المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: شرح تفسير سورة الْــبـَــيـِّــنَـه
منتدي الحلم العربي > منتديات العبادات > قسم القرآن الكريم
فــرح مـونـي


الْبَـيِّـنَه


بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ *
وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ *
جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ "




أقوال العلماء
إضغط لإظهار المرفق


يتبع ..



فــرح مـونـي


** الـفــــــوائــد **


1-انتبه لهذا البيان


هذه السوره تسمى (البينّه ) والبينه هي الحُجه الواضحه وأصلها الوضوح والظهور , لعل هذه التسميه تدلل على أهمية وخطورة ما تعرضه السوره كأنه بيان هام بالغ الأهميه ينبغي أن ينصت له باهتمام خاص.

فهي ستُظهر وتوضح حقائق هامه لا ينبغي الجهل بها والتقاعس عن فهمها ؟ فما هو هذا البيان الذي تعرضه سورة البينه ؟

إنه بيان يوضح من هم شر البريه ومن هم خير البريه


والبريه هي الخليقه .. أي كل ما خلق الله من مخلوقات.. هذا البيان يظهر لك أعلى درجات الخير في أهل الخير وأعلى درجات الشر في أهل الشر ..

فهي ترسم لك المنحدر الذي يهوي بمن يركبه إلى أسفل سافلين وترسم لك السلم الذي يمكنك الإرتقاء عليه إلى أعلى عليين

هذا هو البيان بشكل إجمالي .. أما تفصيله فهو وصفه لخير البريه وشر البريه على التفصيل .. فذكر أوصافهم ومسلكهم وجزاؤهم وبدأ السوره بوصف أعيانهم كأعلام وأشخاص ليستدل بها على أوصافهم.

ومما يظهر أهمية هذه السوره وما احتوت عليه من بيان هام أن تتأمل في موقعها بين سور القرآن .. فقد جاء قبلها سورة القدر والحديث فيها عن القرآن ونزوله في ليلة القدر .. وجاء بعدها الزلزله والحديث فيها عن أهوال اليوم الآخر.
وانتظام السور الثلاث ينسج رساله رائعه المعنى بالغة الأهميه وهي : هذا القرآن كتاب له قدر أنزلناه في ليلة ذات قدر على أمة لها قدر ليبين لهم من خير البريه ومن هم شر البريه .. ولن ينتفع بهذا القرآن إلا من خشي ربّه .. ومن أراد أن يخشى ربه فـليتعرف على أهوال اليوم الآخر.

ومما يؤكد أهمية هذه السوره وما احتوت عليه من بيان أن الله تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأها على أصحابه .. فاختار أُبي بن كعب بأمر من الله تعالى ليقرأها عليه لأنه كان أجود الصحابه قراءة للقرآن ..
فقد جاء في الحديث الصحيح [ أقرؤكم أُبي ] وقد أسند إليه النبي صلى الله عليه وسلم مهمة تعليم الوفود القرآن وتفقيهها في الدين وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غاب عن المدينه يستخلفه لإمامة المسلمين في الصلاه , وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه [ سيد المسلمين أبي بن كعب ] وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في صدره وقال [ ليهنئك العلم أبا مُنذر] أي ليكن العلم هنيئاً لك.

ومما سبق يتبن فضل أبي بن كعب رضي الله عنه – حتى اختاره الله عزّ وجلّ ليكون محل تعليم رسول الله لأصحابه هذه السوره مما يبين أهمية ما جاء في هذه السوره حتى نالت هذا الإهتمام الخاص في تعليمها فقد جاء في صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأُبي بن كعب حين نزلت ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) إن الله أمرني أن أقرأ عليك (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)
قال أبي : آلله سماني لك ؟ قال نعم الله سماك لي فجعل أبي يبكي ..

وقد استخرج العلماء من هذا الحديث فائده فقالوا : وفيه أن من السنه أن يستمع القرآن في بعض الأوقات من غيره.

وقد قال صلى الله عليه وسلم لإبن مسعود رضي الله عنه : اقرأ علي فقال: أقرأ عليك وعليك أُنزل قال : أني أحب أن أسمعه من غيري , قال ابن مسعود : فقرأت سورة النساء حتى أتيت هذه الآيه ( فكيف إذا جئنا بك على هؤلاء شهيداً ) قال : حسبُك الآن , فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان أي تقطران

إن الغرض من قراءة القرآن هو تدبر المعنى .. والتدبر معناه التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه وإدراك معانيه

وعملية التفكر تنتج من عرض المعنى على القلب أثناء تلفظ اللسان بالحروف والكلمات فإذا وافقت حركة اللسان حضور القلب وشهوده تم عرض المعنى على القلب فحصل الفكر والتأمل ونتج منهما الفهم والعظه , وفي حالة السماع يكون إنصات القلب وحضوره أشد لسكون الجوارح كلها بما فيها اللسان مما يُعطي القلب فرصه أكبر في إلتقاط المعنى.

وهذه السوره خاصة يحتاج الإنسان إلى سماعها كأنها بيان يُتلى عليه فأنت حين تسمع هذا الوصف (خير البريه ) تشتاق نفسك ويشتهي قلبك أن تعرف من هم خير البريه من هم هؤلاء الذين أثنى الله عليهم بأنهم أفضل مخلوقاته وكيف يرتقي الإنسان ليكون منهم .

وما هي أدنى درجاتهم وأعلاها وكيف ارتقوا إلى هذه الدرجات فما أجمل أن يصف الله عز جل صنف من خلقه بأنهم خير الخليقة وأفضلها ثم يبين جزاؤهم الذي أعده الله لهم ويبين قبل ذلك انه رضي عنهم وارتضاهم عبيداً لهم .
فإن لم يكن في فضلهم سوى ثناء الله عليهم بهذا الوصف فكفى به فضلاً وشرفاً فماذا لو علمت بما لهم عند الله من جزاء وما نالهم من رضاه.

إنه خبر هام ينبغي أن يتشوف القلب لفهمه وتشتاق النفس لمعرفته ويسعى الإنسان لتحصيله.

وإذا سمعت هذا الوصف (شر البريه ) فإن القلب ينقبض والنفس تشمئز والجوارح تقشعـر من هؤلاء الذين حكم الله عليهم بأنهم أشر الخلق فهم أبغض الناس إليه وأبعدهم عن رحمته فمن هؤلاء وكيف يتدنى الإنسان إلى درجاتهم.

فما أقبح أن يوصف إنسان بهذا الوصف .. ( شر البريه ) إن الإبن إذا سمع أبيه يذمه أمام الناس فيقول هذا أشر أبنائي فإنه يحزن ويتحسر لذلك .. فما بالك لو كان هذا الذم من رب العالمين!

فلو لم يكن في هؤلاء الخلق مذمة سوى ذم ربهم لهم لكان جديراً بنا أن نتحرى أخبارهم لنعرفهم ونتباعد عن اوصافهم حتى لا يشملنا وصفهم او يلحقنا شؤمهم.

ومن هنا يجب ان نستقبل هذه السوره استقبال جاد قوي حتى ينكشف لنا بوضوح حقيقة التصنيف التى جاءت به السوره لأصناف الخلق.



****************


2- إن الله لا يُغـير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم



كان أهل الكتاب أصحاب رساله سابقه واتباع نبي مُرسل وبين أيديهم كتاب منزل ولكن المسافه بينهم وبين هدى رسولهم وتعاليم كتابهم تباعدت فانحرفوا عن المنهج الرباني وضلوا الطريق إلى صراط الله المستقيم وبدلاً من الرجوع إلى الحق الذي آمنوا به وعرفوه واستمروا على ما هم فيه من الضلال والإنحراف عن منهج الله حتى يأتيهم من يجدد لهم الرساله ويعيد رسم الطريق من جديد وجعلوا هذه هي حجتهم فيما هم فيه من كفر وضلال ..

وكذلك المشركين رغم أنهم توارثوا عن ملة إبراهيم ما يقيمهم على التوحيد لكنهم احتجوا بغياب الرسل على صحة ما ذهبوا إليه من التشريك في عبادة الله واعتقدوا انهم على حق , وكان من المتوقع لكلا الفريقين أنه حين يبعث الله رسولاً يجدد دعوه الأنبياء والمرسلين إلى عبادة الله وحده والإلتزام بصراط الله المستقيم أن يكونوا أول المصدقين به وأكثر المؤمنين برسالته.

ولكن المفاجأه الغير متوقعه أن كثير منهم تمسك بما هو فيه من ضلال وما ذهب إليه من الكفر

فبعد أن وصفهم الله تعالى بقوله( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ )

أي لم يكونوا تاركين ما هم فيه حتى تأتيهم البينه فماذا حدث حين جاءت البينه قال تعالى ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)

لقد تفرقوا عن الحق بعد اجتماعهم على الباطل تفرقوا فمنهم من آمن وهم قليل ومنهم من بقي على كفره وضلاله وهم كثير

فما السر في هذا التناقض الواضح بين ما كانوا يدعونه من انتظار البينه التى تدلهم على طريق الحق وبين ما صدر منهم من إعراض وتجافي عن الأخذ بأسباب الإيمان والهُدى.

