7- من هم شر البرية ؟..
وصف الله تعالى هؤلاء الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم إنهم شر البرية ..
قال العلماء : هم شر البرية لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به بل تركوه فخسروا الدنيا والآخره.
فهؤلاء الذين يعلمون ولا يعملون وصفهم الله بأنهم شر البرية أي شر الخليقة فهم أشر من البهائم فهي لا تعقل وهم أشر من الجُهال فهم لا يعلمون
فكيف وصلوا لهذا الوصف وذاك المقام ؟
فمن المعلوم أن الله تعالى خلق في نفس كل إنسان ميول إلى الحق وميول إلى الباطل قال تعالى " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " فكل إنسان مؤهل بأن يرتقي إلى أعلى عليين ومؤهل بأن ينحدر إلى أسفل سافلين .
فما هو المنحدر الذي يهوي بأصحابه إلى أن يكون شر البرية وقد كان بإمكانهم أن يقاوموا هذا التدني بما وضع الله فيهم من استعداد للخير وقدرة عليه؟
لذلك ينبغي أن نعرف طبيعة هذا المنحدر الذي سلكه هذا الصنف حتى نتقي الوقوف على درجاته فلا تهوي بنا درجة إلى التى تليها فنجد أنفسنا في النهاية من هذا الصنف ونحن لا ندري .
من خلال تناول السوره لهذا الصنف من أهل الكتاب والمشركين نتبين طبيعة هذا المنحدر
فهؤلاء الذين انتهى بهم الحال إلى أنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به قد سبق وصفهم هذا وصف قبله أدى بهم إلى هذا الحال وهو مرض قلوبهم فلو صحت قلوبهم لعملوا بما علموا.
ومرض القلب هو التعلق بغير الله ومحبته والانشغال به .. كما ان سلامته في التعلق بالله وحده ومحبته وتعظيمه .
فيمرض القلب بحب المال أو السلطه أو النساء إلى غير ذلك من متاع الدنيا فإذا جاءه الحق لا يقبله لكونه مخالفاً لهواه.
فأهل الكتاب حين كانت قلوبهم مريضه بحب الجاه أو التملك لم يستجيبوا للحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه الحق من ربهم فهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما حكى عنهم القرآن
" الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ " البقره(146)
لكن حبهم للجاه والسلطه وحب الظهور على الناس جعلهم يأملون أن يبعث الرسول من بينهم وينتسب إليهم ليسودوا بين الناس ويظهرون عليهم .
هذا هو المرض الذي أفسد قلوبهم حتى رفضوا الحق وهم يعلموه . وكم من أوامر لله نسلم بها ونعرفها ومع ذلك لا نقدر على طاعته فيها بسبب ما في القلوب من أمراض .
فما هي الدرجة التى تهوى بصاحبها إلى مرض القلب ؟
ما هي العلة التى تسببت في مرض قلوبهم ؟
إن سبب مرض القلب هو عدم الإخلاص لله تعالى .. فالإخلاص هو إيثار مراد الله على مراد النفس وإفراده بالطاعه وذلك حين يوقن الإنسان أنه عبد لله وحده ولا ينبغي أن يخرج عن طاعة سيده ومولاه فلا يفعل إلا ما يأمره به و يرضاه فتكون أفعاله وأقواله كلها دائرة على حسب مراد الله تعالى
وبذلك الإخلاص يزول تعلقه بغير الله تعالى .. فلا يتعلق قلبه بحب المال أو الجاه أو الثناء أو المدح وسائر المشتهيات..
فإذا مالت نفسه لغير الحق أو دعاه الشيطان لإيثار الباطل منعه إخلاصه لله تعالى من موافقة هوى نفسه فيما يخالف أمر الله تعالى
إما إذا خلا القلب من هذا الإخلاص لله فسوف يصعب عليه إيثار مراد الله تعالى على مراد نفسه بل يسير موافقاً لهواها في كل ما تريد وان كان مخالفاً للحق فيمرض القلب باتباع الهوى .. لأنك كلما وافقت نفسك وأعطيتها ما تريد زاد حبها له وتعلقها به فإذا جاءها الحق لم تؤثره ولم تعمل به لأنه مخالف لهواها.
