ماذا قال توفيق الحكيم حينما تحدَّث مع الله؟
05/09/2008

> أنت تعرف يا ربي أنه لم يبق لي وأنا في آخر أيامي غيرك وبإذنك أسألك أن يكون حديثي في كل شيء شاهدته وفكرت فيه في الدنيا

> الله في حديثه معي استمع فقط وتركني أواصل كلامي فقلت يا ربي بعض رجال الدين عندنا يرون مصير بعض العلماء هو النار!

في عام 1983 نشر الأديب الكاتب الكبير توفيق الحكيم مجموعة من أحاديث بعنوان : «مع والي الله » أثارت وقتها ضجة كبيرة بين المثقفين والعامة مع أنها لم تخرج عن كونها نوعًا من المناجاة مع الله تعالي -حسب تعبير الحكيم وقتها- مناجاة بلغة الحكيم الخاصة، وثقافته الخاصة كنوع من التعبير والحب الخالص لله جلَّ في علاه.. وقد استند الكاتب الكبير في مناجاته إلي الآيات القرآنية والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية الصحيحة.




ورغم أن الحكيم استبعد كل الكلمات والأسطر التي كتبها تخيلاً ونسبها إلي ذات الله سبحانه وتعالي عند طبع الأحاديث الأربعة في كتاب إلا أن الضجة التي أثارها نشر هذه الأحاديث لم تتوقف حتي أن الحكيم وبعد غضب رجال الدين علي هذه الأحاديث كتب عدة مقالات عن دور رجال الدين في الدعوة الإسلامية «سنعرض في هذه المقالات كيف حول عدد من علماء الإسلام إلي كهنوت رافضين التجديد في أي صورة.

الحكيم في هذه الأحاديث يناجي ربه ويسأله ويستفسر منه عملاً بالآية الكريمة: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان البقرة 186س ويطلب من الله الهداية والرحمة والصواب.. لكن لماذا أثارت هذه الأحاديث ضجة؟ ببساطة لأن هذا النوع من الكتابة لم يكن معروفًا في ذلك الوقت رغم أن هناك كتابات كثيرة تناولت الحديث مع الله بشكل أكبر وأجرأ إلا أن المجتمع المصري لم يكن مستعدًا -ومتي كان مستعدًا- لهذا النوع من الجرأة في الأمور التي استقَّر عليها إجماع فقهاء الإسلام.

توفيق الحكيم ناجي ربه بما يريد وما لا يراه صائبًا وابتهل وتضرَّع -في آخر أيامه- إلي خالق السماوات والأرض، ومشايخ الأزهر لم يعجبهم كلامه ولا دعاؤه.. لأهمية هذه الأحاديث وأهمية كاتبها وبمناسبة شهر رمضان الكريم نعيد نشر الحديث الأول من أحاديث الحكيم الأربعة:

هذا الحديث مع الله، لم أرمانعاً من نشره، بإذن الله طبعاً... فأنت تعرف يا ربي أنه لم يبق لي وأنا في آخر أيامي غيرك.. وليس غيرك من أحب الحديث معه، وأن يكون آخر ما أكتب هو هذا الحديث... ولا يسقط القلم من يدي إلا

وهو يخط اسمك الأكرم، سبحانك، وأنت الذي أكرمت القلم وأقسمت به..

وبإذنك، أسألك أن يكون حديثي في كل شيء شاهدته وفكرت فيه في أثناء إقامتي في هذه الدنيا، دون حرج.. وأن تقويني علي نشره في حلقات أسبوعية..

كل حلقة يوم ثلاثاء..

ذكري ابني الوحيد..

الذي ولُد في الشهر الثالث..

وتُوفي في الثلاثين من عمره..

يوم الثلاثاء..

والشكر والحمد لك يا من نفسي بيده..

«ولا يكتمون الله حديثا» ـ قران كريم ـ

نعم ياربي .. لن أكتمك حديثًا.. ولم يبق لي في حياتي الآن سوي الحديث معك.. فقد عشت الحياة التي قدُّرتها لي أكثر من ثمانين عامًا.. جعلت أهيم خلالها في كل واد، حامًلا قلماً أملاً به الأوراق بين جد وهزل..