السر في ذلك هو فساد قلوبهم فلم يؤثر فيهم الحق حين جاءهم فليس الجهل هو السبب في ضلالهم ليكون العلم سبباً في إصلاحهم وإنما العله الحقيقيه هو ما في قلوبهم من الكبر والحقد والحسد حتى دفعهم ذلك لبطر الحق وغمط الناس فلم يرتضوا أن يكون الرسول الذي ينتظرونه من العرب من ولد اسماعيل عليه السلام

وإنما أرادوا ان يكون من نسل بنى إسرائيل فهم لا يبحثون عن الحق بقدر ما يبحثون عن الجاه والمجد والظهور على الناس ..فهم لرداءتهم و نذالتهم وفساد قلوبهم لم يزدهم الهدى إلا ضلال لذلك لم يقبلوا الحق ولم يعملوا به رغم علمهم به.
وفي ذلك قال تعالى " وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُُوتُوا الْكِتَابَ إلّا مِن بَعْدِ مَا جَاءِهُمُ الْعِلْمُ بَغْـيَاً بَيْنَهُم " آل عمران19

فهم اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق لأن العلم كالمطر لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبه النقيه وكذلك لا يستفيد من العلم إلا النفوس الصافيه والقلوب الصحيحه

ومن هنا نخرج بفائده مهمه نسقط عليها شيء من الواقع الذي نحياه ..

كثير من الناس يستسلمون للجهل وينغمسون في الضلال ويعلقون هدايتهم وصلاح أحوالهم على تحسن الظروف وتغير الأحداث , فإذا تحسنت الاحوال وتغيرت الظروف إلى الأفضل ظلوا على ما هم فيه وقد يزدادوا سوءاً , لأن الحقيقه أن نفوسهم غير صالحه للهُدى ولا مؤهله للإستقامه وإنما هي مُنجذبه للدنيا مؤثره للكسل مُحبه للخطأ يبرر أحدهم سوء حاله مع ربّه وفساد دينه بالفقر ويعتقد أنه لو اغتنى ووسع الله عليه سيهتدي وآخر يتعلل بالحرمان من الصحه أوالأولاد وآخر يُعلل فشله بكثرة الهموم والمشاكل وينتظر الخروج منها

وأخرى تعتذر عن تقصيرها بهموم الأولاد ومشاغلهم وتنتظر حتى يكبروا و آخر يتعلل بعدم الفراغ وكثرة المزاحمات.

فبعضهم يتعلل بالحرمان من النعمه وبعضهم يتعلل بالإنشغال بالنعمه فإما أن تبقى العله ويبقون معها في البعد والضلال ..

وإما ان تذهب العلة ولا يذهب عنهم التقصير والعصيان .

فبعد أن ذهبت هموم جاءت هموم غيرها وبعد أن كبر الأولاد تجددت مشاكلهم وبعد أن جاء المال جاءت معه الفتنه وبعد أن وجد الفراغ شغله بالمعاصي.

فالإنسان إذ لم يكن راغباً في الهدى صادقاً في طلب الحق لن تنفعه الإمدادات والمُعينات والعبره بصلاح القلب فإذا صلح القلب صلح حال الإنسان مع ربّه في أي واقع يحياه.

فلا ينبغي للإنسان أن يعلق صلاح دينه وحسن حاله مع ربّه على صلاح دنياه وتغير الأقدار لسببين :

أولاهما : أن الإنسان ممتحن بالواقع الذي يحياه فهو مبتلى بما أُعطي وبما حُرم فإذا لم ينجح فيما أمتحنه الله به من أقدار فلن ينجح في غيرها مهما تغير الحال وتحسنت الظروف , فلست أنت الذي تحدد وتختار امتحانك و إنما هو حق الله وحده فيمتحن الإنسان بما يُطيقه ويقدر عليه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها فإذا عجز الإنسان عن اجتياز هذا الإمتحان فماهذا إلا لضعف إيمانه أو فساد قلبه.


كمثل رجل بخيل يقول لو أن الله أعطاني مالاً كثيراً لتصدقت به , فلو كان صادقاً لتصدق بالقليل الذي عنده والحقيقه أن عدم إنفاقه ليس لقلة المال وإنما لشُح نفسه عن الإنفاق ومهما أُعطي من المال أكثر فلن يتغير خُلقه إلا إذا تغير قلبه وذهب ما فيه من تعلق بالدنيا وحب للمال .

السبب الثاني : ان الإنسان كلما تأخر في فعل الطاعه فإن قلبه يزداد قساوة وضعف فإذا تحسنت الظروف التي كانت تُعيقه عن الطاعه فإنه قد لا يجد قلبه كما هو وإنما يحيل الله بينه وبين ما كان يشتهي.

لذلك حذر الله تعالى عباده المؤمنين من التسويف وهو تأجيل الإستجابه لأمر الله تعالى لحين يطيب للإنسان ويسهل عليه القيام بما طلب منه على غير جهد يبذله أو عناء يتحمله


قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ " الأنفال24

فالمرأه التى تؤجل ارتداء الحجاب لبعد الزواج أو تؤجل الإستقامه لحين يكبر الأولاد والشاب الذي يؤجل تعلم دينه لحين ينتهي من دراسته ويستقر في حياته ويؤجل استقامته لحين يفرغ من مشاكله وبعض همومه.

فإن هذا التسويف قد يُطيح بما في القلب من رغبه حقيقيه في الهُدى فإذا جاء الوقت المناسب لم يجد الإنسان في قلبه ما كان فيه من الهم الصادق والرغبه الشديده وإنما يظل يتمنى ويريد وجوارحه مقيده عن تحقيق ما أراد لأنه قد حيل بينه وبين قلبه.

ولهذا نرى أناس كثيرون لا ينفعهم العلم بالحق في أن يتبعوه ويعملوا به لفساد قلوبهم , فحين جاءهم العلم لم يغير نفوسهم ولم يزكي أخلاقهم لأن الخلل الحقيقي عندهم هو فساد القلوب.

فالقلب الذي امتلئ بالكبر يُعرض عن الحق ولا يقبله ولا يراه في صورته الحقيقيه والقلب الذي أمتلئ بحب الدنيا لا يستجيب للهُدى ولا يرى فيه الخير وإنما يجد منه صدود في نفسه ومراره في حسه , فأمثال هؤلاء لا يزيدهم العلم إلا ضلال.

أما من كانت علة بعده عن الله هو الجهل بدينه وبربّه فمثل هذا إذا صدق إقباله على الله وصحت عزيمته كان العلم له كالمطر الذي يُحيي الأرض بعد موتها ..

فمهما تباعدت أسباب الحياه عن قلبه فقسي حتى يبست أراضيه فإن من العلم يحييه لذلك حين حذر الله تعالى من قسوة القلب فقال

" أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " الحديد16

فقد قال بعدها مؤملاً كل من صدقت رغبته في الإنابه إلى الله تعالى " اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " الحديد 17

فلا ينتفع بالعلم من تعلق قلبه بغير الله تعالى ولا يصلحه إلا الخشيه التي تزيل أمراضه وتذيب تعلقه.

لهذا فإن العلم بالله الذي يورث الخشيه هو الدواء النافع لكل قلب مريض , فإذا جهل الإنسان عن ربّه كل شيء فلا يفيده العلم بما سواه وإنما يزداد مرضاً على مرضه وبُعداً على بعده..

فكما لم ينتفع اهل الكتاب بالحق حين جاءهم لفساد قلوبهم فلن ينتفع المسلم بعلم الشريعه إلا حين ينصلح قلبه بمعرفة الله تعالى وخشيته.

لذلك كان الصحابه يقولون تعلمنا الإيمان قبل القرآن فكانوا بهذا الوصف " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا " الأنفال 2

أما من فسد قلبه فإنه لن ينتفع بالعلم .. وإنما يزداد فساداً وضلالاً قال تعالى

" وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ " التوبه124

لذلك لابد ان نهتم بإصلاح القلوب بقدر إهتمامنا بإصلاح الظاهر فإذا أذنبت او أخطات فليكن همك إصلاح العيب بقدر إهتمامك بغفران الذنب ,

فأنت حين تظلم إنسان ثم تستشعر خطر هذا الذنب فتتوب منه لا ينبغي أن تقف عند هذا الحد وإنما لابد ان تعرف العيب الذي به أذنبت لأنك إذا لم تعالج العيب فإنه يوشك أن يتكرر منك الذنب مراراً وتكراراً.

فما سبب ظلمك لأخيك أو لأهلك . هل هو تكبر أو حسد أو حقد أو شحاً بالخير ! فما هو الداء الذي دفعك لئن تعامله هذه المعامله وما سبب هذا الداء الي أوقعك في هذا الذنب ؟

هل السبب قلة الخوف من الله أو الإغترار بعفوه أو الحرص على الدنيا؟

فإذا عرفت المرض الذي في قلبك تمكنت من إصلاح العيب الذي به أذنبت لأنه حين ينصلح القلب تنصلح الجوارح , فإذا أصلح الإنسان فساد قلبه تغير حاله من الإعراض عن الله إلى الإقبال عليه ومن معصيته إلى طاعته.

