم الأمريكي جيمس كونانت «هناك وسيلة واحدة مؤكدة وثابتة لدعم ومساعدة تطوير العلوم وهي اختيار الموهوبين من الرجال والنساء ودعمهم بقوة، وتركهم يديرون أنفسهم بأنفسهم دون وصاية خارجية».

وتشير هذه القضايا إلي عدة احتياجات أساسية للتنمية:

١- تنمية بشرية تستهدف التخلص من الأمية.

٢- تأمين مشاركة فعالة للمرأة.

٣- تطوير الثقافة الاجتماعية.

٤- إطلاق حرية الفكر وتقليل حجم البيروقراطية مع رفع كفاءتها.

٥- القضاء علي الفساد أو تقليصه.

٦- تطوير نظام من الحوافز والترقيات في إطار لوائح وقوانين متزنة وقابلة للتطبيق.

٧- بناء قاعدة علمية تعمل علي الاستثمار في الموهوبين وإقامة مراكز للتميز وإيجاد الفرص للحصول علي المعلومات عن الأسواق الصناعية والاقتصادية داخلياً وخارجياً.

٨- تلاحم المعرفة العلمية مع القاعدة الصناعية.. ويجب أن يسير كل ذلك جنباً إلي جنب.

٩- خطة عامة شاملة لتطوير التعليم العام في مدارس الدولة وجامعاتها.

في الخمسين عاماً القادمة ستحظي المجتمعات القائمة علي العلم والمهارة بنصيب الأسد من السوق والمكانة في العالم. وبدون تقدم علمي ملائم، سوف يكون حديث العالم عن الجينوم والاستنساخ والطب الجزيئي والذكاء الاصطناعي ومعالجة المادة - حديثاً غريباً وبعيداً!

وهنا يمكننا أن نشير إلي النقاط التالية:

أولاً.. ليس صحيحاً أن الوضع العلمي لمصر والعالم العربي وضع مقبول، ذلك أن العالم العربي قد بات في أدني درجات السلم الدولي للعلم، ولا تقارن إسهاماته بأي إسهام لمنطقة أخري فاعلة في العالم، فنسبة الأمية تزيد علي ٥٠%، وتزيد النسبة بين السيدات إلي أكثر من ٦٠% في بعض البلدان وهي من أعلي النسب في العالم.

وإذا كان هذا علي صعيد القراءة والكتابة وحدها، فإن النسبة الباقية من غير الأميين لا تشكل قاعدة لمجتمع علمي فعال ولا يوجد إلا أولئك الأفراد المتميزون ونوابغ العلماء والمثقفون وهم عدد قليل من الباحثين والدارسين والخبراء وأساتذة الجامعات والمخترعين.. وجميعهم أفراد متفاوتو الموهبة لا يعملون ضمن نظام متكامل. أما إسهام هذه القلة المتميزة فإنه هو الآخر محدود إذا ما قورن بالوضع العالمي للعلم.

ثانياً.. إنه لمن المدهش أن ينسب البعض أسباب ذلك التخلف الشديد إلي نقص الموارد في العالم العربي، والأكثر إثارة للدهشة أن المرء يسمع ذلك في مصر، كما يسمعه في دول الخليج البالغة الثراء، ولا يستطيع المراقب أن يفهم كيف يري ذلك الثراء في الحياة اليومية للناس من سيارات فاخرة ومنتجعات وشواطئ وقصور ومن استخدام للسلع الاستهلاكية الحديثة تكنولوجيا.. ثم يجد ذلك الحديث الأيديولوجي الثابت والمكرر حول نقص الموارد.

والمؤكد أن العالم العربي يصنف من بين مناطق العالم الثرية أو غير الفقيرة، كما أن هناك دولا تفتقد الموارد إلي حد كبير، وبعضها يفتقدها تماماً ولكنها أنجزت وتجاوزت ولعل المثال الصيني والياباني والكوري والماليزي هو الأكثر حضوراً في هذا السياق، مما يجعل الحديث عن أسطورة نقص الموارد ضرباً من الاسترخاء.

ثالثاً.. ثمة أسطورة أخري حول أن التقدم العلمي يحتاج إلي قرون، وهي أسطورة لا تحتاج إلي جهد كبير للمناقشة، فالكثير من دول العالم القدم قد حققت انطلاقتها الراهنة في غضون سنوات أو - عقود لا قرن - أو يزيد.

