المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
نسخة كاملة: السياسة النووية الدولية وأثرها علىالشرق الأوسط
منتدي الحلم العربي > المنتديات التعليمية > قسم الأبحاث
عبدالغفور الخطيب
السياسة النووية الدولية و أثرها على منطقة الشرق الأوسط




الفصل الأول

الطاقة النووية والبداية






بعد عام من انتهاء الحرب العالمية الأولى تبنت الحكومة البريطانية قرارا يدعو إلى عدم دخول بريطانية في أية حرب خلال السنوات العشرة القادمة على أن تكثف الجهود لإعادة بناء الجيش وتحسين المعامل الإنتاجية التي أرهقتها الحرب العالمية الأولى وتشجيع البحث العلمي للاستفادة من مصادر الحياة المكتشفة في المستعمرات البريطانية المورثة من الدولة العثمانية المنهارة السيئة الصيت(1). هذا القرار احدث ثورة علمية كبيرة في العلوم الأساسية والتي كانت إحدى أهم إنتاجاتها البحوث المركزة في مجال البحث النووي الذي انفردت به المملكة المتحدة آنذاك. فمع إطلالة عام 1931م تبنى اللورد ريثرفورد Rutherford مبدأ ضرورة دراسة كيفية استخلاص الطاقة المخزونة في نواة الذرة واستعمالها أن أمكن كبديل للنفط؛ ولكن سرعان ما تغيرت المفاهيم والمقولات العلمية والبحثية عندما اكتشفت ذرات اليورانيوم المخصب عام 1939م(2). هذا الاكتشاف المهم لليورانيوم المخصب لم يكتسب أهمية لكونه ينتج طاقة نووية هائلة؛ بل كانت أهميته نابعة من استجلاب النيترونات خلال عملية الإخصاب لنواة اليورانيوم. فكلما حدث الإخصاب تولدت نيترونات جديدة يمكن استعمالها للتخصيب مرة أخرى مولدة معها سلسلة من التفاعل النووي الذاتي البقاء والذي يعرف في يومنا هذا؛ علميا أو فيزيائيا بـ Self-Sustaining Nuclear Chain Reaction. وعلى الرغم من تحديد مسار التفاعل النووي نظريا في عام 1939م ألا انه لم يدخل حيز النجاح العملي والتكنولوجي بشقيه السلمي والحربي إلا في الثاني من كانون الأول عام 1942م حين تمكن بعض الخبراء النوويين الأمريكان في جامعة شيكاغو من توليد تلك السلسة من التفاعلات النووية ذات الطاقة الإشعاعية الهائلة داخل مختبراتهم العلمية المتخصصة في هذا المجال. حيث تمكنوا بنجاح من بناء أول مفاعل نووي Nuclear reactor في العالم عرف فيما بعد بالمفاعل الذري. وبهذا الإنجاز الكبير يكون قد بدأت الولادة الرسمية الفعلية لما يسمى في عصرنا الحاضر بالطاقة النووية التي لم تتمكن وليومنا هذا من أن تكون بديلا عن الطاقة النفطية التي حظيت بها الكثير من بلدان الشرق الأوسط خاصة العربية منها(2).





1.1 تاريخ البحث العلمي الذري

بدأت رحلة الاكتشاف النووي من الناحية العملية العلمية مع أول اكتشاف لمعلمها الأول هنري بكيوريل Hanri Becquerel في فبراير عام 1896م. حيث تمكن ولاول مرة من تحديد أهمية التفاعلات الإشعاعية نظريا في المواد الفلزية؛ بعد أن عجزت الجامعات الأوربية ومنذ منتصف القرن الثامن عشر من إثبات أي وجود لحركة جزيئات الذرة. ولم تمضِ اكثر من سنة حتى تمكن جي جي تمسون J J Thomson من اكتشاف الحزمة الإلكترونية المتجمعة على الكاثود بطريقة عملية بعد أن بنى مجمل تطبيقاته على نظرية بكيوريل. مهّد هذان الإنجازان الطريق عام 1905م للعالم الألماني البرت انشتاين Albert Einstein (1897-1955) لينشر بحثا في المجلة الألمانية الفيزيائية ذو أهمية بالغة في الفيزياء النووية. بيَّنَ فيه أول معادلة رياضية فيزيائية تشرح العلاقة ما بين الحركة الجزئية للمادة وعلاقتها بتوليد الطاقة غير المرئية؛ التي قد تولد طاقة هائلة إذا ما باتت مركزة في جزيئات تكوينها(3).



استمرت المختبرات العلمية الأوربية في البحث في كيفية تفعيل حركة الجزيئات وتجميع طاقاتها منذ اكتشاف انشتاين عام 1905م؛ وحتى تمكن اللورد النيوزلندي ارنست راثر فورد Ernest Rutherford (1871-1937) الذي كان يعمل في مختبر الفيزياء الإشعاعية بجامعة مانشستر البريطانية من إجراء أول تجربة علمية مختبريه تخللها قصف الرقائق الذهبية بأشعة آلفا. حيث تمكن من خلال تلك التجربة من أن يحدد علميا أن هناك أشعة تنعكس بقوة ثاقبة من تلك الرقائق بصورة متشعبة ما بين زاوية 20 درجة إلى 110 درجة. وما أن انتهى راثر فورد من تجربته هذه حتى صرح في مؤتمر علمي بجامعة مانشستر عقد لهذا الغرض في ديسمبر عام 1911م sad.gif1, 2, 3)

" بعد تجربتنا هذه التي أثبتتُ قوة انعكاس الأشعة المتولدة من الذرات المقصوفة بأشعة آلفا؛ يمكنني القول من خلال تلك المعلومة أن إنتاج الطاقة الذرية بات وشيكا".



هذا الإنجاز مكّنَ العالم البريطاني جيمز جادوك James Chadwick عام 1932 من اكتشاف النيترونات. وساهم مساهمة فعالة في تسيير دفة البحوث النووية في مختبر رانديوم بفرنسا Randium Institute in France والذي مكنهم من إنتاج أول نشاط إشعاعي صناعي Artificial Radioactivity. كما ساهمت نظرية ارثر فورد بتطوير اتجاه البحث في إيطاليا؛ إذ في عام 1930م بروما بدأ العالم الإيطالي أنريكو فيرمي Enrico Fermi (1901-1954) البحث عن كيفية خلق نظائر النشاط الإشعاعي Radioactivity Isotopes بواسطة القصف النيتروني. ويبدو أن فيرمي الإيطالي قد نجح في إنتاج نظائر النشاط الإشعاعي بالطريقة المثلى. إلا انه فشل في مراقبة فاعلية اليورانيوم عندما يتم قصفه بالنيترونات. ولكن مع هذا يعتبر علماء الذرة إن ما حققه فيرمي إنجاز لا يمكن تجاوزه أبدا إذ ما أريد أن يؤرخ للحالة العلمية النووية وإنجازاتها البحثية(2, 3).



هذا الاكتشاف الاخير الذي اكتشفه فيرمي عُرف من خلاله أن امتلاك القنبلة الذرية بات شيئا مؤكدا بعد أن تمكن العلماء من إثبات نتائج بحثهم عمليا. وحالما تأكد ستراسمان من تلك النتيجة؛ وقبل إعلانها علميا؛ أرسل بتلك المعلومات إلى قريبته العاملة في منظمة الوحدة اليهودية العالمية بألمانية ليز ميتنر Lise Meitner التي بدورها قامت بنقل تلك المعلومات إلى ابن أخيها الذي كان يعمل في مختبر مع الدنماركي اليهودي نيلز بوهار Niels Bohr (1885-1962) بكوبنهيكن؛ والذي بدوره قام بإبلاغ الأمريكيين بتلك النتائج. وما أن استلم الهنكاري الأصل ليو سزيلارد Leo Szilard الذي كان يعمل في مختبر في الولايات المتحدة الأمريكية تلك النتائج حتى راح بالتعاون مع من يعمل معه من الأمريكان بالتأكد من صحة تلك النتائج؛ حيث تم اثبات صحتها حينما تولدت كمية هائلة من الطاقة الاشعاعية باستعمال ثلاثة الى اربعة نيترونات قاصفة(4).



إن مفهوم الانفلاق أو الانشطار الذري كان قد استعمل لأول مرة في الحياة العلمية من قبل العالمين الفيزيائيين الألمانيين ليز ميتنر Lise Meitner وأوتتاو فيرسج Otto Frisch في عام 1939م. فقد قام هذان العالمان بوصف علمي مختبري دقيق جدا لكيفية فصل النواة الثقيلة إلى نواتين خفيفتين متساويتين بالحجم تقريبا. وبهذا الاكتشاف الخاص بالتفاعل النووي غير الطبيعي الناتج من انشطار الذرة الثقيلة؛ تمكن العالمان الالمانيتن من إحداث ثورة علمية مفاجئة في تاريخ العلوم الحديثة؛ إذ ما عرفنا مدى التوجه المركز والسريع نحو دراسة الذرة والقدرة على إنتاج الطاقة من انفلاقها بفترة زمنية وجيزة؛ مقارنة مع تطور العلوم الأخرى التي وصلت دراسة بعضها واكتشاف جوهرها حدا زمنيا تعدى القرن ونيف من السنين (1, 3).



ومع ارتباط عملية الانفلاق الذري باسمي العالمين الألمانيين الآنف ذكرهما؛ ألا أن قصة اكتشاف الانفلاق الذري في الحقيقة كما ذكرنا مسبقا قد بدأت فعليا عند اكتشاف النيترون عام 1932م من قبل العالم الإنكليزي جيمس جادوك James Chadwick. وبعد فترة قصيرة جدا من اكتشاف جادوك قام العالم الإيطالي انركو فيرمي Enrico Fermi ومساعديه بدراسة مكثفة للتفاعل النووي مختبريا؛ وذلك من خلال قصف العناصر المختلفة بواسطة جزيئات غير مشحونة بالإلكترونات. وعلى الرغم من التجارب المكثفة في المختبر الإيطالي إلا أن النتائج الأولية لهذه العملية لم تعطي ثمارها إلا في غضون عام 1934م عندما اكتشف فيرمي ومساعدوه أن هناك على الأقل أربعة عناصر مشعة مختلفة يمكن الحصول عليها من خلال قصفها باليورانيوم ذو النيترونات البطيئة. وفي الواقع أن هذه العناصر المشعة المكتشفة حديثا تبعث أشعة بيتا Beta. حيث كان الاعتقاد سائدا آنذاك على أن هذه العناصر الأربعة المشعة ما هي إلا نظائر غير مستقرة تعرف بعناصر ما وراء اليورانيوم Transuranium elements (ذوات العدد الذري الأكبر من عدد اليورانيوم الذري؛ والتي يبلغ عددها الذري 93 و 94 وما فوق). ومع هذا الاكتشاف الذري الجديد تمكن علماء الكيمياء الإشعاعية من دخول الحقل النووي بقوة والمساهمة فيه مساهمة فعالة من خلال دراسة الجدول الدوري Periodic table للعناصر الكيميائية. فنتيجة لتلك المساهمة الفعالة والدراسة المستفيضة تمكن العالمان الالمانيتن المعروفان بالبحث النووي اوتاو هاهن Otto Hahn (1879-1968) وفرتز ستراسمانن Fritz Strassmann (1902-1980) في عام 1939م من أتباع خطوات اكتشاف الكيمياء العلمي الذي تم على يدي العالمين الفرنسيين ايرين كيري Irene Joliot-Curie وبافل سافك Pavle Savic عام 1938م المتضمن اعتبار العناصر الواقعة ما وراء اليورانيوم والعناصر الأخرى الواقعة في منتصف الجدول الدوري ما هي إلا نظائر إشعاعية Radioisotopes للباريوم Barium واللثيوم Lanthanum(4).



ومهما يكن نوع الاكتشاف وأهميته لعام 1939م الذي تم على يدي هاهن وستراسمان؛ فقد سبقهما العالم الألماني الكيميائي ولتر نودك Walter Noddack في الاكتشاف عام 1934م حين قال(5, 6):

" أن العناصر الخفيفة يمكن تحريرها بواسطة قصف الذرات الثقيلة بعدد من النيترونات".



لكن نودك لم يعطي أهمية وتركيزا لما قال؛ فحسب قوله انه ورث هذه المعلومة من أحد العلماء الفيزيائيين دون أن يذكر اسمه. إضافة لعدم إعطائه أي حجة علمية كيميائية واضحة لما قال. فلذا فقد تصدر هذا المجال العلمي عام 1939م كل من فيتنر وفرسج الألمانيين اللذان عززا معلوماتهما النظرية الخاصة بالانشطار النووي الباعث للطاقة الكبيرة؛ بشرح مفصل ودقيق تمكن علماء العالم من التأكد من نظريتهما من خلال تطبيقهما بحوالي اثني عشر مختبرا فيزيائيا في بلدان مختلفة. وبعد اقل من سنة من إعلانهما عن نتائجهما تمكنا من نشر ما يقارب المائة بحث علمي خاص بهذا المضمار. شرحا في تلك البحوث شرحا مفصلا للعناصر الأساسية للعملية النووية الانشطارية وتمكنا أيضا من خلال تلك البحوث التأكيد على المعلومات الخاصة بالطاقة المتولدة من العناصر الثقيلة؛ إضافة إلى توسيع دائرة فهم هوية العناصر الكيميائية المنتجة من الانشطار الذري(2, 4).



فالتحول السريع الذي طرأ في هذا المجال كان نابع من النتائج المذهلة التي حصل عليها العلماء من خلال استعمال اليورانيوم العادي مع نيترونات بطيئة في عمليات الانشطار. وسرعان ما فسر العلماء أسباب تلك الظاهرة وأعزوها إلى اليورانيوم 235 غير المخصب. ثم عكف العلماء على دراسة نظائر اليورانيوم الأخرى وتوصلوا إلى أن اكثر أنواع اليورانيوم خمولا هو نوع اليورانيوم 238؛ حيث يمكن شطره مختبريا ليولد طاقة هائلة بواسطة قصفه بنيترونات سريعة.



ومع منتصف عام 1939م تمكن في فرنسا كل من فريدرك كيري Fre'de'ric Joliot-Curie (1900-1958) وهانس فن هلبن Hans Von Halban ولوا كوارسكي Lew Kowarski من اكتشاف حقيقة مهمة جدا كانت مفتاح بداية توليد الطاقة النووية وهي أن هناك عدد من النيترونات المتخلفة من عملية الانشطار الحاصلة لليورانيوم 235 يمكن استعملاها مرارا ومرارا لتوليد سلسلة من التفاعلات النووية ذات الطاقة الهائلة. ومن خلال تلك العملية تمكن فيرمي ومساعدوه من معرفة أن هناك طاقة هائلة متولدة من التفاعل يمكن السيطرة عليها؛ وبدؤوا يعملون بهذا الاتجاه منذ عام 1939م حتى تمكنوا من النجاح في الثاني من كانون الأول عام 1942م لبناء أول مفاعل نووي في العالم يتألف من صف من اليورانيوم وكتل من الرصاص على شكل قوالب حيث بني في موقع جامعة شيكاغو(3, 4).



1.2 الخطوة الأولى لفرض القوة والخضوع

بدأت خطوط اللعبة للسيطرة على العالم مع بداية آب عام 1939م حين تمكن العلماء الفرنسيون والألمان والبريطانيون من تحديد مسار كيفية توليد الطاقة الهائلة نوويا. وقد استغل هذا الإنجاز بعض العلماء اليهود الذين تابعوا بحفاوة كبيرة البحوث العلمية ونشاط المختبرات المتخصصة بالفيزياء النووية والنظائر الفلزية الكيميائية. ففي الثاني من آب عام 1939م بدأ اليهودي الهنكاري ليو ساليزرد يعرب لمعارفه من العلماء الأمريكيين عن مخاوفه من امتلاك الألمان للقنبلة النووية. وذلك بعد أن تعثر عليهم الحصول على معلومات عن النشاط النووي للألمان. ولتعزيز قناعته اتصل بزميله اليهودي الهنكاري ادورد تيللر Edward Teller (1905-1988) الذي كان قد هاجر إلى أمريكا عام 1935م وسافر معا إلى نيويورك للقاء اليهودي الألماني البرت انشتاين Albert Einstein (1879-1955) واقناعه بضرورة الكتابة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت Roosevelt وتحذيره من البرنامج النووي الألماني. وتحت تأثير زميله ايجين وينجنر Eugene Wngner (1902-1995) وافق انشتاين التوقيع على الرسالة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي والتي كانت معدة من قبل ساليزرد (راجع نص الرسالة باللغة الإنكليزية في ملحق رقم 1). تلك الرسالة التي غيرت مجرى السياسة الأمريكية ليست في تلك الحقبة وحسب؛ بل مازالت تسير على خطى من رسمها وليومنا هذا. فقد جاء في بعض من نص الرسالة التي وقعها الألماني اليهودي انشتاين واعدها اليهودي ساليزرد ما يلي (4,5,6, 7):

" ... إن عنصر اليورانيوم من المحتمل ان يكون مصدراً جديداً لإنتاج الطاقة في المستقبل القريب جدا. ومن المؤكد أن الحالة الجديدة ومظاهرها تحتاج إلى مراقبة وسيطرة إذا كان ذلك ضروريا. وأنا اعتقد من موقع الواجب والمسؤولية أن انبه سيادتكم إلى جملة من الحقائق والإرشادات"



من هنا نرى إن سليزرد ومَن لف حوله بدأ بصورة أساسية بتحديد موقف من إنتاج اليورانيوم وكيفية برمجته مستقبلا للحيلولة دون تفرد مَن لا ترغب به اليهودية العالمية بهذا العنصر الجديد؛ الذي كما سنرى كيف غير مجرى الأحداث العالمية. واصبح في موقع يسدي النصائح إلى الرئيس الأمريكي بالاتجاه الذي تراه اليهودية العالمية مهما لمستقبلها في السيطرة على العالم اجمع. فنراه ومنذ اللحظة الأولى يؤكد على واجبه في تنبيه الرئيس الأمريكي وتوجيهه للحقائق التي وردت في رسالته والتي تنص على ما يلي:

" في الأشهر الأربعة الماضية ومن خلال العمل الذي قام به العالم الفرنسي جوليوت بالإضافة إلى عمل فرمي وساليزرد في الولايات المتحدة الأمريكية تبين انه من المحتمل إنتاج سلسلة من التفاعلات الإشعاعية بكمية هائلة جدا باستعمال اليورانيوم."



ويبدو انه لم يتمكن من إغفال النتائج التي تمكن المختبر الفرنسي للتوصل إليها والتي جربت فقط في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن هُرٍّبت المعلومات من فرنسا والمانية؛ ليضفي إلى وقائعه نوع من الصدق والصراحة المبطنين. ومع الحديث العلمي المشوق الذي يبدو في بداية أمره سلميا لكل من يقرأ تلك الرسالة؛ نرى ساليزرد لم يتمكن من كتمان مأربه إلى النهاية. فلذا مع النصف التالي من الرسالة بدا يتحدث بجدية عن السلاح النووي دون مقدمة تذكر. ومحذرا من القوة الألمانية أو غيرها في امتلاك السيطرة على بقاع العالم. وهو ما يعني فقدان اليهود موقعهم عالميا بعد أن عرف هتلر بتهريب المعلومات العسكرية للحلفاء على أيديهم. ففي رسالته إلى الرئيس الأمريكي يستمر ليقول فيها :

" أن هذه الظاهرة الجديدة لا بد من أن تؤدي إلى إنتاج قنبلة تحمل في بواعثها قوة تفجيرية هائلة. فقنبلة واحدة من هذا النوع محمولة بقارب وتنفجر في ميناء ممكن أن تؤدي إلى تدميره بالكامل مع ما يحيط به من مناطق أخرى ومحتوياتها. على أية حال ان مثل هذه القنبلة قد يكون مثبتا علميا أنها ثقيلة لحملها جوا."

ولعل هذا المقطع من الرسالة ذو أهمية قصوى إذ لم يكتفي في شرح أهمية إنتاج القنبلة الذرية ولكن تابع شرح القوة التدميرية لها ولو بأداة نقل بسيطة. وهو ما يجعل من اعتاد على الأسلحة التقليدية يفكر مليّا لمعرفة سر العنصر المكتشف الجديد والذي ما لا شك فيه كما جاء في الرسالة سوف يقلب موازين القوة في ارض المعركة على اقل تقدير. ومع إعطائه فكرة كيفية حمل السلاح الجديد وتفجيره إلا انه لم يغفل بذكاء قد يجمع بُعد الحالة الهستيرية التخريبية وحب السيطرة ونصاعة التفكير العلمي في شرح الأمور المتعلقة بإنتاج مثل هذا السلاح ليبقى فعالا. لذا لم يغفل ذكر ثقل هذه القنبلة عند حملها جوا ليجعل الرئيس الأمريكي يعيش في تصوراته في كيفية إتمام مهمة امتلاك مثل هكذا سلاح إذ ما اقتنع بما أورده ساليزرد. ولعل الأكثر أهمية في الرسالة المبعوثة للرئيس الأمريكي هو نصفها الأخير الذي يبين فيها إن مثل هذا السلاح سوف لا يكون بيد الولايات المتحدة الأمريكية أن لم تكن قد تمكنت من السيطرة على مناجم اليورانيوم. إذ يستطرد انشتاين ليقول:

" الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك منجم فقير لليورانيوم وبه كميات معتدلة. إلا أن هناك مناجم لليورانيوم في كندا وجيكسلوفاكيا. علاوة على أن أهم مصدر لليورانيوم هو الكونجو البلجيكية."



