الفصل الأول
الطاقة النووية والبداية
بعد عام من انتهاء الحرب العالمية الأولى تبنت الحكومة البريطانية قرارا يدعو إلى عدم دخول بريطانية في أية حرب خلال السنوات العشرة القادمة على أن تكثف الجهود لإعادة بناء الجيش وتحسين المعامل الإنتاجية التي أرهقتها الحرب العالمية الأولى وتشجيع البحث العلمي للاستفادة من مصادر الحياة المكتشفة في المستعمرات البريطانية المورثة من الدولة العثمانية المنهارة السيئة الصيت(1). هذا القرار احدث ثورة علمية كبيرة في العلوم الأساسية والتي كانت إحدى أهم إنتاجاتها البحوث المركزة في مجال البحث النووي الذي انفردت به المملكة المتحدة آنذاك. فمع إطلالة عام 1931م تبنى اللورد ريثرفورد Rutherford مبدأ ضرورة دراسة كيفية استخلاص الطاقة المخزونة في نواة الذرة واستعمالها أن أمكن كبديل للنفط؛ ولكن سرعان ما تغيرت المفاهيم والمقولات العلمية والبحثية عندما اكتشفت ذرات اليورانيوم المخصب عام 1939م(2). هذا الاكتشاف المهم لليورانيوم المخصب لم يكتسب أهمية لكونه ينتج طاقة نووية هائلة؛ بل كانت أهميته نابعة من استجلاب النيترونات خلال عملية الإخصاب لنواة اليورانيوم. فكلما حدث الإخصاب تولدت نيترونات جديدة يمكن استعمالها للتخصيب مرة أخرى مولدة معها سلسلة من التفاعل النووي الذاتي البقاء والذي يعرف في يومنا هذا؛ علميا أو فيزيائيا بـ Self-Sustaining Nuclear Chain Reaction. وعلى الرغم من تحديد مسار التفاعل النووي نظريا في عام 1939م ألا انه لم يدخل حيز النجاح العملي والتكنولوجي بشقيه السلمي والحربي إلا في الثاني من كانون الأول عام 1942م حين تمكن بعض الخبراء النوويين الأمريكان في جامعة شيكاغو من توليد تلك السلسة من التفاعلات النووية ذات الطاقة الإشعاعية الهائلة داخل مختبراتهم العلمية المتخصصة في هذا المجال. حيث تمكنوا بنجاح من بناء أول مفاعل نووي Nuclear reactor في العالم عرف فيما بعد بالمفاعل الذري. وبهذا الإنجاز الكبير يكون قد بدأت الولادة الرسمية الفعلية لما يسمى في عصرنا الحاضر بالطاقة النووية التي لم تتمكن وليومنا هذا من أن تكون بديلا عن الطاقة النفطية التي حظيت بها الكثير من بلدان الشرق الأوسط خاصة العربية منها(2).
1.1 تاريخ البحث العلمي الذري
بدأت رحلة الاكتشاف النووي من الناحية العملية العلمية مع أول اكتشاف لمعلمها الأول هنري بكيوريل Hanri Becquerel في فبراير عام 1896م. حيث تمكن ولاول مرة من تحديد أهمية التفاعلات الإشعاعية نظريا في المواد الفلزية؛ بعد أن عجزت الجامعات الأوربية ومنذ منتصف القرن الثامن عشر من إثبات أي وجود لحركة جزيئات الذرة. ولم تمضِ اكثر من سنة حتى تمكن جي جي تمسون J J Thomson من اكتشاف الحزمة الإلكترونية المتجمعة على الكاثود بطريقة عملية بعد أن بنى مجمل تطبيقاته على نظرية بكيوريل. مهّد هذان الإنجازان الطريق عام 1905م للعالم الألماني البرت انشتاين Albert Einstein (1897-1955) لينشر بحثا في المجلة الألمانية الفيزيائية ذو أهمية بالغة في الفيزياء النووية. بيَّنَ فيه أول معادلة رياضية فيزيائية تشرح العلاقة ما بين الحركة الجزئية للمادة وعلاقتها بتوليد الطاقة غير المرئية؛ التي قد تولد طاقة هائلة إذا ما باتت مركزة في جزيئات تكوينها(3).
