اتذكر اني يوما ما قرات رواية اتخنت مشاعري بالازدراء والخوف, دون ان يفهمها عقلي, ولازلت اتذكر فصولها العريضة, واقترح عليكم ان تسمعوها مني لعلكم تستنبطون ماعجزت عنه في زمن غابر...
كانت احدات الرواية تدور في عهد الاستعمار الفرنسي, ماقبل سنة 1956, احدات دارت في زقاق مغربية , وبالظبط في مدينة الدار البيضاء الكبرى, تحكي القصة عن طفل عاش في كنف اسرته التقليدية طبعا, وكانت له اخت تفوقه سنا, اعتاد الطفل دائما ان يلعب في الزقاق , واعتاد الوالد ان يذهب كل صباح لعمله , واعتادت الام وابنتها على قضاء حاجيات المنزل . حياة رتيبة كحياة الاف الاسر انذاك.
وكبرت الاخت الكبرى وبلغت سن التمدرس , اجتمعت الاسرة للنقاش في امرها. تحدت ابي قائلا ..
-مارايك انتي يارقية في تمدرس ابنتنا ؟؟
اجابت الام
- الامر بين يديك وماتقرره تتفذه ياسي مبارك ..
كنت انا جالسا مع امي وابي لكن اختي لم تكن متواجدة مع ان الامر يخصها , ناداني والدي وقال ..
-مارايك انت يا ادريس؟؟؟
اخبرته بسداجتي المعهودة..
-اعرف ان اخت صديقي عزيز لاتدرس لان والدها قال ان الفتيات لا يدرسن هن لاشغال البيت فقط, هكذا قال لي صديقي عزيز.
ابتسم ابي واخذ يداعبني وهو يردد كلاما غير مفهوم عن الرجولة. وارتفعت صرخاتنا وارتفعت معها دعوات وامي لي بكمال العقل .
وكنت انا الطفل الذي لم يتجاوز بعد سنته الخامسة يقرر قرارا مصيريا لاخته القابعة في الغرفة فوق ..
واشرقت الشمس ونادى والدي اختي ..نزلت فاطمة لتلبي الدعوة..فاخبرها ابي بما قررناه البارحة -او بالاحرى ماقررته انا- اذكر كيف طاطات راسها واغرورقت عيناها بالدموع وهي تنبس بكلام لم اسمعه ..اكتفى ابي بنهرها وامرها بان تذهب لتساعد امي في اعمال المنزل...استغربت لبكائها, فالمفروض ان الفتيات لا يدرسن, وتوصلت ان تصرف اختي هو مجرد دلال...حملت نفسي وذهبت عندها كي تغير لي تيابي وتلبسني حذائي, قبل ان اخرج لالعب في الزقاق الذي يعج بالعساكر.
ومرت سنتين ..وبلغت سن السابعة..سن التمدرس . كان الامر مختلفا هاته المرة , فلم تجتمع الاسرة للنقاش كما المرة الفارطة ..بل تفاجات بوالدي يدخل علينا وهو حامل سرة بين يديه ..نادى امي ليخبرها انه ات لياخدني معه للمدرسة -السكويلة كما اعتاد ان ينطقها- حتى يقوم بتسجيبي..زغردت امي ونعتتني بالدكتور -حتى انها لم تلفظها بشكل صحيح كما اذكر- وفتحت السرة, كانت تحوي ملابس جديدة, قميص ابيض... سروال اسود... ومحفظة.... وبعض الغيارات الاخرى. ربت والدي على كتفي وامر فاطمة ان تلبسني مافي السرة . لمحت ابتسامة فارغة في وجه اختي. اخذتني من يدي وهي تهنئني . كان كل شئ يجري طبيعيا بالنسبة لي واستغربت لتلالئ الدموع في احداقها .
ومرت الايام....
ومرت السنون...