هذا النص من الرسالة يعتبر الأهم في عملية التخطيط لخريطة العالم الجديد في حينه. إذ لا بد من خلال وجود مناجم اليورانيوم ان تحدد مصالح الدول وتعهداتها مع الآخرين. وهمنا نرى في الرسالة إن كاتبها أراد الولايات المتحدة الأمريكية إن تأخذ دورا مؤثرا وسريعا للانقضاض على من يحتل تلك البقاع والسيطرة عليها مهما كلف الأمر. وذلك لحصر عملية إنتاج اليورانيوم والحصول عليها بإمرة الولايات المتحدة الأمريكية والتي بدون شك سوف لا يمكن لغيرها من إنتاج السلاح النووي الرهيب مستقبلا ويبقى تحت شارة الولايات المتحدة الأمريكية فقط. وعليه فبعد أن حدد الأسس الرئيسية لأهمية اليورانيوم ونتائجه وعلاقته بإنتاج الطاقة والسلاح المؤثر الجديد وضرورة استغلال مناجم إنتاج اليورانيوم فقد راح فورا في الأخر يضع اعتباراته وضروراته كالأتي:

"عند دراسة وملاحظة الموقف الحالي يجب أن تفكر بشخص مرغوب فيه أن يكون وسيط بصورة دائمية ما بين الإدارة الأمريكية والفيزيائيين العاملين في الحقل النووي في الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك احتمال لواحد ان يصل لذلك؛ وهنا يجب أن تنيط العمل بشخص تثق به ثقة تامة ويمكن أن يعمل بصورة غير رسمية بهذا المضمار. على أن يتلخص عمله بما يلي:

1. يمكنه الوصول إلى جميع أقسام الدولة الأمريكية المهمة ويعلمهم بالتطور الحاصل في المجال النووي ويعطيهم الإرشادات الضرورية لكي تتخذ الدولة قراراتها وتحذيراتها المتعلقة بمشاكل توفير اليورانيوم للولايات المتحدة الأمريكية.

2. العمل على تسريع العمل المختبري والذي في الوقت الحالي لا يتعدى بما يتلاءم مع ميزانية المختبرات العلمية للجامعات الأمريكية. وذلك من خلال تهيئة المنح المطلوبة لإنجاز مثل هذا العمل والتي لا بد أن تكون من خلاله ومن الشخصيات والمؤسسات التي ترغب في المشاركة ماليا أو المساهمة صناعيا من خلال توفير الأجهزة اللازمة لذلك.



تمكن ساليزرد بهاتين النقطتين من تحديد أهمية التعاون معه ومجموعته في هذا المضمار لكونه ومن يعمل معه اكثر خبرة في هذه الناحية من غيرهم وكونهم أول من اخبر الرئيس الأمريكي بذلك. ولعل مثل هذا الموضوع جعل الإدارة الأمريكية في يد هؤلاء العلماء الذين يرومون مأرب أخر غير مأرب علو وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك من خلال تأكيدهم على حصر الأموال المستثمرة والأجهزة والعمل والعلاقة مع الدولة بصورة سرية بمجموعة صغيرة ومحدودة جدا. ولتفعيل كل ما قيل في الرسالة ولوضع الرئيس الأمريكي أمام مسألة لا بد من أن يتخذ في مجالها قرارا. وبالتلي فقد نهى ساليزرد رسالته التاريخية إلى الرئيس الأمريكي بما ترومه ألمانية وما توصلت إليه بقوله:

" لقد علِمت إن ألمانية قد توقفت عن بيع اليورانيوم من مناجم جيكوسلوفاكيا التي احتلتها توا. وهذا القرار المتخذ من قبل المانية حديثا من المحتمل قد اتخذ بعد أن اعلم مركز كاسير ويلهام في برلين وزير خارجية ألمانية بأن الأمريكيين قد بدؤوا أعمالهم العلمية على اليورانيوم."



ختاما؛ كان جوهر الرسالة تعميق الخلاف ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانية تحت ظروف ضرورة امتلاك اليورانيوم لبسط النفوذ. إذ من خلال تلك الرسالة يتضح أن من كتبها ووقعها ومن ساهم في ذلك كانوا يبحثون عن ترتيب خريطة العالم بصورة جوهرية لمستقبل قد يطول ليس عشرات السنين بل لقرون كثيرة. وقد يرى البحث أن السلاح النووي ومؤثراته الاستراتيجيته قد أخذت أبعادها ليس مع إنتاج القنبلة الذرية؛ بل بعد أن تبين أهمية اليورانيوم وكيفية استعماله لتوليد الطاقة ومن ثم القنبلة الذرية. وعليه فلا يمكن أن يغفل التاريخ فحوى الرسالة ومعانيها التي أعدها ساليزرد ووقعها انشتاين وشارك فيها كثيرون من الجالية اليهودية المتواجدة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ولربما حسب اعتقادنا أن التزام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية في قيام الكيان الصهيوني وبقاءه وحمايته يكون نابعا من العلاقة النووية المصيرية ومن خلال الالتزامات السرية التي ربما أقرتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية لليهود إذا ما أنجز هذا المشروع.



لم يجب الرئيس الأمريكي فورا على الرسالة الموقعة من انشتاين؛ بل يبدو انه فضَلَ البحث والتروي لكي يصل إلى فحواها ومدى صحتها. كما يبدو انه كان فرحا جدا على ما جاء فيها من نصائح وإرشادات ليست متداولة من قبل. فأجاب روزفلت في رسالته بتاريخ 19 تشرين الأول عام 1939 بما يلي (نص الرسالة انظر ملحق 1)(4, 5, 6, 7):

" عزيزي البر فسور



أريد أن أشكرك على رسالتك المؤخرة وما حوتها من معلومات مهمة وقيمة. لقد وجدت المعلومات هذه مهمة جدا وأنا عقدت اجتماعا ضمَ رؤساء مكاتب الرئاسة ممثل عن الجيش وممثل عن البحرية للتحقق من مسألة اليورانيوم الذي ذكرتموه في رسالتكم. أنني فرح جدا لأعلمكم أن الدكتور ساجز سوف يقوم بالتعاون مع المجموعة المنتخبة للتحري عن اليورانيوم وأنني لأشعر إن هذا الموضوع عملي ومؤثر للناحية التي نتعامل معها. رجاء تقبل مني صادق شكري."



يبدو أن هذا الرسالة قد أثلجت صدور من خططوا لها؛ خصوصا بعد أن انتخب ساجز J Sachs (1911-1988) اليهودي الهولندي للمشاركة بهذه المهمة. إذ من خلاله يمكنهم التعرف على مجريات الأمور بعد أن وجهه لهذا الأمر ساليزرد وانشتاين وفرمي(8).





1.3 الاكتشاف النووي والحرب العالمية الثانية

كما بينا مسبقا انه مع بداية الثلاثينات وحتى قيام الحرب العالمية الثانية كانت الجهود العلمية البريطانية والأمريكية موجهة للبحث في كيفية استخلاص الطاقة النووية واستعمالها للأغراض السلمية كبديل عن النفط على الأقل في بعض المجالات الخدمية اليومية؛ كتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه. إلا أن هذه السياسة اختلفت تماما حين اندلعت الحرب العالمية الثانية. وقد ساعد على ذلك الاكتشاف المبكر لقابلية اليورانيوم المخصب الذي ساعد على تغيير اتجاه البحوث العلمية نحو الاستعمال العسكري؛ لسهولة توليد الطاقة النووية الكامنة الهائلة من خلال استعماله في حقل التجارب بدلا من استخراج كوامن الذرات العادية. فقد أقدمت حكومة الحرب البريطانية عام 1940م بتعيين السير جورج ثومسن ٍSir George Thomson رئيسا لهيئة البحوث النووية؛ موعزة لهذه المؤسسة بضرورة دراسة الجوانب الخاصة باحتمال صناعة قنبلة نووية. كما تم في نفس الوقت وبالاتفاق مع بريطانية على تأسيس هيئة نووية مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بنفس الغرض. تعهدت فيه بريطانية بتزويد الأمريكان باليورانيوم المخصب المتوفر بكثرة في مستعمراتها مقابل أن يقوم الخبراء الأمريكان بإبلاغ بريطانية بما يتوصل إليه خبراؤها من نتائج علمية باتجاه صنع القنبلة الذرية أولاً بأول(9¸10).



وبالاستناد إلى الاتفاق البريطاني الأمريكي؛ اقدم الرئيس الأمريكي روزفلت على تعيين لجنة سرية خاصة مهمتها البحث في كيفية إنتاج السلاح الذري. وبعد دراسة مستفيضة لكل الجوانب الإدارية والعلمية والمالية وكيفية توفير اليورانيوم لهذا المنتج الجديد تمكنت اللجنة من إخبار الرئيس الأمريكي في السابع من يوليو/تموز عام 1941م بإمكانية بناء مفاعل نووي خلال سنة ونصف تحديدا. أما القنبلة الذرية فلا يمكن أن تكون حقيقة قبل أربعة أعوام من ألان(4,8). ومن خلال تلك الحقائق التي أُعلم بها الرئيس الأمريكي اتصلت اللجنة التي أعطاها الرئيس الأمريكية شرعية صناعة القنبلة الذرية بالعلماء البريطانيين والعلماء الغربيين اللاجئين إلى الولايات المتحدة الأمريكية والذين جلهم من اليهود الألمان. وذلك بغرض التعجيل في انتاجها من خلال نتائج بحوث العلماء بهذا الشأن.



ان الاتفاق المبدئي بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية الخاص بضرورة التعاون في مجال البحث النووي؛ جعل من الاجتماعات العلمية تتوالى. بحيث كان يتبادل فيها الطرفان ما توصلا إليه من نتائج متعلقة بضرورة إنتاج أول قنبلة ذرية وماهية الآلة العسكرية المحتملة للقيام بتلك المهمة النووية المدمرة. إذ كان أول نتاج هيئة البحوث النووية البريطانية أن قدمت تقريرها وتوصياتها بخصوص القنبلة الذرية للحكومة الأمريكية في الرابع عشر من أكتوبر عام 1941م والذي جاء فيه ما يلي(5,6,8):

1. إن إنتاج القنبلة الذرية باستعمال اليورانيوم تعتبر عملية ناجحة؛ كما أن العمل لصنع آلة حربية لنقلها شيء من المحتمل تحقيقه أيضا ولكن خلال فترة زمنية ليست بالبسيطة.

2. نوصي أن يكون العمل في هذا الجانب ذو أهمية قصوى مقارنة مع المهام الأخرى. كما يجب أن يتوفر مثل هذا السلاح بسرعة قصوى وبوقت قصير جدا من خلال مضاعفة الجهود العلمية.

3. التعاون الحالي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة يجب أن يستمر ويتطور خصوصا في الجوانب العملية والتطبيقية النووية.



وبناءا على تلك المعلومات قرر الرئيس الأمريكي في السادس من ديسمبر/كانون الأول عام 1941م اعلان رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على إنتاج القنبلة الذرية وبالتعاون مع المملكة المتحدة بكل الجوانب التي تؤدي إلى صنعها.



ونظرا للهزائم المنكرة التي منية بها المملكة المتحدة على يد القوات الألمانية وعلى كافة الجبهات تقريبا وتعسر المضي قدما بالبحث النووي وعدم التوصل إلى أية نتائج مرضية؛ قررت حكومة الإتلاف البريطاني المتمثلة بـ ونستن تشرشل Winston Churchill وكليمنت أتلي Clement Attlee على ضرورة أيجاد صيغة اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية تضمن فيها بريطانية المشاركة في ثمرة الاكتشاف النووي. وعليه فقد وقَّّعَ في مدينة كيوبك Quebec الكندية عام 1943م كلا من ونستن تشرشل رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت Franklin D. Roosevelt اتفاقا نص على ما يلي (1,2,3,9):-

1. نظرا لبعد الولايات المتحدة الأمريكية عن منطقة الحرب وتوفر المصادر البشرية والعلمية لاستمرار البحث فقد تقرر قيام الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المهمة لوحدها.

2. تتوقف المؤسسة النووية البريطانية عن العمل فورا ويتم نقل الخبراء البريطانيين وبكامل معداتهم المختبرية للالتحاق بالمؤسسة النووية الأمريكية وإعطائهم دورا كبيرا في العمل النووي.

3. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد بريطانية وبدون قيود بكافة المعلومات العلمية والصناعية والتكنولوجية والطرق الهندسية المتعلقة ببناء وعمل المفاعل النووي.

4. في حالة إنتاج السلاح النووي واستعماله خلال الحرب تعتبر بريطانية مساهما في إنتاجه واستعماله.



بعد هذا الاتفاق التاريخي وما سبقها من اتفاقات نووية عام 1941م وعام 1942م والتي معظمها وقعت في الهايد بارك ما بين تشرشل وروزفلت بدأ العد التنازلي لصنع أول قنبلة ذرية تمكن الأمريكان من خلالها إخراس اليابان وإنهاء أسطورة الإصرار الياباني على الانتصار. ففي السادس عشر من تموز عام 1945م قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان Harry S. Truman أثناء وجوده في مدينة بوتسدام الألمانية Potsdam بأخبار كل من جوزيف ستالين وونستون تشرشل وأتلي (بصفته نائب رئيس الوزراء في حكومة الإتلاف البريطانية والذي تسلم منصب رئيس الوزراء بعد هذا الإعلام بعشرة أيام) نجاح صنع أول قنبلة ذرية في لوس ألمس Los Alamos (11,6). حيث تم تدشين نتاج هذا السلاح المدمر بإلقائه من الجو على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في السادس والسابع من أب عام 1945م على التوالي. وهنا لا بد ان نشير الى انه على الرغم من معارضة ستالين وترومان لهذا القرار إيمانا منهما بان الحرب قد انتهت لصالحهم ولا داعي لأحداث كارثة لا تعرف عقبها؛ فقد أصر رئيس الوزراء البريطاني أتلي على استعمال هذا السلاح؛ وبالتحديد على اليابان. لبعدها الجغرافي عن المنطقة الأوربية والمناطق النفطية المستغلة من قبل الحلفاء والولايات المتحدة الأمريكية لا لتدمير المدينتين اليابانيتين فحسب؛ بل كتحذير مستقبلي لكل القوى الدولية. متضمنا حيازة بريطانية على هذا السلاح الفتاك مع حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية وانهما لا يتوانى في استعماله دفاعا عن المصالح الخاصة بدولتيهما في الحاضر والمستقبل(12,8).





1.4 انهيار التحالف النووي البريطاني الأمريكي

كان كل من تشرشل وأتلي مقتنعين تماما بان لهم الحق بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية بثمرة إنتاج القوة النووية استنادا إلى المعاهدات المبرمة بين البلدين أثناء عملية البحث العلمي والتصنيع. وعلى هذا الاساس قام أتلي مباشرة بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما بإطلاق الوثائق الخاصة بالاتفاق النووي بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية؛ إضافة إلى محضر الجلسات المعقودة بين تشرشل وروزفلت والتي تنص على فعالية المساهمة البريطانية في إنتاج وتطوير وتصنيع هذا السلاح الفتاك وحقها في امتلاك السيطرة عليه(11). وهذا ما يجعلنا نستنتج أن حكومة الائتلاف البريطاني كانت تحاول بشتى الوسائل المتاحة إليها للسيطرة أو أن تكون طرف مسيطر على هذا السلاح الإستراتيجي خوفا من انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بتلك القوة التي تأهلها لقيادة القوة الدولية.



لم يكتفي أتلي بالإعلان الشعبي عن مساهمة بريطانية الفعالة بإنتاج السلاح النووي بل راح ابعد من ذلك عندما قام في الثامن من آب عام 1945م (بعد يوم واحد من ضرب نجازاكي) بإرسال رسالة شخصية إلى الرئيس الأمريكي ترومان موضحا فيها ما يلي(7,12):

"بصفتنا نحن الاثنان كرؤساء لحكومتي بلدينا فلا بد لنا من السيطرة سيطرة مباشرة على السلاح النووي العظيم؛ فلذا فأنني أدعو سيادتكم وبدون تأخير أن نعلن مجتمعين عن امتلاكنا هذا السلاح العظيم ولنا الحق في منع استعماله من قبل أية جهة أخرى حفظا للصالح الدولي العام وتحقيقا للسلام والعدالة في هذا العالم الحر".



لقد كان رد ترومان مخيبا للآمال وذلك لعدم اعترافه بما ابرم بين بلاده وبين المملكة المتحدة؛ وهذا ما عبر عنه بقوله(7, 12):

"بريطانية ليست شريك وليس لها الحق في السيطرة أو امتلاك هذه القوة الجبارة".



لقد كانت ردود فعل بريطانية قوية وشرسة ضد الأمريكان على الرغم من معرفة قادتها بالانهيار المصاحب لهم من جراء الحرب العالمية الثانية وان لا حول لهم ولا قوة للمطالبة بحق امتلاك هذا السلاح الرهيب. الذي لا بد وان يكون له دورا كبيرا في السيطرة على العالم بأجمعه مستقبلا أو على الأقل لتحكم بمعايير السلام والحرب من خلال التهديد به. فلذا قام بعض من أعضاء حكومة أتلي وجمع من الحاذقين في الصحافة البريطانية والأمريكية الموالين لبريطانية بالتحذير من أمريكا وامتلاكها للسلاح النووي التي تروم استعماله باحتلال العالم وبالتالي ضرب مصالح الدول الأوربية. وهو ما سبب بالفعل أزمة كبيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيون والاتحاد السوفيتي(13). ولقد قامت قائمة الدول الأوربية والاتحاد السوفيتي حال نشر الصحف البريطانية وثائق تدين الحكومة الأمريكية وأطماعها لاحتلال مناطق العالم النفطية والمناطق الأخرى الغنية بالمواد الأولية؛ والتي تعتبر عمودا فقريا للصناعة التي تطورت خلال الحرب العالمية الثانية. مما حدا بالحكومة الأمريكية استدعاء ونستن تشرشل للتباحث معها بصفته خير حليف لها ورجل السياسة البريطانية الذي وقع على المعاهدات الأمريكية البريطانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية. وبعد الاجتماع غير الرسمي أعلن تشرشل مباشرة عن فرحه بامتلاك الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة الذرية وأكد على الاتفاق السري الذي وقعه مع الرئيس الأمريكي روزفلت آنذاك بقوله(4, 14):

" لقد اتفقنا في حينه على ضرورة عدم إشراك أية دولة في معرفة سر صنع القنبلة الذرية"



كما أكد على التزام أمريكا بحماية التحالف ومصالحهم في أية بقعة من العالم. وبذلك يكون تشرشل قد تمكن من خلال تصريحه هذا أن يمتص النقمة الأوربية والروسية وبعض من القيادات السياسية البريطانية ضد الأمريكان لمعرفة الجميع بتأثيره على القيادات الأمريكية. حيث دخلت الولايات المتحدة الأمريكية بفضله الحرب ضد المانية وحلفائها والتزمت بتموين خطوط الحرب بالمؤن الحربية حتى سقوط هتلر.



ان قناعة تشرشل قد تتضمن ضرورة مشاركة بريطانية في جني ثمار امتلاك السلاح النووي؛ فأدلى بذلك التصريح المبهم. والذي يحتمل عدة تفسيرات وتأويلات ليسدل الستار على ما افتعله غريمه العمالي أتلي إيمانا منه بأهمية مهادنة الولايات المتحدة الأمريكية والتعاون معها كحليف بديل عن الدول الأوربية التي أُرهق اقتصادها بسبب الحرب المدمرة؛ وهو ما دعا أتلي يتعامل مع الموقف بصورة اكثر دبلوماسية مما كان يتعامل معه في الأول.





يتبع
Aifas
حتى "بور" يهودي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
يالا كلهم يهود ويخططو من اكثر من قرن بصبر وتأني ....... فيا يليت نتعلم منهم الصبر والمثابرة rolleyes.gif
فتعلم من العدو ...
عبدالغفور الخطيب
السياسة النووية الدولية وأثرها على منطقة الشرق الأوسط



الفصل الثاني









الحوار البريطاني الأمريكي





تمكن تشرشل من إقناع أتلي على ضرورة التفاوض مع الولايات الأمريكية وبصورة هادئة للحصول على ما يسمى بـ Know how(مهارة الاختراع) في صنع القنبلة الذرية. كما أكد تشرشل على ضرورة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية لحماية مصالح بريطانية النفطية في منطقة الشرق الأوسط من التهديدات السوفيتية التي ظهرت كقوة عسكرية ومخابراتية هائلة مع نهاية الحرب العالمية الثانية. معربا عن توقعه بإمكانية صناعة السلاح النووي في روسيا خلال السنوات الخمس القادمة دون الحاجة لمعرفة التفاصيل المؤدية لذلك. وهو مما قد يسبب تهديدا لبريطانية في الحفاظ على منطقة الخليج العربي الغنية بالبترول. الأمر الذي تطمح روسيا إليه ليس الآن فحسب؛ بل منذ أيام القياصرة. فتشرشل لم يكن متخوفا فقط من القوة العسكرية السوفيتية الجديدة التي بنيت بواسطة المساعدات الأمريكية السخية أبان الحرب العالمية الثانية؛ بقدر ما كان متخوفا من المد الأيديولوجي الذي قد يجعل مستعمراتهم غير هادئة. وذلك لتبني الاتحاد السوفيتي فكرة الدفاع عن حقوق الشعوب المستعمرة والمضطهدة في العالم. فعندما شغل تشرشل منصب وزير المستعمرات البريطانية عانى الكثير من المد الشيوعي في الشرق الأوسط وخاصة في الشام ومصر حين كانت الدولة الشيوعية فتية وفي أول أيام بنائها. أما ألان وبعد أن أصبحت قوة عسكرية مهمة جعلت تشرشل يحذر اكثر؛ خوفا من أن تتعدى حدودها حتى تصل أعماق أوربا خصوصا وان للشيوعية خيوط سميكة في بريطانية وبعض الدول الأوربية الحليفة. فلذا كان تشرشل يدعو أتلي للتعاون مع الأمريكان لبناء سياج فكري (وليس سياج برلين الفاصل بين الألمانيتين والذي تم تدميره نهاية عام 1989م) يفصل بين تطلعات بريطانية الاستعمارية وتطلعات الشيوعية السوفيتية الفكرية(12).

وفقا لنصائح تشرشل التي تمت دراستها بدقة من قبل رئيس الوزراء البريطاني ومساعديه؛ ونظرا لضرورة اتخاذ قرار عاجل بحق مستقبل السياسة النووية البريطانية؛ قام أتلي في الخامس والعشرين من أيلول عام 1945م بإرسال رسالة طويلة وصفت بأنها شخصية وسرية إلى ترومان دعا فيها الحكومة الأمريكية للجلوس والتحاور ومناقشة الآراء. وعلى الرغم من صيغة الرسالة المؤدبة والرقيقة المرسلة للرئيس الأمريكي إلا أن رئيس الوزراء البريطاني لم يتناسَ التأكيد على حق بريطانية في المشاركة في امتلاك السلاح النووي وتحديد مسار السياسة العالمية بهذا الاتجاه(2,11,12). وردا على هذه الرسالة الشخصية البريطانية وبوساطة تشرشل تمت دعوة أتلي للتفاوض مع الرئيس الأمريكي في واشنطن.