إن التجربة الماليزية، هي نتاج حوالي عشر سنوات لا عقود طوال. كما أن التجربة الصينية نفسها لا يزيد عمر تألقها وامتيازها علي العشرين عاماً.

وكوريا الجنوبية قد صعدت من التخلف إلي صدارة الصناعات في آسيا وإلي موقع بارز في العالم في غضون سنوات، وليست شركة (سامسونج) إلا نموذجاً لذلك الصعود القوي والسريع إلي حد المفاجأة، واليوم يعمل معهد كوريا للعلوم والتكنولوجيا (كايست) في تطوير صناعة الإنسان الآلي ليسبق العالم.

وفي الهند الآن يندهش المرء من القلاع الصناعية العملاقة التي تنتج «السوفت وير» في بنجالور وفي سنغافورة التي تخطو إلي أفق غير منظور، وقد علق أحد الوزراء: عندنا الآن الأسواق العالمية الرئيسية للإلكترونيات الدقيقة، وقد خصصنا «٤٠» مليار دولار للتركيز علي «البيوتكنولوجي» في السنوات العشر القادمة. وأيضاً عندما ننظر إلي تجربة إيرلندا الحالية نجد نهضة وتقدماً ففي حوالي عشر سنوات أصبحت إيرلندا وعدد أفرادها ٤ ملايين من أكبر بلاد العالم تصديراً للتكنولوجيا الحديثة.

وأخيراً الديمقراطية، وهي كلمة غريبة، والمهم بالنسبة لي ليس كونها مفهوماً غريباً وإنما ما تحتويه من معني والشروط الأساسية لها. المعني الحقيقي هنا هو حرية الفرد والمشاركة الفعالة في الحكم، أما الشروط الأساسية فهي مسؤولية ومحاسبة الشعب للحكومة، الشفافية وهي الإطار الأساسي لمحاربة الفساد، والحكم بالقانون العادل علي الجميع.

أما بالنسبة للإبداع فلا يمكن أن يبدع الخائفون.. لا في أمريكا ولا في مصر، والحرية ليست فقط هي حرية الكلمة. ولتحقيق هذه الأهداف لابد من وجود مؤسسات يؤمن بها الشعب وقادرة علي خلق الحوار الأمين والبناء.. وبناء المؤسسات ومناخ الحرية لعمل الإصلاح لا يجب أن يأتي من الخارج وإنما يجب أن ينبع من الشعب وبإرادة قوية لدفع التقدم وبناء الدولة الحديثة.

إن الحياة تبدأ وتنتهي والقوي العظمي تعلو وتهبط لكن الأمم عبر التاريخ هي التي تصنع المستقبل.. إما مستقبل مضيئاً أو مستقبلاً مظلماً.. الأمر يتطلب القيادة الحكيمة التي تملك البصيرة، حرية الفرد، والإيمان مع عدم الاستخدام الخاطئ للدين، والشعوب تقرر.. إما مستقبلاً فيه المحمول و«النيولوك» أهم الأساسيات، أو مستقبلاً يكون فيه الرخاء الاقتصادي والفكري والبحث عن المعرفة هي الأساسيات.

وبسبب حالة العالم العربي نلاحظ اتجاهات مقلقة في مجالات الإنتاجية، والديمغرافية، والقدرة التقنية تتمثل في الأغراض غير الصحية التالية.

١- يعتبر دخل الفرد العربي حالياً من أقل المستويات في العالم، أي أنه بات يقارب دخل الفرد في دول أفريقيا جنوب الصحراء.

٢- نسبة الأمية في العالم العربي من بين أعلي النسب في العالم إذ تتجاوز ٥٠% في بعض البلدان.

٣- أكثر من ٢٥% من الشباب العرب، الذين يشكلون ما يزيد علي نصف سكان العالم العربي (البالغ عددهم الإجمالي ٢٨٠ مليون نسمة) عاطلون عن العمل أو يقومون بوظائف لا تناسب مؤهلاتهم.

٤- نسبة مشاركة الفرد العربي في العلم والتكنولوجيا علي المستوي العالمي هي من أدني المستويات في العالم.

وفقاً لمعهد المعلومات العلمية، بلغ مجموع الأوراق العلمية التي نشرت في جميع أنحاء العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة، ٣.٥ مليون ورقة كان توزيعها بالنسب المئوية كما يلي: الاتحاد الأوروبي (٣٧%)، الولايات المتحدة الأمريكية (٣٤%)، دول أسيا علي المحيط الهادي (٢١%)، الهند (٢.٢%)، إسرائيل (١.٣%).

