السودان الجديد وتحديات ما بعد قرنق
فجأة .. رحل قرنق .. بصورة تراجيدية مأساوية بعد رحلة طويلة بين ساحات القتال وميادين المناوشات ودهاليز عمليات السلام والحوار، وعلى الرغم من أنه كان مثيراً للجدل بصورة دائمة داخل بلاده وخارجها إلا أن السودانيين الآن - على الأقل غالبهم - يشعرون بالقلق والخسارة، إن لم تكن خسارة جارنج فهي خسارة محتملة لجهود السلام المضنية عبر سنوات طويلة من عمر هذا البلد.
جون جارنج ابن قبيلة الدينكا الجنوبية حارب لـ 21 عاماً من أجل هدف واحد ومعلن هو مشاركة الجنوبيين في حكم السودان .. وعندما اقترب من تحقيق حلمه وتولي منصب النائب الأول للرئيس السوداني لم يبق في مقره الجديد أكثر من 21 يوماً أيضاً " !!" ليموت في حادثة التصادم الغامضة تلك بصحبة 7 على الأقل من مرافقيه.
وفاة جارنج تطرح على الوضع السوداني الحالي علامة استفهام كبيرة .. إلى أين سيمضي السودان بعد رحيل رجل الجنوب .. إلى انتكاسة سلام أم أن إرادة تحقيق الأمن ستتغلب على الإنشقاقات المتوقعة التي بدأت بعد ساعات من الإعلان عن وفاة جارنج متمثلة في خروج مئات .. بل آلاف من الجنوبيين الموجودين في العاصمة الخرطوم ليرتكبوا أعمال عنف وحرق ونهب معلنين احتجاجهم على مقتل جارنج وظهرت الاحتجاجات بصورة أكثر بشاعة في تصادم جنوبيين تابعين للحركة الشعبية لتحرير السودان " حزب جارنج" بعرب ومسلمين في ولاية جوبا أقصى جنوب البلاد حيث تواترت أبناء عن وقوع إصابات ومصرع أشخاص.
المشهد الحالي دون شك تحكمه العاطفة في المقام الأول وليس بعيداً أبداً أن يتهم جنوبيون السلطة الحاكمة في الخرطوم بقتل جارنج، المخاوف الحقيقية تتجسد في مجابهة السلطة هذه الأعمال الاتهامية التخريبية بالحديد والنار أو بقمع وحشين كما كان يحدث أحياناً في دارفور والولايات الشرقية، ولعل هذه المواجهة المحتملة بين السلطة وشعب الجنوب هي ما تثير قلق قادة الأحزاب الجنوبية المرتبطة مع السلطة باتفاقية السلام الأخيرة، وعلى هذا فقد دعا عثمان عمر مساعد رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي السلطة إلى عدم الرد القاسي على الاستفزازات الأمنية.
هذا على الصعيد الميداني أما على الصعيد السياسي فثمة 3 محاور ستشكل حولها صورة السودان في المرحلة القادمة :-
أولاً : تنفيذ اتفاقيات السلام:
يميل المحللون إلى أن شروط وبنود اتفاقية القاهرة الأخيرة سيتأجل تنفيذها على أرض الواقع إلى ما بعد اختيار نائب أول جديد لرئيس الجمهورية، والخطير في الأمر أن تنحصر اتفاقية السلام والعملية برمتها في البنود التي وقع عليها جارنج بنفسه، أي أن الأمر أيضاً يتعلق بمدى تحمل خلفائه المسئولية والمضي قدماً في مفاوضات السلام مع السلطة.
وهذه الاستمرارية لا تتسق بأي شكل مع اتهام مصادر بالحركة الشعبية السلطة بمسئوليتها عن مقتل جارنج، وإذا استمرت هذه الاتهامات ستدخل البلاد في حرب أهلية حقيقية، مع الأخذ في الاعتبار احتمال التدخل الأجنبي على شكل هيئة تحقيق في مقتل النائب جارنج، وتظل الحياة السياسية في السودان معطلة في انتظار حكم لجنة تقصي الحقائق.