قال تعالى " إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم "

فاهتم بصلاح قلبك حتى ينفعك العلم والنُصح والقرآن ولا تكن كأهل الكتاب من المشركين ممن فسدت قلوبهم فلم يصلحها العلم ولم تقبل الحق ولم تنتفع بالقرآن .
فادية يوسف


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ---


بارك الله فيكى حبيبتى فرح == وزادك تقوى وايمان --


شرح وافى جوزيتى كل خير ---


الم يان للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله - وما نزل من الحق ---


حقا اذا تدبرنا القراءة لخشعت قلوبنا وعقولنا وابداننا ---


اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده -


واجعلنا من اهل القران الذين هم اهلك وخاصتك يا ارحم الرحمين ---





عباس العرسة
جميل بارك الله فيكى زجعلة كلة فى ميزان حسناتك وجعلنا من المستفيدين من هذا الشرح الوافى الميسر

لهذة الصورة العظيمة التى تتجلى منها العبر والعظات التى يجب ان يعتبر بها كل انسان وان تصبح لة الدربي الذى ينير حياتة
فــرح مـونـي
الاخت فاديا والاخ عباس بارك الله فيكم

طبعا انتو عارفين من تنزيل شروح السور السابقه ان هذا من درس تفسير اسبوعي أحضره شرح شفوي ثم أنتظر لتعطيني إياه الاستاذه مكتوب وطبعا هي سعيييييييده جدا بتنزيله مجانا وبصفه مجهوله (يعنى غير مدون عليه اسمها ) على النت وهذا منتهى الاخلاص لله والحب لنشر الدين دون مقابل دنيوي في حين نرى كثيرين من أهل العلم والشهره والشهادات يتنازعون الأفكار بل ممكن جدا كتاب علم قديم ناخد العلم اللى فيه ونقيد عليه اسمنا - عادي يعنى - dry.gif


ملحوظه .. لما كنت أقرأ هذه السوره من قبل لا أفهمها يعنى أحس - استغفر الله - انها بين سور تتكلم عن الآخره بعدها الزلزله والقارعه وقبلها القـدر

باختصار هي سوره مستخبيه بين سور تقرع القلوب لدرجة أن أحد معارفي كنت بحكي له عنها

- فسألني بكل براااءه واستغراب "ايه هو في عندنا في القرآن سورة اسمها البينه ؟ huh.gif

وهو كان لسه خاتم المصحف في رمضان ..

فبالشرح وضحت الصوره تماما - ولا اخفي اني فوجئت بشرحها


لا أدري كل ما بقرب منها بشعر بتلك الرهبه التى شعرتها وقت حضور الدرس

وفعلا بتمنى من كل من يكمل قراءة بل دراسة الشرح يحكي لي عن انطباعه و ماذا غيرت فيك هذه السوره ..

اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك وارزقنا طاعتك وطاعة رسولك


فــرح مـونـي


3- هل عرفت قدر رسولك وكتاب ربّك ..

قد بينت الآيات الأولى من السوره أن الشيء الوحيد الذي يكفل للإنسان أن ينفك عن الشر ويترك الضلال هو ( العلم ) الذي يبين له بوضوح جوانب الخير والشر في شخصيته وفي الناس حوله وفي كل جوانب الحياه وهو الذي يعينه على سلوك طريق الخير وتجنب طريق الشر.

وذلك من قوله تعالى " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ " فأخبرعنهم أنهم لم يكونوا تاركين ما هم عليه من الكفر والضلال إلا بعد أن تأتيهم البينه ثم فسر هذه البينه بأنها (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) فالبينه هي ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله فجعل القرآن هو مصدر العلم وبه يظهر الحق وتتضح الأمور لذلك فسر العلماء البينه تفسيرات كلها مجموعه على معني واحد هو(العلم ) فقالوا هي القرآن أو الرسول ذاته أو ما جاء به الرسول في القرآن ..

فكلها مؤديه لمعنى العلم الذي جاء به القرآن .. وقد جاء التصريح بذلك في حكاية الله تعالى عن أهل الكتاب في أكثر من موضع فقال "وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم "

فإذا كان العلم هو السبيل إلى معرفة الحق والعمل به .. فقد تبين أن مصدرهذا العلم هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله الذي أنزل عليه وأرسل به رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات إلى النور قال تعالى
" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"

فماذا لو لم يبعث الله لنا رسولاً ولم يُنزل علينا كتاباً ؟

لو حصل ذلك لبقينا في ظلمات الجهل والضلال حتى تنتهي الحياه دون أن نعرف لنا ربّاً ولا ديناً ولا طريقاً .. نحيا كالبهائم نأكل ونشرب ونموت ونفنى ثم نخلد في النار أبد الآبدين.

ونحن نرى في دنيانا أناس يولدون ويتناسلون ثم تنقضي حياتهم كأنهم لم يكونوا قد رحلوا من الدنيا ولم يعرفوا أن لهم ربّاً ولم يدركوا لوجودهم قصداً ولا هدفاً فانتهوا كأن لم يكن لهم وجود.

وإلى الآن نرى في قبائل كينيا وتنزانيا مجموعات من البشر يعيشون في زماننا هذا وأيامنا هذه ولا يعرفون عن الدين شيء ولا يفهمون من الحياة إلا تلبية الغرائز وقضاء الشهوات ..

لا يرتدون ملابسنا ولا يأكلون طعامنا وإنما يعيشون عرايا ويأكلون لحوم الحيوانات نيئه وبعضهم يأكلون لحوم البشر ويؤلهون الجد الأول لقبائلهم فيعبدونه من دون الله .

أنهم بشر مثلنا لهم أيد وأرجل وأعين ولهم عقول وقلوب لكنهم لا ينتفعون بها إلا كما ينتفع الحيوانات بها.

وهناك من هم أكثر منهم تحضراً ومدنيه وثقافه ولكنهم يسجدون للبقره كلما مرت أمام أعينهم وغيرهم يعبدون حشره وآخرين يعبدون الفأر بل وصل الحال لبعضهم أن عبدوا الشيطان ذاته وافتخروا بذلك وأعلنوا عنه

ألا تفتخر أنت انك عبد لله الواحد الأحد الإله الحق ؟

ألا تفتخر أنه اختارك من بين أكثر أهل الأرض كفاراً ومشركين وجعلك منسوباً له منتمياً لرسوله متديناً بدينه..

هل اخترت لنفسك أن تكون مؤمناً به عارفاً لرسوله منتمياً لدينه أم اختارك هو حين أوجدك من نسل أب وأم مسلمين

هل أدركت هذه المنه والنعمه التى امتن الله عليك بها حين جعلك في زمان تصلك فيه رسالته ومكان يمكنك فيه عبادته

إن القرآن الذي يتلى بين يديك الآن ويخاطبك الله به هو نفس الكتاب الذي أُنزل على الأجيال الاولى التى سبقتك والرسول الذي أُرسل إليهم هو ذاته المرسل إليك.

وفي هذه السوره يمتن الله على هذه الأمه بأجيالها المتتابعه منذ بداية الرساله إلى يومنا هذا بهذه المنه يقول الله عز وجل " (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) فلولا هذه البينه التى عرفنا بها الحق من الباطل والطريق المستقيم من المعوج ما كان لنا أمل في النجاه.

لولا انه أرسل إلينا رسولاً لكنا بين أمرين :

إما ان نكون على باطل ونظل متمسكين به كأهل الكتاب .. وإما ان نكون على ضلال كالمشركين ونظل تائهين تتخطفنا الاهواء وتضلنا الشياطين ولكن الله عز وجل مُن علينا وأرسل إلينا رسولاً

قال المفسرون : أن كلمة رسول جاءت بصيغة النكره للتعظيم لنشعر بمدى هذه النعمه .. وقد صرح الله تعالى بها في أكثر من موضع كقوله تعالى "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " آل عمران 164

أن يرسل الله لنا رسولاً هذه نعمه وأن يرزقنا الإيمان والتصديق برسالته هذه نعمة أكبر , وأن يحدث ذلك دون ان نقابله أو نراه فهذه نعمة أجل وأعظم , فأنت لم تملك العقل الذي آمنت به وصدقت , ولم تختار الزمان و الظروف التي وهبتك هذا الإيمان وأنما كان كل هذا من عند الله وحده فقد نزلت الرسالة غضة طريه على أهل مكه وما حولها من القرى ولكن كثير ممن عاصر زمن الرسالة ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم بعينه وسمعه بأذنه لم يؤمن به ولم يصدقه ومات على كفره و شركه.

أما انت فبينك وبين زمن الرساله ورسولها مئات السنين ومع ذلك زرع الله في قلبك اليقين والتصديق ووهبك الإيمان فهلا ادركت عظيم نعمته عليك حين أعطاك وحرم غيرك ..

وهل انتفعت بهذه النعمه؟

ماذا تعرف عن سيرته صلى الله عليه وسلم وما الذي تعلمته من هديه؟ وهل اتبعته فيما علمت من سنته ؟ وهل تقتدي به في أفعاله؟ هل هو قائدك أم أنت قائد نفسك؟ هل تحبه .. هل تحس بجميله عليك ؟ هل تفهم قدر الجهد الذي بذله من أجلك لكي تصلك الرساله واضحه سهله هل ورثت عنه دعوته ؟ هل حملت همه ؟ هل تحركت لنصرة دينه ؟

إذ لم يكن لك حظ من كل ما سبق فهذا لإنك لم تستشعر حجم هذه النعمه التى خصك الله بها من بين ملايين البشر وجعلك من أمة حبيبه ومُصطفاه

ولكي لا يقول قائل أن المنتفعين بالرسول هم الذين عاصروه فقط .. أما نحن فأين محل المنه والنعمه؟

فقد قال الله تعالى ( يتلو صحفاً مطهره) ليبين أن الإنتفاع بالرسول غير متوقف على بقاء شخصه وإنما بقاء رسالته وها هي مكتوبه مدونه في صحف بين أيدينا كما أنزلها الله تعالى لم تتبدل أو تتغير بل هي مطهره من كل تحريف أو نقص وليس فها غموض أو تناقض.

فما هي حجتك في جهلك ؟ وما عذرك في تقصيرك ؟

وما هو سبب بُعدك وعصيانك , وكتاب الله بين يديك وصف الله آياته بأنها كتب قيمه فشبه كل آيه بأنها كتاب , قال المفسرون والمعنى إن كل آيه تحتوي من الفوائد والعظات ما يحتويه كتاب كامل فلو تدبرت آيات القرآن لحصل لك من العلم ما يُغنيك عن آلاف الكتب لذلك قال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليقرأ القرآن وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم "

إنك حين تؤمن بان القرآن بهذا الوصف "فيها كتب قيمه " فينبغي أن تقبل عليه إقبال الدارس الراغب في استخراج الفوائد والعبر وليس مجرد التعبد بتلاوة حروفه وكلماته ابتغاء الأجر والثواب فقط , وإذ لم يسعفك فهمك في إدراك معانيه أو قل حظك من نفعه فاتهم قلبك ولا تلومن إلا نفسك فقد أخبر الله تعالى أن القرآن لا يصعب فهمه إلا على أصحاب القلوب المغلقه كأنها مختوم عليها بأقفال فقال تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " وقد سمع شاب في مجلس عُمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآيه فقال بل على قلوب أقفالها حتى يفتحها الله , فأُعجب عمر به واختاره والياً على احدى البلاد فلما سأله الشاب عن سبب اختياره له قال له وجدتك تدبرت آيه من كتاب الله فعلمت ان لك حُسن صله بالله أفهمتك آيه من كتابه .