سافر أتلي لواشنطن في التاسع من تشرين الأول عام 1945م مصطحبا معه رئيس المستشارين في الحكومة البريطانية للشؤون النووية السير جون أندرسن Sir John Anderson. وفور وصولِهما إلى واشنطن التقيا بالرئيس الأمريكي ترومان؛ حيث فوجئا بحضور رئيس الوزراء الكندي مكنزي كنك Mackenzie King. ويبدو أن وجود مكنزي أو بالأحرى الدولة الكندية قد اخذ طريقه للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية دون الإفصاح عن ذلك؛ منذ أن ورد اسم كندا في رسالة انشتاين للرئيس الأمريكي. إذ بين فيها كمية اليورانيوم المتواجد في كندا ومدى أهميته إذ ما أُريد إنتاج القنبلة النووية. كما يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني وطاقمه المخابراتي لم يكن في آب عام 1943م بمستوىٍ لاكتشاف ماهية إصرار الرئيس الأمريكي على عقد الاتفاق النووي بين الدولتين في كيو بك بكندا. ويبدو ان جهاز المخابرات البريطاني قد اعتبرها مصادفة ليس الا؛ دون البحث في اسبابها.



وفي هذا الاجتماع تم التركيز بصورة كبيرة على الرؤيا العالمية لدخول عصر القوة النووية كسلاح إستراتيجي ومناقشة أهداف اتفاق مدينة كيوبك الكندية الموقع في الثامن من آب عام 1943م. وكنتيجة للاجتماع المذكور أعلاه عقد رؤساء الدول الثلاثة مؤتمرا صحفيا في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1945م والذي عرفت فيه الصحافة لأول مرة أن كندا كانت طرفا مساهما في إنتاج القنبلة الذرية وفق معاهدة عام 1943م. كما أُعلن من خلاله عن تأسيس منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة متخصصة في النظر في كيفية السيطرة على الطاقة النووية في العالم لضمان عدم استعمالها إلا للأغراض السلمية فقط؛ ورفضت الدول الثلاث أيضا مبدأ إعادة بناء القوة العسكرية في العالم على أساس نووي. وفي نفس المؤتمر الصحفي أُعلن عن تخويل مستشاري الرؤساء الثلاثة بالتباحث مستقبلا ووضع سبل التعاون بين تلك البلدان في إطار الإنتاج والسيطرة على الطاقة النووية وفق الاتفاق المبرم بينهم والذي سيوقع في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1945م أي بعد المؤتمر الصحفي بيوم(15).



وبمجرد أن انتهى المؤتمر الصحفي الثلاثي؛ عاد أتلي مباشرة إلى بريطانية وهو متلهف لإعلام أعضاء حزبه عن الانتصار الذي حققه في لقائه الأخير مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظيره الكندي؛ و بات مطمئناً على مستعمرات بلاده من السيطرة الأمريكية إذ ما أرادت احتلالها بمجرد التلويح بسلاحها الرهيب. إضافة إلى احتمال حصول بريطانية على معلومات علمية تسهل على الباحثين الطريق في كيفية إنتاج الطاقة النووية دون البدء من الصفر وهو ما يكلف الإمبراطورية البريطانية الكثير من الوقت والمال(8,15).





2.1 الاتفاق النووي البريطاني ـ الأمريكي ـ الكندي

بعد هذا الاجتماع الموسع بين الدول الثلاثة حول التعاون في المجال النووي بصورة فعالة وكاملة تم الاتفاق على ما يلي(16,15,7):

1. أحياء اللجنة السياسية الموحدة The Combined Policy Committee لإنتاج السلاح النووي المنبثقة عن معاهدة عام 1943م والموقعة في مدينة كيوبك الكندية والتي كانت تضم ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا. و جاء في نص أحيائها ما يلي:

" قرر ممثلو الدول الثلاثة المجتمعين في واشنطن على أحياء هذه اللجنة التي تضم في عضويتها ممثلين عن بريطانية وأمريكا وكندا والتي تنحصر أهم أعمالها بدراسة البرامج النووية المشتركة ومراجعة المشاريع النووية والمواد والأجهزة والأدوات التي تستعمل في هذا المجال كما تقوم بتحديد مواقع إنشاء المفاعل النووية؛ إضافة إلى النظر والبت والإجابة على الأسئلة المتعلقة بالتفسيرات والتطبيقات لفقرات المعاهدات النووية المعقودة والتي قد تعقد في المستقبل بين الدول المذكورة".

2. أحياء الأمانة الموحدة لتطوير البرامج النووية The Combined Development Trust المشكلة في واشنطن عام 1944م والتي تنحصر واجباتها بالأشراف على المشاريع النووية التابعة للجنة السياسية الموحدة. كما تقوم هذه الأمانة بمراقبة المواقع التي يتواجد فيها أو يتوقع اكتشاف المواد الأولية التي تدخل ضمن الإنتاج النووي في بقاع العالم الخارجة عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

3. في حالة النية لعقد أي اتفاق مستقبلي جديد؛ تكلف الجنة السياسية الموحدة بدراسة الظروف ووضع البنود الأولية لهذا الاتفاق.

4. تتعهد الدول الثلاثة المعنية بالالتزام والتعاون الفعال في مجال البحث النووي العلمي وخاصة في مجالي التخطيط والتصميم والبناء وتشغيل أي مفاعل نووي.



واستنادا لما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاثة فقد عقدت اللجنة السياسية النووية الموحدة أول اجتماعاتها الفاشلة في بداية كانون الأول عام 1945م بواشنطن لمناقشة بنود اتفاقية السادس عشر من تشرين الثاني عام 1945م. ويعود سبب فشل الاجتماع الأول وعدم التقدم خطوة واحدة فيه لعدم قناعة الولايات المتحدة الأمريكية من مشاركتها بمشاريعها النووية. اذ طلب الممثل الأمريكي من ممثلي بريطانية وكندا بالتقيد بنص الفقرة 102 من ميثاق الأمم المتحدة والذي تنص على ضرورة تسجيل أي اتفاقية تعقد بين الولايات المتحدة الأمريكية وأي دولة أخرى لدى سكرتارية الأمم المتحدة ثم الإفصاح عنها دوليا دون أية سرية. وهو ما فوجئ به البريطانيون والذي يعتقد قد تم بالاتفاق مسبقا مع كندا للحيلولة دون إعطاء بريطانية أية فرصة للحصول على معلومات لها علاقة بالصناعة النووية وذلك لإبقاء هذه القوة بيد الأمريكان وحدهم. وما هو جلي وظاهر للعيان؛ إن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة يضمر ما في قلب الأخر؛ فبريطانية كانت تريد اتفاقها النووي مع الأمريكان سريا دون علم الدول الأوربية الأخرى. والسبب في ذلك يعود لكون بريطانية قد عقدت اتفاقا سريا مع فرنسا وهولندا والبرتغال وأسبانيا قبل لقائها مع كندا والولايات المتحدة الأمريكية نص على التزام بريطانية بتزويدهم بالمعلومات العلمية التي تسهل عليهم دخول المجال النووي شرط التنازل عن بعض المستعمرات الواقعة في البحر الأحمر والمحيط الهندي باعتبارها خطا دفاعيا للمستعمرات البريطانية في الخليج العربي وشبه القارة الهندية(17,18).



ورغم فشل الاجتماع الأول الذي ضم بريطانية وأمريكا وكندا؛ توالت الاجتماعات بينهم خلال كانون الأول عام 1945م بواشنطن دون حصول أي تقدم في المفاوضات أيضا. مما عثر مهمة اللجان المنبثقة عن المعاهدات السابقة نظرا لعدم وضوح السياسة الأمريكية في تنظيم السيطرة على القوة النووية وغموض معرفة مصدر القرار الأمريكي بهذا الشأن. والتي يعتقد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المراسلات السرية التي جرت بين العلماء والرئيس الأمريكي؛ إن لهؤلاء العلماء يدا طولى في تحديد امتلاك الأسلحة النووية وكيفية توجيهيها.



وبينما كانت الاجتماعات الفاشلة مازالت تجر أطراف الخيبة والانقسام؛ فوجئ البريطانيون في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1945م بمناقشة الكونجرس الأمريكي اقتراح مكمهون McMahon الذي ينص على منع تبادل الخبرات والمعلومات في المجال النووي مع أية دولة. وهذا ما سبب نكسة علمية كبيرة لبريطانية؛ خاصة بعد ما استغنت الولايات المتحدة الأمريكية عن الخبرات العلمية البريطانية المساهمة في مجال التصنيع النووي؛ ذلك الاستغناء الذي وجه ضربة قوية قد كادت تودي بالحياة السياسية لأتلي(19). ونتيجة لما ناقش واقر الكونجرس الأمريكي؛ تعرض أتلي في الثلاثين من كانون الثاني عام 1946م للاستجواب في البرلمان البريطاني بخصوص مشروع التحالف النووي المنهار مع الولايات المتحدة الأمريكية. مما اضطره أن يعلن من ذلك المكان عن فشل الاتفاق موعزا سبب ذلك للتعنت الأمريكي ومعربا عن اسفه بعدم سماح الأمريكان للعلماء البريطانيين بزيارة الموقع الأمريكي لإنتاج البلوتونيوم (عنصر فلزي شبيه باليورانيوم يستعمل في صناعة القنبلة الذرية) في هان فورد Hanford بواشنطن(20).



لم يقتنع أتلي بما حصل وراح متهجما على السياسة الأمريكية واصفا إياها بالمذنب المحتال وغير الملتزم بتعهداته تجاه بريطانية. وراح معلنا بان الوقت بدا يجري بسرعة دون التوصل لحل يريح الأطراف المعنية وانه سوف يمهل الأمريكيين حتى ربيع عام 1946م لمراجعة سياستهم تجاه بريطانية ووجوب بدأ التعاون معهم فورا. وبعد فترة جدا وجيزة من الزمن أعلن بنبرته التي اكتنفها الخوف على مصالحهم في الشرق الأوسط من الأمريكان بان بريطانية سوف تقوم بالعمل على صناعة وتطوير الطاقة النووية بالاعتماد على نفسها في حالة عدم استجابة الولايات المتحدة الأمريكية للتعاون معهم وتزويدهم بالمعلومات والإمكانيات التي ترى بريطانية أن لها حق فيها. كما أشار إلى إمكانيات بلده العلمية بقوله(12,13,18,20):

"أن بريطانية تمتلك كل متطلبات العمل في المجال النووي التي تقودها للتصنيع وامتلاك الطاقة النووية بفترة قصيرة جدا".

ولقد كان هذا التصريح ذو حدين اساسيا؛ الاول دفع العلماء البريطانيين في اتجاه العمل في الوصول الى انتاج السلاح النووي. اما الاتجاه الثاني برأينا فقد كان سياسيا بحتا اذ اراد منه من جانب يهدد الولايات المتحدة الامريكية بمقدرته في صنع السلاح النووي؛ ومن جانب اخر طمأن حلفائه الاوربيين بمقدرة بريطانية العلمية وانه سوف يفي بتعهداته اليهم.





2.2 انهيار الاتفاق النووي البريطاني ـ الأمريكي ـ الكندي

تمكن أتلي الإفلات بذكاء من استجواب البرلمان البريطاني له بعد أن اخذ على عاتقه حل المسألة النووية البريطانية أما بتعاون الأمريكان معه نوويا في ربيع عام 1946م أو البدء بتصنيع الطاقة النووية بخالص القدرات العلمية البريطانية. ومن اجل إبداء حسن نيته وصدقه بما التزم به داخل قاعة البرلمان البريطاني؛ التقى على الفور بالسفير الأمريكي لدى بريطانية دبليو أفيرل هاريمان W. Averell Harrimanفي الأول من نيسان عام 1946م وابلغه رسالة شفوية إلى الرئيس الأمريكي ترومان والتي جاء فيها(12,18):

" أن الحكومة البريطانية تؤمن بضرورة انفراد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على السلاح النووي لحين انتقال تلك المسؤولية إلى الأمم المتحدة. وحفظا على السلام العالمي من التدهور فأننا نرى من الضروري أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بصناعة قنبلة ذرية للمملكة المتحدة أو إعطائها المعلومات التي تؤهل باحثيها للقيام بذلك خلال هذه الفترة الانتقالية".



ولم يكتفي أتلي بما أملى على السفير الأمريكي هاريمان فحسب؛ بل حذره من عواقب اعتماد الحكومة الأمريكية مقترح مكماهون؛ ومؤكدا على حق بريطانية في البدء ببرنامجها النووي في المجالين السلمي والحربي.



لم ينتظر رئيس وزراء بريطانية الرد الأمريكي طويلا وراح بعد يوم من لقائه السفير الأمريكي لدى بريطانية بتكليف سفير بلاده لدى واشنطن اللورد هليفاكس Lord Halifax بتقديم طلب إلى اللجنة السياسية النووية الموحدة التي ستعقد اجتماعها في الخامس عشر من نيسان عام 1946م بضرورة تزويده بالمعلومات المفصلة لبناء وتشغيل موقع لإنتاج الطاقة النووية. لكن هذا الطلب قد جوبه بالرد الحاسم الرافض من قبل الممثل الأمريكي في اللجنة ذاتها مما سبب أزمة كبيرة كادت أن تنهي نفاد المعاهدة بين البلدان الثلاثة لولا اقتراح الممثل الكندي بتحويل هذه المسألة الحرجة لرئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي لاتخاذ قرار والبت فيها(21).



حين اخبر هليفاكس أتلي بالرفض راح الأخير في اليوم التالي باعثا برسالة شخصية مستعجلة إلى ترومان أعرب فيها عن استيائه شخصيا من الرفض الأمريكي للطلب البريطاني. ومذكرا باتفاقية السادس عشر من تشرين الثاني عام 1945م ومؤكدا على إن هذا الرفض يمثل إخلالا بشروطها. ثم أنهى رسالته بحث الرئيس الأمريكي على ضرورة اتخاذ موقف حازم بشأن رفض الطلب البريطاني. ومع التوتر البارز الذي اصاب أتلي كان هناك برود وتريث من الرئيس الأمريكي بالرد عليه بغية التشاور مع مساعديه بما يستوجب اتخاذه من خطوات قادمة بهذا الصدد. لكن تريث ترومان لم يدم طويلا ففي العشرين من نيسان عام 1946م رد على أتلي برسالة جافة للغاية خيبت الآمال البريطانية حيث جاء فيها(21):

"ليس هناك أي اتفاق مسبق في أية معاهدة وبضمنها معاهدة السادس عشر من تشرين الثاني عام 1945م تلزمنا إعطائكم ما طلبتموه من معلومات نووية وأنني استغل فرصة كتابتي هذه الرسالة لأنصحكم كحكومة بريطانية؛ وليس كرئيس للوزراء؛ بضرورة عدم التورط في بناء أي موقع للإنتاج النووي؛ لأنه حسبما أبديتم من أراء أن مثل هذا العمل بما لا شك فيه سيؤثر في السيطرة على ديمومة السلام العالمي…".



كان رد الرئيس الأمريكي صاعقا وشديدا مما جعل رئيس وزراء بريطانية يتباطأ بالرد ويتحاور مع مساعديه كي يجد صيغة مناسبة تجعله يخرج بسلام من هذا المطب الشائك مع الحكومة الأمريكية. ولكن دون جدوى فبريطانية لا بد من تصنيع القنبلة الذرية أجلا أم عاجلا؛ فلذا لم يجد بدا من الأمر لتخفيف الوطء الأمريكي أو بالأحرى شدة ترومان إلا بالتحاور مع الرئيس الكندي مكنزي كنك؛ عله يعطي حلا مناسبا للطرفين؛ ومع هذا فلم يتمكن من التوصل إلى شيء قد يحفظ ماء وجهه بعد ما حدث.



ومع كل هذا التأخير في الرد على الرئيس الأمريكي بعث أتلي في السادس من حزيران عام 1946م برسالة إلى ترومان وصفت بأنها طويلة مبنية على تحليل الموقف الأمريكي اللامنطقي (حسب تعبيره) المتضارب مع نص بنود الاتفاقيات المبرمة. واختتم رسالته بدعوة الولايات المتحدة الأمريكية بفتح صفحة جديدة للتعاون مع بريطانية وكندا وفق المعاهدات السارية المفعول والتي بجمعها تنص على حق كندا وبريطانية بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على المواد الأساسية المستعملة في إنتاج الطاقة النووية(18,21).



لم تكن رسالة أتلي الأخيرة قد غيرت مجرى ما خطط له من قبل ساسة الولايات المتحدة الأمريكية فحسب؛ بل لم يكترث الرئيس الأمريكي بما جاء من حقائق برسالة رئيس الوزراء البريطاني وادعاءاته. وأهمل ترومان كل تصريح أو رسالة صادرة من بريطانية وراح معلن قراره بالتصديق على اقتراح مكماهون المقر بالكونجرس الأمريكي ليصبح قانونا في الأول من آب عام 1946م. ومرسلا بذلك إشارة إلى الحكومة البريطانية وبصورة غير مباشرة مفهوم السيطرة على السلاح النووي سواء كان في التصنيع والتطوير أو المواد الداخلة في إنشائه؛ هو حق وطني أمريكي لا يمكن أن يمنح لأحد مهما كان ومنهيا بذلك جدلا دام اكثر من سنة حول أهلية امتلاك بريطانية للطاقة النووية(18).



وبهذا بات امام بريطانية خيار العمل على تصنيع السلاح النووي او الاعلان رسميا عن عدم تمكنها علميا وماديا من القيام بتلك المهمة. وهو موضوع لا يمكن ان تتحمل العقول البريطانية فهمه ابدا. خصوصا وان بعضا من علمائهم قد شاركوا في بناء المشروع النووي بالاضافة الى تنازل بريطانية عن مستعمراتها التي يتواجد فيها اليورانيوم لامريكا. وذلك لجرها في الحرب العالمية الثانية لتكن مساهما اساسيا وذو اثر فعال جدا كما يبين لنا تاريخ الحرب.





2.3 خفايا اللعبة الأمريكية مع بريطانية

من الأسباب التي كان يؤمن بها البريطانيون التي أدت إلى عدم تعاون الولايات المتحدة الأمريكية معهم هي؛ عدم ثقة الأمريكان في فعالية الأمن الوطني البريطاني. وهو ما قد يسبب تسرب المعلومات النووية إلى بلدان أخرى تهابها الولايات المتحدة الأمريكية كالاتحاد السوفيتي وفرنسا(18,21). فجوهر السياسة النووية الأمريكية كان مبنيا على استعمال القوة النووية كسلاح للسيطرة على المناطق الحيوية في العالم وخاصة الغنية بالبترول والمواد الأولية المهمة للصناعة النشطة في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما أُرغمت عليه بريطانية في أوائل عام 1944م عندما طلبت الحكومة الأمريكية من المملكة المتحدة التنازل عن معظم مستعمراتها القريبة من الولايات المتحدة الأمريكية أو التي في المحيط الأطلسي. وبالفعل قد تنازلت بريطانية عن الكثير من مستعمراتها للولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة لعدم جدوى بقائها ما دامت لندن مهددة بالسقوط بيد هتلر إن لم تسعفها الولايات المتحدة وتحالفها لكي يقف بوجه الانهيار القادم من مأساة الحرب العالمية الثانية الضروس. خصوصا بعد أن انهارت كل الدول الأوربية المتحالفة معها ضد ألمانية(22).



فالمعاهدات البريطانية الأمريكية المعقودة الخاصة بالتعاون النووي كانت في نظر الساسة الأمريكان مبنية على أساس ما يسمى بالحاجة للمعرفة Need to know وليست على أساس ما يسمى بـ Know how. وبناءا على هذه الأطروحة ومنذ اللحظات الأولى للاتفاقيات البريطانية الأمريكية أنيطت المهمة النووية بالأجهزة الأمنية التي كان يشرف عليها العميد العسكري الصارم المتحمس لحرمان المملكة المتحدة من أسس الإنتاج النووي الفتاك لزلي كر وفز Lt.-Col. Leslie R. Groves بصفته رئيسا لمشروع مانهاتن. فهذا الرجل الأمني الصارم المتخفي بزي مدني تمكن من استبعاد العلماء البريطانيين من المساهمة في تصنيع القنبلة الذرية؛ غير ملتزم بما تم من معاهدات بين البلدين. مما جعل العلماء البريطانيين غير عارفين بالعمليات التكنولوجية الهندسية الكيماوية المؤدية لإنتاج اليورانيوم 235 والبلوتونيوم اللذان يدخلان ضمن آلية صناعة القنبلة الذرية مكتفين بالمعلومات النظرية العديمة الفائدة لنقصها أو كون بعض التطبيقات البدائية التي كانت تجرى في كندا لا تنفع لانجاز مشروع كبير(20,21,23).



لم تتوقف سرية الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية عند تلك الحدود؛ بل في الخامس عشر من آب عام 1945م أي بعد خمسة أيام من تصريح رئيس الوزراء البريطاني الذي أشار فيه إلى ضلوع ومساهمة بريطانية بتصنيع القنبلة الذرية أي بعد يومين من استلام ترومان رسالة اتلي التي يدعو فيها الولايات المتحدة الأمريكية لتزويد بريطانية بكامل المعلومات النووية وفقا لمعاهدة عام 1943م؛ رأت الحكومة الأمريكية أن لا يعلن للعيان أي معلومة تتعلق بتطوير السلاح النووي باستثناء ما حدث لهيروشيما ونجازاكي. وان لا يصرح للصحافة بأية معلومة نووية لها علاقة بالبدء بتطوير إي مشروع نووي مستقبلي دون استحصال موافقة الرئيس الأمريكي أولا. واصدر ترومان في السادس من أيلول عام 1945م قرار نص على ما يلي(21):

" اننا في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية قررنا أن يكون سر إنتاج السلاح النووي سرا باقيا معنا ما دمنا في منصب الرئاسة".