ولا أظُّن أني فعلت بذلك خيرا كثيرا.. ولكني أذكرك كثيراً.. وأتحدث إليك طويلا.. وأعلم أنك تسمعني.. لأنك سميع بصير..

ولكن الحديث معك ليس بيسير؛ لأنك عليم بكل شيء.. وما أقوله تعرفه.. وليس من حقي أن أسألك إجابة أو ردًا.. وليس لبشر أن تكلمه أنت إلا وحيا.. ومن أكون أنا حتي تحدثني أنت بالوحي؟!..

لن يقوم إذن بيننا حوار، إلا إذا سمحت لي أنت بفضلك وكرمك أن أقيم أنا الحوار بينا: تخيًلا وتأليفًا.. وأنت السميع.. ولست أنت المجيب.. بل أنا في هذا الحوار المجيب عنك افتراضا.. إن كان مجرد حديثي معك سيغضب بعض المتزمتين لاجترائي في زعمهم علي مقام الله سبحانه وتعالي.. وخصوصاً وحديثي معك سيكون بغير كلفة؛ أي من القلب الصافي ووحده، لا أتكلف فيه صنعة الأسلوب.. فأنا سأخاطبك الحبيب لحبيبه؛ الحب الذي ليس كمثله حب؛ لأنك أنت ليس كمثلك شيء.. وعندما سأل بعض المؤمنين نبيك صلي الله عليك وسلم عما إذا كانوا سيرونك في الآخرة لم يرد أن يخيب أملهم؛ فلم يقل لهم: كيف ترون من ليس كمثله شيء؟!..

وكيف وأنتم بشر ترون بعيونكم البشرية ما لا تراه العيون؟!..

وهل سنبقي في الآخرة بعيون وأجساد بشرية؟.. أظن أنهم لم يسألوا ذلك..

والقرآن الكريم قد ذكر في سورة الأعراف من الآية 143 أن موسي قال:

«رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلي الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلي ربه للجبل جعله دكَّا وخَّر موسي ضعيفاً»..

أما أنا، فأسأل وأجيب: إن العالم الآخر عالم مستقل عن عالمنا الأرضي، لن يكون رداؤنا فيه رداء بشرياً، ولا قوانينه هي القوانين الأرضية.. وربما قصد العالم أينشتين بقانون النسبية شيئاً كهذا - وهو من العلماء القلائل المؤمنين بالله وليس كبقية العلماء الملحدين - لست أنسي قوله بالنص: «إني أدين بالتبجيل كله لتلك القدرة العجيبة التي تكشف عن نفسها في أضأل جزيء من جزيئات الكون»!.. كما لا أنسي قول العالم المعاصر «كاستلر» الذي يعمل حتي الآن في كشف أسرار «المادة»، وألف كتابا قال فيه: «إننا كلما أوغلنا في دراسة المادة أدركنا أننا لم نعرف عنها شيئا.. فسوف يظل دائما شيء فيها مخفيَّا عنا» فلما سألوه: مخفيُّ بمن؟ أجاب: بالله!.. ثم وصف متاعبه في استمرار البحث بالقوانين المعروفة، إذ اكتشف أنه بعد التوغل إلي أمد بعيد توقفت القوانين عن العمل، وأنه دخل في مرحلة لم تعد تسري فيها هذه القوانين الطبيعية المعروفة في الأرض، مما جعله يسأل نفسه: أتري علم الفيزياء الذي نمارسه ليس في الحقيقة علماً واحداً!! أي أنه يوجد علمان كل منهما يعمل مستقلا عن الآخر: علم المرئيات، وعلم للمخفيات.. أو بعبارة أخري علم للمحسوسات أو لهذه الدنيا، وعلم فيزياء آخر لغير المحسوسات؛

أي لغير دنيا البشر، أي للآخرة.. وكل منهما له قوانينه الخاص التي لا تسري إلا علي عالمه؟...

معني ذلك عندي أن انتقالنا إلي العالم الآخر سيضعنا في عالم لا نخضع فيه للقوانين البشرية... وقد جاءت إشارة إلي ذلك في قرآنك الكريم ياربي «سورة الطلاق» حيث قلت في هذه الآية: «الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن» «الطلاق:12». وجاء في تفسير «القرطبي» نقلا عن «الماوردي»: علي أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض، تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز.