وقد قال الخليفه الراشد عثمان : لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا .

لكن حين امتلئت القلوب بهموم الدنيا حُجب عنها نور القرآن فإلى متى سنظل مفرطين في هذه النعمة (رسول من الله يتلو صحف مطهره )




*******************************

4- لا تصح عباده بدون إخلاص


بعدما وصف الله تعالى ضلال أهل الكتاب والمشركين وتمسكهم بالباطل الذي كانوا عليه ورفضهم للحق من بعد ما جاءتهم البينه .. قال تعالى " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " ليبين أن الغاية من مجيئ البينه هي عبادة الله وحده وهذا ما أمروا به في كتبهم السابقه وهو ما جاء به القرآن ودعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالغايه العظمى من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو دعوة الناس أجمعين لعبادة الله وحده فكأنهم حين رفضوا الإنقياد لرسول الله والاستجابه لدعوته فقد نقضوا ما أمروا به في كتبهم وخرجوا من الغايه التى خلقوا لها .

ومن هذا نخرج بفوائد :

الفائده الاولى :
أن غاية العلم النافع ان يصل بك إلى عبادة الله وحده فالعلم الذي يبين لك كيف تخلص لله في عبادته هو العلم الذي ينبغي ان تطلبه , فما فائدة أن تعلم كل شيء وتجهل معنى الإخلاص المطلوب منك في العباده.
فكثيراً ما نرى بعض الناس يحصلون كثيراً من العلم والثقافات ولكنهم لا يفهمون على التفصيل حقيقة الإخلاص لله ومعنى النيه وكيف تتغير وكيف يجدد نيته وما هو تأثير النيه على أقسام العمل إلى آخر ما ينبغي لكل مسلم أن يعلمه ليصحح عبادته ويؤديها على الوجه المأمور به.


الفائده الثانيه :
التى تشير إليها الآيه هو وجوب الإخلاص في العباده فقد قال الشوكاني في تفسيره: ان هذه الآيه من الآيات الداله على وجوب النيه في العبادات لأن الإخلاص من عمل القلب, ومعنى ذلك ان الإنسان ليس مأمور بأفعال العباده الظاهره فقط وإنما مأمور أن يخلص لله فيها .
فالعباده هي فعل ما أمرك الله به وترك ما نهاك عنه .. والإخلاص في العباده هو أن تقصد بفعلك الأمر وتركك للنهي إمتثال أمر الله تعالى وطلب الأجر منه.

أما إذا فعلت ما أمرك الله به وفي قصدك دواعي اخرى كجلب منفعة أو دفع مضره فهذا مناقض للإخلاص ومنافي لمعنى العباده ولا يعتبر هذا العمل عبادة ولو وافق ظاهر الشرع.

وجهل الناس بهذه الفروق بين العباده الظاهره والإخلاص المطلوب وهو من عمل القلب جعلهم يفسدون عبادتهم من حيث لا يعلمون فلا يؤجرون عليها.

فبعض الناس اعتاد أفعال الخير الذي ينص الشرع ولكنه لا يقصد بها التقرب إلى الله .. كصلة الرحم وخدمة الناس والإحسان إلى الفقراء وتعليم الناس.


فمثل هذه الأعمال قد يعملها الإنسان إما للمعاوضه والمكافئه كأن يخدم الناس لأنه يحب أن يخدموه ويصل أقاربه لأنهم يصلوه أو يعملها حباً للظهور وللتميز فيُحب أن يُعرف ويشتهربين الناس بأنه واصلاً لرحمه أو انه مُحسناً لغيره فيمدحوه بذلك أو يفعل ذلك هروباً من مذمة الناس كأن ينفق كي لا يُوصف بالبخل ويجاهد كي لا يوصف بالجبن , فمثل هذه الأعمال لا يؤجر الإنسان عليها وان كان الشرع قد أمر بها لأن النيه فيها والقصد لم يكن لله تعالى .

وقد يفعل الخير ويترك الشر بمتقضى الطبع أو البيئه فهو يعطي لأنه سخياً ويصل الرحم لأنه يحب الأجتماع بالناس فليس في باله قصد التقرب لله بذلك وإنما غاية ما هنالك هو إرضاء لنفسه لأن هذه الأعمال موافقه لطبعه.

وقد يترك الشر كذلك بهذا المقتضى فتراه يتعفف عن السرقه ولا يقبل الرشوه لأن فيها منقصه لذاته ويترك الكذب لأنه يرى الكذب ضعف فيقول أنا أكبر من ان أكذب ويأنف من السباب والتلفظ بالألفاظ البذيئه حتى لا يكون صغيراً أمام نفسه.
فمثل هذه الأفعال قد ينتفع بها صاحبها في الدنيا لأنها ستدفع عنه شرور كثيره وتجلب له كثير من المنافع كحُسن صلته بالناس ومحبتهم له وتوقيرهم لشخصه ولكنه لا يُـثاب عليها إلا بقدر تعظيمه لها في ذاتها كأن يكون الحامل له على فعلها كون هذه الأعمال من مكارم الأخلاق.

ومن هذا يتبين أن الفعل لا يكون عبادة بمجرد الأداء وإنما لابد أن يكون القصد فيه موجهاً لله تعالى ..

فالصبي الذي يقلد أباه في حركات الصلاة لا يُعد فعله ذاك عبادة لآنه لا يقصد فيه التعظيم لله وكذلك التعظيم والتوجه لله لا يكون عبادة إلا إذا كان أدائه موافقاً للشريعه ..

فمن صلى لله صلاة لم يأمر بها الشرع لا تنفعه نيته ولا تعظيمه ولا تعد صلاته بهذه الهيئه عباده.

فقد دللت الآيه أن الإنسان مأمور أن يعبد الله على مراد الله يبتغي بذلك وجه الله .. هذا هو الدين الذي ينبغي أن ندين به لله


لذلك فسر بعض السلف [التقوى] بقوله :

التقوى ان تعمل بطاعة الله عزوجل على نور من الله ترجو ثواب الله , وأن تترك المعاصي على نور من الله تخاف عقاب الله .
(كتاب الرعايه للمحاسبي عن طلق بن حبيب).

أيمن أبوكراع المحامى
اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده -


واجعلنا من اهل القران الذين هم اهلك وخاصتك يا ارحم الرحمين ---


جزاك اللهم خيرا أخيتنا الكريمة وبورك لك ولا استاذتك وجعله فى موازين حسناتكما000 أمين أمين أمين

ونفع الله بكما أينما كنتما وأينما حللتما وأكثر الله من أمثالكما وأعز الاسلام بكما
فــرح مـونـي
الله يكرمك يا أستاذ أيمن .. ولكم مثله يا رب



5- وجوب مجانبة الباطل حتى تظل ممسكاً بالحق :

في قوله تعالى " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ "

بينت الآيه ما أُمر به كل انسان تجاه ربّه فهو مأمور بالعباده وهي كل ما يحب الله ويرضى من الأقوال والأعمال الظاهره والباطنه

ثم هو مأمور بالإخلاص لله في هذه العباده وذلك بأن يقصد بأقواله وأفعاله تلك وجه الله تعالى ..

ثم هومأمور بأن يكون في حال عبادته واخلاصه حنيفاً .. والحنف هو مطلق الميل إلى الخير .. والحنيف : هو المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق.

فما هو معنى اتصاف المؤمن بهذا الوصف ؟


أليس المؤمن قد ثبت له بوصف الإيمان إنه مائل إلى الحق فما فائدة أن يوصف أولاً بالميل عن الباطل لبيان كونه مائل إلى الحق.

أن الفائده من ذلك تظهر بوضوح حين نعلم أن الإنسان قد يكون مائلاً إلى الحق لكنه غير مُجافي للباطل فلا يكون حينئذ تمسكه بالحق شديد إلا بقدر بعده عن الباطل ,

لذلك وصف أولاً بالميل عن الباطل ليبين مجافاته له وبعده عنه فإذا وصف بعد ذلك بالميل إلى الحق بعد ميله عن الباطل فهذا يعني شدة تمسكه بالحق لكونه معرضاً قبل ذلك عن الباطل

ومن هذا يتبين لنا معنى وجوب اتصاف المؤمن بهذه الوصف بعد اتصافه بالعباده فقد أمر أولاً باخلاص العباده لله وحده ثم أمر أن يكون مائل عن الباطل متبرأ منه حتى يظل متمسكاً بالحق.


لأن الإنسان حين يهتدي إلى الطريق المستقيم ويرزق الإخلاص في عبادته لا يُخرجه عن هذا الطريق - إلا مخالفة الباطل وأهله .

ولكي يحافظ على دينه وإخلاصه لابد أن يجافي الباطل بكل معالمه وصوره فلا يكون في قلبه استحسان لشيء من الباطل ولا في نفسه رغبه في فعل شيء منه ولا في ظاهره تشبه بأفعال أهل الباطل فيكون مبغضاً للباطل وأهله , متجنباً لكل صوره الظاهره والباطنه.