أما مساهمة العالم العربي الذي يبلغ مجموع سكانه ٢٨٠ مليون نسمة موزعين علي ٢٢ بلداً، فهي أقل من مساهمة إسرائيل التي لا يتعدي مجموع سكانها ٦ ملايين نسمة، إذ تتراوح مساهمة كل من البلدان العربية بين صفر في المائة (اليمن) و٠.٣% (مصر) و٠.٣% في معظم البلدان. ونسبة صفر في المائة هنا تعني أن عدد الأوراق لا يستحق الذكر في الإحصاءات.

وإذا قورنت هذه الأرقام بغيرها من دول أخري، نجد وضعنا في مجال العلم والتكنولوجيا أصبح يماثل وضع أنجولا ونيكاراجوا والصومال. وإذا قسمنا عدد المنشورات علي عدد السكان نجد أن العربي ينتج ما يتراوح بين ١ و٢% مما ينتجه الإسرائيلي، وهذا الرقم يشير فقط إلي عدد الأوراق دون أخذ تأثير البحث والتطوير في الاعتبار.

ومثل هذا الأداء أمر لا يثير الدهشة لأنه لا يوجد في العالم العربي بأكمله معهد يضاهي معهد وايزمان أو معهد التخيون في إسرائيل أو المعاهد المماثلة في الهند أو معاهد «ماكس بلانك» في ألمانيا والدول المتقدمة الأخري.

والعرب تتوافر لديهم الموارد البشرية والمادية اللازمة للنهوض بالعلم والتكنولوجيا، والشيء الأول الذي يفتقرون إليه في الوقت الراهن هو نظام منطقي وفكري واضح يلبي الاحتياجات الجماعية للسكان ويقوم علي أساس المعرفة والحرية، علي اعتبار أن البشر يختصون بميزة التفكير، وبالتالي يجب إصلاح التعليم في جميع مستوياته في العالم العربي لتحويله من عملية تلقين للمعلومات إلي عملية تعليم التلميذ كيفية تشغيل عقله بصورة نا، قدة وتوفر له خبرة عملية مباشرة.

ويجب كذلك القضاء علي الأمية أو تخفيض نسبتها علي الأقل. ولا يمكن لقاعدة البحث والتطوير بشكلها الحالي أن تعمل بفاعلية، وهناك حاجة إلي رؤية جديدة كما سنبين فيما بعد.

أما الشيء الثاني، فهو يتمثل في إنشاء نظام قانوني جديد يعين بوضوح الحدود بين المجالات المدنية والثقافية والدينية وينطبق علي جميع المواطنين بدون استثناء وينبغي أن تكون الأهداف الرئيسية لهذا النظام ضمان حرية التفكير والقضاء علي البيروقراطية التي تعويق التقدم في جميع المجالات والشعوب العربية لا تقل ذكاء وكفاءة عن شعوب جنوب شرق أسيا وأعتقد أن الانتقال إلي مصاف الدول المتقدمة أمر ممكن شريطة أن تعالج هذه القضايا بشكل فكري ومتناسق بروح الفريق.

يمكن القول إن للنهضة مستلزمات، وأنها شروط لازمة للتحقيق.. وهي في المستوي العام مستلزمات ثلاثة: ثقافية واقتصادية وسياسية.

فعلي صعيد الثقافة تتطلب النهضة إصلاحاً ثقافياً واسعاً، وأعني هنا بالإصلاح الثقافي.. إصلاح حالة النفس والعقل، أي ترميم الضمير العربي مع ترميم العقل العربي سواء بسواء.

فالعالم العربي يحتاج إلي نقلة، وإلي استعادة الثقة بالنفس، واستعادة الثقة في المجتمع، وهنا نأتي إلي قضية الانتماء، فالانتماء في الأصل شعور، ثم هو من بعد ذلك فعل وسلوك، واستعادة الانتماء جزء أساسي في ملف الإصلاح الثقافي وما لم يوجد ذلك الإحساس بأهمية الوطن والمجتمع في الضمير الخاص، يصبح الحديث عن النهضة حديثاً بلا عائد.

ولا يكون تجديد الانتماء ممكناً بغير الاستيعاب العاقل لفكرة الهوية، واحترام الانتماء إلي الثقافة العربية والإسلامية.

