الله اكبر ولله الحمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوانى واخواتى فى الله
هذا الموضوع منقول من جريدة آفاق عربية
يوميات زوجة معتقل
في بداية حجابي والتزامي بديني وعندما كنت أمر بجوار السجون وأري أخواتي المحجبات وتبدو علي مظهرهن علامات الاحترام والالتزام والهدوء أتعجب: لماذا يقفن عند السجون? وشاءت الأقدار أن أكون من هؤلاء اللاتي يقفن ليس فقط بجوار السجون ولكن ممن يطفن سجون مصرنا الحبيبة, فمنذ انتخابات عام 2000 اعتُقل زوجي وأخذ جولة بسجن طنطا ثم أبي زعبل شديد الحراسة ثم قليوب, ثم قدر الله سبحانه وتعالي أن يمن علينا بمنحة أخري» ففي فجر السادس عشر من مايو عام 2004 كان ضمن مجموعة الـ58 المعروفة باسم «إخوان الشهيد أكرم الزهيري», ومن ضمن المجموعة التي اختصت بالتعذيب في سجن أبو غريب -أقصد مقر أمن الدولة بمدينة نصر- إلي أن منّ الله عليه بإخلاء سبيله بكفالة وقدرها 5000 جنيه فكنت أنا وأخواتي الحبيبات زوجات المعتقلين وأبناؤنا نسافر كل أسبوع مرة إما للزيارة بسجن طرة وإما للعرض بنيابة أمن الدولة العليا بمصر الجديدة, وكانت تلك الأيام التي استمرت ستة أشهر, علي الرغم من مشقة الانتقال من محافظاتنا -سواء من الإسكندرية أو الغربية أو المنوفية أو الدقهلية- إلا أنها حُفرت في ذاكراتنا جميعًا بشهادة أخواتنا وأزواجنا علي أنها من أحلي أيام العمر, فقد خرجنا جميعًا منها بدروس لو ظللنا طوال عمرنا نتعلمها ما تعلمنا 1/1000 منها, ولولا تلك الأيام ما تعارفنا -نحن أسر المعتقلين- ولا صار بيننا تلك المودة, والحب الذي ربط بين قلوبنا وصدق الله العظيم إذ يقول {لّوً أّنفّقًتّ مّا فىي الأّرًضى جّمىيعٍا مَّا أّلَّفًتّ بّيًنّ قيليوبىهىمً ¤ّلّكىنَّ َلَّهّ أّلَّفّ بّيًنّهيمً} [الأنفال: 63] نعم لقد ترابطنا برباط رباني {¤ّيّمًكيريونّ ¤ّيّمًكيري َلَّهي ¤ّاللَّهي خّيًري ًَمّاكىرىينّ} [الأنفال: 30].
وبعد مرور خمسة أشهر أخري وفجر 22 أبريل 2005م تم اعتقال زوجي مرة أخري, وفي أقل من عشر ساعات كان بسجن طرة, وعاودنا الكَرّة من جديد وأصبحنا نسافر أسبوعيًا كما كنا في المرة السابقة إما لسجن طرة وإما لنيابة أمن الدولة العليا بمصر الجديدة.. ولكن اختلف الأمر هذه المرة» فرأينا الغرائب والعجائب بنيابة أمن الدولة العليا» فرأينا الأطفال يقال عنهم: (معتقلين سياسيين) وكانوا مكبلين بالقيود, منهم طفل في سن الحادية عشرة خرج علينا من النيابة ليركب تلك السيارة العجيبة -سيارة الترحيلات- ذات الشبابيك الضيقة المصنوعة من الحديد ويكسوها السلك ولا تسمح حتي للهواء بالمرور .. طفل آخر في سن الورود في المرحلة الأولي من الثانوية العامة, عندما سألته عن كيفية أداء الامتحان وهو علي الأبواب, رد بأنه سوف يتم عمل لجنة له بداخل سجن طرة المبجل.. فماذا جني هؤلاء الأطفال حتي يقضوا سنوات طفولتهم خلف الأسوار?! هل أفلس أمن الدولة?! أم لم يكفهم كل هؤلاء الرجال الأبرار حتي يعقتلوا الأطفال?? أين منظمات حقوق الأطفال? أين المسئولون عن الأطفال في مصرنا الحبيبة? وماذا تنتظرون من هؤلاء الأطفال عندما يصبحون رجالاً? أتساءل: من الإرهابي?! ومن يربي الإرهاب? فطفلي الذي لم يبلغ من العمر ثلاث سنوات تربي منذ أن كان عمره العام ونصف العام بين السجن ونيابة أمن الدولة, يقول: أنا صاحبي معتقل في سجن طرة, وأنا لما أكبر سوف أذهب مع أبي سجن طرة. وتارة عندما تزيد وحشته لأبيه يقول: أنا سوف آخذ صلاح الدين الأيوبي إلي سجن طرة ليقتل اليهود الذين أخذوا أبي وأُخرج أبي من طرة كي نذهب معًا إلي البحر وأركب مع أبي العربة الطائشة وأري الأسد.. وغيرها من الأمنيات الطفولية.
أما أعجب العجاب فقرارات النيابة ولأول مرة يحدث, أن يصدر قرار من النيابة بإخلاء سبيل متهم بكفالة وعندما رفض دفع الكفالة يُلغي القرار ويصدر قرار باستمرار الحبس خمسة عشر يومًا ثم يجدد مرة أخري إلي خمسة عشر يومًا, وإلي الآن وزوجي ورفاقه الأطهار خلف الأسوار.. هؤلاء الرجال هم شباب الأمة, قوة معطلة خلف الأسوار ليس لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله.
والطرفة الثالثة في النيابة فنحن -أسر المعتقلين- عندما تصدر تلك الأحكام الجائرة لحبات قلوبنا فلا نملك إلا التضرع إلي الله العظيم الذي ليس بينه وبين دعوة المظلوم حجاب» فنطلب منه القصاص العادل.. فما كان من المسئولين بالنيابة إلا أن طلبوا منا عدم التضرع إلي الله, لأن ذلك يؤذيهم.. ألا يدرون أننا نشكو إلي الله ظلم المسئولين في كل وقت وفي كل حين?! ألا يعلموا أن الله يسمع سرنا وجهرنا? ألا يعلمون أن الله مطلع علي كل أحوال العباد? ألا يعلم هؤلاء أن الآباء خلف الأسوار الذين حُرموا من أطفالهم والأطفال الذين حُرموا من آبائهم وهم علي قيد الحياة لهم رب عادل لا يبخس أحدًا حقه وهو علي كل شيء قدير?!
وأحب أن يعلم هؤلاء الظالمون أننا لا ندعو عليهم بل ندعو لهم بالهداية ونحن فقط نشكو إلي الله ظلمنا الذي يزيد من صبرنا الذي سوف يكون إن شاء الله في ميزان حسناتنا في يوم لا ينفع مال ولا بنون. ألم يعلموا أن جنة العبد في الآخرة أفضل من جنته في الدنيا?! فجزي الله هؤلاء الذين ظلمونا خير الجزاء علي عونهم لنا لدخول الجنة, وعلي أنهم علّمونا أن نرضي بما قسمه الله لنا في الدنيا والحمد لله فقد سلمنا أمرنا إلي الله ورضينا كل الرضا بحكمه سبحانه وتعالي.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
مهندسة: منال أبو الفتح عبادة
زوجة المعتقل حمزة صبري حمزة
بسجن مزرعة طرة