وبذلك يتبين أن الإخلاص لله تعالى هو الذي يخرج الإنسان من اتباع الهوى الذي يصد صاحبه عن اتباع الحق وكلما زاد إخلاص العبد لله تعالى كلما زادت بصيرته وقويت معرفته للحق وقدرته على اتباعه.
فهؤلاء لما خلت قلوبهم من الإخلاص لله تعلقت بغيره فلما جاءهم الحق لم يقبلوه واتبعوا أهوائهم.
فما هي الدرجه التى أطاحت بهم إلى عدم الإخلاص لله تعالى وإيثار هوى نفوسهم على مراد الله تعالى حتى مرضت قلوبهم فضلوا عن الحق بعد أن عرفوه؟
إنه الجهل بالله تعالى .. انهم لم يعرفوه حق المعرفه .. لم يعرفوه بصفات جلاله فيهابوه ويعظموه ولم يعرفوه بصفات جماله فيحبوه فصعب عليهم أن يؤثروا رضاه على أنفسهم ولو أنهم عرفوه بعظيم صفاته وجمال أفعاله وكمال أوصافه لهان عليهم مخالفة أنفسهم في سبيل رضاه وقصده بالطاعه دون ما سواه.
فالإخلاص لا يصدر إلا من قلب عارف بالله محباً له معظماً لأمره فعز عليهم الإخلاص بسبب جهلهم بربهم
فما هي الدرجة التى هوت بهم إلى هذه الصفه من الجهل بالله تعالى ؟
إنها الغفله عن تدبر كتابه وعدم فهم خطابه , فلو أن أهل الكتاب تدبروا ما جاء في آيات القرآن لسهل عليهم قبول الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل به القرآن فقد أمرهم القرآن بما أمروا به من قبل في كتبهم
والمسلم حين لا يتدبر كتاب الله سيجهل عن ربّه ما يعينه على الإخلاص لله في عبادته فيمرض قلبه بالتعلق بغير الله تعالى .. فلا يرى الحق على صورته ولا يعمل بما جاءه من العلم .
فالقرآن هو مصدر العلم بالله تعالى ففيه يصف الله تعالى نفسه بجلال صفاته وكمال أفعاله وأحكامه في خلقه , فإذا فهم الإنسان خطابه عرف قدره فأحبه وعظمه وأخلص في عبادته.
ولكن أكثر الناس يقرأون القرآن فلا يتدبروه فعميت بصائرهم عن معرفة ربهم وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره نقلاً عن بعض السلف
(لقد تجلى الله لعباده في كتابه ولكنهم لا يُبصرون)
فإذا كانت غفله الإنسان عن تدبر كتاب ربه هى الدرجه التى هوت به إلى الجهل بالله تعالى حتى عز عليه الإخلاص فمرض قلبه فلم يقبل الحق بعد أن عرفه , فما هي الدرجه التى أدت إلى ذلك الوصف ؟
إنها عدم الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه .. إن أهل الكتاب حين لم يؤمنوا برسول الله رغم أنهم على يقين بصدقه لم ينتفعوا بالكتاب الذي أنزل معه !
والمسلم حين يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمن بصدقه لكنه لا يعرف هديه ولا يقتدي به فإنه لن ينتفع بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم
.. فالإنسان حين يهتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يقوده إلى معرفة الله ومحبته وتعظيمه لأنه أعرف الناس بالله وأوصلهم به فإذا كان القرآن يصف لك الطريق إلى معرفة الله وعبادته فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خُلقه القرآن فهو يدلك على ما فيه بقوله وعمله , ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان من هديه في تلاوة القرآن والقيام به بالليل وطريقة تلاوته بالترتيل والوقوف على رأس كل آية ما لو اتبعناه فيه لسهل علينا تدبر القرآن وفهم معانيه بما ينير عقولنا بمعرفته سبحانه ويملء قلوبنا بمحبته.
فما الذي منع من الإقـتداء برسول الله حتى لم نعرف ربنا كما عرفه صلى الله عليه وسلم ?