استمرت المختبرات العلمية الأوربية في البحث في كيفية تفعيل حركة الجزيئات وتجميع طاقاتها منذ اكتشاف انشتاين عام 1905م؛ وحتى تمكن اللورد النيوزلندي ارنست راثر فورد Ernest Rutherford (1871-1937) الذي كان يعمل في مختبر الفيزياء الإشعاعية بجامعة مانشستر البريطانية من إجراء أول تجربة علمية مختبريه تخللها قصف الرقائق الذهبية بأشعة آلفا. حيث تمكن من خلال تلك التجربة من أن يحدد علميا أن هناك أشعة تنعكس بقوة ثاقبة من تلك الرقائق بصورة متشعبة ما بين زاوية 20 درجة إلى 110 درجة. وما أن انتهى راثر فورد من تجربته هذه حتى صرح في مؤتمر علمي بجامعة مانشستر عقد لهذا الغرض في ديسمبر عام 1911م
" بعد تجربتنا هذه التي أثبتتُ قوة انعكاس الأشعة المتولدة من الذرات المقصوفة بأشعة آلفا؛ يمكنني القول من خلال تلك المعلومة أن إنتاج الطاقة الذرية بات وشيكا".
هذا الإنجاز مكّنَ العالم البريطاني جيمز جادوك James Chadwick عام 1932 من اكتشاف النيترونات. وساهم مساهمة فعالة في تسيير دفة البحوث النووية في مختبر رانديوم بفرنسا Randium Institute in France والذي مكنهم من إنتاج أول نشاط إشعاعي صناعي Artificial Radioactivity. كما ساهمت نظرية ارثر فورد بتطوير اتجاه البحث في إيطاليا؛ إذ في عام 1930م بروما بدأ العالم الإيطالي أنريكو فيرمي Enrico Fermi (1901-1954) البحث عن كيفية خلق نظائر النشاط الإشعاعي Radioactivity Isotopes بواسطة القصف النيتروني. ويبدو أن فيرمي الإيطالي قد نجح في إنتاج نظائر النشاط الإشعاعي بالطريقة المثلى. إلا انه فشل في مراقبة فاعلية اليورانيوم عندما يتم قصفه بالنيترونات. ولكن مع هذا يعتبر علماء الذرة إن ما حققه فيرمي إنجاز لا يمكن تجاوزه أبدا إذ ما أريد أن يؤرخ للحالة العلمية النووية وإنجازاتها البحثية(2, 3).
هذا الاكتشاف الاخير الذي اكتشفه فيرمي عُرف من خلاله أن امتلاك القنبلة الذرية بات شيئا مؤكدا بعد أن تمكن العلماء من إثبات نتائج بحثهم عمليا. وحالما تأكد ستراسمان من تلك النتيجة؛ وقبل إعلانها علميا؛ أرسل بتلك المعلومات إلى قريبته العاملة في منظمة الوحدة اليهودية العالمية بألمانية ليز ميتنر Lise Meitner التي بدورها قامت بنقل تلك المعلومات إلى ابن أخيها الذي كان يعمل في مختبر مع الدنماركي اليهودي نيلز بوهار Niels Bohr (1885-1962) بكوبنهيكن؛ والذي بدوره قام بإبلاغ الأمريكيين بتلك النتائج. وما أن استلم الهنكاري الأصل ليو سزيلارد Leo Szilard الذي كان يعمل في مختبر في الولايات المتحدة الأمريكية تلك النتائج حتى راح بالتعاون مع من يعمل معه من الأمريكان بالتأكد من صحة تلك النتائج؛ حيث تم اثبات صحتها حينما تولدت كمية هائلة من الطاقة الاشعاعية باستعمال ثلاثة الى اربعة نيترونات قاصفة(4).
إن مفهوم الانفلاق أو الانشطار الذري كان قد استعمل لأول مرة في الحياة العلمية من قبل العالمين الفيزيائيين الألمانيين ليز ميتنر Lise Meitner وأوتتاو فيرسج Otto Frisch في عام 1939م. فقد قام هذان العالمان بوصف علمي مختبري دقيق جدا لكيفية فصل النواة الثقيلة إلى نواتين خفيفتين متساويتين بالحجم تقريبا. وبهذا الاكتشاف الخاص بالتفاعل النووي غير الطبيعي الناتج من انشطار الذرة الثقيلة؛ تمكن العالمان الالمانيتن من إحداث ثورة علمية مفاجئة في تاريخ العلوم الحديثة؛ إذ ما عرفنا مدى التوجه المركز والسريع نحو دراسة الذرة والقدرة على إنتاج الطاقة من انفلاقها بفترة زمنية وجيزة؛ مقارنة مع تطور العلوم الأخرى التي وصلت دراسة بعضها واكتشاف جوهرها حدا زمنيا تعدى القرن ونيف من السنين (1, 3).