كان قرار الرئيس الأمريكي الأخير في الواقع نابع من تأثير رئيس المستشارين العلميين فنيفر بوش Vannevar Bush عليه. ولبوش خبرة طويلة في مجال العلوم المتعلقة بالأسلحة؛ فقد كان يشغل منصب رئيس قسم العلوم والبحث والتطوير في دائرة الحرب الأمريكية. وبحذلقته ودهائه الحاقد لبريطانية تمكن من إقناع الرئيس الأمريكي ووزرائه ومستشاريه بضرورة إبقاء معلومات صناعة السلاح النووي سرية للغاية وعدم التفريط بها. ليتسنى للولايات المتحدة الأمريكية من أن تفرض سيطرتها على العالم بواسطة هذا السلاح الفتاك(18,21). ويبدو لنا من تلك المعلومات ان خبايا الصراع النووي ابعد من ذلك؛ إذ لا بد أن يكون هؤلاء الذين يبدون تأثيرا كبيرا على سياسة الدولة هم اتباع بعض المؤسسات الخفية. تلك المؤسسات التي ربما شريك في إنتاج السلاح النووي لقيادة العالم.



على الرغم من القبضة المحكمة على المعلومات النووية التي نجح في وضعها في ملف النسيان فنيز بوش؛ كان ترومان متخوفا من إمكانية بعض الدول من صنع هذا السلاح والدخول مع الولايات المتحدة الأمريكية في منافسة للسيطرة على النفوذ. فلذا كان الرئيس الأمريكي يحاول اللعب بالوقت مع بريطانية من خلال إبرام المعاهدات وعدم تنفيذها؛ حتى يتسنى له إجبار الأمم المتحدة على إصدار قرار تحرم فيه تصنيع الطاقة النووية وإعطاء الولايات المتحدة الأمريكية حق مراقبة تنفيذ القرار. لكن وعي بريطانية وتقنصها لما يضمره لها الحليف كان أقوى من أن يصدر مثل هذا القرار ومن تلك الهيئة الدولية العليا بالذات(21).



لقد اثبت التاريخ النووي الدولي في يومنا هذا مدى قدرة الساسة البريطانيين على التكهن لما سوف يصدر من الحليف العدو. وبالتالي كانت خطواته التفاوضية محسوبة بالوقت وكيفية تثبيتها رسميا والزام الولايات المتحدة الامريكية اما المثول اليها او عدم تمكنها من العمل على اشاعتها دوليا من خلال الامم المتحدة. وبالتالي حتى قرار مكماهون الذي تبناه ترومان شخصيا لم يكن دوليا قد اثر بصورة او اخرى على مسار الامور المراد اتخاذها بحق عدم السماح لاي طرف دولي من انتاج السلاح النووي. ولعل ظروف الانتهاء من حرب ضروس كالحرب العالمية الثانية قد ساعدت على عدم تمكن الولايات المتحدة الامريكية من اجبار العالم الرسمي في القبول والتوقيع على مقرراته.
عبدالغفور الخطيب
الفصل الثالث







الصناعة النووية البريطانية ونشاطها الدولي




يتضح مما تقدم أن الحكومة البريطانية كانت ألعوبة بيد القادة الأمريكان وأنها ذرفت الدموع للحصول على الخبرة النووية ليتسنى لها مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على العالم ومصادره الاقتصادية مستقبلا؛ وذلك من خلال التحالف معها. كانت هذه الاطروحة ظاهرة بالفعل في بنود المعاهدات والمراسلات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني في الفترة الواقعة ما بين عام 1942م ولغاية انهيار التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في الأول من آب عام 1946م؛ حين صادق الرئيس الأمريكي على مشروع مكماهون. المشروع الذي يحرم إعطاء أية معلومة نووية لأية دولة مهما كان نوع التحالف معها. ولكن هل يعقل أن السياسة البريطانية بهذا المستوى من الغباء القيادي؟ في الواقع لا بكل ما فيها من حرارة لغوية؛ إذ ما عرفنا اعتماد السياسة البريطانية ومنذ انفتاحها على العالم ودخولها حروب المنافسة وبسط النفوذ؛ وهي تحاول أن تستنفذ كل ما عند الحليف أو العدو دون إعطائه أية فرصة للاستفادة منها. ولعلنا في بنود هذا الفصل سوف نحاول إزالة الحجاب عن تلك السياسة وملابساتها وما لها من تأثير في تغيير اتجاهات الولايات المتحدة الامريكية الاستراتيجية.



في أوائل عام 1943م وخلال زهو توقيع الاتفاقيات النووية ما بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية؛ كانت الأولى تركز على جانب جمع المعلومات المتعلقة بالبحوث النووية ومراقبة الدول الأخرى العاملة في هذا المجال وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والسويد وألمانية؛ وذلك لعلمها باهتمام هذه الدول في مجال تصنيع الطاقة النووية. حيث كان الهدف من ذلك معرفة مكامن الضعف والخطأ وليس جوهر الإنتاج النووي. إلا إن الأمر النووي بدا العمل بمتعلقاته علنيا مباشرة بعد تدمير هيروشيما اليابانية؛ إذ أعلن أتلي رئيس الوزراء البريطاني في الخامس عشر من آب عام 1945م عن تأسيس لجنة مستشارين متخصصة بدراسة استخلاص الطاقة النووية. رأس تلك اللجنة للمراقبة والأشراف على برامج الطاقة النووية في وزارة ونستن تشرشل في زمن الحرب العالمية الثانية السير جون أندرسن وضمت في عضويتها كل من السير الكسندر كادكون Sir Alexander Cadoganوفيلد مارشال Field Marshal والسير ألن بروكSir Alan Brooke والسير ألن بارلو Sir Alan Barlow والسير أدورد أبلتن Sir Edward Appletonوالسير هنري ديل Sir Henry Dale والبروفسور بي أن أس بلاكتي Professor P. M. S. Blacett والسير جيمز جادوك Sir James Chadwick والسير جورج ثمسونSir George Thomson. كانت هذه اللجنة بديلا عن لجنة تيوب اللويز Tube Alloys Committee المنشئة أيام الحرب العالمية الثانية(24). ولم يمضي اكثر من أسبوع على تشكيل هذه اللجنة حتى اصدر أتلي قراره باستئناف العمل بالبرنامج النووي البريطاني مؤكدا على ضرورة السرية في العمل والاستفادة من المحطة النووية الكندية جولك رفر Chalk River الموجودة في أوتوى Ottawa في موضوع أجراء التجارب النووية والتي سبق وان تدرب فيها النوويون البريطانيون أثناء فترة الحرب العالمية الثانية(7,25).



كان قرار أتلي الذي تضمن المباشرة بالعمل النووي البريطاني الصرف لم يكن ناتجا من الغضب على ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية معه؛ بل على ما كان مبنيا من نقاش مسبق دار بواشنطن في تشرين الثاني عام 1944 ما بين الحكومة البريطانية التي كان يرأسها ونستن تشرشل آنذاك والعلماء البريطانيين العاملين في الحقل النووي وهم كل من جون كوكروفت John Cockcroft ومارك أولفينت Mark Oliphant وويلس أكرزWallace Akers وجيمس جادوك James Chadwick ورودلف بيرلز Rudolf Peierls؛ إذ اشتكى هؤلاء العلماء من المضايقات الأمريكية لهم المتسمة بإبعادهم عن كل ما له علاقة حساسة بالإنتاج النووي. ونصحوا تشرشل آنذاك بضرورة شروع بريطانية في بناء مشاريعها النووية دون الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية. أيمانا منهم بان تلك الدولة تنوي الانفراد في امتلاك هذا السلاح تحت مؤثرات العلماء اللاجئين إليها من أوربا وألمانية والذين جلهم من اليهود(7,25). ثم استطرد هؤلاء العلماء مخبرين تشرشل بنوع المضايقات الأمنية التي يعانون منها وكيف يعمل لزي كروفز لإبعادهم عن مواقع خزن المعلومات التي تؤدي إلى الإنتاج النووي. ومع إسهاب العلماء بطرح كل شيء أمام تشرشل؛ كانت تقاسيم وجهه قبل فعله توحي بعدم نيته في الدخول بمعركة تعكر صفوة الأجواء مع الأمريكان. ألا أن اتلي وبصفته نائب لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك كان غير مطمئن لما يفعله الأمريكان فلذا قام مباشرة بدعم البرنامج النووي سياسيا واقتصاديا بعد استلامه منصب رئيس الوزراء في الحكومة الائتلافية(26).





3.1 المباشرة بالمشروع النووي البريطاني

لم يعد هناك أي منفذ أمام بريطانية لمواجهة الضغوط الأمريكية بالكف عن المطالبة بحقها بامتلاك السلاح النووي إلا العمل بخفية تامة. فبعد عودة تشرشل من واشنطن بيومين اجتمع مع أتلي وناقش معه النوايا الأمريكية بهذا الخصوص. تلك النوايا التي تمكن تشرشل بهدوئه ودهائه من أن يعرفها خلال جلساته الثلاثة مع ترومان والتي تضمنت عدم نية الولايات المتحدة الأمريكية مشاركة أية دولة أخرى بما لديها من سلاح نووي ونيتها؛ وهي الأكثر أهمية؛ بالعمل على منع أية دولة في المستقبل من امتلاك السلاح النووي أو مواده الأولية. وذلك لاجل ان تضمن بسط نفوذها بسهولة وفرض سيطرتها على العالم اجمع دون أية منافسة حتى المنافسة البريطانية التي كانت عاجزة عن فعل أي شيء بنظر ترومان. فتصريح تشرشل بواشنطن كان هادئ ودبلوماسي؛ عَّقب على كل شيء متعلق بالمسالة دون إثارة أية مشكلة. وأكدا على ضرورة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية التي سوف تتفرد بالقوة والسيطرة على العالم الكبير آجلا أم عاجلا (17).ولكن ما دار بين أتلي وتشرشل في اجتماعاتهم السرية بعد عودته من واشنطن كانت بعيدة كل البعد عما صرح به تشرشل للصحافة. فهو قد حاول التركيز على بناء ضروريات إنجاح مساعي اتلي للحصول على السلاح النووي. وعليه فقد رسم الاثنان الخطوات الواجب تنفيذها للحفاظ على الإمبراطورية البريطانية من الهيمنة الأمريكية. وأكد تشرشل على أتلي وهو منصتا؛ بضرورة التعجيل في تنفيذ المشروع النووي البريطاني بسرية تامة وإظهار حالة العجز من تنفيذه دون مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية. كما أكد على ضرورة إبلاغ روسيا وفرنسا والبرتغال وأسبانيا بالنوايا الأمريكية وحثهم على القيام بتنفيذ برامجهم النووية. لكي لا تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية على مصادر الحياة في هذه الكرة الأرضية لوحدها. كما أكد تشرشل على ضرورة العمل بصورة مباشرة وعلى وجه السرعة على حماية مواقع الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط والخليج العربي خاصة حتى ولو كلف الأمر إقامة حلف مع روسيا ضد الولايات المتحدة الأمريكية. ثم عرج على ضرورة دعم المؤسسات اليهودية العالمية المتواجدة داخل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية فهم حسب تصوره الأدوات التي يمكن أن تُضرب بها تلك القوى الجبارة(26).



ما أن انفض الاجتماع حتى حرص أتلي على تنفيذ كل ما أملاه عليه عدوه المحافظ بالحرف الواحد وخاصة فيما يتعلق بحماية المصالح البريطانية في الخليج العربي والشرق الأوسط. عمل فورا على ترصين العلاقة اكثر مع المنظمات اليهودية الصهيونية المترامية في بقاع العالم(26). ومعطيا ضمانات لمؤسساتهم بالوقوف استراتيجيا في البحث عن دلائل إبادة الألمان لليهود خلال الحرب العالمية الثانية. ومذكرا بالالتزامات بريطانية لوعد بلفور وضرورة تفعيله بعد ما حدث لهم على يد الألمان. وحسب ادعائه؛ لجعل هذا المبدأ حقيقة يجب أن تكون بريطانية في موضع القوة لكي تتمكن من حماية التزاماتها لليهود في إقامة وطنهم القومي(27,28).



خلال الفترة التي تم بها تشكيل اللجنة النووية البريطانية وتعثر المباحثات فيما بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية وفق ما بدا من المراسلات المتبادلة ما بين أتلي وترومان؛ أعلنت الحكومة العمالية البريطانية في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1945م للبرلمان أنها قررت البدء بالبحث العلمي والتطوير للبرنامج النووي. وان أول مفاعل نووي بريطاني سينشأ في منطقة هارول Harwell. أعقب ذلك بثلاثة أيام الإعلان عن قرار الحكومة البريطانية برصد مبلغ مليون إسترليني للعمل في تنفيذ مشروع هارول الذي قدرت تكاليفه الإجمالية بـ 500,000 مليون إسترليني خلال المرحلة الأولى من التنفيذ(29). ولم يدم طويلا حتى بوشر بالعمليات الفعلية التي تؤدي إلى إنتاج البلوتونيوم. إذ في السابع من كانون الأول عام 1945م وبعد عودة أتلي من الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر التاريخ الذي أعطى اتلي فيه الضوء الأخضر للبدء بتلك العمليات(17).



كانت نصائح تشرشل ترن بأذني أتلي في كل خطوة يخطوها بالبرنامج النووي. وكان أتلي حريصا على إبقاء البرنامج النووي وما يدور حوله من شكوك غامضا تكتنفه السرية التامة. خاصة بعد أن لمس بكل حق مصداقية تشرشل وتوقعاته الصائبة لما قد تصل إليه المباحثات الأمريكية البريطانية بهذا الشأن. وعليه فقد كان كل ما يعرف من معلومات علنية عن البرنامج النووي البريطاني لا تتعدى عما يدور من أعمال في مختبرات جالك رفر الكندي. ومع تلك السرية في عمل أتلي إلا انه لم يتأخر برفد مفاعله السري في هارول بالخبرات والأموال والأجهزة من خلال ميزانية الدولة التي لا بد أن تقر بالبرلمان وتطلع عليها الأحزاب السياسية الأخرى. ففي الثلاثين من كانون الثاني عام 1946م استدعى البروفيسور كوكلروفت الذي يشغل منصب رئيس مختبرات مفاعل جالك رفر النووي بكندا بحجة عدم جدوى بقائه هناك وعينه رئيسا لمركز الأبحاث النووية في هارول بعد أن اخبر الولايات المتحدة الأمريكية بإحالته على التقاعد لكبر سنه(18). كما استدعى اللورد الطيار المتقاعد بوترل Lord Portal الذي شغل منصب قائد القاعدة الجوية الملكية البريطانية في هينكرفورد Hungerford سابقا وعينه رئيسا لمنظمة الطاقة النووية في هارول؛ مع إعطائه صلاحية مطلقة لتوفيق سبل العمل ما بين المهندسين والعلماء النوويين وصلاحية اتخاذ القرار الخاص لإنجازه(30). وأحتفظ أتلي بصلاحية الأشراف الشامل والعام على القضايا النووية لنفسه إضافة إلى وضيفته كرئيس للوزراء.



على الرغم من التكاليف الباهظة لمشروع هارول النووي وصعدت تكاليفه الإجمالية إلى حوالي 2800,000 مليون إسترليني بعد أن كانت قبل الشروع بالعمل 500,000 مليون إسترليني(31)؛ فقد كان مشروعا مخصصا فقط لعمليات البحث والتطبيق العلمي النووي وليس للإنتاج. لكونه لا يرتقي في مكوناته التكنولوجية والإنشائية مستوى المواقع النووية الأمريكية المنتجة للطاقة النووية كالموجود في أوك ردج Oak Ridge وتنيسي Tennessee وهانفورد Hanford بواشنطن. ولكي تصل بريطانية إلى مستوى الإنتاج النووي فيما إذا نجحت بحوثها النووية التطبيقية في هارول فعليها أن تمتلك تصميم بنائي خاص بالمفاعلات النووية. ولأهمية الأمر فقد كلف أتلي مبكرا كرستوفر هنتن Christopher Hinton المهندس الخبير بشؤون البناء والذي شغل منصب مدير بناء المصانع الحربية في زمن الحرب؛ ليكون رئيسا للهيئة الصناعية الرئاسية العامة. ولم ينتظر هنتن كثيرا بل باشر فور استلامه السلطة الجديدة بإنشاء مركز نوويا متكاملا جاهزا لإنتاج المواد الإشعاعية المخصبة في مدينة رايزلي Risley التابعة لمقاطعة لانكشاير Lancashire(31,32).



لم تكن طموحات هنتن قد توقفت عند حد الإنشاء السريع للمواقع النووية فحسب؛ بل في خلال اقل من شهر اختار هو ومساعديه معملا كيماويا حربيا في منطقة سبرنك فيلد Springfield بمدينة برستون Preston التابعة لمقاطعة لانكشاير ليكون موقعا لإنتاج اليورانيوم المخصب(33). ومع هذا الإنجاز الكبير السريع الذي حققه هنتن كان طموحه يكبر كثيرا يوما بعد يوم ليملي جموح التفوق في نفسه. فراح مكثفا الجهود لبناء اكثر ما يمكن من المفاعل النووية في فترة زمنية قصيرة جدا وهو ما جعل بريطانية مع نهاية عام 1947م تمتلك إضافة إلى ما ذكر أعلاه مفاعل نووية في وندسكل Windscale التابعة لمدينة كمبرلاند Cumberland وكالدرهل Calder Hall وديونري Dounreay(2).



يبدو أن تعيين هنتن ذو النشاط المتنامي بمثل هذا المنصب لم يكن مصادفة؛ بل نابعا من ضرورة خلق كادر هندسي بريطاني قادر على التصميم النووي مما يسهل على اختصار الزمن لبناء مشروع صناعي ضخم. ولربما اكثر الكوادر خبرة في فترة ما بعد الحرب؛ خصوصا وان بريطانية تعاني من تلك المشكلة لقلة خبرات مهندسيها في مضمار تشييد الأبنية الخاصة لنصب وتشغيل المفاعلات النووية. وذلك لاعتمادهم على أحلامهم الواهية المبنية على ما ستجود به الولايات المتحدة الأمريكية عليهم من خبرات هندسية نووية(32). ومع الإصرار العملي العلمي ذو المجهود الكبير الذي بذله هنتن تمكنت بريطانية من امتصاص الهزيمة غير المتوقعة الناتجة من توقيع ترومان على مشروع مكماهون النووي في بداية آب عام 1946م. وبدلا من أن تتبع نفس الأسلوب المشين ذو الطابع التهديدي مع الولايات المتحدة الأمريكية راحت معلنة بما فوجئ به ترومان وهو " أن بريطانية في موقع يمكنها من تنفيذ مشروعها النووي الشامل بدون الحاجة إلى المساعدة الأمريكية". لا بل وصلت الثقة البريطانية في برنامجها النووي حد الإعلان في بداية نيسان عام 1947م توصية اللجنة الاستشارية العليا للطاقة النووية البريطانية المتضمنة تأكيد إنتاج البلوتونيوم في الشهور الثلاثة الأولى من عام 1952م؛ وهذا ما يعني الخطوة النهائية لامتلاك القنبلة الذرية(17).



مع نهاية عام 1947م لم يكن هناك أدنى شك بطموحات رئيس الوزراء البريطاني سواء كانت السياسية منها أو العلمية في إصراره لامتلاك الطاقة النووية. وقد بدا ذلك واضحا في خطابه أمام مجلس الدفاع البريطاني ومجلس الوزراء عندما أعلن عن عزمه وعزم العاملين على امتلاك القنبلة الذرية بأي شكل من الأشكال وان لا يدع الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على العالم سياسيا وعسكريا واقتصاديا(34). ولم يكن خطاب أتلي الأخير دون مناسبة تذكر؛ بل جاء متزامنا مع حرص تشرشل على ضرورة أيجاد احسن السبل لأخبار الشعب البريطاني عما كان تعمل الحكومة العمالية سرا لتصنيع القنبلة الذرية التي تجعلها تقف أمام المد الأمريكي الجديد. وللسبب ذاته قد اختير في اجتماعهم وزير الدفاع السير أي في الكساندر Sir A.. V. Alexander ليقوم بهذه المهمة(35). ففي الثاني عشر من أيار عام 1948م قام السير الكسندر بالإجابة على الأسئلة المطروحة على حكومته حول ماهية التقدم الحاصل في بناء وتطوير الطاقة النووية بإعرابه عن نوايا حكومته في تطوير وصناعة كافة أنواع الأسلحة التي تحمل خصائص ذرية. وعلى الرغم من الخلاف والمنازعة العلنية والسرية المعروفة بين حزب العمال البريطاني والأحزاب البريطانية المعارضة الأخرى؛ فقد جوبه قرار الحزب العمالي بالتأييد الحار والشامل من كافة الفصائل السياسية والشعبية بصورة لم يكن يتوقعها أتلي(36).





3.2 النشاط البريطاني الدولي ضد أمريكا

لم تكتفي بريطانية بإنشاء مفاعلها النووي وراحت تأجج حلفائها ضد الأمريكان. محذرة من خطورة انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بامتلاك الطاقة النووية. ونتيجة للتحذير البريطاني وبتأييد مطلق منها أعلنت فرنسا في الرابع من تشرين الأول عام 1945م تأسيسها هيئة نووية عامة مرتبطة بمباشرة برئيس الدولة الفرنسية. كما قامت الحكومة الفرنسية وبمساعدة من بريطانية أيضا بتعيين المناطق الغنية باليورانيوم في القارة الأفريقية التي كانت فرنسا تتمتع فيها بنفوذ منقطع النظير والعمل على ترتيب حمايتها ومنع أية يد للوصول إليها(37). وبعد ثلاثة أيام من الإعلان الفرنسي؛ أعلنت السويد عن رغبتها بالتعاون مع بريطانية في مجال التصنيع النووي. أعقبتها بأيام معدودة كل من البرتغال وأسبانيا وهولندا بالإعلان عن امتلاكهم اليورانيوم واستعدادهم للدخول مع بريطانية في معاهدة نووية. ثم أعلنت بلجيكا في الأول من كانون الأول عن وجود مناجم غنية باليورانيوم في محافظة كتانجا Katanga بالكونجو (والتي كانت آنذاك إحدى مستعمرات بريطانية)(38). وأعربت عن استعدادها التام لمساعدة التاج البريطاني في استثمار هذه المناجم التي مما لا شك فيه سوف تسهم في إنجاح مشروعها النووي المستقبلي(37). وكما هو روتيني ومتوقع؛ جوبه الإعلان الأوربي بالهجوم اللاذع من قبل الولايات المتحدة الأمريكية اذ وصفت إعلان الدول الاوربية بخطوة لبداية خراب العالم وتهديد السلام. وبينما الأمريكان يشجبون كانت بريطانية تعرب عن امتنانها لحلفائها الأوربيين من جهة ومن جهة أخرى تراوغ الأمريكان بضرورة الدخول في حلف نووي وإستراتيجي معها لإيقاف المد النووي الأوربي الذي لابد وان يكون قوة نافذة في القريب العاجل(12).