إن السبب الذي صد أهل الكتاب عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنهم ضلوا عن حقيقة وجودهم والغايه التى خلقوا لها إلا وهي عبادة الله وحده .
وهذا هو ما دعت إليه كل الرسل و نزلت به كل الكتب فلو أنهم آمنوا بذلك وتفطنوا أن غاية كل الشرائع واحده ودعوة كل الرسل واحده وهي دعوة الناس لعبادة الله وحده ( التوحيد) ما كانوا ليفرقوا بين رسول ورسول ويؤمنوا بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به موسى عليه السلام .. فإذا آمنوا بموسى عليه السلام فكان ينبغي أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وان لم يكن من بني إسرائيل فليس الشأن في شخصه وإنما في كونه رسول مرسل من الله .
وكذلك المسلم حين ينسى وظيفته والغاية التى خلق لها كما أخبرنا الله تعالى فقال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56
حين لا يكون هدفه في هذه الحياة أن يحقق الغايه التى خلق من أجلها فإنه لن يعظم شأن من يدله على الله تعالى , فلن يهتم بمعرفة دينه أو اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم أو تدبر كتاب ربه فلن تكون الآخرة أكبر همه وإنما تكون همومه وأهدافه كلها متعلقه بما يجلب له السعاده والراحه في الدنيا فيتعلق قلبه بغير الله وتتشعب به الأهواء فلا يزال ينتقل من هم إلى هم ومن أمنيه إلى أمنيه وهذه هي البدايه..
وتلك هي أول درجه على المنحدر الذي يهوي بصاحبه إلى شر البريه ..
أول خطوه في هذا المنزلق .. أن تجهل الغاية من وجودك, أن تجهل إنك عبد وأن لك رب ينبغي أن تعبده , وتغفل عن مصيرك الذي ينتظرك ولا تفكر في لحظة الحساب والآخره .
ثاني خطوه : هي الإعراض عن تعلم الدين لأنك مهموم بدنياك مشغول عن آخرتك.
فإذا لم تتعلم دينك انزلقت قدماك إلى الدرجه التى تليها وهي عدم الإقتداء برسولك .. وكيف تقتدي بمن لا تعرفه ثم عدم فهمك لكتاب ربك لأنك لا تبتغي منه العظه والهدى والرحمه .
فإذا لم تتبع سنة رسولك ولم تتدبر كتاب ربك سقطت في الدرجه التى تليها وهي الجهل بالله تعالى .. ثم يهوي بك جهلك إلى العجز عن الإخلاص لله تعالى فيتعلق قلبك بغير الله .
فإذا استمر هبوطك .. مرض قلبك وفسد دينك حتى لا ترى الحق على صورته ولا تميز الضار من النافع , فإذا جاءك من العلم ما يبين لك الحق ويعرفك به فلا تستجيب له نفسك ولا يمكنك العمل به بعد أن عرفته.
وحينئذ تكون قد أصبحت من شر البريه الذين يعلمون ولا يعملون , وما من مسلم اليوم إلا ويعرف ما هو معلوم من الدين بالضروره فكل الناس يعلمون حدود الحلال والحرام.
فإذا وجدت نفسك لاتعمل بما تعلم فاتهم قلبك واعلم ان فيه من المرض ما حال بينك وبين معرفة الحق أو العمل به بعد أن عرفته فاستعن على صلاح قلبك بإخلاص العباده لله , واسلك سبيل العلم بالله ومعرفته لتصل إلى هذا الإخلاص والتمس الطريق إلى معرفته في تدبر كتابه واتباع سنة رسوله , ولكي ترفع همتك في ذلك تذكر دائماً إنك خلقت لعبادته وإنك راجع إليه فلم تخلق عبثاً ولن تترك سُدى.
*************
8- من هم خير البريه ؟
قال المفسرون : الذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم هم خير البريه أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله لأنهم عبدوا الله وعرفوا فـفازوا بنعيم الدنيا والآخره.
فكيف يصل هؤلاءإلى هذه المنزلة التى استحقوا بها ثناء الله تعالى عليهم ووصفهم بأنهم خير الخليقه
ما هي الدرجات التى يرتقي فيها الإنسان حتى يكون من خير البريه ..