معني ذلك أن الأديان نسبية تختص بها أرض دون أرض؛ لأن البشرية نفسها نسبية.. وكأنك ياربي تلمَّح إلي ما سوف يكتشفه العلماء بعد قرون في شخص أينشتين.

كما أوحيت إلي رسولك محمد في قرآنك بقولك: «إنما يخشي الله من عباده العلماء» والخشية كما فسرها بعض المفسرين ترمز إلي التقدير والإجلال؛ حتي لقد قال أبو حنيفة فيمن قر:أ «إنما يخشي الله» بالرفع أي أن الله يخشي العلماء: إن في هذه القرآن استعارة؛ والمعني أن الله «إنما يجلَّهم ويعظهم».. وسواء أكان التقدير والإجلال من العلماء لله، أم من الله للعلماء، فإن المعني هو أن هناك اتصالاً راقياً بين الخالق والمخلوق.. وهو جوهد العبادة الراقية للعقل الإنساني الراقي، بارتفاعه إلي حيث يدرك قدرة الخالق وعظمته..

وليس أدَّل علي ذلك الإدراك والإجلال والتعظيم لهذه القدرة العجيبة التي تفصح عن نفسها في كل جزيء من جزيئات الكون».. وكلمة «كاستلر» عندما قال: «كلما ازداد تعمقنا في دراسة تركيب المادة تضاعف اقتناعنا بأننا ما عرفناها.. فإن جزءاً منها سوف يظل إلي الأبد بعيداً عن تعليلنا؛ لأنه مخفي عنا.. مخفي بمن؟ مخفي بالمبدأ الأوحد: الله...

إن كل ما نعرفه عن العالم المحسوس لا قيمة له في فهم العالم غير المحسوس.. وهكذا حيرة العالم والعلماء اليوم! كلما توغلوا في العلم اقتربوا من الخشوع لله .. وصدق ياربي ما أوحيت به في قرآنك إلي نبيك ورسولك من أنك تخشي من عبادك العلماء.. ولذلك أعتقد أنه من الطبيعي والمنطقي أن مثل هؤلاء العلماء المؤمنين بك سوف يكون مصيرهم مغفرتك وأنت الغفور..

والعلماء أقدر علي إقناعنا بوجودك ووحدانيتك من الفلاسفة الذين لا يعتمدون إلا علي لغتهم وحدها وهي في الغالب عاجزة أو ملتوية.. ولنقرأ ما يقوله «ابن سينا» مثلاً في واجب وجودك: «إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتاً واحدة.. والذي يجب وجوده بغيره فهو غير بسيط الحقيقة.. لأنه ليس الفرد وغيره زوج تركيبي.. إلخ إلخ...».

***

ولكن الله في حديثي هذا معه جعل يستمع فقط.. وتركني أواصل كلامي.. فقلت :ولكن ياربي بعض رجال الدين عندنا يرون غير ذلك.. يرون مصير هؤلاء العلماء من غير المسلمين النار؛ لأنهم لم يقولوا لا إله إلا الله شهادة لغوية.. مع أن العلماء قالوها بالممارسة وليس باللفظ.. ومارسوا قدرة الخالق ووحدانيته في أسلوبه المعجز في خلق الكون وقوانينه التي تدل علي أنه الواحد، وأن أسلوبه الواحد في كل جزيء من جزيِئات الخليقة لا يمكن أن يصدر عن غيره.. ومع ذلك سبق لك ياربي في قرآنك أن حذرت من الغلو في الدين «سورة المائدة»، ولم يغفروا لمن قدرك، وهم لا يعرفون عنك إلا ما حفظوه من ألفاظ لغوية.. ولن يقدروك قدرك إلا بالاقتراب من أسرار خلقك.. ولن يتسني ذلك بلغة أخري.. هي لغة القوانين العلمية.. ولذلك إذا سمحت لي بالتنبؤ فإني أتنبأ بأن رجال دينك في المستقبل سوف يكونون من بين رجال العلوم.. حتي يقتربوا منك عن طريق أسلوب الخلق وليس أسلوب اللغة وحده..