وبين هذه وتلك تمكنت بريطانية بقدرتها السياسية من تهييج الدول الأوربية المستعمرة لبقاع العالم؛ وبعثت النشاط فيهم للتنقيب عن مكامن اليورانيوم والحفاظ عليه من أيدي الأمريكيين التي طالت خلال الحرب العالمية الثانية حال دخولها كحليف لهم ضد الألمان. كما أنها باتت تحذر بحزم من مغبة السيطرة الأمريكية على هذه البقاع واستغلال خيراتها وخاصة البترولية منها بمجرد التهديد بالسلاح النووي إذا لم نقف بوجهها حسب تعبير الساسة البريطانيين حينذاك. مما جعل بريطانية ونتيجة للمعاهدات التي أبرمت حديثا مع تلك الدول الأوربية؛ مركز كبير لجمع المعلومات عن النشاطات النووية العالمية ومصادر اليورانيوم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وحلفائه الاشتراكيين الجدد(15).



عندما ضمنت بريطانية موقف الدول الأوربية من البرنامج النووي الأمريكي؛ وبات وشيكا أن تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من شحت اليورانيوم المستخدم في تطوير وصناعة الطاقة النووية آجلا آم عاجلا؛ تفرغت لحصارها بواسطة الاتحاد السوفيتي وحلفائه الاشتراكيين. فدعا رئيس الوزراء البريطاني في الخامس من كانون الثاني عام 1946م سفير روسيا لدى بريطانية وابلغه رسالة شفهية إلى ستالين مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية ستنفرد في السيطرة على العالم بامتلاكها السلاح النووي. وناشده التعاون لإنقاذ الموقف أما بالتعجيل بامتلاك الدولتين للسلاح النووي أو محاصرتها بعدم السماح لها بالحصول على اليورانيوم مطلقا(18). ثم توالت الاجتماعات بين السفير الروسي ورئيس الوزراء البريطاني شخصيا دون أن تنتبه الصحافة العالمية لخبايا تلك الاجتماعات؛ حتى ألقت السلطات الكندية القبض على الجاسوس الروسي جونزنكو Gouzenko في السابع عشر من شباط عام 1946م. إذ اعترف بتزويد الحكومة البريطانية وكالة المخابرات الروسية بكافة التفاصيل المتعلقة بالباحثين النوويين البريطانيين والأمريكيين والكنديين العاملين في المختبرات النووية. ومما زاد الأمور تعقيدا وحراجة ما اعتراف به الباحث النووي البريطاني الأصل والأمريكي الجنسية ألن نينن مي Alan Nunn May في الرابع والعشرين من مارس عام 1946م تسليمه وكالة المخابرات الروسية معلومات قيمة عن مشروع تطوير وإنتاج الطاقة النووية الأمريكية؛ وبطلب من وكالة المخابرات البريطانية. لكونه الوحيد من العلماء العاملين في هذا الحقل طيلة أيام الحرب العالمية الثانية ممن أرسلتهم الحكومة البريطانية للعمل مع العلماء الأمريكان(30,31,32).



لم تكتفي بريطانية بمساعدة الاتحاد السوفيتي في بناء برنامجه النووي بمنحه بعض المعلومات؛ بل ساهمت مساهمة فعالة في عملية بناء الجيش الروسي لكي تجعل منه أداة منافسة في منطقته للقوة الأمريكية. التي باتت تزداد يوما بعد يوم؛ وكانت هذه المساعدات العسكرية اشدها عام 1947م عندما أهدت بريطانية للحكومة الروسية المئات من المحركات من نوع نين Nene . إذ استعملتها روسيا في بناء طائراتها المقاتلة التي اصبحت فيما بعد حاملة للسلاح النووي بعد تطوير قدراتها الهجومية(1).



لقد جننّت جنون ترومان دون أن يتمكن من اتهام بريطانية وفق إفادات الجواسيس وركز على ضرورة تقوية الجانب الأمني والارتقاء به إلى أعلى المستويات دون السماح بتسرب أية معلومة نووية حتى ولو كانت بسيطة إلى أية جهة من الجهات. وهذا بالتأكيد ما دفعه للتصديق على قانون مكماهون الذي تأثرت منه بريطانية تأثرا كبيرا وحرمها من الحصول على معلومات نووية واجبرها للبدء من الصفر في مشروعها النووي(21). وعلى الرغم من التشديد والمراقبة الأمنية على المشاريع النووية الأمريكية؛ تمكنت روسيا من تجنيد كلايس فجز Klaus Fuchs لحسابها؛ تلك الشخصية المهمة التي كانت تعمل مديرا تنفيذيا لحفظ الوثائق النووية في الولايات المتحدة الامريكية. ونجح بتزويد روسيا بكامل مخططاتها النووية بدءا من عام 1946م حتى تمكنت المخابرات الأمريكية من الضفر به نهاية عام 1949م(41). وبفضل المخابرات الروسية وما قدمه جواسيسها من معلومات قيمة ومفيدة للغاية أُنقذت روسيا المفلسة من آلاف الملايين من الدولارات ومكنتها من أن تعلن في الثالث والعشرين من آب عام 1949م عن نجاحها في تصنيع وامتلاك القنبلة الذرية بزمن اعتبر قياسيا إذ ما قورن مع الجهود الأمريكية والبريطانية النووية(42).



وبين المد والجزر الحاصل ما بين بريطانية وأمريكا جاء الإعلان الروسي مخيفا ومفاجئا للاثنين معا لأيمانهم بالاعتقاد السائد والمبني على المعلومات المتوفرة لهم من وكالتي مخابراتهما؛ اللتان تؤمنان بعدم إمكانية امتلاك الروس للقنبلة الذرية قبل عام 1953م؛ أي بعد سنة من احتمال امتلاك بريطانية لها وفق التاريخ المحدد من قبل الخبراء النوويين البريطانيين. ولم يكن عدم الارتياح الأمريكي نابعا من امتلاك الروس للقنبلة النووية فحسب؛ بل عدم الارتياح كان نابعا من فشل أجهزة المخابرات الأمريكية من مراقبة المشروع النووي الروسي وحماية المعلومات النووية الأمريكية من التسرب أيضا. أما بالنسبة إلى بريطانية فان عدم الارتياح كان نابعا فقط من تمكن الروس من تصنيع وامتلاك القنبلة النووية قبلهم. وما عدا ذلك فهو كان من نتاج الجهود التي بذلتها بريطانية لتحجيم الولايات المتحدة الأمريكية وإجبارها على التحالف والتعاون مع بريطانية في إنجاز برامجها الخاصة بالطاقة النووية وهذا ما حدث فعلا وبصورة ملفتة للنظر مباشرة بعد الإعلان السوفيتي. وبهذا الاعلان بدأ العالم باعتقادنا قد دخل مرحلة جديدة من الصراع يختلف في كنفه عن الصراعات التقليدية التي عاصرها التاريخ.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فقدت صواب عقلها مع الإعلان السوفيتي الجديد دون أن تعرف الأسباب التي أدت إلى امتلاك السوفيت للسلاح النووي بهذه السرعة وبهذه القوة. فعادت دون اكتراث إلى التعجيل في إعادة التحالف مع المملكة المتحدة وبصورة واسعة. والملفت للانتباه كان هناك تأكيد من قبل العلماء في هذا الحقل على ضرورة التعاون مع بريطانية في تطوير السلاح النووي وإيجاد الآلية الحربية لنقله؛ بعد أن كان هؤلاء من المعارضين في إعطاء أي معلومة لأي دولة لامتلاك السلاح النووي. وهنا لا بد أن نشير أن جهود أتلي وتشرشل قد بانت ثمارها من خلال منحهم التعهدات الحقيقة للجاليات اليهودية ومنظماتها المتنفذة في الولايات المتحدة الأمريكية. وخصوصا ممن يشرف على تطوير وانتاج السلاح النووي. إذ ما عرفنا إن هذا لم يكن قبل أن تسلم بريطانية الصهاينة فلسطين وتحميهم لغرض إعلان دولتهم لتبدأ المنطقة حالة من السيطرة والصراع لم تكن قد عرفتها منذ عصور طويلة جدا.





3.3 عودة التحالف الأمريكي ـ البريطاني

لم تكتفِ بريطانية بتحجيم البرنامج النووي الأمريكي ومحاصرته دوليا بل عملت على مراقبته من داخل المؤسسات الأمريكية المتنفذة القريبة منها والبعيدة عن موقع اتخاذ القرارات الخاصة بالبرامج النووية. مما مكنها من معرفة المكامن الرئيسية المؤثرة على سير البرامج النووية كافتقارها إلى اليورانيوم والآلة الحربية التي تنقله. فاستنادا إلى نصيحة تشرشل الخاصة بالاعتماد على الأصدقاء اليهود تمكن أتلي وبمساعدة تشرشل من التفاوض معهم للحصول على ما يريد لقاء تسهيل هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين والإسراع بالانسحاب منها وتهيئة الأجواء للاعتراف بدولتهم حال تمكن بريطانية وبمساعدة أصدقائها اليهود من أحياء التحالف النووي البريطاني الأمريكي مرة أخرى(26). تمكن أتلي وبمساعدة البريطاني اليهودي حاييم وايزمن (رئيس الكيان الصهيوني ما بين 1996-2001) من تشديد قبضة المراقبة على البرنامج النووي الأمريكي ومعرفة مكامن الضعف والتي معظمها يتعلق بالمواد الأولية الأساسية للإنتاج النووي. لغرض التشديد دوليا ومنع الولايات المتحدة الأمريكية من الحصول عليها. وبالتالي لا تجد بدا إلا العودة للتحالف مع بريطانية؛ وهذا ما يعجل إنجاز البرنامج النووي البريطاني.



ومع هذه الجهود الكبيرة المثمرة التي قدمتها المنظمات اليهودية الصهيونية إلى بريطانية في فترة لم تتجاوز السنتين إلا قليلا عادت الولايات المتحدة الأمريكية تحمل كل عبارات الود والاحترام إلى بريطانية طالبة منها الجلوس والتفاوض والدخول في تحالف نووي مبني على المصالح المشتركة. وبهذا تكون الحركة الصهيونية قد أوفت بعهدها كاملا إلى أتلي مع الأشهر الأولى من عام 1948م وعليه أن يفي هو أيضا. وبالفعل لم تمر إلا أيام قليلة حتى أوعز إلى قواته بتسليم فلسطين للحركة الصهيونية ثم استنجد شخصيا بالاتحاد السوفيتي وحلفائه ودول الكومنولث للاعتراف بهذا الكيان الجديد الذي بات جزءا من مستقبل السياسة النووية في الشرق الأوسط(16).



لقد نجحت بريطانية بالاستحواذ على مناجم اليورانيوم العالمية وتقنينها بالصورة التي تراها مناسبة لسياستها النووية من اجل التضييق على الولايات المتحدة الأمريكية؛ التي بات مشروعها النووي يتسع اكثر فاكثر. ولاحت معاناته الحقيقة تبدو واضحة جدا ومهددة بوقوف البرنامج النووي لحين توفر اليورانيوم. عندها اضطر ترومان في الأول من كانون الثاني عام 1948م الاتصال بالحكومة البريطانية طالبا منها الجلوس والتفاوض حول مستقبل البلدين النووي. وفي السابع من نفس الشهر اجتمع ممثلو البلدين في واشنطن ووقعا اتفاقا نوويا مؤقتا ينتهي العمل بموجبه في نهاية تموز عام 1949م؛ وقد نص في بنوده على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية باليورانيوم شرط أن تزود الأخيرة بريطانية بالمعلومات النووية المفصلة في تسع مجالات(21). وهو ما سبب إحراج للرئيس الأمريكي ترومان بين الأوساط السياسية والشعبية الأمريكية لتنازله عن قراره بدعم قانون مكماهون الذي لا يسمح بإعطاء أية معلومة نووية لأية دولة مهما كانت المعاهدات بينهم. وعليه فلم يجد ترومان بدا إلا الظهور مجددا أمام الصحافة لتبرير موقفه المفاجئ بالقول(21):

" أن هذه المعاهدة الأمريكية ـ البريطانية ما هي إلا للحفاظ على معنويات بنود قانون مكماهون للطاقة النووية؛ تلك الطاقة التي تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في امتلاك خبرات تصنيعها".



ونظرا لحاجة الولايات المتحدة الأمريكية الماسة لليورانيوم والذي اصبح الإفراج عنه عالميا خاضع لرغبات بريطانية ومتى شاءت؛ فقد بدأت إدارة الرئيس ترومان تعمل جاهدة من اجل إرضاء البريطانيين من خلال إعطائهم معلومات قيمة تحمل في طابعها العلمي الإحساس النووي الإنتاجي. ومع كل هذا الاهتمام الأمريكي بالمشروع النووي البريطاني كانت بريطانية تتحين الفرص وتثير المشاكل لتعطيل استلام الأمريكان حصتهم من اليورانيوم مما جعل الرئيس الأمريكي يطالب بعقد اجتماع فوري مع المسؤولين الأمريكيين في الرابع عشر من تموز 1949م (قبل انتهاء مدة المعاهدة بقليل) لمناقشة الوضع الأمريكي السيئ وتحديد الخطوات الواجب أتباعها لضمان حصولهم على اليورانيوم من المملكة المتحدة. وبهذا الاجتماع أعلن ترومان للمجتمعين عن هواجسه بقوله(21):

"المعاهدة مع بريطانية للحصول على اليورانيوم على أبواب الانتهاء ونحن كما تعلمون لم نحصل من بريطانية على ما نريد لسبب بسيط جدا يعود لإصرار البريطانيين على ضرورة التعاون الأمريكي الشامل في مجال العمل الذري. فنحن بحاجة إلى اليورانيوم وهم بحاجة إلى معلوماتنا العلمية فلننسى الماضي ونعمل على ذلك".



وما أن انتهى ترومان من حديثه حتى استقبل قراره المبدئي للتعاون الشامل مع بريطانية في المجال النووي بالترحيب من كافة الأعضاء. واصدر في السابع عشر من تموز عام 1949م قرارا يقضي بعقد معاهدة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مبنية على أساس المشاركة والتعاون الشامل في المجال النووي شرط أن لا يتعارض مع قانون الطاقة النووية الزائف أمام المصالح الحتمية(43). ولما أحس ترومان بعدم معارضة حكومته (التي يشكل اليهود فيها 60% أو ربما اكثر) لقراره هذا؛ دعا لاجتماع سري ضم كلا من وزير الخارجية دين اجسن Dean Acheson ووزير الدفاع لويس جونسن Louis Johnson والرئيس الأعلى لمنشئات الطاقة النووية الأمريكية ديفد ليلنثل David E. Lilienthal أعلن فيه صيغة المعاهدة الجديدة التي يستوجب عقدها مع بريطانية والمتضمنة ما يلي(44):

1. تكون معالجة وصناعة وخزن كل اليورانيوم المتوفر عالميا في الولايات المتحدة الأمريكية.

2. الحق للعلماء النوويين البريطانيين والكنديين العمل في المواقع الأمريكية النووية.

3. تتعهد بريطانية بإيقاف العمل في مشروع إنتاج السلاح النووي.

4. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بنصب عدد من القنابل الذرية في الجزر البريطانية.

5. يبدأ العمل بهذه المعاهدة في الأول من أيلول عام 1949م.



كما أصر ترومان على اتخاذ ما يلزم للإبقاء على سرية المعاهدة وعدم الإفصاح عنها للصحافة لمعرفته المسبقة بمعارضة الكونجرس الأمريكي لمثل هذه المعاهدات؛ التي تجعل بريطانية مالكا للسلاح النووي مع أمريكا وهو الحلم الذي طالما تصارع من اجله أتلي مع ترومان.



جاءت خطوة ترومان بهذه الصورة لقناعته التامة بموافقة بريطانية فيما إذا افصح عن معاهدته الجديدة التي يروم عقدها معهم. ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي سفن السياسة الأمريكية والبريطانية حين أعلن الاتحاد السوفيتي عن نجاحه في تصنيع القنبلة الذرية مما وجه هذا الخبر صفعة إلى ترومان وراح معلنا في الثالث والعشرين من أيلول عام 1949م وبنبرة حادة خائفة من المجهول القادم إليهم(21):

"أن روسيا قد امتلكت السلاح النووي ولابد أن نمد يد العون لبريطانية لتمتلكها أيضا".



وبذلك تكون صفحة جديدة من التعاون النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية قد فتحت بفضل الاتحاد السوفيتي وبفضل البريطانيين الذين ارشدوا الروس إلى الطريق قبل ثلاثة أعوام وبنشاط المنضمات اليهودية المخلصة للتاج البريطاني.



بدا الارتباك واضحا على ترومان وأتلي بصورة متفاوتة بينهما؛ منذ أن دخل الاتحاد السوفيتي النادي النووي دون سابق إنذار. والذي زاد هموم الدولتين هو امتلاك وكالة المخابرات السوفيتية معلومات كاملة عن البرنامج النووي الأمريكي والبريطاني في حين إن تلك الدولتين ما كانا يعرفا شيئا عن البرنامج النووي السوفيتي. مما جعل الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني يركزان في اجتماعاتهما المتتالية في الفترة ما بين الإعلان عن امتلاك الاتحاد السوفيتي للقنبلة الذرية وحتى مارس عام 1950م على الجانب الأمني للبرنامج النووي ليس في بريطانية وكندا وأمريكا فحسب؛ بل في فرنسا وهولندا والسويد أيضا. ونتيجة لهذا التطور في الأحداث النووية العالمية وبروز من شارك الأمريكان في هذه القوة الجبارة فقد أعطى الرئيس الأمريكي في الواحد والثلاثين من كانون الثاني عام 1950م إشارته لتطوير كافة الأسلحة النووية بما فيها القنبلة الهيدروجينية. كما أكد على ضرورة الإسراع بتقديم العون لبريطانية لإنجاز مشروعها النووي مع التأكيد على الجانب السري في هذا المجال(45). وبناءا على التشاور ما بين الرئيسين المتحالفين نوويا لتوه؛ التزمت الحكومة البريطانية مبدأ الصمت تجاه إي سؤال يتعلق بالمشروع النووي البريطاني حتى بات حزب المحافظين يشكك في قدرات بريطانية لصناعة القنبلة الذرية عندما تحدث تشرشل في الخامس عشر من شباط عام 1951م في البرلمان البريطاني قائلا(46):

" … منذ خمس سنوات ونصف انتهت الحرب العلمية الثانية ومازالت الحكومة لم تفي بوعدها بإنتاج القنبلة. عندما نتذكر تقدمنا العلمي والعسكري في ألامس القريب ونقارنه اليوم مع القابلية الأمريكية في هذا المجال نرى من المخجل حقا أن نكون اقل علما وتقدما حتى من الاتحاد السوفيتي في هذا المجال. فعلى الحكومة أن تعترف بفشلها في التطور والتقدم والصناعة وخاصة في المجال النووي".



ولم يجبه أتلي ألا بالتأكيد على النجاح والتقدم في ظل حكومته دون الإشارة للبرنامج النووي. مما سبب تأزما في السياسة البريطانية واتهام الأحزاب الأخرى للحكومة بإنفاق الميزانية على برامج فاشلة وغير مجدية. خصوصا وان بريطانية قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بضائقة مالية كبيرة أخرت سبل إعادة بناء المؤسسات الخدمية المهمة.





3.4 نهاية الخيبة البريطانية

مع الإصرار البريطاني لامتلاك السلاح النووي والسرية التامة التي توخاها أتلي والمساهمة الأمريكية الكبيرة؛ بدأ التقدم في برنامجهم يبدو ملحوظا في تموز عام 1950م. وبدأت بوادر الإنتاج الإشعاعي تبدو وشيكة في المفاعل النووي البريطاني وندسكل Windscale الذي أسسه ونتن منذ أربعة سنوات مضت. ونشط العمل في إنهاء معمل اليورانيوم المصمم منذ عام 1948م في كابنهيرتس Capenhurst الواقع في مقاطعة جس شاير Cheshire واصبح جاهزا للعمل في بداية مارس من عام 1950م. كما قامت الحكومة البريطانية في الرابع من نيسان عام 1950م بتأسيس مركز بحوث خاص بالأسلحة النووية بمدينة ألدرميستن Aldermaston(18). وبات السلاح الذري وشيكا أن يكون بيد أتلي لولا فشله في الانتخابات واعتلاء تشرشل منصب رئيس الوزراء في الخامس عشر من تشرين الثاني لعام 1951م(16).



لكن الحق يقال لم يكن تشرشل خبيثا ومنكرا لما حققه أتلي خلال فترة رئاسته للوزراء والتي دامت ما يقرب ست سنوات أو اكثر بقليل. حيث انه أثنى على ما قام به غريمه العمالي في هذا المجال عند مناقشة البرلمان لورقة وزارة الدفاع بقوله(47):

" عمل عظيم ولا بد أن يسجله التاريخ البريطاني بكل اعتزاز لاتلي ليس في مجال تهيئة المواد الأساسية لصناعة القنبلة الذرية بل في مجال تصنيعها أيضا".



وبعد شهرين من خطاب تشرشل في البرلمان البريطاني؛ تمكن العاملين في مفاعل وندسكل من إنتاج البلوتونيوم الذي حقق حلم بريطانية في السابع عشر من شباط عام 1952م. حين أعلن تشرشل عن إمكانية بلاده من تجربة أول قنبلة ذرية لها قبل نهاية هذا العام(48). وما أن أنهى تشرشل إعلانه النووي الذي طال وقته كثيرا حتى طار إلى واشنطن ليخبر حلفائه بما توصلت إليه بريطانية من تقدم في هذا المجال. ووجد دهشتهم أمامه لعدم معرفتهم بالتقدم الحاصل بالبرنامج النووي البريطاني على الرغم من كل أنواع الدعم العلمي والمالي الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية لبريطانية. وهو ما أزعج تشرشل لعدم معرفته بخبايا الأمور مما اضطر للعودة مسرعا ليثير المسائلة مع أتلي إمام البرلمان البريطاني بقوله(48):

" لقد حاول حزب العمال جاهدا أن يجعل كل ما يتعلق بالسلاح النووي سرا دون استشارة البرلمان أو التصويت وهذا ما يخالف مبادئ السياسة البريطانية".