وبقدر مجافاته للباطل وأهله بقدر تمسكه بالحق وثباته عليه وموالاته لأهله والناظر في أحوال أهل الإيمان يجد أن الخلل الذي يؤدي إلى فساد النفوس ومرض القلوب يبدأ من مقاربة أهل الباطل والتشبه بهم.

فما الذي أفسد الفطره الإنسانيه المؤمنه ؟

إنها البيئه الممتلئه بالباطل فالإنسان يولد مسلماً لكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمجسانه ,فإذا مال الإنسان عن هذا الباطل وأعرض عنه عاد إلى أصله وتمسك بالحق الذي فُطر عليه.

وهذه أصعب درجات الحنف .. أن تُخالف أهلك وهم أقرب الناس إليك وأكثرهم تأثيراً عليك ثم تخالف أهل زمانك وما هم عليه من عادات وتقاليد باطله ولا يكون لك في هذا مُعيناً إلا فطرتك النقيه.

فقلما تجد إنسان يستطيع أن يحافظ على نقاءه من فساد البيئه التي تحيطه خاصة إذا كانت كلها بلا إستثناء متمسكه بالباطل.

فهذه الدرجه هي التى تحقق بها إبراهيم عليه السلام حين مال عن الباطل الذي كان عليه أبيه وقومه وأهل زمانه من عبادة الكواكب والأصنام فأعرض عن كل ذلك وتمسك بالحق الذي عرفه

وقال " وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي "

ولما كان وحده بلا معين من البشر يؤيده ولا شخصاً يقتدي به ولا أتباع يتبعهم بل كان وحده في اتجاه وكلُ من حوله مائلين في اتجاه آخر استحق أن يوصف بهذا الوصف ( إن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً )

ولأنه كان أول من أظهر الإعراض عن الباطل والتمسك بالحق في زمانه واستمر على ذلك فترة بمفرده فقد وصفه الله تعالى بقوله " إن إبراهيم كان أمة ً "

فكان في تمسكه بالحق بمفرده كأنه أمة مجتمعة على الحق معرضةً عن الباطل الذي اجتمعت عليه الأمه في زمانه فكأنه قابل الأمة جمعاء وهي باطله بتمسكه وحده بالحق فكان بمفرده أمة.

قال مجاهد : سُمي عليه السلام (أمة) لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما وفي صحيح البخاري : أنه قال لزوجته ساره ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك .

وحينما يأمرنا القرآن أن نكون حنفاء معنى ذلك أنه يأمرنا أن نجافي الباطل وأهله ليثبت الإيمان في القلوب فلا يتزعزع.

فما أفسد الأبناء على الآباء والزوجات على الأزواج إلا مخالطة أهل الفسق والفجور وما مرضت القلوب إلا بسبب أصدقاء السوء

فكأنك حين أًُمرت بعبادة الله وحده مخلصاً له الدين أمرت كذلك أن تحافظ على إخلاصك وسلامة دينك بمجانبة الباطل وأهله.

لذلك حذرنا صلى الله عليه وسلم من مجالسة أصدقاء السوء فقال في الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه
(مثل الجليس الصالح كمثل المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه)

فينبغي لكي تحافظ على الحق الذي هداك الله إليه أن تجانب أهل الباطل في كل ملامحهم حتى لا يتسرب إلى قلبك من دخان باطلهم ما يضعف إيمانك وأنت لا تشعر.

وكثيراً ما نجد بعض الذين سلكوا طريق الإيمان والهدى لا يتحرزون من التواجد في بيئه فاسده أو مخالطة أهل الفسق وأهل الغفله ممن هم ليسوا على شاكلتهم .. فيحدث لهم من قربهم فتور في العباده ثم ضعف ثم إنتكاسه ..

وهو لا يدري كيف تغير قلبه وما الذي أفسده؟ وقد يعجز عن الرجوع إلى الحق وذلك حين يعتاد الباطل فلا يستقبحه

ولهذا كان السلف الصالح يتجنبون كل مظاهر الفساد مهما كانت بعيده عنهم فيشتد فراراهم منها خوفاً من أن تؤثر في قلوبهم وهم لا يشعرون فحين سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الغناء ينبت النفاق في القلب ) كانوا إذا مروا بمن يغني أسرعوا في السير لئلا يعلق بقلوبهم شيء من هذا الباطل .

فقد رُوي عن عبد الله بن عمر أنه مر براعي غنم يعزف على العُود فأسرع مهرولاً في مشيه فلما سُئل عن سبب ذلك قال : خشيت أن يعلق بقلبي شيء .

وها نحن نرى كثير من بيوت المسلمين امتلئت بالفساد حتى فسدت قلوب أصحابها بسبب ما دخل البيوت من صور الباطل المقروءه والمسموعه والمرئيه التى أدخلها الشيطان عليهم بحجة الإطلاع والترفيه عن النفس فيصور لهم الباطل في صورة المباحات ويقربه إليهم شيئاً فشيئاً حتى تميل نفوسهم إليه ثم تشتهيه ثم تعتاده فلا تأنف منه بعد أن كانت نافرة بأصل الفطرة والإيمان.

وكلما التبس الإنسان بشيء من الباطل كلما ضعف الحق في قلبه سواء شعر بذلك وعلم به أم لم يعلم .

لذلك كثر في القرآن وصف أهل الإيمان بهذا الوصف (حنفاء) وتوجيههم إلى الإتصاف به والإقتداء بالخليل إبراهيم عليه السلام في شدة إعراضه عن الباطل وتمسكه بالحق رغم أنه كان وحيداً فريداً في أمة طافحة بالكفر والضلال.

والآن ما من مسلم إلا وهو يحيا بين أمة من المسلمين , معالم دينهم واضحه وشريعتهم معروفه , فليس من الصعب أن تتمسك بدينك وليس من الصعب أن تجد لك أعوان على الخير وإن كانوا ليسوا في زمانك فقد يقتدي الإنسان بكل من سلك طريقه وإن لم يحيا في زمانه.

فتمسك بالحق الذي تعرفه ولا تستوحش من طريق الحق لقلة السائرين فيه فأنت مأمور أن تميل عن الباطل مهما أحاط بك , وبقدر بغضك للباطل وأهله بقدر ثباتك على الحق , ففر من صور الباطل كلها – فرارك من الأسد الجائع ولا تامن على قلبك فأنت ضعيف وقد قال تعالى" وخُلق الإنسان ضعيفاً "

ونحن في زمان كثُرت فيه الفتن وشاع فيه الباطل وكثرت ألوانه حتى يصعب على الإنسان أن يميزه عن الحق.

فتباعد قدر ما تستطيع عن كل ما ليس فيه نفع في دينك فلا تقربن شيئاً لكونه لا يضرك ,فقد يكون فيه ضرر وأنت لا تدري وإنما يكفي كونه غير نافع ولا مفيد لتتركه.

فليكن ميزانك في أفعالك وتصوراتك هل هذا ينفعني في آخرتي ؟ هل هذا يقربني إلى ربّي ؟


فإن لم يكن فاتركه.. فما أفسد هذه الأمه في هذا الزمان إلا الترخص الذي أدى بها في النهايه إلى إنتهاك المحارم والوقوع في الكبائر.. فكن عابداً لله مخلصاً له الدين حنيفاً مسلماً

واعلم ان أشدّ ما يعينك على التمسك بالحق ومجانبة الباطل أن تقيم شعائر الإسلام وإن من أهمها على الإطلاق – الصلاه والزكاه )

(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) فالصلاه صلة بين العبد وربّه وطالما كنت موصولاً بربك كلما امتلئ قلبك بالإيمان فتقوى بصيرتك حتى ترى الحق حقاً فتتبعه وإذا قل الإيمان في القلب ضعف القلب حتى يمرض فلا يستطييع أن يميز بين الحق والباطل ولا يعرف ما يضره مما ينفعه فيوشك أن يضل بعد أن هدى وينسى بعد أن عرف

والزكاه هي الصله بين العبد والخلق .. والإنسان إذا أحسن إلى أخيه الإنسان أحسن الله إليه ..لذلك جاء في الخبر إن الصدقة تُطفئ غضب الرب والزكاة طهاره نفسيه يحتاجها كل مخلص لكي يزيل تعلقه وحرصه على الدنيا.. فالنفس لا تجود بإنفاق الخير إلا إذا عظم عندها أمر الآخره وهان عليها أمر الدنيا.

لذلك كانت الزكاة وما يماثلها من صدقات التطوع من أهم العبادات التى يحتاجها السائر إلى الله بعد إقامة الصلاة , فالصلاة غذاء للقلب والزكاة طهارة للنفس.

لذلك خص الله تعالى ذكر الصلاة والزكاة بعد عموم الأمر بالعباده

أولاً : تأكيداً لأهميتها

ثانياً : لبيان أن الامر بالإخلاص وهو من عمل القلب ودليل على صلاحه لابد أن يتبعه صلاح الجوارح لأن بعض الناس قد يعول على صلاح القلب ويهمل عمل الجوارح

فترى بعض الناس يصف نفسه بطهارة القلب وصفائه وأنه لا يحمل حقداً ولا حسداً لأحد ويحب الخير وأهله ولكنه مع ذلك يهمل أداء الصلاة في أوقاتها ولا يؤدي النفقات الواجبه عليه لأهله وأسرته ويكسل عن أداء فريضة الحج مع قدرته عليه.

وقد يصلي الإنسان الفرائض ويؤدي زكاة ماله ولكنه لا يغض بصره ولا يحفظ لسانه ولا يكف أذاه عن الآخرين.

لذلك تكرر الأمر بالعباده بعد الأمر بالإخلاص في آخر الآيه كما بدأت حتى نفهم أنه كما لا تصح عبادة بدون إخلاص فكذلك لا يفيد الإخلاص إذا لم يُثمر لنا الإلتزام بأوامر الله تعالى .