المتأمل في النصف الثاني من السوره يرى بوضوح هذه الدرجات ويرى ثمارها ونتاجها .. أول هذه الدرجات هي الإيمان بالله
والإيمان بالله ليس عمل عقلي يقتصر على التصديق فقط وإنما هو يقين في القلب لا يغالبه الشك ولا تزعزعه الشبهات فليس كل من قال بلسانه يصدق بقلبه فكم من أناس "يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " إذاً فهذه الدرجه لا تشمل هؤلاء الذين لم تؤمن قلوبهم وإن عرفت عقولهم وأقرت ألسنتهم .
فنحن نرى كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لكونه في بلد مسلم أو مولود في أسرة مسلمة يجهل عن دينه وربّه ورسوله ما يجهله غير المسلمين وبعضهم يؤدي فـرائض الإسلام ومع ذلك ليس في قلبه الإيمان الراسخ الذي يعلو به إلى هذه المنزله التى تضعه على أولى درجات خير البريه وهذا إنما نتج عن توريث الإسلام دون تعلمه وفهم حقيقته
فنشأت أجيال لا تدري عن الإسلام شيء سوى أنه ملة من الملل وديانة موروثه عن الآباء والأجداد لذلك فهم يؤدون فرائضه عن تقليد موروث ويؤدون العبادات برتابة خالية من الحس – لسان حالهم يقول :
" قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُـقـتَدُونَ " الزخرف 22
ثم لا يلبث بعضهم ان يصل إلى إهمال الفرائض أو تركها بالكليه .. !!!!
أما الإيمان فهو شيء آخر.. لذلك فرق القرآن بين معنى الإيمان والإسلام فقال تعالى " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " الحجرات
فالإيمان الذي نصف أصحابه في سورة البينه هو الإيمان الذي يدخل القلب فيرسخ فيه رسوخاً لا يقبل الريبة والشك
لذلك قال تعالى معقباً على الآية السابقه في سورة الحجرات " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ "
أما الإيمان العقلي المقصور على التصديق بدون عمل القلب أو الإيمان اللحظي الذي لا يكاد يدخل القلب حتى تطفئ أنواره الشهوات أو الشبهات فليس هو المقصود هنا .
فالذي نعنيه من أوصاف خير البريه هو ذاك الإيمان الذي يكسب العقل التصديق الجازم .. ويكسب القلب اليقين الراسخ وهذا اليقين لا ينتج عن مجرد التقليد لمن تثق به وإنما لابد أن يأتي من داخلك بحيث تؤمن عن علم وفهم واعتقاد لذلك كثر في القرآن الدعوه إلى التفكر والتأمل في آيات الله المشهوده والمقروءه لأن ذلك يؤدي إلى اقناع العقل واشباعه بما تمليه عيه فطرته وبما جبل عليه من الإيمان
وهو كذلك يكسب القلب يقيناً يجعله منجذباً بكليته إلى توحيد الله تعالى ومحبته وتعظيمه فينتج عنه انقياد الجوارح لطاعة الله .
بفعل ما أمر وترك ما نهى وهذا هو العمل الصالح الذي يُثمره الإيمان الصادق وهذا العمل ليس مقصوراً على أداء المناسك والشعائر التعبديه من صلاة وصيام وزكاة وحج .. وإنما هو معنى شامل لكل ما أمر الله به من عبادة واخلاص وسلوك
فأصحاب هذه الدرجة قائمين بالإسلام قولاً وعملاً .. وعبادتهم تشمل كل جوانب الحياه عملاً بقوله تعالى
" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فالمسلم مامور أن تكون حياته كلها دائرة على حسب أوامر الله تعالى .
ولكن الإنسان مهما اجتهد فإنه قد يقع في التقصير مرات ومرات ويصيبه الفتور بين الحين والآخر وهذا بمقتضى ضعفه البشري قال تعالى " وخُلق الإنسان ضعيفا "
وليس الخطر في ذلك فالإيمان يزيد وينقص , يزيد بالطاعه وينقص بالمعصيه, قكلما نقص إيمان العبد بوقوعه في الذنب فيمكنه أن يتدارك حاله بالتوبه وفعل الطاعات , طالما أصل الإيمان ثابت في قلبه والغالب على جوارحه الإنشغال بطاعة الله فما يكاد يقع في الذنوب حتى يعود بالتوبه وما يكاد تبعده الهموم حتى يعيده ذكر الله إلى حظيرة الإيمان .