فما كان من أتلي إلا الرد عليه بقوله(48,49):

" لكونك زعيم المعارضة في ذلك الوقت؛ كان يمكنك أن تتلقى منا أية معلومة تود معرفتها في هذا المجال؛ ألا انك لم تسأل ومع كل ما حدث فأننا كنا نعلم اللورد جرول Lord Cherwell (كان وزير الدفاع لحكومة المعارضة) أول بأول ما ينفذ في مشروعنا النووي. أما بالنسبة إلى الأمريكان وأتصور ذلك ما أزعج سيادتكم؛ فأننا بالتأكيد كنا نخبرهم بين الحين والأخر ما نفعل؛ نخبرهم فقط في المواقف التي نرى من المحتمل أن تحصل بها المملكة المتحدة على مساعدتهم وتعاونهم معنا في المجال النووي".



ومهما كانت المناقشات في البرلمان ما بين اتلي وتشرشل فإننا نرى بكل يقين؛ أن أتلي أراد أن يعطي الأمريكان درسا سياسيا في التعامل مع بريطانية سواء ألان أم في المستقبل. حيث انه أوضح لنا وللأمريكان بأنه أجاد إتقان اللعبة التي لعبها ترومان في بداية الأمر وببراعة فاقت الغرور الأمريكي لحصافة الفكر القيادي البريطاني.



ومهما كانت المهاترات السياسية بين الأحزاب البريطانية داخل البرلمان البريطاني؛ ومهما كانت مواقف الاتفاق والمعارضة بينهم؛ فقد استمر العلماء النوويين البريطانيين في عملهم حتى الثالث من تشرين الأول لعام 1952 إذ أعلن عن قيام بريطانية بتفجير أول قنبلة ذرية تجريبية على سطح جزيرة مونتي بلو Monte Bello(50)؛ وبهذا أصبحت بريطانية ثالث دولة في العالم تدخل النادي النووي؛ لتفرض بامتلاكها هذا السلاح الفتاك تقسيما جديدا للعالم الذي طالما تنازع حوله الأقوياء وراح ضحيته الضعفاء الأغنياء في هذا الكوكب الأزرق.
عبدالغفور الخطيب
الحلقة الرابعة



دور السلاح النووي في بروز الصراع بين الغرب والشرق





لم يكن نجاح الاتحاد السوفيتي بامتلاك السلاح النووي قد سبب في تعجيل إنجاز البرنامج النووي البريطاني ووضع الولايات المتحدة الأمريكية أمام واقع التحدي الشرقي فحسب؛ بل تسبب أيضا في بروز أهمية الإسراع في تطوير الآلة العسكرية الموروثة من الحرب العالمية الثانية ودراسة البعد الإستراتيجي لبعض أنواع الأسلحة التي لعبت دورا كبيرا لإنجاز مهمة الحرب التي أثقلت العالم الغربي. وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في التركيز على تطوير القوة الجوية وآلتها والتي من خلالها تمكنوا من أن يحلوا عقدة إيجاد واسطة لحمل السلاح النووي. فمع معاناة الحلفاء من التفوق الجوي الألماني؛ تمكن الأمريكان من استعمال B-29 في حمل السلاح النووي الملقى على هيروشيما ونجازاكي. وعليه فان الاهتمام البريطاني كان منصبا على ضرورة العمل على صناعة طائرة حربية لها القدرة على حمل السلاح النووي وضرب الهدف من مسافة بعيدة. وهذا ما فسر سر اهتمام حكومة العمال البريطانية في دعم مشاريع بناء القوة الجوية البريطانية. ومع المجهود المكثف في هذا المجال ومنذ أن بدأ العمل بالبرنامج النووي البريطاني ولغاية تطوير وامتلاك السلاح النووي عام 1952م لم تتمكن بريطانية من إيجاد الطائرة المقاتلة الصالحة لحمل السلاح النووي الإستراتيجي الفتاك(1). فلذا دأبت الأحزاب السياسية البريطانية المتعاقبة بعد إعلان إنتاج السلاح النووي على تعزيز المشاريع المتخصصة بتطوير الآلة الحربية الناقلة للسلاح النووي. والتي بما لا شك فيه سوف تعوض بريطانية عن عقدة الفشل في سباق التقدم العلمي.



4.1 إنتاج حاملة القنبلة الذرية

بالتأكيد لم يكن السلاح النووي فعالا ما لم تكن هناك واسطة يمكن استعماله من خلالها؛ ولهذا السبب فقد كان البرنامج النووي الأمريكي يسير في نسق واحد مع B-29. والذي حقق نجاحا مع مرور الزمن؛ في حين كان البرنامج النووي البريطاني وبشطريه يعاني من الانتكاسات الواحدة تلو الأخرى. أما بالنسبة إلى الجانب السوفيتي؛ ومع الزمن القياسي في إنتاجه للسلاح الذري فلم يبدو مكترثا في التفكير بكيفية إمكانه تصنيع الواسطة لنقل سلاحه النووي. وذلك لا يعني بأنهم متناسين أو متغابين بقدر ما كان جم اهتمامهم مركز على امتلاك السلاح والتهديد به.



ان القوة الجوية البريطانية في الحرب العالمية الثانية كانت تعتمد اعتمادا كليا على القاصفات ذات المحركات الأربع والمسماة بلانكستر- واحد. ومع بروز البرنامج النووي عام 1946م فقد عكفت السلطة العسكرية البريطانية على تطوير هذا النوع من الطائرات كي يكون فعال في نقل السلاح النووي بواسطتها إذ ما تمكنوا من إنتاجه. وبناءا على الأمنيات البريطانية التي لا حصر لها ولا عد تم تطوير لانكستر- واحد إلى لنكولن- واحد ولنكولن- اثنان وبسرعة تتجاوز 230 ميل في الساعة وعلى ارتفاع 20 ألف قدم وبقدرة على حمل 14 ألف باوند من المتفجرات لتقطع مسافة 2250 ميل؛ قبل أن تحتاج إلى ملئ خزانها بالوقود مرة أخرى(51). وتبنت الحكومة البريطانية النوع المطور من الطائرات في بناء القوة الجوية البريطانية منذ اكتشافها في نهاية عام 1946م. ونتيجة لعدم كفاءة تلك الطائرات في نقل السلاح النووي فقد أعلن وزير الدفاع العمالي في البرلمان خطته القادمة لإعادة تأهيل القوة الجوية. مركزا على ضرورة إعطاء أهمية بالغة للتصميم والبحوث العلمية والتكنولوجية ومرجئا عملية الإنتاج لحين التوصل لنتائج ملموسة. يعني بذلك ربط التطور التكنولوجي الجوي بالبرنامج النووي البريطاني الذي جندت له كل الطاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية البريطانية كي يمكن تنفيذه بالسرعة الممكنة لتصبح بريطانية دولة مؤثرة في السياسة الدولية اسوة بالولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي(51,52).



لم يكن قرار الحكومة البريطانية في إيقاف العمل لإنتاج وتطوير القاصفات الجوية غير مدروس أو ناتج عن أزمة اقتصادية تعاني منها بريطانية فقط؛ بل نابع من الغموض الذي كان يسود العمل النووي الأمريكي وانشغال الحلفاء الآخرين بما فيهم الاتحاد السوفيتي في إعادة بناء ما دمرته الحرب. ومع تلك التطورات التي بدت تتصارع مع الزمن؛ أُعلن في البرلمان البريطاني في الثاني عشر من مارس عام 1946م على لسان وزير السلاح الجوي البريطاني جون ستراجي John Starchy ما يلي (53):

" يجب أن تعرفوا جيدا أن دراسة أي قرار له علاقة بالسلاح الجوي البريطاني سوف لا يدرس ولا يأخذ بنظر الاعتبار حتى يصبح التطور في إنتاج السلاح النووي واضحا. ولكن هذا لا يمنع من أننا في النهاية سوف نعمل على تصميم وتصنيع طائرة قاذفة بعيدة المدى تستعمل لنقل الأسلحة الكيماوية أو النووية في المستقبل".



لكن إعلان جون ستراجي لم يؤخر قيام بعض المصانع العسكرية البريطانية خلال عام 1947م من صناعة طائرات مقاتلة وقاصفة لدعم السلاح الجوي البريطاني من نوع V-Bombers (Victor, Vulcan and Valiant) ونوع S.A.4. الذي لم تذكر الحكومة البريطانية أي شيء عنه وعن مشروعها الذي يتمم البرنامج النووي. ومع كل الجهود المبذولة من قبل العلماء البريطانيين لإنتاج طائرة بمواصفات تفوق مواصفات الطائرات الأمريكية من جهة وتكون فعالة في حمل السلاح النووي وتنفيذ الضربة من جهة أخرى؛ فشلت بريطانية في تحقيق ما تريد بعد أن بدا التعثر في برنامجها النووي يبدو واضحا أيضا في تلك الفترة التي كانت تتحاور فيها مع الولايات المتحدة الأمريكية(51,52,53,54).

وبينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحاول بشتى الوسائل إرغام بريطانية للانقياد لها؛ كانت بريطانية تحاول من جانبها إركاع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تأجيج الموقف الأوربي ضدها والسيطرة التامة على مناجم اليورانيوم العالمية. بين هذا التأزم القائم بين الحليفتين انبرى الاتحاد السوفيتي معلنا امتلاكه السلاح الذري والآلة المنفذة لهذا السلاح والتي ما هي إلا عبارة عن محركات بريطانية نوع نيـني تمكن الخبراء الروس من تطويرها وربطها على هياكل طائرات أمريكية أهديت لهم خلال الحرب العالمية الثانية. هذا التغيَّر المفاجئ غيَّر موازين العلاقة البريطانية الأمريكية على الرغم من عدم قناعة كل منهما بالأخر. حيث بات العدو الحقيقي هو الاتحاد السوفيتي ولذا فمن الواجب نسيان ما مضى والعمل على تحديد مساره خوفا من مطالبته بضرورة المشاركة في السيطرة على النفوذ العالمي. وإضافة إلى ما ذكرنا أعلاه من تعجيل في إنجاز البرنامج النووي البريطاني؛ برز للسطح أيضا الدعم العسكري الأمريكي وخصوصا في مجال بناء القوة الجوية البريطانية. مما حدا بوزير الدفاع البريطاني أن يوقف مشاريع التطوير العسكري وإعلانه في كانون الثاني عام 1950م موافقة بلاده على المساعدة الأمريكية العسكرية. تلك المساعدة التي تضمنت 72 طائرة من طراز B-29 التي تمتاز بسرعتها البالغة 400 ميل في الساعة وعلى ارتفاع 35 ألف قدم.



لقد فتحت العلاقة البريطانية الأمريكية الجديدة وبفضل الإنتاج النووي السوفيتي بابا للأمريكان مكنتهم من الدخول بأحلاف عسكرية مع بريطانية ضفرت بها الولايات المتحدة الأمريكية ببناء عدة قواعد عسكرية في بريطانية تمكنها من الطيران لمراقبة أوربا الشرقية من خلال الأراضي البريطانية(53,54). وبرأينا أن الولايات المتحدة الأمريكية حققت في ذلك أولى أهدافها المتضمن بناء قواعد عسكرية تحت غطاء التحالف والصداقة في الدول القريبة من مناطق الطاقة والنفوذ الدولي. إذ من خلالها يمكن الانطلاق بصورة شبكية إلى ابعد نقطة في العالم الأرضي المترامي والغني بالموارد الطبيعية التي تتحكم بالبقاء والفناء.



وكعادة بريطانية؛ فعلى الرغم من إعلانها إيقاف كل النشاطات العلمية والصناعية لإنتاج مقاتلة نووية ووجوب الاعتماد على الطائرات الأمريكية الحديثة وذات القدرة القتالية العالية الكفاءة وفق ما نص عليه البرنامج العسكري الموقع بين الدولتين حديثا؛ راحت بصورة سرية مستمرة في مشروع بناء وتطوير طائرة قاصفة ذات كفاءة متميزة كي تستعمل للأغراض النووية. وما أن حل عام 1954م حتى أعلنت بريطانية وبصورة مفاجئة جدا للاتحاد السوفيتي وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية عن باكورة إنتاجها لقاصفة نووية تدعى كنبرى Canberra؛ تمتاز بسرعتها الفائقة المقدرة بـ 540 ميل في الساعة وعلى ارتفاع يصل إلى 48 ألف قدم(46&47). وبهذا الإنجاز الكبير تكون بريطانية اولا قد حلت عقدتها المتضمنة وجوب أشعار العالم بقدرتها العلمية الفائقة في التكنولوجية والعلوم الحديثة. وفتحت ثانيا بابا جديدا لتنافس القوى على امتلاك السلاح والأداة المنفذة. مما جعل الدول الأخرى تتسابق لإبداء قدرتها التكنولوجية والعلمية لتطوير سلاح أقوى وأشرس في القوة والتنفيذ.





4.2 بداية الصراع بين الشرق والغرب

في الواقع لم تكن في أوربا قوة تذكر للوقوف أمام التقدم والنجاح السوفيتي؛ بل الكل مازال يعاني مما دمرته الحرب العالمية الثانية باستثناء بريطانية والحليف الكبير الولايات المتحدة الأمريكية. ليس هذا غريبا وإنما تحصيل حاصل ناتج عن ابتعاد الدولتين عن مسرح الحرب والعمليات العسكرية. مما ساعد بريطانية في الحفاظ على بنيتها التحتية وسهولة إعادة تأهيل جيشها ومعاملها.

ونتيجة لضعف القوة العسكرية الأوربية وامتلاك الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي وانشغال الولايات المتحدة الأمريكية بصراعها مع بريطانية ولو سياسيا استغل الاتحاد السوفيتي تلك الفرصة واخذ يبحث عالميا عن مناجم اليورانيوم المتواجدة في أطراف العالم التي لم يتمكن أحد بعد من اكتشافها. ولم تقف طموحات الاتحاد السوفيتي عند هذا الحد فقط بل حاول الدخول في أعماق أوربا واحتلال أجزاء من الدولة الألمانية المنهارة وإلحاقها ببعض دول الحلف الشرقي الذي ولد كنتيجة للحرب العالمية الثانية.



وتعالت صيحات الدول الأوربية من التهديد الروسي منذ نهاية عام 1948م؛ ولم تكن هناك أذنا صاغية لهم. لقناعة الولايات المتحدة الأمريكية بسهولة إعادة ما أخذه الاتحاد السوفيتي مستقبلا بمجرد التهديد بالسلاح النووي الذي كانت تتوقع انفرادها بامتلاكه. ألا أن الأمور كانت تجري بعيدا عن توقعات البيت الأبيض الأمريكي؛ وبمجرد الإعلان عن امتلاك الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي في آب عام 1949م تغيرت كل السياسات التحالفية الغربية وبات الهم الأمريكي منصب على كيفية تحديد الهجمة الشيوعية القادمة من الشرق قبل أن تفلت زمام الأمور.

لذا فقد ضم اجتماع مصغر في الخامس من كانون الأول عام 1949م كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني وبحضور ونستن تشرشل تقرر فيه إلغاء قانون عدم الدخول في حرب خلال العشر سنوات القادمة والتي اتخذ مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كما أكد المجتمعون على ضرورة تعزيز مواقع الحلفاء العسكرية وبصورة سريعة للوقوف أمام التحديات السوفيتية.

إضافة إلى ضرورة إعلان الحرب على الشيوعية بحجة تدخلها في شؤون بلدان العالم المستقرة(55,56,57). ولم يكتفي المجتمعون بتلك المقررات التي ربما قد تدخل العالم بكارثة جديدة قد تنهي كيانه بالسلاح النووي الذي بات كل من الشرق والغرب يهدد به؛ بل راحت بريطانية مؤكدة على ضرورة دعم القوة البريطانية الجوية في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا المناطق التي تعتبر خطا دفاعيا أوليا لمنابع البترول.

وعليه فقد تم الاتفاق على نقل ثلث القوات الجوية البريطانية لتعسكر في المناطق المتاخمة للاتحاد السوفيتي المطلة على بوابة الشرق العربي الغني بالبترول(58). ومع نتائج هذا الاجتماع الأخير والذي نفذت بنوده خلال ثمان وأربعون ساعة لم يبدو أن الاتحاد السوفيتي كان مهتما لما دار به وما سوف يتخذ فيه من مواقف ضده؛ واكتفى بالتهديد بسلاحه النووي واستمر بالتنقيب عن اليورانيوم في كوريا الشمالية ليستفيد من الوقت قبل ان تتكالب عليه الدول الاوربية الغربية المتحالفة مع امريكا(57,58).

وهنا لا بد من الإشارة إلى التفاوت في سياسة المملكة المتحدة؛ التي بما لا يقبل الشك كانت مبنية على مصالحها وكيفية البقاء في موقع الأقوى. فبريطانية التي عرفناها وعرفنا سياستها الاستراتيجية بما ورد أعلاه لعبت دورا كبيرا في مد السوفيت بالمعلومات النووية وتشجيعها على إنتاج السلاح خوفا من بقائه فقط بحوزة الولايات المتحدة الامريكية؛ ولكن سرعان من تغير ذلك بمجرد تمكن السوفيت من انتاج السلاح النووي. اذ نراها بسرعة مذهلة تعود إلى حليفها القديم الولايات المتحدة الأمريكية لتجندها وتجند الحلفاء الاوربيين للوقف أمام هذا التحدي الجدي. وهو ما يوحي أن لا حليف ولا صديق أمام المصالح الدولية للبلدان التي يعمل ساستها على إسعاد شعوبهم وجعلهم هم الأعلى في أية فترة زمنية مهما كلفهم الآمر من تضحية. وبودنا لو يرعوي العالم الاسلامي والعالم العربي لتلك الاطروحة وينتبه الى مصدر قوته المتمثلة بالتحام شعوبها نحو قيام حياة افضل للجميع. حياة مبنية على الاهتمام بمصالح الشعب واحياء السلام لمن يريد ان يعيش بسلام على ارضه دون ان يغتصب حق غيره.



على اية حال؛ ومع الإصرار السوفيتي لاكتشاف مناجم اليورانيوم ومراقبة الأمريكان عن كثب لكل تحركاتهم تم العثور على مناجم غنية باليورانيوم في السابع من مايو عام 1950م في المنطقة الحدودية الواقعة بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية. مما جعل الاتحاد السوفيتي وبدون تأخير ينزل قواته في تلك المنطقة في الثلاثين من حزيران عام 1950م والذي اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية بأنه عدوان سافر وطالبت القوات الكورية الشمالية بالانسحاب فورا؛ دون الإشارة إلى الاتحاد السوفيتي ومناجم اليورانيوم. وعلى الرغم من صرامة التهديد الأمريكي والبريطاني الموجه لكوريا الشمالية وحليفها الجديد لم يلين الاتحاد السوفيتي لذلك؛ مما اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية أن تعلن الحرب على كوريا الشمالية بوصفها المسؤولة على حفظ الأمن العالمي(حسبما تقول). ومع بزوغ فجر الخامس من تموز عام 1950م أعلنت الحكومة البريطانية دعمها للموقف الأمريكي وناشدت كوريا الشمالية الرضوخ والانسحاب فورا.

لقد بات واضحا وصارما موقف الحكومة البريطانية تجاه هذا الأمر في السادس والعشرين من تموز عام 1950م عندما صوت البرلمان بالإجماع على تخصيص مبلغ 100 مليون جنية إسترليني لتعزيز ميزانية وزارة الدفاع وجعلها متأهبة للدخول في حرب ضد الشيوعية السوفيتية(59). ثم عاد ونستن تشرشل في اليوم التالي وبلهجة صارمة محذرا الدول الأوربية الغربية من أطماع الاتحاد السوفيتي؛ ومعربا عن اعتقاده بأن الاعتداء على كوريا الجنوبية هو جزء من حرب شيوعية شاملة تمكنت بريطانية وأمريكا من اكتشافها قبل أن تستفحل وتوضع المعوقات أمامنا. ومع إطلالة صباح الثلاثين من تموز عام 1950م وجه رئيس وزراء بريطانية أتلي خطابا إلى الشعب البريطاني أعرب فيه عن مخاوفه على مصالح الدولة البريطانية في مستعمراتها ودعاهم إلى التقشف ودعم موازنة وزارة الدفاع البريطانية لضمان تدفق الوقود (يقصد البترول) إلى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. كما أعلنت الحكومة البريطانية وبتأييد شامل من أحزاب المعارضة البريطانية في الثالث من آب عام 1950م عن موازنة إعادة بناء الجيش البريطاني ولمدة ثلاث سنوات قدرت بحوالي 3400 مليون إسترليني زيدت لاحقا إلى 3600 مليون إسترليني مع نهاية آب من العام نفسه. كما ضمت خطة الموازنة العسكرية الجديدة التأكيد على إنتاج السلاح النووي الحراري Thermonuclear والطائرات النووية من نوع كنبر Canberra(12,15,59).



زاد الأمر الكوري اكثر تعقيدا عند عبور الصين الشيوعية إلى كوريا الجنوبية واحتلال منجم اليورانيوم في مدينة يالي Yalu في الحادي عشر من تشرين الثاني عام 1950م. وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى مضاعفة قواتها العسكرية وجعلها متأهبة للدخول في حرب ضد الاتحاد السوفيتي والصين إذ لم تكن قد دخلت بالفعل. ثم أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية تستعجل الدول المتحالفة معها لتنفيذ بنود اتفاقية شعوب حلف الشمال الأطلسي والتي تعرف ب North Atlantic Treaty Organization والتي انبثق عنها تأسيس قوة عسكرية كبيرة تتواجد في أوربا عرفت فيما بعد بالنيتو NATO. ومع انبثاق هذه القوة تمكنت امريكا من سحب 70% من قواتها المتواجدة في قواعدها المترامية في تركيا والمحيط الهندي لتعزز قواتها في كوريا الجنوبية. حيث حل محل تلك القوات الأمريكية قوات أوربية كان معظمها من بريطانية وبذلك تمكن التاج البريطاني وبمساعدة حلفائه من أن يكون قريب من منابع البترول ليضمن تدفقها وإفساد المخطط السوفيتي الذي يهدف للتغلغل إلى أعماق الخليج العربي مجرد الانتهاء من حماية حدوده من الاعتداء الغربي(1,12,15).