************


6- هل عرفـت قدر دينك ؟


هذا الإخلاص في العباده , وذاك التمسك بالحق والموالاه لأهله والميل عن الباطل والبراءه من أهله وإقامة شعائر الله هذه هي معالم الدين ولا يكمل دين المرء إلا بها ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )

وقد وصف الله تعالى هذا الدين بعد ان وضح معالمه إنه ( دِينُ الْقَيِّمَةِ ) أي أن هذا الدين بهذا الوصف هو الدين المستقيم الموصل للجنّه .

ومعنى القيم : هو من يقوم بمصالح غيره ممن يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأن الله سبحانه يقول عن الدين أنه القائم بتحصيل مصالحك عاجلاً وآجلاً .

فإذا أردت أن تُصلح دنياك فاعمل بتعاليم الإسلام و إذا أردت أن تصلح آخرتك فاعمل بتعاليم الإسلام , فكل أوامر الدين في مصالحك , فالدين يأمرك بالطهاره لتكون نظيفاً ويأمرك بالصلاة لأنك في هذه الدنيا معرض لمشاكلها وبلواها ولا يعينك عليها إلا أن تقف بين يدي ربّك تشكو إليه وتطلب معونته.

والدين يأمرك بالزكاة لكي يـطهر نفسك من الشح والأنانيه ولكي تجد من يعطيك حين تفتقر وتحتاج.

والدين يأمرك بالصيام ليقوي إرادتك على ترك ما يضرك وفعل ما ينفعك , ويأمرك بالأمانه والصدق وسائر مكارم الأخلاق ليغرس محبتك في قلوب الخلق ويأمرك بمنع أذاك عن الناس ليمنع أذاهم عنك.

والدين يأمر أولادك بطاعتك وبرّك ويأمر الزوجه بحُسن عشرتك.

والدين يأمر الجيران بمنع أذاهم عنك ويأمر التاجر ألا يغشك ويأمر سائر الناس بالإحسان إليك ويحرم عليهم ظلمك والإساءه إليك فهو مع المظلوم ضد الظالم ومع الفقير حتى يأخذ حقه من الغني ومع الضعيف حتى يقوى .

ولكن الجهل بالإسلام هو سبب هذا الشعور البارد الذي ينتاب بعض الناس تجاه كل ما هو إسلامي .. حتى أصبحت ترى منهم من يناقش أوامر الدين ويعترض عليها فيقول لماذا أمرنا بكذا ولماذا نُهينا عن كذا ولا يقنع إلا بما يوافق هواه ناسياً حقيقة أن حقيقة الإسلام ومعناه هو: الإستسلام لله والخضوع له مع كل ما أمر ونهى.

فالإنسان مخلوق مملوك للربّ الذي خلقه فكيف تكون العلاقه بين الخالق والمخلوق .. هل تكون علاقة تمرد وعصيان أم علاقة خضوع وانكسار..!!

ينبغي أن تكون الصلة بينك وبين الربّ الذي خلقك وربّاك بنعمته ويملك لك النفع والضر – ان تكون قائمة على مبدأ السمع والطاعه لأنك مملوك .. والمملوك لا يملك أن يخرج عن طاعة سيده أو يناقشه فيما أمر أو يعترض على حكمه.

فإذا كان السيد في الناس لا يقبل من مملوكه ذلك فكيف يجرؤ العبد الضئيل أن يخالف ربّه العظيم بحجة أنه لا يفهم الحكم ولا يرى وجه الصواب فيه.

فاعلم ان الإسلام هو الإستسلام لله .. فإذا ثبت أنك مأمور بشيء ما فلابد ان تفعله مهما ثقل على نفسك وإذا ثبت لك انك منهياً عن شيء ما فلابد ان تتركه مهما اشتهته نفسك لأنك عبد لست حراً في أن تفعل ما تريد وإنما أنت عبد مملوك لله الذي أمرك ونهاك

فلابد ان تستسلم له في كل شيء وأنت موقن أن الله يريد لك الخير والسعاده في الدينا والآخرة وما منعك إلا ليُعطيك وما حرمك إلا ليُجازيك وما ابتلاك إلا ليقويك ,

فلا تبتغي الخير إلا في طاعته مهما شق عليك ذلك فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فاترك نفسك لهذا الدين ليكون قائداً لك إلى سعادة الدنيا والآخره .. فهو الدين القيم الذي يقوم على مصالحك فتعلمه والتزم بتعاليمه عساك أن تفلح.
فــرح مـونـي



7- من هم شر البرية ؟..

وصف الله تعالى هؤلاء الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم إنهم شر البرية ..
قال العلماء : هم شر البرية لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به بل تركوه فخسروا الدنيا والآخره.

فهؤلاء الذين يعلمون ولا يعملون وصفهم الله بأنهم شر البرية أي شر الخليقة فهم أشر من البهائم فهي لا تعقل وهم أشر من الجُهال فهم لا يعلمون

فكيف وصلوا لهذا الوصف وذاك المقام ؟

فمن المعلوم أن الله تعالى خلق في نفس كل إنسان ميول إلى الحق وميول إلى الباطل قال تعالى " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " فكل إنسان مؤهل بأن يرتقي إلى أعلى عليين ومؤهل بأن ينحدر إلى أسفل سافلين .

فما هو المنحدر الذي يهوي بأصحابه إلى أن يكون شر البرية وقد كان بإمكانهم أن يقاوموا هذا التدني بما وضع الله فيهم من استعداد للخير وقدرة عليه؟

لذلك ينبغي أن نعرف طبيعة هذا المنحدر الذي سلكه هذا الصنف حتى نتقي الوقوف على درجاته فلا تهوي بنا درجة إلى التى تليها فنجد أنفسنا في النهاية من هذا الصنف ونحن لا ندري .

من خلال تناول السوره لهذا الصنف من أهل الكتاب والمشركين نتبين طبيعة هذا المنحدر

فهؤلاء الذين انتهى بهم الحال إلى أنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به قد سبق وصفهم هذا وصف قبله أدى بهم إلى هذا الحال وهو مرض قلوبهم فلو صحت قلوبهم لعملوا بما علموا.

ومرض القلب هو التعلق بغير الله ومحبته والانشغال به .. كما ان سلامته في التعلق بالله وحده ومحبته وتعظيمه .

فيمرض القلب بحب المال أو السلطه أو النساء إلى غير ذلك من متاع الدنيا فإذا جاءه الحق لا يقبله لكونه مخالفاً لهواه.

فأهل الكتاب حين كانت قلوبهم مريضه بحب الجاه أو التملك لم يستجيبوا للحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه الحق من ربهم فهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما حكى عنهم القرآن

" الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ " البقره(146)

لكن حبهم للجاه والسلطه وحب الظهور على الناس جعلهم يأملون أن يبعث الرسول من بينهم وينتسب إليهم ليسودوا بين الناس ويظهرون عليهم .

هذا هو المرض الذي أفسد قلوبهم حتى رفضوا الحق وهم يعلموه . وكم من أوامر لله نسلم بها ونعرفها ومع ذلك لا نقدر على طاعته فيها بسبب ما في القلوب من أمراض .

فما هي الدرجة التى تهوى بصاحبها إلى مرض القلب ؟

ما هي العلة التى تسببت في مرض قلوبهم ؟


إن سبب مرض القلب هو عدم الإخلاص لله تعالى .. فالإخلاص هو إيثار مراد الله على مراد النفس وإفراده بالطاعه وذلك حين يوقن الإنسان أنه عبد لله وحده ولا ينبغي أن يخرج عن طاعة سيده ومولاه فلا يفعل إلا ما يأمره به و يرضاه فتكون أفعاله وأقواله كلها دائرة على حسب مراد الله تعالى

وبذلك الإخلاص يزول تعلقه بغير الله تعالى .. فلا يتعلق قلبه بحب المال أو الجاه أو الثناء أو المدح وسائر المشتهيات..

فإذا مالت نفسه لغير الحق أو دعاه الشيطان لإيثار الباطل منعه إخلاصه لله تعالى من موافقة هوى نفسه فيما يخالف أمر الله تعالى

إما إذا خلا القلب من هذا الإخلاص لله فسوف يصعب عليه إيثار مراد الله تعالى على مراد نفسه بل يسير موافقاً لهواها في كل ما تريد وان كان مخالفاً للحق فيمرض القلب باتباع الهوى .. لأنك كلما وافقت نفسك وأعطيتها ما تريد زاد حبها له وتعلقها به فإذا جاءها الحق لم تؤثره ولم تعمل به لأنه مخالف لهواها.

وبذلك يتبين أن الإخلاص لله تعالى هو الذي يخرج الإنسان من اتباع الهوى الذي يصد صاحبه عن اتباع الحق وكلما زاد إخلاص العبد لله تعالى كلما زادت بصيرته وقويت معرفته للحق وقدرته على اتباعه.

فهؤلاء لما خلت قلوبهم من الإخلاص لله تعلقت بغيره فلما جاءهم الحق لم يقبلوه واتبعوا أهوائهم.

فما هي الدرجه التى أطاحت بهم إلى عدم الإخلاص لله تعالى وإيثار هوى نفوسهم على مراد الله تعالى حتى مرضت قلوبهم فضلوا عن الحق بعد أن عرفوه؟

إنه الجهل بالله تعالى .. انهم لم يعرفوه حق المعرفه .. لم يعرفوه بصفات جلاله فيهابوه ويعظموه ولم يعرفوه بصفات جماله فيحبوه فصعب عليهم أن يؤثروا رضاه على أنفسهم ولو أنهم عرفوه بعظيم صفاته وجمال أفعاله وكمال أوصافه لهان عليهم مخالفة أنفسهم في سبيل رضاه وقصده بالطاعه دون ما سواه.