ذلك أن الثقافة التي ينبع منها العالم العربي هي ثقافة مميزة، وليست ثقافة متدنية أو مشينة، وهي ثقافة يمكنها التلاقي والتفاعل بل الإضافة إلي حركة العصر.

وعلي ذلك فإن السلبيات التي يتسع نطاقها حالياً، من شيوع ظاهرة اللامبالاة، وضعف الثقة في النفس وفقدان الأمل في المجتمع، وما يترتب علي ذلك من مظاهر التسيب وعدم الانضباط والاندماج في الثرثرة والنميمة.. وغير ذلك من العادات السيئة هذه السلبيات في مجملها تكفي لإعاقة النهضة.

وهذا متصل بملف الحريات، فالحرية السياسية أمر أساسي في التطور السياسي باتجاه الديمقراطية، والحرية تحتاج إلي ضمانات بعدم انتهاك حقوق الإنسان أو أولئك الذين يمارسون هذه الحرية. فالحرية إذا ما أعقبتها مضايقات وضغوط أو منع وعقاب لن يمكن اعتبارها حرية حقيقية.

وهكذا اعتمد مهاتير في تجربته علي الوحدة الوطنية حتي لا يكون الجهد أو العائد مقصوراً علي طائفة دون الأخري، وحتي يشعر الكل بأن التجربة هي تجربتهم وأن النهضة تستهدف الرخاء للجميع.

غير أن الحزم والصرامة التي يتحدث بها مهاتير قد جعلت البعض ينظر إليه كرجل لا يكترث كثيراً بضرورات السياسة واعتبارات الدبلوماسية، أو أنه وإن كان أكثر كفاءة إلا أنه أقل ديمقراطية، وإنني إذ أميل للقول بأن مهاتير كان حازماً لا ديكتاتوراً بغيضاً، فإنما أدلل علي ذلك بما اتخذه هو نفسه من قرار تاريخي، حيث اختار راضياً وبمحض إرادته أن يترك السلطة وقد قال بأن أحداً لم يكن يعلم - حتي زوجته - وحين فاجأ الماليزيين في خطابه بقرار التنحي عن السلطة، كان ذلك صدمة للجميع، لكنه مضي في قراره.

وقال قبيل مغادرته السلطة «هذا قرار نهائي، وإذا كانت ماليزيا بعد أكثر من عشرين عاماً من تجربتي في الحكم غير قادرة علي أن تمضي بمفردها، يصبح كل ما فعلناه خطأ، وما لم تجد البلاد قيادات سياسية جديدة تكمل طريق ماليزيا إلي المستقبل، فالمعني الوحيد لذلك.. أنني قد فشلت».

المراجع:

- إبراهيم شحاتة «وصيتي لبلادي» مكتبة الأسرة.

- أحمد عكاشة «ثقوب في الضمير» دار الشروق طبعة منقحة تحت الطبع ٢٠٠٧.

- أحمد زويل «عصر العلم» دار الشروق ٢٠٠٤.
هندالعرب


لك شكري اخوي عبدالله على مانقلت لنا ...


ماتحدث عنه الكاتب موجود بجميع الوطن العربي وليس فقط مصر ...حتى في دولتي اغنى دولة نفطية في العالم .. اسعار النفط ترتفع وتدخل البلاد يزداد تضخما ... ومع ذلك التطور ينعدم ... والبطالة تتضخم... والفقر يتفشى .... والبقاء لمن ملك(واسطه)...

اما بالنسبة لحساسية الضمير ..والدين .. ذلك فعلا ما نعيشه حقيقة .. والاخشى ان يزداد الأمر سوءاً....

قديما كان الناس يتعاظمون المنكر ثم استألفوه ....وهذكا طبيعة المجتمعات العربية .. تنكر وتستعظم وتشجب... ثم تبدا تنطفئ شعلتها...

وخير شاهد على ذلك ما نُشر مؤخراً من اساءة للرسول اللهم صلي وسلم عليه... غضب العالم الاسلامي وندد بالمقاطعه ثم خبت شعلة غضبه واصبح ظهور هذه الاساءات امرا معتاداً ولا يواجه بالغضب العارم فيتضمن مقاطعة و عداء....

ايضا ما حصل لغزة من حصار... غضب بمظاهرة وندد..ثم خبت شعلته ونسي غزه ...

الموضوع متكامل وشواهده معاشه في جميع الوطن العربي من الخليج للمحيط ... فقط اردت ان اضع تعليقا بسيطا .. وتقبل مروي اخي الكريم
هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.