لقد ركز الجانب البريطاني والجانب الأمريكي ما بين نهاية 1950م وحتى منتصف عام 1952م على أمرين مهمين هما إيقاف الزحف الشيوعي المتمثل بالاتحاد السوفيتي والصين نحو مناجم اليورانيوم والإسراع في عملية بناء القوة العسكرية الأوربية ضمن حلف النيتو. الأمر الذي دعا تشرشل لان يزيد الموازنة العسكرية المتبناة من قبل أتلي من 4700 مليون إسترليني إلى 5200 مليون إسترليني وبمساعدة أمريكية سنوية لا تقل عن 300 مليون دولار(60). ومع التسارع في بناء الجيش الغربي كان هناك التهديد السوفيتي يزداد يوما بعد يوم من خلال التطور السريع في إنتاج السلاح النووي وتمكنه من زرعه حول حدوده خصوصا تلك الفاصلة مع القارة الأوربية. مما اجبر الولايات المتحدة الأمريكية لان تدعو للاجتماع مع حلفائها في النيتو بلزبن Lisbon في السابع من كانون الثاني عام 1952م. إذ تقرر فيه بناء قوة عسكرية كبيرة تضاهي القوة السوفيتية على أن تكون موزعة ما بين وسط أوربا والشرق الأوسط. إلا أن قرارهم بدأ بالتعثر بعد عشرة اشهر من العمل به حين أعلنت الدول الأوربية وعلى رأسها بريطانية في كانون الأول عام 1952م عن عدم قدرتها على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في كانون الثاني من نفس العام لأسباب اقتصادية بحتة(15,61).



ان تخلي الدول الأوربية عن برنامج حلف النيتو سبب خيبة أمل كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية؛ في حين بدأ الاتحاد السوفيتي يكشف عن قدراته وما يمتلك من قوة تمكنه من تحطيم الاستعباد الأمريكي والبريطاني لشعوب العالم. وتوالت الاجتماعات لأعضاء حلف النيتو لغرض التوصل لحل يمكنهم من مواجهة التهديد السوفيتي ولكن دون جدوى؛ فالكل كان يطلب مساعدات مالية من الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما أزعج الرئيس الأمريكي ايزنهاور وجعله يقرر في الثاني من آذار عام 1953م بناء قوات النيتو بإمكانيات أمريكية نووية عوضا عن بنائه بالأسلحة التقليدية. ليعطيه قوة وصلابة أمام جيش الاتحاد السوفيتي؛ إضافة إلى قلة التكاليف قياسا بما تطلبه بريطانية والدول الأوربية الأخرى من مساعدات مالية(1,12). فبعد قرار أيزنهاور الأخير الذي أوضح فيه سياسة أمريكا تجاه النيتو؛ فوجئت الدول الأوربية في الخامس من آذار عام 1953م بخطاب تشرشل في البرلمان البريطاني الذي بارك فيه قرار ايزنهاور أولا والذي أعلن فيه ما يلي(62):

" من خلال مراجعتنا لسياسة الحكومة البريطانية بشأن التسليح وجدنا أن الحرب القادمة لا محالة ستكون حرب نووية. فلذا فأن هدفنا الحقيقي ألان هو التركيز على إنتاج كميات كبيرة من السلاح النووي وبأشكال متعددة الاستعمال وهذا ما يسهل علينا القتال في أية بقعة في العالم ويسهل علينا التقليل من نفقات تسليح الجيش ويخرجنا من الصعوبات الاقتصادية".



لم يكن قرار ايزنهاور مخيفا لقيادات الاتحاد السوفيتي بل على العكس من ذلك اعتبره السوفيت مرحلة الفشل الأولى لحلف النيتو. وكما كان السوفيت فرحين بانتصارهم المعنوي زادت شكوك الدول الأوربية ببريطانية ودعت فرنسا رفاقها الأوربيون إلى نقض كل المعاهدات مع بريطانية والدخول في حوار مباشر مع الاتحاد السوفيتي وحل النزاع. لكن ايزنهاور عاد في التاسع من نيسان عام 1953م يدعو الدولة الأوربية لدعم مشروعه النووي لمواجهة الاتحاد السوفيتي وواعد بالمساعدات المالية الكبيرة التي تدعم اقتصادهم شرط أن تتعهد تلك الدول بالمساهمة الفعالة في تقويم قوة حلف النيتو. ولم ينتهي ايزنهاور من خطابه حتى أعلن تشرشل موافقته على كل ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي مع علمه إن خطاب أيزنهاور لم يكن موجه إليه. ولم يكتفي تشرشل بالتطبيل وإبداء قناعته بما صرح به ايزنهاور فقط؛ بل أرسل في اليوم التالي وزير التجهيز البريطاني دينكن سنديز Duncan Sandys لزيارة فرنسا وإيطاليا والمانية وأسبانيا لإقناع قادتهم بقبول دعوة ايزنهاور بضمان بريطاني. وفي الثاني عشر من نيسان عام 1953م استجابت دول التحالف الأوربي لدعوة الرئيس الأمريكي الأخيرة وبوشر في بناء قوة النيتو وفق القرار الأخير(12,15).



يتبين مما جاء أعلاه أن هناك غموضاً يلف الموقف البريطاني فتارة نراه بكل قواه مع الدول الأوربية ومرة خاذلا أصحابه ومؤيدا الولايات المتحدة الأمريكية. فالموقف البريطاني بطبيعة الحال نابع من حنكة قادتها السياسية؛ فأوربا بالنسبة إلى بريطانية هو خط المواجهة الأول لحماية أراضيها فيما إذا تأزمت الأمور مع الاتحاد السوفيتي. ولكن بقدر أهمية أوربا الغربية بالنسبة لهم؛ فهم على معرفة بحال الدول الأوربية سواء كانت الاقتصادية منها أو العسكرية وبالتالي فان هذا العجز المزمن في دول أوربا يحتاج إلى دعم الولايات المتحدة الأمريكية؛ خصوصا وان بريطانية في طور إنتاج وتطوير السلاح النووي الذي يجعلها قوة كبرى مع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية؛ وبالتالي فبريطانية بحاجة للخبرة النووية الأمريكية.



لقد كانت بريطانية دوما تستفيد من تأزم الموقف الأمريكي ـ الأوربي أو الأمريكي ـ السوفيتي لتستق المعلومات المهمة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تؤدي إلى إكمال برنامجها التسليحي النووي لتفاجئ به الجميع في كل مرة. وهذا ما حدث فعلا؛ فبينما كانت الأزمة الأمريكية ـ الأوربية على اشدها والتهديد السوفيتي يتزايد يوم بعد يوم وبريطانية تصرخ بأعلى صوتها متحدثة عن أزمتها الاقتصادية وتأجيلها الكثير من مشاريعها العسكرية؛ حيث راح رئيس الوزراء البريطاني في الأول من شباط عام 1955م معلنا بخطاب شعبي عن امتلاك بريطانية طائرات مقاتلة يمكنها اسقاط الطائرات القاصفة الحاملة للقذائف النووية قبل ان تصيب اهدافها. ثم أعلن عن امتلاكهم لسلاح نووي إستراتيجي جوي مهم تفوق قدرته قدرة السلاح الأمريكي B-52 و B-58. هذا السلاح هو طائرة V-Bombers ذات الحجم الصغير التي يصل مداها لأربعة آلاف ميل وبارتفاع 50 ألف قدم وبسرعة تضاهي سرعة ميك ـ1 السوفيتية. وبالتالي فان بريطانية يمكنها أن تصل إلى أي هدف إستراتيجي ضمن الحدود السوفيتية.



الإعلان البريطاني جاء مفاجئا للأصدقاء والأعداء على حد سواء. تلك المفاجئة جعلت الأمريكان يعربون عن قناعتهم بأهمية قيام حلف نووي أمريكي ـ بريطاني تكون تلك الطائرات البريطانية المصنعة حديثا ضمن الهيكل العسكري(12,15,63). في حين كان الاتحاد السوفيتي يبدو مترددا خائفا لأول مرة من مقارعة حلف النيتو؛ وعليه فبإنتاج هذا السلاح دخلت السياسة النووية العالمية مرحلة جديدة من الصراعات وهذا ما سنأتي إليه في الفقرات التالية.



لم تتوقف المفاجئات البريطانية للحلفاء والأعداء على حد سواء عند حد معين؛ بل في الوقت الذي كان كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية يحاول امتصاص صدمة المفاجئة الأولى؛ خرج وزير الدفاع مرة أخرى في الحادي عشر من شباط معلنا للملأ التقدم الذي أحرزه العلماء البريطانيون في صناعة القنبلة الهيدروجينية. في الوقت الذي مازال الخبراء الأمريكيون يعانون من التقدم خطوة واحدة نحو إنتاج هذا السلاح؛ وفي حين لم يكن السوفيت قد فكروا بصناعة مثل هذا السلاح بعد(64). مما جعل الحكومة الأمريكية تتابع بكل إصرار التقدم النووي البريطاني؛ محاولة الدخول معهم في حلف نووي وفق الصيغة التي ترتئيها الحكومة البريطانية ولكن دون جدوى؛ فبريطانية كانت ترفض الدخول بأية معاهدة جديدة مع أية دولة دون أن توضح الأسباب(2).



لكن الرفض البريطاني للطلب الأمريكي لم يدم طويلا؛ إذ سرعان ما سافر رئيس الوزراء البريطاني في الثالث عشر من حزيران عام 1955م لواشنطن مصطحبا معه كل من وزير الدفاع ورئيس التجارة والصناعة ومدير مركز الأبحاث النووية ورئيس مكتب التجهيزات العسكرية ووزير شؤون مستعمرات الشرق الأوسط للاجتماع بالرئيس الأمريكي ومساعديه لمناقشة الموقف المتأزم في المنطقة العربية وخاصة الشرقية منها. ومحاولا وضع حد إلى ما قد يهدد خروج بريطانية وأمريكا من المنطقة العربية نتيجة للنشاط السوفيتي المكثف والكبير خلال السنوات الماضية مما أدى إلى شيوع الأفكار الشيوعية التي تدعو في مضامينها للتحرر من الاستعمار والعبودية. إلا أن رئيس الوزراء البريطاني لم يرى ترحيبا حارا من الرئيس الأمريكي؛ وابلغه هذا الأخير بأننا نعرف كيف نحمي مصالحنا البترولية في المنطقة العربية ولسنا مضطرين للدخول في تحالفات جديدة مع أية دولة(15,65).



لعل ما بدا من رفض بريطاني أولي لأي تحالف عند تقدم برنامجها النووي يبين مدى أهمية السلاح النووي لاعادة السيطرة مرة أخرى على المناطق الاستراتيجية التي خسرتها بريطانية. ولكن سرعان ما اتضح للساسة البريطانيين خطورة الموقف لكون حالهم الاقتصادي والعسكري لم يكن بتلك السهولة التي يرونها. خصوصا بعد خسارتها شبه القارة الهندية وانفصالها من الإمبراطورية البريطانية وتقسيمها. في حين كانت جموعها تمثل العمود الفقري للعسكر الذي تمكنت بريطانية بهم احتلال المناطق الشاسعة في العالم.

كما لابد من معرفة أن تلك القوى التي تصارعت معها بريطانية قديما؛ لاحتلال العالم لم تكن بالمستوى الحديث. فلذا نرى سرعان ما عكفت عن قرارها وراحت تبحث عن الأقوى بين الأقوياء لترصين حلفها معهم ولكن تحت شروطها التي توقعت بأنه ما من مفر سوف تلاقي استحسان الولايات المتحدة الأمريكية. وفوجئت بعكس توقعاتها مما يعني أفول نجمها بداية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ولا بد من إيجاد حليف استراتيجي لتنعم بالقوة التي عاشتها مسبقا.

وهو ما يفسر دعم بريطانية اليوم للولايات المتحدة الأمريكية في كل موقف دون دراسة مساؤه ومحاسنه ومهما كان نوع الحزب الحاكم. فالتحالف الامريكي البريطاني كان نتيجة حتمية لما حل في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فالتحالف الامريكي- البريطاني الاستراتيجي ذو مفاصل سياسية اقتصادية ومصيرية لا يمكن ان يحل لغزه الا من قبل البلدين. ولعلنا سوف نتمكن من معرفة بعض تلك الاسرار في فصول البحث القادمة ان شاء الله.
عبدالغفور الخطيب
الفصل الخامس





المرحلة النووية الجديدة والاهتمام العالمي






بالرغم من تعكر المفاوضات بين الوفدين البريطاني والأمريكي في أول أيامها؛ إلا أنها استمرت ريثما يتوصلا إلى اتفاق يرضي جبروت الرئيس ايزنهاور الذي مازال متأثرا من الموقف البريطاني في شباط من نفس العام. وبينما كان الطرفان في أول دقائق جلستهم الصباحية في واشنطن في اليوم الثامن عشر من حزيران عام 1955م دخل عليهم الرئيس ايزنهاور ومصطحبا معه تشرشل بدون سابق إنذار وراح متحدثا بنبرة مليئة بالخيبة إذ قال(12,66):

"علمت اليوم أن صفقة سلاح جيكسلوفكية سوف يتم التعاقد عليها مع مصر وبترحيب من الاتحاد السوفيتي؛ أتعرفون ماذا يعني ذلك: انه بداية الصراع مع الاتحاد السوفيتي على أغنى بقاع العالم؛ فلا شك أن التوغل الشيوعي سوف يستمر وبصورة سريعة إذا لم نضع مشاكلنا جانبا ونواجه الاتحاد السوفيتي بالقوة النووية البريطانية والأمريكية".



أما تشرشل فقد كان كعادته لم يتكلم ألا قليلا ولكن يمكن للكثيرين أن يقرؤوا من تقاطيع وجهه كلماته التي طالما رددها والتي هي:

"النصر لنا في آخر المعركة".



وبناءا على ما استجد من أحداث في منطقة الشرق الأوسط فقد عقد الأمريكان والبريطانيون اتفاقا جديدا في العشرين من حزيران عام 1955م تضمن ما يلي(2,67):

1. نظرا للتهديد السوفيتي المتزايد لأوربا تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بالتجهيز والإدارة لقوات حلف النيتو بما يتلاءم مع إمكانية صد أي هجوم سوفيتي على أوربا الغربية.

2. يتعهد البلدان بتبادل الخبرات والمعلومات النووية السلمية والعسكرية ضمن إطار الفائدة للبلدين.

3. الصورة الحقيقية والشمولية لواقع الصراع مع الاتحاد السوفيتي مألوفة وخطيرة بالنسبة لمستقبل اقتصاد البلدين؛ انه صراع حول المناطق الغنية بالبترول؛ فلذا ومن اجل الحفاظ على التطور الصناعي في البلدين والاستمرار في تحسين مرافق الدولة للوصول بشعبينا لمستوى معيشي عالي يستوجب علينا البحث عن مصادر أخرى لتوفير الطاقة. وعليه فالولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة يتعهدان بالتعاون وتبادل الخبرات والمعلومات النووية التي تعجل في بناء محطات توليد الطاقة الكهربائية تعمل بالقوة النووية.

4. العمل على بناء مفاعل نووية في كل من كندا واستراليا وجنوب أفريقيا وإيطاليا وبعض دول الكومنولث التي ترتئيها بريطانية مستقبلا وبأشراف مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وذلك لإعطاء السلاح النووي أهمية دولية يمكن التفاوض بشأنها مع الاتحاد السوفيتي.

5. نظرا للتهديد السوفيتي لأوربا؛ ولّما كان حماية أمن أوربا جزء من واجبات الدولة الفرنسية لذا فأن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة يتعهدان بمد فرنسا بكامل المساعدات الفنية والمالية لإتمام برنامجها النووي.

6. نتيجة لعدم الارتياح لتطور العلاقة بين مصر والمعسكر الاشتراكي والذي ينذر بدخول الاتحاد السوفيتي للمنطقة من بوابة أخرى قد تجعله قريبا من مصادر الطاقة الموجودة في الدول العربية فقد تعهد البلدان بإنشاء مفاعل نووي متكامل في إسرائيل لتطوير وإنتاج السلاح النووي يعمل بخبرات نووية أمريكية وبريطانية.

7. تعزيز القواعد الأمريكية المتواجدة في المحيطين الأطلسي والهندي بالسلاح الجوي البريطاني النووي.

8. تتعهد بريطانية بالتعاون فورا مع الولايات المتحدة الأمريكية في بناء سفن حربية عاملة بالطاقة النووية (وبالفعل فقد باشرت الدولتان عملهما في الأول من تموز عام 1955م حيث كان موقع العمل في ميناء بنسلفانيا الأمريكي).

9. تتعهد الدولتان بعدم بيع الخبرات النووية المتعلقة بتوليد الطاقة لأية دولة نامية حتى ولو كان ذلك يؤدي لتغطية العجز الاقتصادي الناتج من ارتفاع تكاليف البحث النووي؛ ويتم النظر في هذا الموضوع بعد عشرين سنة من توقيع هذا الاتفاق.



بعد الاتفاق الصارم الموقع بين الدولتين الكبريين والذي لا يحتاج لأي تعليق منا لوضوح بنوده وخاصة تلك المتعلقة بالشرق الأوسط والمنطقة العربية سواء التي جاءت بصورة مباشرة أم بصورة غير مباشرة؛ بدأ التنفيذ بصورة ملفتة للنظر وبسرعة أدهشت وكالة المخابرات الروسية. فمع نهاية تموز عام 1955م أي بأقل من أربعين يوما على توقيع الاتفاق؛ تمت المباشرة في البرامج النووية المقترحة في كل من جنوب أفريقيا واستراليا وتعجيل العمل في المفاعل النووية الفتية بكندا وإيطاليا. أما في إسرائيل فقد سافر وفد أمريكي بريطاني مشترك الى تل أبيب. بحث الوفد خلال زيارته التي تكررت خمس مرات في غضون ثلاثة اشهر مع المسؤولين الصهاينة السبل الأمنية الواجب أتباعها لحماية المفاعل النووي الإسرائيلي المزود بالخبرة الأمريكية والبريطانية النووية المزمع إنشائه علاوة على البحث عن موقع آمن بعيد عن الأنظار(68). ونتيجة لتلك الجهود المضنية فقد تم اختيار منطقة نهل سورك Nahal Soreq لتكون موقعا لإنشاء المفاعل النووي الممنوح من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية. أما على الصعيد السلمي فقد تمكنت كل من بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية من تجنيد كامل قواهما النووية السلمية لإنتاج الطاقة الكهربائية بزمن قياسي. فما أن طل حزيران عام 1957م حتى تم الإعلان عن إكمال أول محطتين للطاقة الكهربائية تعملان بالقوة النووية في بريطانية؛ أعقبها بخمسة عشر يوما الإعلان الأمريكي عن إكمال محطة كهربائية تعمل بالطاقة النووية مع خطة مستقبلية لمدة عشرة سنوات قادمة(2).



لم يكن الاتفاق البريطاني الأمريكي الأخير مريحا للاتحاد السوفيتي؛ لذا فقد قام بتحذير الدولتين المتعاهدتين من مغبة التآمر على الاتحاد السوفيتي. كما لوح بسلاحه النووي الفعال وقدرته على تدمير أوربا الغربية في غضون دقائق إذا ما أحس بأي خطر غربي ضده. لقد كان التهديد السوفيتي شديدا بجيث بث الرعب في قلوب قادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية بعد أن فضح بنود الاتفاق الأخير وخاصة عزم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية على بناء مفاعل نووي في إسرائيل. مما حدا بالرئيس الأمريكي أن يعلن في خطاب شعبي أن الاتفاق الأخير مع بريطانية ما هو إلا اتفاق للتعاون في المجال النووي السلمي. وعليه فقد دعا كل الدول المالكة للطاقة النووية للاجتماع في جنيف في السابع من آب عام 1955م(2)؛ وهي تلك الدول التي تم خلقها ضمن بنود اتفاق العشرين من حزيران عام 1955م.





5.1 التهديد النووي والاهتمام بالشرق الأوسط

لم يحضر الاتحاد السوفيتي مؤتمر جنيف الخاص بالدول المالكة للطاقة النووية بالرغم من دعوته إليه. لاعتقاده بأن ذلك المؤتمر ما هو إلا مؤتمر صوري تحاول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية من خلاله تغطية مآرب اتفاقيتهم المبرمة في العشرين من حزيران عام 1955م والتي تنص بنودها على ضرورة الحد من نفوذ الاتحاد السوفيتي. كما أعقب المؤتمر بفترة وجيزة خطاب لخرشوف أمام مؤتمر أصدقاء السلام العالمي المنعقد في موسكو بمناسبة احتفالات ثورة أكتوبر الشيوعية لعام 1955م؛ أشار فيه إلى خطورة إنشاء مفاعل نووي في إسرائيل؛ وحذر من جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة حروب ونزاعات دولية ثم أضاف قائلا(12,69):

"لحماية حدودنا من الاعتداءات الغربية علينا أن نقوي دفاعاتنا العسكرية عند الحدود الأوربية السوفيتية والحدود التركية السوفيتية؛ وان نستمر في دعمنا للشعوب من اجل التحرر والاستقلال من الاستعمار الغربي خصوصا في منطقة الشرق الأوسط".