وإنما الخطر يكمن في أن يهمل الإنسان نفسه حتى ينتقص إيمانه أول بأول .. فلا يبقى عنده ما يعينه على الرجوع إلى ربه بل يكون أقرب إلى عدوه من معبوده.
فالإنسان مبتلى في هذه الدنيا بما يوقعه في الذنوب والهموم التى تبعده عن ربه ولا يوجد انسان معصوم من الذلل ولكن المؤمن كلما بَعُد ..اقترب, وكلما زلت قدمه ..عاد واقفاً .
ولكن كلما تأخر رجوعه كلما زادت المسافه بينه وبين ربه وبقدر بعده عن ربه بقدر قربه من عدوه , فيظل عدوه يجذبه بعيداً عن مولاه بذنب يلي الذنب وبهم يتبعه هم ..
وكلما استجاب له زاد ضعفه ونقص الإيمان في قلبه فلا يقوى على مقاومة عدوه حتى يأسره هذا العدو اللدود إما في سجن الشهوات أو الشبهات ولا يخرجه من أسره إلا قوة إشتياقه لربه او شدة الخوف منه
فالإيمان هو مادة غذاء القلب فإن نقص غذاءه ضعفت قوته لذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بإيمانه ويجعله في زيادة ويتدارك كل نقصان بما يجبره من العمل الصالح.
فإذا تحقق المسلم بالإيمان والعمل الصالح واستقام على هذا الوصف فقد شمله وصف خير البريه ووصل إلى أول طبقة منهم .. وهم الصالحين .
ومعنى ذلك أنك أيها المسلم حين تؤمن إيماناً يلزمك بأداء ما افترضه الله عليك ويحببك في التقرب إلى الله بنوافـل الطاعات والاعمال الصالحات فأنت بذلك من خير البريه .
و من منا لا يحب ان يكون منهم وقد مدحهم الله وأثنى عليهم ووعدهم بحسن الجزاء فاجتهد في الالتزام بأوامر الله وحافظ على إيمانك من النقصان باجتناب الذنوب وإصلاح العيوب .
واحذر من الدنيا .. أن تشغلك عن ربك وتسلب إيمانك وأنت لا تدري فليست المعاصي هي الخطر الوحيد الذي يهدد إيمانك وإنما هموم الحياه قد تكون أخطر بكثير حين لا يحذر الإنسان منها لذلك جاء في تفسير السوره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" قال : ألا أخبركم بخير البريه ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه . ألا أخبركم بخير البرية قالوا : بلى يا رسول الله قال رجل في ثُلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة "
فأشار الحديث إلى طبقتين من طبقات خير البريه:
الطبقه الأولى .. هي طبقة المجاهدين في سبيل الله ..
والطبقه الأدنى هي طبقة الصالحين وقد أشار إليهم بهذا الوصف (رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة) فقوله ( في ثلة من غنمه ) كناية عن السعي في تحصيل أسباب والكسب والمعاش فهؤلاء الذين لا تشغلهم هموم الكسب عن أداء حق الله تعالى فهم من خير البرية وهذا نتاج الإيمان وثمرة العمل الصالح.
فكيف وصل هؤلاء إلى هذه الدرجة من الإيمان والعمل الصالح حتى أصبحوا من خير البريه ؟
لقد أدركوا الغايه التى خلقوا من أجلها فعرفوا أن لهم ربّ ينبغي أن يعبدوه فأحبوا من يدلهم عليه فتعلموا دينهم وتدبروا كتاب ربهم
واتبعوا سنة رسولهم , فازدادت معرفتهم بربهم وانتقلوا من الإيمان التقليدي الموروث إلى الإيمان الخالص فاخلصوا القصد لله تعالى وسهل عليهم العمل بعد العلم وابتدأوا من حيث انتهى شر البرية الذين علموا الحق ولم يعملوا به.
