لم تكن الانتخابات التي جرت في إيران في السابع عشر من الشهر الجاري كسابقاتها، إذ تميزت بتحرك لبعض الأقليات القومية المكونة للدولة الإيرانية الحديثة فضلاً عن أن تلك الانتخابات لم تستطع حسم المرشح الفائز بها. أما تحرك الأقليات القومية فقد جاء عبر مجموعة من التفجيرات والمظاهرات التي وقعت في إقليم الأهواز العربي الغني بالنفط في أبريل الماضي.
وتلك التي وقعت قبيل الانتخابات بأيام. وما إن سمع الأكراد بانتخاب مسعود البرزاني رئيساً لإقليم كردستان العراق حتى تجمعوا في مدينة مهاباد (وتقع في شمال غرب إيران) احتفالاً بالحدث، أعقبه أعمال شغب حينما أرادت قوات الشرطة تفريقهم كما تنقل الـ «بي.بي.سي» (41/6).
ومن المعروف أن تلك المنطقة قد شهدت ولادة أول جمهورية كردية قادها الملا مصطفى البرزاني ـ والد مسعود ـ استمرت طوال العام 1946.ومسألة عدم الحسم من الجولة الأولى هي أيضاً طبعت بطابعها هذه الانتخابات، إذ لم يستطع أي من الرجال الثمانية المرشحين، المرضي عنهم من قبل المرشد الأعلى على خامنئي أن يحصل على نصف الأصوات.
ليؤمن لنفسه فوزاً بالانتخابات، مما يعني أن الكرّة ستعاد غداً الجمعة. فقد حصل علي أكبر هاشمي رفسنجاني (الذي ترأس إيران لدورتين 1989 ـ 1997) على عشرين في المئة من الأصوات، في حين حل عمدة طهران محمود أحمدي نجاد، المتشدد الذي جاء صعوده مفاجأة للمراقبين، في المركز الثاني بفارق واحد في المئة من الأصوات.
وما إن ظهرت نتيجة الانتخابات حتى علا صوت المرشح مهدي كروبي، رئيس مجلس الشورى السابق متهماً المتشددين بتزوير الانتخابات. وهو اتهام خطير يصدر عن رجل يعتبر من صلب النظام القائم، لذا سارعت السلطة بالتحقيق في الأمر عن طريق اختيار بعض الصناديق الانتخابية بشكل عشوائي في عدة مدن وإعادة فرزها من جديد.
ولم يُفَوّت الرئيس جورج بوش هذه المناسبة، إذ أعلن أن «الإيرانيين يستحقون نظاماً ديمقراطياً حقيقياً» منتقداً استبعاد أكثر من ألف شخص تقدموا لترشيح أنفسهم «بينهم إصلاحيون يتمتعون بشعبية كبيرة، ونساء، وهؤلاء قد عملوا الكثير من أجل إرساء قواعد الحرية والديمقراطية في إيران».
وإشارة بوش تعيد تسليط الأضواء على مدى مطابقة ما يجرى في إيران من ممارسة سياسية انطلاقاً من المقاييس الليبرالية للنظام الديمقراطي، التي ترى في الأمة المصدر الرئيسي للتشريع. فهذا المبدأ الجوهري معطل في إيران، ذلك أن «مجلس صيانة الدستور» المكون من 12 عضواً يستطيع رفض أي تشريع يقره مجلس الشورى المنتخب.
ويستطيع المرشد الأعلى، الذي هو أعلى سلطة في النظام السياسي الإيراني، أن يرفض أي تشريع حتى وإن وافق عليه مجلس صيانة الدستور!!ومن المعروف أن أعضاء المجلس الأخير فضلاً عن مرشد الجمهورية لم يأتوا عن طريق الانتخاب العام. وهؤلاء وإن تشابهت وظائفهم مع ما يقوم به قضاة المحاكم الدستورية في النظام الديمقراطي.
إلا أن الأخيرين يستمدون صفتهم التمثيلية من تعيينهم بواسطة رؤساء حكومات أتوا عن طريق الاقتراع الشعبي. ويبدو أن «الثورة الإيرانية» فقدت بريقها خصوصاً في أوساط الشباب الذين يمثلون ثلثي من يحق لهم التصويت وعددهم 45 مليون شخص، فمظاهر «التغريب» لا تخطئها العين في شوارع المدن الكبيرة.
وقد بانت في الحملات الانتخابية حيث ظهرت الشابات الإيرانيات الجميلات «بملابسهن المتسامحة» وهن ينشطن في حملة هذا المرشح أو ذاك. وتنتشر شبكة الانترنت لتعزز هذا الجو المتسامح، إذ تعتبر كمتنفس للشباب وكوسيلة للتعارف والتفاعل مع المحيط الدولي.
ولعل من الطرائف في هذا الخصوص ما ذكره أحد كُتاب مجلة الـ «نيوزويك» الأسبوعية (14/6/) من «الغياب الغريب للكتابة على الجدران في المرافق العامة منذ بدء وصول المذكرات الإلكترونية... فهم يكتبون على الانترنت ما كانوا يكتبونه على جدران الحمامات»!!
هذا الواقع الاجتماعي الجديد يفضي إلي مفارقة عجيبة تشير إليها «الغارديان» البريطانية (17/6) حيث تزداد مظاهر الأصولية في «تركيا العلمانية» وحيث الحضور الواضح للخطاب الديني في انتخاباتها، في حين يميل التوجه العام لدى مواطني «الجمهورية الإسلامية» إلى التحرر، ويغيب الخطاب الديني عن انتخاباتها!!
على أن مظاهر التسامح التي تسود الشارع الإيراني لها وجه آخر، وهو وجه لعملية مقايضة سياسية يكشفه لنا مراسل الكرستيان سينس منتور الأميركية(17/4). فحينما فاز المحافظون في الانتخابات النيابية في فبراير 2004 وحاولوا تشديد المراقبة على السلوك العام.
اصطدموا بقوة التوجهات الجديدة في الشارع الإيراني وبالذات بين الشباب، وبغية الحفاظ على شعبيتهم، أخذوا يحاولون مسايرة الوضع القائم!!والحق أن الملالي (أو رجال الدين) الذين يمثلون الطبقة الحاكمة في إيران منذ قيام الثورة في العام 1979 قد أصبحوا طبقة متميزة تملك المال والجاه ويظهر عليها علامات النعمة، لعل الاهتمام بأناقة الهندام أبرز صورها.
كما يقول أبو الفضل عرب بور، أشهر خياط في مدينة قم المقدسة لمراسلة الـ «نيوزويك تايمز» نزيلا فتحي(7/6) فهو يخيط جبة مقابل سبعين دولاراً (ستمئة ألف تومان) وهو مبلغ ضخم قياساً بمستوى الدخل. ويقول عرب بور أن العباءة (البشت) التي يلبسها هؤلاء الملالي تتراوح أسعارها بين خمسين دولاراً والألف دولار وأفضلها البشت النجفي!!
ستشهد انتخابات الغد في إيران اصطفافات جديدة، حيث سيرمي الإصلاحيون بكل ثقلهم وراء رفسنجاني، الذي ركز في حملته الانتخابية على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، أما المتشددون فليس لهم إلا نجاد. أخيراً، سيبقى النظام السياسي في إيران قاصراً على بلوغ ما استقر عليه النظام التمثيلي الحديث.
حيث تتساوى فرص المواطنين في المنافسة للهيئات والمناصب التمثيلية بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والدينية والنوعية، وحيث تمثل الأمة المرجعية النهائية لتشريعاتها، وحيث ينعم الجميع بالحرية.
عن صحيفة البيان الأماراتية