[b][b]تتعالى الأصوات بضرورة إعادة بناء النظام الدولى بحيث يكون ذو هيكلية متعددة القوة وتأتى هذه الدعوات من دول أوروبية هى فرنسا وألمانيا الدولتان العضوين فى الاتحاد الاوروبى بتقاربهما السياسي والاقتصادي والعسكرى من خلال الاتحاد الاوروبى لكسر التفرد الامريكى .
كذلك بروز العملاق الصينى كقوة منافسة فى القرن الحادى والعشرين وتقاطع مصالحه مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأقوى مثال على ذلك هو منطقة دارفور.
و إن دل هذا على مقدرة مثل هذه الدول المنافسة على قيادة النظام الدولى الجديد المزعوم وكسر احتكار التفرد الأمريكي بقيادة النظام الدولى العالمى الذى نشأ منذ انهيار الاتحاد السوفيتى وتحلل النظام الدولى الثنائي القطبية والذى ساد بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة حتى بداية التسعينات من القرن العشرين. وبالتالى أثبتت هذه الدول إمكانية أن تعيد تشكيل النظام العالمى السياسي ويصبح ذو هيكلية متعددة القوى وإمكانية أن تسوده صبغة التوازن فى القوى بدل التفرد الأمريكي .
ولكن أين نحن العرب من محاولات صناعة النظام العالمى الجديد بدون اى صيغة للاندماج حتى لو بأقل صوره سوق عربية مشتركة بدلا من مشهد التجزئة ؟.
وقبل الإجابة على هذا الطرح يجب توضيح بعض المفاهيم مثل النظام السياسي العالمي وهيكلية هذا النظام.
إن النظام السياسي العالمى, يعنى ذلك النظام التى تتنظم فيه وحدات عالمية تتفاعل وفق أنماط سلوكية تتفاوت ما بين التعاون والصراع .
وأن الهيكلية لهذا النظام العالمى هى تعنى الكيفية التى يتم من خلالها توزيع مصادر القوة والنفوذ بين الوحدات التى يتشكل منها النظام العالمى , وبالطريقة التى تجعل من بعضها قوى متفوقة وتشغل مكانة متقدمة بالقياس مع بقية الوحدات الأخرى .
إن التفاوت فى درجات التأثير على الصعيد العالمى ناجم أساسا عن التفاوت فى مصادر القوة والامكانات التى بحوزة الوحدات العالمية ,فهناك من الوحدات تملك من عناصر القوة والنفوذ ما لم يتاح لاى وحدة عالمية أخرى , وبالشكل الذى يؤهلها لان تكون مصدرا للفعل المؤثر عالميا وبالمقابل هناك وحدات أخرى تفتقر الى هذه المقومات مما يجعلها موضعا للتأثير .
منذ بداية القرن الحالى ( الحادى والعشرين ) ظهرت دولا على الساحة العالمية يمكن أن نقول إنها مصدرا للفعل المؤثر عالميا مثل الصين,وألمانيا .
وللأسف إن الدول العربية جميعها رضيت بأن تأخذ موضع دويلات مؤثر بها من قبل الدول الكبرى الأخرى على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .
والدول العربية في ظل الصراع على قيادة النظام العالمي لم تفكر أن تندمج فى فضاء جديد فى ظل الاستقطابات العالمية مع أهم الفضائيات العالمية وهو الفضاء الإفريقي . ومع ذلك فأن المشهد العربى الذى يطرح نفسه الآن ولسنوات قادمة ما هو إلا مشهد تجزئة وتشرذم لا يمنح حتى موطأ قدم فى اى نظام عالمى جديد .
المشهد العربى تتنازعه أطماع إقليمية ودولية تبدأ من الدول المجاورة للدول العربية مثل إيران وتركيا وقوى دولية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبى والصين .
المشهد العربى ينؤ باءعباء الطائفية والانقسامات الداخلية والاقتصادات الهشة غير قادرة على الخروج من التبعية للاقتصاديات الدول الكبرى .
المشهد العربى يمكن وصفه بمرحلة الانحطاط السياسي واهم سماته التراجع فى القضايا القومية المركزية للأمة العربية الى قضايا قطرية مثل تراجع القضية الفلسطينية من قضية مركزية إلى قضية خاصة بالفلسطينيين وحدهم , ومثل مشكلة العراق . ومن السمات الهامة للانحطاط السياسي بقاء الأنظمة العربية والتقوقع داخل قوقعة القطرية عكس دول العالم التي تبحث على صيغ الاندماج بالأشكال الاقتصادية على الأقل . ومحاولة هذه الأنظمة تحمى نفسها بسور عالي من القهر والعسف والاضطهاد لجماهيرها مما يؤثر سلبا على حالة التطور العلمى والإبداع العربى بحيث يصبح التطور للقشور وليس للمادة الصلبة .مضافا إليها حالة الانبهار والاستيلاب والاغتراب من الغرب الى الغرب وهذا يقودنا الى الانحطاط الاقتصادى الذى أدى إلغاء دور قيام صناعات موازية تنتج احتياجات المنطقة وتكسر منطقة تبعية الاقتصادية للغرب وبالتالي الولاء له وطلب الحماية من الغرب ضد بعضنا البعض . والانحطاط الثقافي الذي نراه في دور الغرب بتكريس مشهد الطائفية والمذهبية وتنميتها وتغذيتها في أكثر من قطر عربي العراق أولا والسودان ولبنان دون أن يحرك ذلك في الدول العربية جميعا شيئا في مواجهة هذا الانحطاط . كذلك فتح القنوات التطبيعية مع العدو علنية وسرية لكسب رضا الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالتالي تعثر الدول العربية دخول نظام عالمى جديد , وهى تعانى من التغريب السياسي والاقتصادى والثقافى .
لا إمكانية للدول العربية دخول نظام عالمى جديد وهى فاقدة لهويتها العربية, متقوقعة بالقطرية الضيقة .
لا مكان للدول العربية في نظام عالمي جديد وهم يجتمعون في ظل الجامعي العربية والتي مر عليها ستون عاما دون أن تسهم في حل أهم القضايا التي أنشأت من اجلها وهى القضية الفلسطينية .
ولا حتى مصطلحات الإصلاح أو التصحيح أو التطوير أو اى مصطلح من هذه المصطلحات يمكنه أن يأخذ بنا إلى صناعة معجزة تنقذنا مما نحن فيه وتنقلنا الى نظام عالمى جديد نكون فيه دول عربية مصدرا للفعل المؤثر عالميا وليس موضعا للتأثير .
قد يشهد جيلنا تحول الأمة العربية من امة مترهلة ترشف الهوان والذل وتطلب المساعدة من الأمم الأخرى.
ولكن لهذه الأمة أن تستفيد من موروثها الثقافى والقيمى كما فعلت الأمم الأخرى لتشق طريقها إلى الأمام من جديد .
إن مستقبل هذه الأمة لن يصنع إلا بترك مشهد التجزئة والانقسام إلى مشهد الاندماج أو التكامل ولو بأحد صوره البسيطة سوق عربية مشتركة أو اتحاد لشركات منتجة للطاقة على غرار اتحاد الحديد والفحم الاوروبى الذى كان مقطورة إنشاء منظومة الاتحاد الاوروبى حاليا.
إن صناعة مستقبل هذه الأمة لن يقوم إلا بأخذ العبرة من اتحاد دول جنوب شرق أسيا (الآسيان) , ومعجزة النمور الآسيوية .
إما أن نبقى دول قانعة خانعة أو نتحول إلى دول تؤثر في موازين القوى في العالم.
توقيع نضال الحصرى