وأنا آسف ياربي أسفاً شديداً، ولا اعتراض لي عليك، ولكنها مجرد ملاحظة، لماذا وأنا أحبك هذا الحب لم تعطني لمعرفتك غير وسيلة اللغة، ولم توجهني إلي دراسة العلم! بل لقد كنت أكره المواد العلمي وأرسب منذ الصغر في دروس الحساب!..

***

بمناسبة الحساب.. يوم الحساب.. هل هذا الحساب للجميع؟ طبعاً.. ألم يرد في القرآن: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلي ربهم يحشرون» ـ الأنعام: 33 ـ

يحشرون!.. نعم.. إذن هو يوم حشر لهم أيضاً! .. لكن يا ربي هل هم لهم أخطاء؟.. طبعاً، يجب أن أعرف ذلك، أليسوا مخلوقات؟! ما من مخلوق إلا وله أخطاؤه..

ولكن هل الجميع؟.. حتي الأنبياء؟..

أعتقد أن الأنبياء معصومون.. معصومون من الفعل، وليس من النية.. لأن يوسف همت به وهمّ بها.. أي تمت النية ولكنه توقف عن الفعل.. لأنه رأي برهان ربه، أي تدخلت أنت ياربي وعصمته عن الفعل..

أنت تعصم من تحب عن الفعل.. أما النية فهي لصيقة الغريزة البشرية..

وهل هناك حساب علي النية؟.. طبعا.. ولكنك غفور ولماذا الحساب إذن؟.. لأنه القانون.. أساس ونظام.. وأنت خالق الكون.. أي فوق القانون..

لا .. بل أنت خالق القانون الذي يتم به تركيب الكون.. فإذا فسد القانون اختل تركيب الكون.. فأنت لست فوق القانون.. ولكنك الحريص عليه.. لأنه من خلقك.. ووليد حكمتك..فعلاً. حرصك ياربي علي قانونك هو إرادتك العليا.. لأن جوهر إرادتك الكينونة.. هي الكون والوجود، وخلود الوجود.. ولذلك سلَّحت كل موجود بأدوات وجوده.. ولنا نحن البشر جعلت يا خالقنا الحبيب أدوات وجودنا: الدين، والعلم، والغريزة.. وما نسميه الغريزة هي معرفة تكونت في أعماقنا منذ القدم.. وتكدست وتكلست.. وصارت تعمل تلقائيا مع وجودنا.. وأصبحت قوة لا يصذ طغيانها إلا الدين والعلم.. أما إرادتك الإلهية ياربي فهي التعادلية بين الثلاثة،فلا تطغي قوة علي قوة، بل يعمل الكل معاً في بقاء الإنسان داخل نطاق التوازن الكوني والكينوينة الكبري.. وعبادتك ياربي، التي يجسدها الدين، هدفها الحقيقي ليس الإحسان إليك؛ لأنك قائم بذاتك لا تحتاج إلي أحد ولا إلي شيء، فقد قلت في قرآنك كثيراً: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها» ـ الإسراء: 7 ـ

كما قلت: «من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فنما يض عليها».. لأن الله يعلم أن البشر ضعيف ولكي ينقذ وجوده من القوة الطاغية التي لشيطان الغريزة المدمرة يجب أن يستمد قوة الوجود من الله الموجود الخالد، بذكره دائماً، والاستعانة به ضد قوة الجاذبية الغريزية المفسدة لتركيبه.. فالدين إذن أداة للإنسان.. ولم يوجده الله إلا أداة تحافظ علي الإنسان باقياً، ضمن التركيب الكوني الذي خلقه الله بقدرته وإرادته وحرص عليه.. فالدين للعابد لنفعه، وليس للمعبود الغني بنفسه.

وبعد.. إني لا أحدثك إلا بما أنت أعلم به مني.. ولكن، أو كان من الممكن أن أحادثك فيما لا علم لك به وأنت ياربي العظيم العليم بكل شيء.. ولكنك لا تسأم حديثي؛ لأنك لا تعرف السأم.. فإنك سميع دائم السمع للغط مخلوقاتك الكثيرة من أبعد المجرات إلي أصغر الحشرات...