فإذا استقام العبد على الإيمان والعمل الصالح وقوي إيمانه وعًظُم عمله ارتقى إلى درجة أعلى وهي الرضا عن الله تعالى في أحكامه وأقداره وهي ناتجة من الدرجة التى قبلها وهي الإيمان والعمل الصالح.
فقد قال المفسرون في قوله تعالى " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " إن رضا العبد عن الله لمسبوق برضا الله عنه.
ورضا الله عن العبد إنما يكون بسبب قوة إيمانه بالله وكثرة اجتهاده في العمل الصالح وهو ما يفسره العلماء (بالـرضا بالله ) فمن رضي بالله ربّاً فلم يتخذ معبوداً سواه وأطاعه في أوامره فإن الله يرضى عنه وينتج من رضا الله عن العبد رضا العبد عن الله .
فإذا استقام الإنسان في هذه الدرجة وثبت في مقام الرضا بحيث يستقبل كل أقدار الله وأحكامه بالرضا والإذعان والتسليم فسوف ينكشف له من أسباب الفهم والعلم بالله ما يقوي معرفته بجلال الله وكمال أوصافه.
وكلما زاد تفكره وتامله في كل حكم وقضاء يقضي الله له في خلقه مع حسن ظنه بربه بحيث لا ينتهي في شيء قضاه فإنه يزداد علماً بالله و يقيناً بألوهيته و ربوبيته.
فإذا حصل له المعرفه والعلم بالله انتقل إلى درجة أعلى وهي درجة الخشيه فإن الخشيه ثمرة العلم بالله لذلك خص الله تعالى العلماء بالخشيه فقال " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء "
وذلك لأن العلم بكمال الله وجلاله يورث القلب التعظيم والمهابه له سبحانه وهذه هي الخشيه كما عرفها العلماء : خوف مقرون بهيبة فالخشيه تنبع من حُسن معرفة الله تعالى وكمال العلم به .
وعلى قدر العلم والمعرفه تكون الخشيه قال صلى الله عليه وسلم " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " رواه مسلم
فكلما ازددت معرفة بالله ازددت اجلالاً له وتعظيماً حتى تكون هذه الخشيه هي الدافع لكل عمل يقربك منه وهي الزاجر لكل عمل يبعدك عنه.
قال الألوسي: قد تبين من قوله تعالى " ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ " أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصولاً إلى أقصى المراتب ورضوان من الله أكبر بل الموصل له خشية الله تعالى .
فالخشيه هي أعلى درجه في سلم الصلاح فمن ثبت عليها ثبت على ما دونها من الدرجات وجنى أعلى ثمارها وهي الفوز برضوان الله تعالى وجنته ,
ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى " ذلك لمن خشي ربّه " أي ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشيه لله سبحانه في الدنيا وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشيه.
هذه هي درجات الرُقى لمن أراد أن يرتقي
إيمان بالله تعالى يتبعه عمل صالح في مرضاته
فإذا قوي الإيمان واستقام على العمل ارتقى إلى مقام الرضا من الله تعالى فيرضي الله تعالى عنه
فإذا حصل له الرضا من الله تعالى ارتقى إلى مقام الرضا عن الله تعالى في أقداره وأحكامه
فإذا ثبت على الرضا انفتح له باب المعرفه والعلم بالله فيُثمر له العلم بالله هيبة وتعظيماً لجلال الله يملئ القلب بالخشيه.
فإذا سكنت الخشية القلب - احترقت مواضع الشهوات فيه فلا يبقى في القلب محبة إلا لله ولا خوفاً إلا من الله فيتعلق بالله وحده ويفرده بالقصد والطلب فلا يكون منشغلاً إلا بما يرضي مولاه.
وبقدر الصعود يكون الإرتقاء .. فمنهم من وصل إلى طبقة المجاهدين ومنهم من وصل إلى طبقة الشهداء ومنهم من وصل إلى طبقة الصديقين
وأعلاهم من اصطفاه الله بالنبوه والرساله وأدناهم من آمن بالله وعمل صالحاً وهم طبقة الصالحين فأولئك جميعاً (هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)
قال تعالى " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " النساء 69