كان في خطاب خروشوف إشارة تهديد قوية لبريطانية والولايات المتحدة الأمريكية وبقية الحلفاء الضعفاء الذين مازالوا يحاولون الخروج من المأزق الاقتصادي الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. مما اجبر بريطانية على دعوت حلفائها في السابع من تشرين الثاني عام 1955م لاجتماع عاجل في باريس لمناقشة الوضع المتأزم مع الاتحاد السوفيتي واتخاذ الخطوات اللازمة تجاه ما ورد في خطاب خروشوف. ونتيجة لهذه الدعوة البريطانية التي حضرها وزراء الدفاع والخارجية لدول أعضاء حلف النيتو دون أن يتخلف أحد منهم تم إقرار تعزيز قواعد الحلف العسكرية المتواجدة في تركيا وتزويدها بـ 680 طائرة حربية من نوع B-58. لتقوم بمهمة حماية الجو الإسرائيلي كما تم تخصيص مبلغ 2 مليار دولار لدعم الاقتصاد التركي على أن يكون نصفها لغرض تبليط الطرق الواقعة ما بين الحدود التركية- السوفيتية والقواعد العسكرية المتواجدة في الأراضي التركية المطلة على البحر الأبيض المتوسطة في المناطق المقابلة للسواحل الإسرائيلية (قواعد حلف النيتو في أدرنة والاسكندرونة). كما خصصت الولايات المتحدة الأمريكية مبلغ أربعة مليارات دولار كمنحة عسكرية لبناء الجيش التركي ضمن خطة تستمر خمس سنوات قابلة للتجديد إذ ما تطورت الأحداث نحو الاسوء(9).



لم تكن تلك القرارات التي اتخذها الحلفاء باكورة نقل الصراع النووي بين الاتحاد السوفيتي والغرب لمنطقة الشرق الأوسط؛ بل على الرغم من العداء البريطاني الأمريكي وعدم التوافق في مجال السيطرة النووية كان هناك اتفاق أمني مسبق ما بين أتلي وترومان خاص بحماية إسرائيل قد وقع في السابع من أيلول عام 1949م. أي بعد امتلاك الاتحاد السوفيتي للسلاح النووي وباكورة الاتفاق على بناء قواعد حلف النيتو العسكرية. لقد كان هذا الاتفاق الأمني ينص على ضرورة تأهيل إسرائيل عسكريا واستخباريا كي تكون قاعدة فعالة في المنطقة تعمل على حفظ المصالح الأمريكية والبريطانية (وليس عموم الحلفاء) من التهديد السوفيتي(12,15). ومع تعاظم القوة السوفيتية وتهديدها المتزايد لدول أوربا وتركيا وانتشار المبادئ الشيوعية في المنطقة العربية الداعية للثورة ضد الاستعمار البريطاني جعل كل من ونستن تشرشل وايزنهاور يلتمسان خطورة الموقف فقررا في لقائهما بواشنطن في منتصف كانون الثاني من عام 1954م على ضرورة دعم الاتفاقية الأمنية لعام 1949م الخاصة بحماية إسرائيل وزيادة نشاط العمل الاستخباراتي داخل الأراضي العربية. والتركيز على تكثيف الجهود على مصر التي بدأت توجهات قادتها تميل إلى الاتحاد السوفيتي خصوصا بعد أن بدأ تأثير ثورة 23 يوليو المصرية تجد طريقها مفتوحا لقلوب العرب(12,15). وبناءا على ما توصل إليه رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي فقد بدأ العمل فورا لتقوية الجيش الإسرائيلي وتزويده بأحدث الأسلحة المتوفرة لديهم وتحويل مليشياته إلى قوات عسكرية نظامية وتحت إشراف خبراء معظمهم بريطانيون.



أما على الصعيد الأمني سواء لحماية إسرائيل أو لمتابعة الأحداث ودراسة واقع الشعب العربي في الأقاليم العربية فقد انتخب لهذه المهمة الصعبة كل من السير فرداي برندريت Sir Freddie Brundrett والسير برسي سليتو Sir Percy Sillitoe من المملكة المتحدة ولويس تورديلا Louis Tordella وجيمز انكلتن James Jesus Angleton من الولايات المتحدة الأمريكية(70). فهؤلاء الأربعة المنتدبين الممثلين لوكالة المخابرات البريطانية ووكالة المخابرات الأمريكية أول ما استرشدوا وعكفوا على دراسة التقارير المتوفرة عن المنطقة العربية وحال مجتمعاتها وتأثرها بالأفكار الشيوعية المروجة من الاتحاد السوفيتي. وكان أهم تلك التقارير التقرير الذي سبق وان أعده السير بن لوكسبايسر Sir Ben Lockspeiser؛ المرفوع لوزارة المستعمرات البريطانية في الحادي عشر من مارس عام 1932م. والذي تضمن تحذير من شدة انتشار ترويج الأفكار الشيوعية في المجتمعات العربية وخاصة في مصر والعراق وسوريا؛ ومعطيا نصائحه بوجوب معالجتها بأسرع ما يمكن قبل أن تجد طريقها إلى قلوب الملايين الساخطة على الاستعمار البريطاني. والتقرير لم يشرح حالة المجتمع العربي في الأقاليم الثلاثة فحسب؛ بل عرض عدداً من الاقتراحات الواجب اتخاذها فورا وخاصة في مصر نتيجة لبروز حالة الفساد الإداري والاقتصادي وظهور بوادر تمرد جماهيرية شاملة(70).



كان من أهم الاقتراحات التي أكد عليها تقرير السير بـن لـوكسبايسر؛ هو وجوب تقوية الصلات اكثر مما هي عليه ألان مع قادة أخوان المسلمين في مصر؛ وزيادة الدعم المالي لحركتهم الدينية البحتة وزجهم في العمل السياسي في المرحلة القادمة تحت غطاء محاربة الإلحاد والشيوعية(71). أما بالنسبة إلى الواقع الاجتماعي السوري فقد ارتأى التقرير ضرورة الإسراع بتشجيع إنشاء الأحزاب الوطنية ودعم التجمعات الإسلامية الفتية والأحزاب الداعية للملكية والتي تضم كبار التجار المتنفذين لمناهضة الشيوعية لقطع الطريق أمام الاتحاد السوفيتي من تصدير أفكاره إلى مناطق الخليج التي لم تعرف المدنية بعد(71,72). وعلى الرغم من ورود العراق في التقرير فلم يذكر أي اقتراح لمعالجة أمره وذلك لتأزم الأمور مسبقا فيه واستشراء مرض الطائفية والتمييز القومي. مما لا يسع لأي استفحال فكري غريب في مجتمعه دون حل ما فيه من مشاكل شغلت العاقل والجاهل. علاوة على أن العراق مازال يرضخ تحت وطأة الحكم الملكي الذي هو بصورة وأخرى يسير ضمن توجهات المندوب السامي البريطاني آنذاك.



بعد مراجعة هذا التقرير المهم راح المخابراتيون الأربعة يبحثون في بواطن التقارير الأخرى المتوفرة لديهم لغرض دراسة التأثير الشيوعي على المنطقة. وكان جل اهتمامهم منصب على مصر وسوريا لاعتبارات سياسية واستراتيجية من جانب واعتبارات أمنية لحماية الكيان الصهيوني من جانب أخر. ونتيجة للعمل المتواصل والدقيق تمكنت اللجنة الأمنية الأمريكية البريطانية المشتركة من التأكيد في توصيتها على ضرورة إدامة ودعم العلاقة القائمة ما بين المخابرات البريطانية وقادة أخوان المسلمين ورئيسها حينذاك حسن البنا. والتي بدأت منذ تأسيسها في ألإسماعيلية عام 1928م ولغاية عام 1941م حيث اندلعت الحرب العالمية الثانية ودخل السوفيت كحلفاء مع الغرب ضد ألمانية مما جعل وكالة المخابرات البريطانية توقف حربها ضد الشيوعية بمعاونة الأخوان وتوقف دعمها المالي لحركة الإخوان وهو ما سهل اتصال إيطاليا والمانية بهم كي يلعب الأخوان دورا سياسيا كبيرا للمطالبة بطرد بريطانية من مصر(73). وليكن موضوع البحث اكثر دقة وموضعية؛ دعنا نتحدث عن الحالة التي تم فيها تأسيس تنظيم أخوان المسلمين في مصر.



فتلك الحركة التي لعبت دورا كبير لتغير الأحداث في الساحة المصرية لتورطها بالعلاقة مع اكثر من جهة منذ تأسيسها؛ ما هي إلا عبارة عن دار للصلاة بنتها شركة قناة السويس البريطانية بعد أن بدأ المد الشيوعي يأخذ طريقه إلى عمال تلك الشركة ودب بين صفوفهم التمرد على الشركة البريطانية الفرنسية مطالبين بحقوقهم المنهوبة التي لا تعادل ما يحققونه من إنتاج. ونتيجة إلى تلك الظروف دعت شركة قناة السويس السفير البريطاني لحل تلك المشكلة التي باتت تهددها بالانهيار؛ فما كان من السفير البريطاني في القاهرة إلا انتداب السير جون فرانسوا John Franswa للتوجه إلى منطقة الإسماعيلية التي سبق وان عاش فيها اكثر من عشرين سنة ضمن قطاعات الجيش البريطاني. وحال وصول فرانسوا التقى بحسن البنا ذو المعرفة القديمة به والذي كان يعمل معلما في إحدى مدارس الإسماعيلية. حيث اقترح البنا على فرانسوا بضرورة التعجيل ببناء بيت للصلاة داخل حدود شركة قناة السويس ومن خلاله يمكننا التعاون معا لقتل الشيوعية بين صفوف العمالة وإسكاتهم من المطالبة بالحقوق أو الإضراب. ولم تمر أربعة اشهر حتى بدأ من هناك حسن البنا واجباته الدينية التي تطورت وأصبحت حركة سياسية بعد خمس سنوات من تشكيلها أي مباشرة بعد تقرير السير بـن لوكسباير لتنتقل إلى القاهرة وتبدأ مرحلة جديدة من العمل بين صفوف المؤسسات الأخرى(71).



وبمجرد أن انتهت الحرب العالمية الثانية؛ استغلت الولايات المتحدة الأمريكية العجز البريطاني والأوربي الحاصل في مرافقها العديدة وخاصة المخابراتية منها. وتمكنت من إقناع بريطانية ودول الحلفاء توكيل مهمة العمل المخابراتي في الشرق الأوسط لوكالة المخابرات الأمريكية. وزودتها تلك الدول بكافة المعلومات المتعلقة بعناصرها العاملين في المنطقة ضمن ما يسمى بـ Joint Allied Intelligence Committee والتي تأسست عام 1943م للتحرك في بقاع العالم. وراحت تبحث عن أعوان لها تحت غطاء إيقاف الخطر السوفيتي القادم للمنطقة؛ فالتقى مبعوث وكالة المخابرات الأمريكية لمصر ملس كوبلند Miles Copeland زعيم أخوان المسلمين وقادتهم الآخرين أمثال محمود لبيب الذي كان نائبا للتنظيم حتى عام 1946م وصلاح شاوي وحسن العشماوي. واختير في هذا اللقاء الشيخ حسن الهضيبي الذي اصبح رئيسا للإخوان بعد وفاة البنا ليكون حلقة الوصل ما بين التنظيم وكوبلند. ومن أول وهلة حدد كوبلند والهضيبي سبل التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة الأخوان للأطباق على الشيوعية والقضاء عليها. ثم توالت الاجتماعات ما بين حسن الهضيبي وأعضاء ارتباط وكالة المخابرات الأمريكية كم روزفلت Kim Roosevelt وجيم روبرت Jim Rupert؛ بعد أن ضم الهضيبي كل من فريد عبد الخالق وعبد القادر حلمي للعمل معه في لجنة التنسيق الأمريكية الاخوانية. كما تمكن حسن الهضيبي بالعمل كحلقة وصل ما بين الأمريكان وضباط الجيش ممن ينتمون إلى حركة الأخوان عن طريق الاتصال بالمقدم عبد المنعم رؤوف؛ وهو ما سهل على المخابرات الأمريكية مراقبة كل تحرك عسكري ضد فاروق خلال عام 1950م و1951م(70, 71).



كانت إحدى مهارات المخابراتيين الأمريكان هو اللعب مع كل الأطراف. فلاجل إتمام اللعبة سهل كم روزفلت مهمة اتصال الشيخ حسن الهضيبي بالملك فاروق في مارس عام 1952م. وقام الأول بإبلاغ فاروق عن المحاولة الانقلابية التي يروم ضباط الجيش القيام بها للإطاحة بعرشه وعرض الشيخ حسن على الملك فاروق استعداد الأخوان وبمساعدة المخابرات الأمريكية للعمل على إحباط محاولة العسكر الانقلابية. ومن خلال هذا الاتفاق استلم حسن الهضيبي وبحضور زكي شرف الدين ويوسف طلعت مبلغا كبيرا من المال قدر بحوالي 200 ألف دولار أمريكي لغرض استمالت الضباط ومنعهم من الانخراط في مؤازرة الثورة. كما وعد فاروق الهضيبي بتشكيل الحكومة في آب عام 1952م إذ ما تحقق القضاء على ضباط الجيش اللذين يخططون للإطاحة به(73).



ومع تلك العلاقة التي كان يتمتع بها روزفلت بالملك فاروق فقد أخفى عليه كثيرا من الأمور التي تحدد مصيره في الأيام القليلة القادمة لأيمانه وأيمان دولته بان فاروق صعد أم نزل هو رجل بريطاني الأهواء. وهو ما لا يخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية المستقبلية في المنطقة على الرغم من وجود الأحلاف البريطانية الأمريكية. وكان كم روزفلت مقتنعا تماما بأن القضاء على المد الشيوعي لا يمكن أن يتم إلا بدعم أخوان المسلمين والعمل على جعلها حركة شعبية. فلذا فقد وجه روزفلت حليفه الهضيبي باستعمال أموال فاروق لاستمالت ضباط الجيش للانخراط في تنظيم الأخوان.



لم يكن موقف الولايات المتحدة الأمريكية قد نتج من لا شيء بل كان نابع من حرب الحلفاء من اجل الضفر بالسلاح النووي الذي دام طيلة عشر سنوات. مما غير اتجاه السياسات المخابراتية بين دول الحلفاء على الرغم من المعاهدات والتعاون في هذا المجال. وفي الوقت الذي كان فيه كم روزفلت يوجه قواعد أخوان المسلمين من خلال إصدار الأوامر إلى حسن الهضيبي؛ استفادت محطة المخابرات الأمريكية من تلك المعلومات المقدمة من ضباط الأخوان ضمن تشكيل الضباط الأحرار. وبدت وكالة المخابرات الأمريكية عارفة بكل بواطن الأمور بدءا من ساعة صفر الثورة. وأخذت تراقب كل تحركاتهم؛ وما أن تمكنوا من حصر الأمور حتى بعثوا بمندوبهم إلى الضباط الأحرار ليعلمهم بأن حركة ضباط الأحرار قد بدت مكشوفة ولا بد من التفاوض مع الحكومة الأمريكية قبل أن يتم أي تحرك وإلا بات الفشل هو النتيجة.



لقد وجد الأحرار لا مفر من الجلوس والتفاوض معهم وكان ذلك بإصرار من ضباط الأخوان وخاصة انوار السادات وعبد المنعم رؤوف وحسن التهامي الذين كانوا ضمن تنظيم الأخوان قبل الثورة. ولهذا التقى جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد المنعم رؤوف وأنور السادات بالملحق العسكري في السفارة الأمريكية بالقاهرة ديف أفنس Dave Evans وبحضور كم روزفلت مدير محطة المخابرات الأمريكية في مصر والسودان في التاسع من نيسان عام 1952م. وابلغهم افنس بان الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية لهما شروط قبل القيام بأي شيء وآلا ليس هناك بوادر نجاح لحركتكم وقد كانت شروطهم التي أملوها لقاء عدم التدخل لإجهاض الثورة وضمان عدم تدخل بريطانية أيضا هي(74,75):

1. ضمان حياة العائلة المالكة وتسهيل مهمة خروجهم سلما من مصر.

2. استبعاد الضباط ذوي الميول الشيوعية من الثورة وإعطاء دورا كبير لإخوان المسلمين في قيادة الدولة.

3. تعيين محمد نجيب (كان أحد أعضاء تنظيم الأخوان النشطين أصر الهضيبي على تعينه لهذا المنصب ولاقى استحسانا من بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية أيضا) رئيسا للدولة حال نجاح الثورة.

4. عدم التعرض للقوات البريطانية ومنشأتها في قناة السويس.

5. عدم المطالبة بفلسطين وعدم التعرض لدولة إسرائيل.

6. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بالثورة وتقديم المساعدات المالية التي تخرج الاقتصاد المصري من أزمته الحالية.

7. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بدعم الدولة المصرية بالخبرات الإدارية للخروج من حالة الفساد التي تعاني منها الدولة المصرية.



وافق وفد الضباط الأحرار على كل هذه الشروط باستثناء الفقرة الخامسة المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ وكما وصفها كوبلند في مذكراته كانت النقطة التي امتعض منها عبد الناصر وقال(74):

"أن مبدأ استرجاع فلسطين لا نقاش فيه ولمعلوماتكم لم نفكر بالإطاحة بالنظام الملكي لولا إحساسنا بألم ضياع فلسطين بسبب فاروق وحاشيته".



ولكن مع موافقة الضباط الأحرار بما أملي عليهم مضضا بدأ الثوار يتملصون من تلك الشروط شيئا فشيئا واستبعاد الضباط الذين أملتهم المخابرات الأمريكية من الحكم شيئا فشيئا مع إطلالة عام 1954م. وهذا ما يعني أن الموافقة على الشروط الأمريكية والبريطانية ما هي ألا تمويه للانقضاض على الفساد دون أن يستوقفهم من له القدرة على إبقاء فاروق. وهو ما آثار غضب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية بحيث حاولا بشتى الوسائل تعطيل أي قرض دولي لإعادة بناء مصر التي دمرت الكثير من مرافقها خلال حريق القاهرة لعام 1951م. إضافة إلى عدم التزامهم ببيع أسلحة لغرض بناء الجيش المصري واعتبروه أمرا يهدد الكيان الأمني الإسرائيلي. مطالبين مصر أن تحل أزمتها مع إسرائيل أولا والاعتراف بها كدولة ثانيا؛ لان ذلك وحسب اعتقاد بريطانية وأمريكا يسهل دخول بقية الأقطار العربية اللعبة وبالتالي لا تعد هناك مشكلة في الشرق الأوسط سوى القضاء على المد الشيوعي.



وبناءا على الوقائع الأنفة الذكر قررت اللجنة الأمنية البريطانية الأمريكية المشتركة على ضرورة الاستمرار بالعلاقة المخابراتية الأمريكية مع أخوان المسلمين؛ وبمشاركة عنصر بريطاني يتم تعينه مستقبلا ومنحهم كل الدعم اللازم للإطاحة بنظام الحكم المصري وإيقاف النفوذ الروسي المتجه نحو الخليج العربي تحت غطاء ثورة عبد الناصر. وتكررت الاجتماعات البريطانية الأمريكية الاخوانية مرارا لمناقشة ما يمكن أتباعه لإبقاء أعضاء الأخوان في وزارة 1952 دون إقالة أي أحد منهم (وهم الشيخ الباقوري وعبد الحكيم عامر واحمد حسنين وزكي شرف ومحمد كمال الدين إضافة إلى رئيس الدولة محمد نجيب). حيث كان من اكبر تلك الاجتماعات وأهمها هو الاجتماع الذي التقى فيه المستشار الشرقي في السفارة البريطانية مستر ايفانز بحسن الهضيبي والدكتور محمد سالم ومحمود عبد الحكيم ومنير الدلة وصالح أبو رفيق وسيد قطب المعقود في الثامن من شباط عام 1953م. عقد الاجتماع على غرار المعلومات المتوفرة بعزم رجال الثورة بإقالة أعضاء حركة الأخوان من الحكومة بما فيهم رئيس الدولة محمد نجيب. ومما زاد الأمور اكثر خطورة هو تخلي زكريا محي الدين وعبد الحكيم عامر ومحمد كمال الدين عن تنظيم الأخوان ووصفهم الهضيبي بمرتزقة السياسة بعد أن خانوا الحركة واتبعوا عبد الناصر والشيوعية(15,71).



أما بالنسبة إلى سوريا وخصوصا بعد أن امتلأ الشارع الشعبي بالمساندة العفوية لثورة 23 يوليو 1952م فقد رأت اللجنة الأمنية المشتركة ضرورة إغداق الأموال لبث الروح المعنوية في الأحزاب الإسلامية والقومية منها والتي تأسست في سوريا بدعم بريطاني خلال فترة الحرب العالمية الثانية. وكان الغرض من هذا الدعم لتلك الاحزاب هو لامتصاص الهيجان الشعبي في سورية المؤيد لعبد الناصر؛ خصوصا بعدما بدأ ينادي بضرورة الوحدة العربية(72). وللمخابرات البريطانية والأمريكية في سوريا ولبنان منذ منتصف الثلاثينات قصص يندى لها الجبين إذ ما صح كل ما جاء في مذكرات ستيف ميدي Steve Meade رجل المخابرات الأمريكية في منطقة سوريا ولبنان وجيمز هيو كيلي James Hugh Keeley مدير محطة المخابرات الأمريكية في أثينا منذ عام 1937م ولغاية نقله إلى محطة المخابرات الأمريكية في سوريا عام 1949م واليس مكدونلدAlec MacDonald مقدم المخابرات البريطاني الذي كان يشغل منصب عضو الارتباط في الـ ANS وكالة الأمن الوطني؛ والتي تقوم بالتنسيق ما بين وكالة المخابرات البريطانية MI6 ووكالة المخابرات الأمريكية CIA(74,75,76).

فبينما كان المد الشيوعي يمد أخطبوطه لدخول المنطقة العربية عبر البوابة المصرية مستغلا التعثر الحاصل في إدارة الدولة المصرية مع نهاية العشرينات؛ حيث بدأت خلايا الحزب الشيوعي تتزايد وتنشط شيئا فشيئا بين صفوف الطبقات المتعبة؛ نرى ان المخابرات البريطانية راحت تلعب دورها داخل سوريا لمعرفتها بعجز المخابرات الفرنسية من أداء دور مهم في تلك المنطقة. ولم يكن ذلك خوفا على مصالح فرنسا في سوريا ولبنان بل كان نابعا من تخوف البريطانيون من انهدام مخططهم المرسوم لتلك المنطقة المحيطة بفلسطين من جانب وبالعراق من جانب أخر لامتداده المرتبط بالخليج العربي.



لقد كانت الخطة البريطانية المرسومة لسوريا والعراق والخليج العربي مبنية على تأسيس أحزاب اشتراكية وطنية تحل م