والتحقت بالاعدادية .. عاملني والدي على اني رجل البيت رغم اني لم اتجاوز سن 13 . واحسست بتفضيلهم لي -واستسغت الامر- واعتبرته حقا واقتنعت ان اختي هي للبيت فقط . وابتدات انا ايضا اتدخل في شؤونها . فتارة امنعها من الخروج حتى لو كان لاحضار الخبز من الفرن الذي حرصت من قبل على هجنه واعداده لنا . ومرات كتيرة رافقتها لنشر الملابس التي غسلتها الى السطح -لم اكلف نفسي بحمل الغسيل عنها- ولما الحظ يوما انها منزوية او بالاحرى لم اهتم لما تعانيه.. ولم اسالها قط عن مابخابجها في دواخلها لاني ببساطة لم ار احدا من قبل يسالها متل هاتة الاسئلة لا امي ولا ابي.. فكان الامر عاديا واعتقدت انا هذا مايجب ان يكون...
حتى اني اذكر -وصدقوني اني اخجل من سرده- اننا حين كنا نجتمع على طاولة الاكل . كان النصيب الاوفر من اللحم من نصيبي, تقدمه لي امي وهي قائلة خذ يا دكتور تستحق اكتر, وكنت اؤمن بالفكرة حتى اني في بعض المرات اطالب حتى بنصيب اختي -تحت ذريعة اني استحق كل شئ جميل- وكانت امي تلبي طلبي وتراضي اختي باي كلام, وابدا لم الحظ وجه فاطمة المغمور بالبؤس ..
واذكر ايضا اني مرات عديدة وشيت باختي حين كانت ترفض تلبية طلباتي, فكانوا يوبخونها ومرات يضربها ابي, وانا من سخافتي كنت اضحك... دون ان المح نظرات القهر في عيونها..
وبقي الامر على ماهو عليه, ولم تزدد فاطمة الا وهنا وضعفا, وبدات اتار المرض تصبغ سحنتها , لم ياخذوها للطبيب, لان احدا لم يكن لياخذ اولاده للطبيب قبل ذلك, وسكنت الفراش. كانت امي تسقيها بعض الاعشاب المطبوخة, وتارة تذهب عند الفقيه لتحظر تعويذة قد قد نصحتها بها جارتنا -لتبعد عنها العين- وكنت ازور اختي ولا اراها الا وهي تزيد سوءا وفي يوم من الايام رجعت للبيت ..فوجدت المنزل مكتظا بالنساء, بينهم امي تقبع شاحبة اللون وعيونها زائغة, ركضت لغرفة فاطمة لم الحظ قبل هذا اليوم كم كانت غرفتها بائسة, فارغة من كل شئ قد يكون جميل, تطلعت للسرير في الزاوية, لم يكن فارغا , كانت اختي هناك نائمة كما يبدو, دنوت منها ولامست جبينها -لن انسى البرودة المتعرقة التي جمدت اصابعي يومها- فهمت بطريقة ما انها لم تعد هنا, قبلت جبينها الشديد البياض, وجلست بقربها اتامل ملامح وجهها , ااه يا اختي كم انتي جميلة , عيونها كانت مغلقة, شفاهها بيضاء, وكان بقربها توب نصح بياضه عرفت فيما بعد انه كفنها, استجمعت قواي , ولامست يديها, كانت يداها اخشن من يداي؟؟؟واجهشت بالبكاء.
انا الان رجلا وهذه قصتي فمن منكم بنصفني باتهامي ليزيح عقدة الذنب التي اسقمتني...اخبروني اخبروني كيف كان يمكنني ان اساهم في تحرير وطني من يد الفرنسيين والاسبان وانا لم استطع انصاف فاطمة وساهمت في قتلها؟؟؟؟؟
اتمنى ان تشرفوني بتفاعلكم مع الموضوع واتمنى ايضا ممن علقت بذاكرتهم رواية مؤترة ان يسردها علينا حتى نسير بهاته الامة الى الامام عن طريق تجاوز هفواتنا الفاضحة
ودمتم بخير