فالإخلاص لا يصدر إلا من قلب عارف بالله محباً له معظماً لأمره فعز عليهم الإخلاص بسبب جهلهم بربهم

فما هي الدرجة التى هوت بهم إلى هذه الصفه من الجهل بالله تعالى ؟

إنها الغفله عن تدبر كتابه وعدم فهم خطابه , فلو أن أهل الكتاب تدبروا ما جاء في آيات القرآن لسهل عليهم قبول الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل به القرآن فقد أمرهم القرآن بما أمروا به من قبل في كتبهم
والمسلم حين لا يتدبر كتاب الله سيجهل عن ربّه ما يعينه على الإخلاص لله في عبادته فيمرض قلبه بالتعلق بغير الله تعالى .. فلا يرى الحق على صورته ولا يعمل بما جاءه من العلم .

فالقرآن هو مصدر العلم بالله تعالى ففيه يصف الله تعالى نفسه بجلال صفاته وكمال أفعاله وأحكامه في خلقه , فإذا فهم الإنسان خطابه عرف قدره فأحبه وعظمه وأخلص في عبادته.


ولكن أكثر الناس يقرأون القرآن فلا يتدبروه فعميت بصائرهم عن معرفة ربهم وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره نقلاً عن بعض السلف

(لقد تجلى الله لعباده في كتابه ولكنهم لا يُبصرون)

فإذا كانت غفله الإنسان عن تدبر كتاب ربه هى الدرجه التى هوت به إلى الجهل بالله تعالى حتى عز عليه الإخلاص فمرض قلبه فلم يقبل الحق بعد أن عرفه , فما هي الدرجه التى أدت إلى ذلك الوصف ؟

إنها عدم الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه .. إن أهل الكتاب حين لم يؤمنوا برسول الله رغم أنهم على يقين بصدقه لم ينتفعوا بالكتاب الذي أنزل معه !

والمسلم حين يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمن بصدقه لكنه لا يعرف هديه ولا يقتدي به فإنه لن ينتفع بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم
.. فالإنسان حين يهتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يقوده إلى معرفة الله ومحبته وتعظيمه لأنه أعرف الناس بالله وأوصلهم به فإذا كان القرآن يصف لك الطريق إلى معرفة الله وعبادته فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خُلقه القرآن فهو يدلك على ما فيه بقوله وعمله , ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان من هديه في تلاوة القرآن والقيام به بالليل وطريقة تلاوته بالترتيل والوقوف على رأس كل آية ما لو اتبعناه فيه لسهل علينا تدبر القرآن وفهم معانيه بما ينير عقولنا بمعرفته سبحانه ويملء قلوبنا بمحبته.



فما الذي منع من الإقـتداء برسول الله حتى لم نعرف ربنا كما عرفه صلى الله عليه وسلم ?

إن السبب الذي صد أهل الكتاب عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنهم ضلوا عن حقيقة وجودهم والغايه التى خلقوا لها إلا وهي عبادة الله وحده .

وهذا هو ما دعت إليه كل الرسل و نزلت به كل الكتب
فلو أنهم آمنوا بذلك وتفطنوا أن غاية كل الشرائع واحده ودعوة كل الرسل واحده وهي دعوة الناس لعبادة الله وحده ( التوحيد) ما كانوا ليفرقوا بين رسول ورسول ويؤمنوا بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به موسى عليه السلام .. فإذا آمنوا بموسى عليه السلام فكان ينبغي أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وان لم يكن من بني إسرائيل فليس الشأن في شخصه وإنما في كونه رسول مرسل من الله .

وكذلك المسلم حين ينسى وظيفته والغاية التى خلق لها كما أخبرنا الله تعالى فقال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56

حين لا يكون هدفه في هذه الحياة أن يحقق الغايه التى خلق من أجلها فإنه لن يعظم شأن من يدله على الله تعالى , فلن يهتم بمعرفة دينه أو اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم أو تدبر كتاب ربه فلن تكون الآخرة أكبر همه وإنما تكون همومه وأهدافه كلها متعلقه بما يجلب له السعاده والراحه في الدنيا فيتعلق قلبه بغير الله وتتشعب به الأهواء فلا يزال ينتقل من هم إلى هم ومن أمنيه إلى أمنيه وهذه هي البدايه..



وتلك هي أول درجه على المنحدر الذي يهوي بصاحبه إلى شر البريه ..

أول خطوه في هذا المنزلق .. أن تجهل الغاية من وجودك, أن تجهل إنك عبد وأن لك رب ينبغي أن تعبده , وتغفل عن مصيرك الذي ينتظرك ولا تفكر في لحظة الحساب والآخره .

ثاني خطوه : هي الإعراض عن تعلم الدين لأنك مهموم بدنياك مشغول عن آخرتك.

فإذا لم تتعلم دينك انزلقت قدماك إلى الدرجه التى تليها وهي عدم الإقتداء برسولك .. وكيف تقتدي بمن لا تعرفه ثم عدم فهمك لكتاب ربك لأنك لا تبتغي منه العظه والهدى والرحمه .

فإذا لم تتبع سنة رسولك ولم تتدبر كتاب ربك سقطت في الدرجه التى تليها وهي الجهل بالله تعالى .. ثم يهوي بك جهلك إلى العجز عن الإخلاص لله تعالى فيتعلق قلبك بغير الله .


فإذا استمر هبوطك .. مرض قلبك وفسد دينك حتى لا ترى الحق على صورته ولا تميز الضار من النافع , فإذا جاءك من العلم ما يبين لك الحق ويعرفك به فلا تستجيب له نفسك ولا يمكنك العمل به بعد أن عرفته.

وحينئذ تكون قد أصبحت من شر البريه الذين يعلمون ولا يعملون , وما من مسلم اليوم إلا ويعرف ما هو معلوم من الدين بالضروره فكل الناس يعلمون حدود الحلال والحرام.

فإذا وجدت نفسك لاتعمل بما تعلم فاتهم قلبك واعلم ان فيه من المرض ما حال بينك وبين معرفة الحق أو العمل به بعد أن عرفته فاستعن على صلاح قلبك بإخلاص العباده لله , واسلك سبيل العلم بالله ومعرفته لتصل إلى هذا الإخلاص والتمس الطريق إلى معرفته في تدبر كتابه واتباع سنة رسوله , ولكي ترفع همتك في ذلك تذكر دائماً إنك خلقت لعبادته وإنك راجع إليه فلم تخلق عبثاً ولن تترك سُدى.



*************



8- من هم خير البريه ؟



قال المفسرون : الذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم هم خير البريه أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله لأنهم عبدوا الله وعرفوا فـفازوا بنعيم الدنيا والآخره.

فكيف يصل هؤلاءإلى هذه المنزلة التى استحقوا بها ثناء الله تعالى عليهم ووصفهم بأنهم خير الخليقه

ما هي الدرجات التى يرتقي فيها الإنسان حتى يكون من خير البريه ..


المتأمل في النصف الثاني من السوره يرى بوضوح هذه الدرجات ويرى ثمارها ونتاجها .. أول هذه الدرجات هي الإيمان بالله

والإيمان بالله ليس عمل عقلي يقتصر على التصديق فقط وإنما هو يقين في القلب لا يغالبه الشك ولا تزعزعه الشبهات فليس كل من قال بلسانه يصدق بقلبه فكم من أناس "يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " إذاً فهذه الدرجه لا تشمل هؤلاء الذين لم تؤمن قلوبهم وإن عرفت عقولهم وأقرت ألسنتهم .

فنحن نرى كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لكونه في بلد مسلم أو مولود في أسرة مسلمة يجهل عن دينه وربّه ورسوله ما يجهله غير المسلمين وبعضهم يؤدي فـرائض الإسلام ومع ذلك ليس في قلبه الإيمان الراسخ الذي يعلو به إلى هذه المنزله التى تضعه على أولى درجات خير البريه وهذا إنما نتج عن توريث الإسلام دون تعلمه وفهم حقيقته
فنشأت أجيال لا تدري عن الإسلام شيء سوى أنه ملة من الملل وديانة موروثه عن الآباء والأجداد لذلك فهم يؤدون فرائضه عن تقليد موروث ويؤدون العبادات برتابة خالية من الحس – لسان حالهم يقول :

" قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُـقـتَدُونَ " الزخرف 22

ثم لا يلبث بعضهم ان يصل إلى إهمال الفرائض أو تركها بالكليه .. !!!!

أما الإيمان فهو شيء آخر.. لذلك فرق القرآن بين معنى الإيمان والإسلام فقال تعالى " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " الحجرات

فالإيمان الذي نصف أصحابه في سورة البينه هو الإيمان الذي يدخل القلب فيرسخ فيه رسوخاً لا يقبل الريبة والشك

لذلك قال تعالى معقباً على الآية السابقه في سورة الحجرات " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ "

أما الإيمان العقلي المقصور على التصديق بدون عمل القلب أو الإيمان اللحظي الذي لا يكاد يدخل القلب حتى تطفئ أنواره الشهوات أو الشبهات فليس هو المقصود هنا .

فالذي نعنيه من أوصاف خير البريه هو ذاك الإيمان الذي يكسب العقل التصديق الجازم .. ويكسب القلب اليقين الراسخ وهذا اليقين لا ينتج عن مجرد التقليد لمن تثق به وإنما لابد أن يأتي من داخلك بحيث تؤمن عن علم وفهم واعتقاد لذلك كثر في القرآن الدعوه إلى التفكر والتأمل في آيات الله المشهوده والمقروءه لأن ذلك يؤدي إلى اقناع العقل واشباعه بما تمليه عيه فطرته وبما جبل عليه من الإيمان

وهو كذلك يكسب القلب يقيناً يجعله منجذباً بكليته إلى توحيد الله تعالى ومحبته وتعظيمه فينتج عنه انقياد الجوارح لطاعة الله .