ثانياً : توسيع عملية السلام:
لعل من مآثر جارنج الكبرى سعيه لصلح وطني شامل يمتد شرقاً حيث المسيحيين الغاضبين والداعين للانفصال وغرباً إلى دارفور حيث يعاني المسلمون حقيقة من أوضاع مزرية في مواجهة النظام.
وكان جارنج متفقاً مع السلطة - بناءاً على اقتراحه - على عدم الإعلان عن ميلاد اتفاقية سلام مكتملة وشاملة دون تسوية الأوضاع في المناطق الساخنة بطول السودان وعرضه فضلاً عن تمتعه بصداقة قوية مع المعارضين داخل وخارج السودان، ولا ننسى أنه أدخل العديد من التجمعات المعارضة لحكم البشير تحت مظلة الاتفاق الأخير بفضل علاقاته الطيبة معها على اختلاف الرؤى والأيديولوجيات.
الذي يخشاه السودان بحق هو أن تعتقد السلطة بأنها حققت كل ما عليها تجاه أمن البلاد وسلمه بتوقيع معاهدة تضمن فيدرالية الجنوب دون الالتفات لباقي المناطق التي لا تتمتع بوجود منظمات أو أحزاب قوية تجبر السلطة على احترامها وإجراء الحوار معها.
ثالثاً : الأوضاع الداخلية في الجنوب:
السلطة الحاكمة في السودان ألقت بالكرة في ملعب الجنوب بعد ساعات من مصرع جارنج ودعا الرئيس السوداني حكومة الجنوب إلى سرعة اختيار ممثل لهم ليتولى منصب نائبه الأول خلفاً للقائد الراحل، والمشكلة أن الأوضاع في الجنوب تخضع لعاملين مهمين :
أولهما : اتجاهات الأحزاب الجنوبية نحو العاصمة، أما الثاني فهو مدى وجود شخصيات قادرة على قيادة الجنوبيين.
فالحركة الشعبية سيقودها غالباً نائب جارنج والذي اختلف معه كثيراً أثناء عملية السلام " سلفا كير " وهو قيادي بارز وله أتباع كثر في كل ولايات الجنوب، ولكن يذهب محللون في نفس الوقت إلى ترجيح احتمال ضعف تأثير " سلفا كير " على باقي المنظمات الجنوبية وهو ما كان يتقنه جارنج الكاريزما المحترمة من كل أهالي الجنوب.
وعلى هذا فسلفا كير لن يجد الطريق ممهداً تماماً أمامه ليشغل منصب نائب الرئيس البشير، وعليه إقناع باقي المنظمات والتيارات ببرنامجه للمرحلة القادمة والتعهد بالسير على خطى سلفه.
لكن الإقناع لن يتم إلا في حالة رسم خريطة واضحة لاتجاهات الأحزاب الجنوبية نحو السلام والوحدة مع العاصمة، فجارنج الذي ظل يحاربه الشمال لأكثر من عقدين اتضح في النهاية أنه يرضى بوحدة السودان طالما تمتع الجنوبيين بهامش من الحرية وتقاسم اتخاذ القرار مع الشماليين، الأمر الذي يرفضه دعاة الانفصال ويسعون بشتى الوسائل - وعلى رأسها الاستقواء بالأجنبي - إلى فصل جنوب السودان المسيحي الأغلبية عن شماله العربي ذي الأكثرية المسلمة.
وهذا المشهد يلزم سلفا كير القيام بجولات تفاوض أخرى من أجل الوصول لقرار مستقر وواحد بشأن الوحدة والشخص الذي سيخلف جارنج على الساحة الرسمية.
الأكيد أن الملفات المفتوحة وعلامات الاستفهام كثيرة أمام مستقبل السودان والتحدي الحقيقي هو أن يحمي السودانيون أنفسهم من التمزق والعودة للمربع رقم "1" من جديد فتكون محصلة عملية السلام الشاقة مجرد صفر كبير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد بصل / مصر العربية