بفعل ما أمر وترك ما نهى وهذا هو العمل الصالح الذي يُثمره الإيمان الصادق وهذا العمل ليس مقصوراً على أداء المناسك والشعائر التعبديه من صلاة وصيام وزكاة وحج .. وإنما هو معنى شامل لكل ما أمر الله به من عبادة واخلاص وسلوك

فأصحاب هذه الدرجة قائمين بالإسلام قولاً وعملاً .. وعبادتهم تشمل كل جوانب الحياه عملاً بقوله تعالى

" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فالمسلم مامور أن تكون حياته كلها دائرة على حسب أوامر الله تعالى .



ولكن الإنسان مهما اجتهد فإنه قد يقع في التقصير مرات ومرات ويصيبه الفتور بين الحين والآخر وهذا بمقتضى ضعفه البشري قال تعالى " وخُلق الإنسان ضعيفا "

وليس الخطر في ذلك فالإيمان يزيد وينقص , يزيد بالطاعه وينقص بالمعصيه, قكلما نقص إيمان العبد بوقوعه في الذنب فيمكنه أن يتدارك حاله بالتوبه وفعل الطاعات , طالما أصل الإيمان ثابت في قلبه والغالب على جوارحه الإنشغال بطاعة الله فما يكاد يقع في الذنوب حتى يعود بالتوبه وما يكاد تبعده الهموم حتى يعيده ذكر الله إلى حظيرة الإيمان .

وإنما الخطر يكمن في أن يهمل الإنسان نفسه حتى ينتقص إيمانه أول بأول .. فلا يبقى عنده ما يعينه على الرجوع إلى ربه بل يكون أقرب إلى عدوه من معبوده.

فالإنسان مبتلى في هذه الدنيا بما يوقعه في الذنوب والهموم التى تبعده عن ربه ولا يوجد انسان معصوم من الذلل ولكن المؤمن كلما بَعُد ..اقترب, وكلما زلت قدمه ..عاد واقفاً .

ولكن كلما تأخر رجوعه كلما زادت المسافه بينه وبين ربه وبقدر بعده عن ربه بقدر قربه من عدوه , فيظل عدوه يجذبه بعيداً عن مولاه بذنب يلي الذنب وبهم يتبعه هم ..

وكلما استجاب له زاد ضعفه ونقص الإيمان في قلبه فلا يقوى على مقاومة عدوه حتى يأسره هذا العدو اللدود إما في سجن الشهوات أو الشبهات ولا يخرجه من أسره إلا قوة إشتياقه لربه او شدة الخوف منه

فالإيمان هو مادة غذاء القلب فإن نقص غذاءه ضعفت قوته لذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بإيمانه ويجعله في زيادة ويتدارك كل نقصان بما يجبره من العمل الصالح.

فإذا تحقق المسلم بالإيمان والعمل الصالح واستقام على هذا الوصف فقد شمله وصف خير البريه ووصل إلى أول طبقة منهم .. وهم الصالحين .

ومعنى ذلك أنك أيها المسلم حين تؤمن إيماناً يلزمك بأداء ما افترضه الله عليك ويحببك في التقرب إلى الله بنوافـل الطاعات والاعمال الصالحات فأنت بذلك من خير البريه .

و من منا لا يحب ان يكون منهم وقد مدحهم الله وأثنى عليهم ووعدهم بحسن الجزاء فاجتهد في الالتزام بأوامر الله وحافظ على إيمانك من النقصان باجتناب الذنوب وإصلاح العيوب .

واحذر من الدنيا .. أن تشغلك عن ربك وتسلب إيمانك وأنت لا تدري فليست المعاصي هي الخطر الوحيد الذي يهدد إيمانك وإنما هموم الحياه قد تكون أخطر بكثير حين لا يحذر الإنسان منها لذلك جاء في تفسير السوره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" قال : ألا أخبركم بخير البريه ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه . ألا أخبركم بخير البرية قالوا : بلى يا رسول الله قال رجل في ثُلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة "


فأشار الحديث إلى طبقتين من طبقات خير البريه:

الطبقه الأولى .. هي طبقة المجاهدين في سبيل الله ..

والطبقه الأدنى هي طبقة الصالحين وقد أشار إليهم بهذا الوصف (رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة) فقوله ( في ثلة من غنمه ) كناية عن السعي في تحصيل أسباب والكسب والمعاش فهؤلاء الذين لا تشغلهم هموم الكسب عن أداء حق الله تعالى فهم من خير البرية وهذا نتاج الإيمان وثمرة العمل الصالح.

فكيف وصل هؤلاء إلى هذه الدرجة من الإيمان والعمل الصالح حتى أصبحوا من خير البريه ؟

لقد أدركوا الغايه التى خلقوا من أجلها فعرفوا أن لهم ربّ ينبغي أن يعبدوه فأحبوا من يدلهم عليه فتعلموا دينهم وتدبروا كتاب ربهم

واتبعوا سنة رسولهم , فازدادت معرفتهم بربهم وانتقلوا من الإيمان التقليدي الموروث إلى الإيمان الخالص فاخلصوا القصد لله تعالى وسهل عليهم العمل بعد العلم وابتدأوا من حيث انتهى شر البرية الذين علموا الحق ولم يعملوا به.

فإذا استقام العبد على الإيمان والعمل الصالح وقوي إيمانه وعًظُم عمله ارتقى إلى درجة أعلى وهي الرضا عن الله تعالى في أحكامه وأقداره وهي ناتجة من الدرجة التى قبلها وهي الإيمان والعمل الصالح.

فقد قال المفسرون في قوله تعالى " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " إن رضا العبد عن الله لمسبوق برضا الله عنه.

ورضا الله عن العبد إنما يكون بسبب قوة إيمانه بالله وكثرة اجتهاده في العمل الصالح وهو ما يفسره العلماء (بالـرضا بالله ) فمن رضي بالله ربّاً فلم يتخذ معبوداً سواه وأطاعه في أوامره فإن الله يرضى عنه وينتج من رضا الله عن العبد رضا العبد عن الله .

فإذا استقام الإنسان في هذه الدرجة وثبت في مقام الرضا بحيث يستقبل كل أقدار الله وأحكامه بالرضا والإذعان والتسليم فسوف ينكشف له من أسباب الفهم والعلم بالله ما يقوي معرفته بجلال الله وكمال أوصافه.

وكلما زاد تفكره وتامله في كل حكم وقضاء يقضي الله له في خلقه مع حسن ظنه بربه بحيث لا ينتهي في شيء قضاه فإنه يزداد علماً بالله و يقيناً بألوهيته و ربوبيته.

فإذا حصل له المعرفه والعلم بالله انتقل إلى درجة أعلى وهي درجة الخشيه فإن الخشيه ثمرة العلم بالله لذلك خص الله تعالى العلماء بالخشيه فقال " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء "

وذلك لأن العلم بكمال الله وجلاله يورث القلب التعظيم والمهابه له سبحانه وهذه هي الخشيه كما عرفها العلماء : خوف مقرون بهيبة فالخشيه تنبع من حُسن معرفة الله تعالى وكمال العلم به .

وعلى قدر العلم والمعرفه تكون الخشيه قال صلى الله عليه وسلم " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " رواه مسلم

فكلما ازددت معرفة بالله ازددت اجلالاً له وتعظيماً حتى تكون هذه الخشيه هي الدافع لكل عمل يقربك منه وهي الزاجر لكل عمل يبعدك عنه.

قال الألوسي: قد تبين من قوله تعالى " ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ " أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصولاً إلى أقصى المراتب ورضوان من الله أكبر بل الموصل له خشية الله تعالى .

فالخشيه هي أعلى درجه في سلم الصلاح فمن ثبت عليها ثبت على ما دونها من الدرجات وجنى أعلى ثمارها وهي الفوز برضوان الله تعالى وجنته ,

ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى " ذلك لمن خشي ربّه " أي ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشيه لله سبحانه في الدنيا وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشيه.

هذه هي درجات الرُقى لمن أراد أن يرتقي

إيمان بالله تعالى يتبعه عمل صالح في مرضاته

فإذا قوي الإيمان واستقام على العمل ارتقى إلى مقام الرضا من الله تعالى فيرضي الله تعالى عنه

فإذا حصل له الرضا من الله تعالى ارتقى إلى مقام الرضا عن الله تعالى في أقداره وأحكامه

فإذا ثبت على الرضا انفتح له باب المعرفه والعلم بالله فيُثمر له العلم بالله هيبة وتعظيماً لجلال الله يملئ القلب بالخشيه.

فإذا سكنت الخشية القلب - احترقت مواضع الشهوات فيه فلا يبقى في القلب محبة إلا لله ولا خوفاً إلا من الله فيتعلق بالله وحده ويفرده بالقصد والطلب فلا يكون منشغلاً إلا بما يرضي مولاه.


وبقدر الصعود يكون الإرتقاء .. فمنهم من وصل إلى طبقة المجاهدين ومنهم من وصل إلى طبقة الشهداء ومنهم من وصل إلى طبقة الصديقين

وأعلاهم من اصطفاه الله بالنبوه والرساله وأدناهم من آمن بالله وعمل صالحاً وهم طبقة الصالحين فأولئك جميعاً (هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)

قال تعالى " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " النساء 69



هذه "نسخة - خفيفة" من محتويات الرئيسية للإستعراض الكامل مع المزيد من الصور والخيارات الرجاء إضغط هنا.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.