ومع ارتباط عملية الانفلاق الذري باسمي العالمين الألمانيين الآنف ذكرهما؛ ألا أن قصة اكتشاف الانفلاق الذري في الحقيقة كما ذكرنا مسبقا قد بدأت فعليا عند اكتشاف النيترون عام 1932م من قبل العالم الإنكليزي جيمس جادوك James Chadwick. وبعد فترة قصيرة جدا من اكتشاف جادوك قام العالم الإيطالي انركو فيرمي Enrico Fermi ومساعديه بدراسة مكثفة للتفاعل النووي مختبريا؛ وذلك من خلال قصف العناصر المختلفة بواسطة جزيئات غير مشحونة بالإلكترونات. وعلى الرغم من التجارب المكثفة في المختبر الإيطالي إلا أن النتائج الأولية لهذه العملية لم تعطي ثمارها إلا في غضون عام 1934م عندما اكتشف فيرمي ومساعدوه أن هناك على الأقل أربعة عناصر مشعة مختلفة يمكن الحصول عليها من خلال قصفها باليورانيوم ذو النيترونات البطيئة. وفي الواقع أن هذه العناصر المشعة المكتشفة حديثا تبعث أشعة بيتا Beta. حيث كان الاعتقاد سائدا آنذاك على أن هذه العناصر الأربعة المشعة ما هي إلا نظائر غير مستقرة تعرف بعناصر ما وراء اليورانيوم Transuranium elements (ذوات العدد الذري الأكبر من عدد اليورانيوم الذري؛ والتي يبلغ عددها الذري 93 و 94 وما فوق). ومع هذا الاكتشاف الذري الجديد تمكن علماء الكيمياء الإشعاعية من دخول الحقل النووي بقوة والمساهمة فيه مساهمة فعالة من خلال دراسة الجدول الدوري Periodic table للعناصر الكيميائية. فنتيجة لتلك المساهمة الفعالة والدراسة المستفيضة تمكن العالمان الالمانيتن المعروفان بالبحث النووي اوتاو هاهن Otto Hahn (1879-1968) وفرتز ستراسمانن Fritz Strassmann (1902-1980) في عام 1939م من أتباع خطوات اكتشاف الكيمياء العلمي الذي تم على يدي العالمين الفرنسيين ايرين كيري Irene Joliot-Curie وبافل سافك Pavle Savic عام 1938م المتضمن اعتبار العناصر الواقعة ما وراء اليورانيوم والعناصر الأخرى الواقعة في منتصف الجدول الدوري ما هي إلا نظائر إشعاعية Radioisotopes للباريوم Barium واللثيوم Lanthanum(4).
ومهما يكن نوع الاكتشاف وأهميته لعام 1939م الذي تم على يدي هاهن وستراسمان؛ فقد سبقهما العالم الألماني الكيميائي ولتر نودك Walter Noddack في الاكتشاف عام 1934م حين قال(5, 6):
" أن العناصر الخفيفة يمكن تحريرها بواسطة قصف الذرات الثقيلة بعدد من النيترونات".
لكن نودك لم يعطي أهمية وتركيزا لما قال؛ فحسب قوله انه ورث هذه المعلومة من أحد العلماء الفيزيائيين دون أن يذكر اسمه. إضافة لعدم إعطائه أي حجة علمية كيميائية واضحة لما قال. فلذا فقد تصدر هذا المجال العلمي عام 1939م كل من فيتنر وفرسج الألمانيين اللذان عززا معلوماتهما النظرية الخاصة بالانشطار النووي الباعث للطاقة الكبيرة؛ بشرح مفصل ودقيق تمكن علماء العالم من التأكد من نظريتهما من خلال تطبيقهما بحوالي اثني عشر مختبرا فيزيائيا في بلدان مختلفة. وبعد اقل من سنة من إعلانهما عن نتائجهما تمكنا من نشر ما يقارب المائة بحث علمي خاص بهذا المضمار. شرحا في تلك البحوث شرحا مفصلا للعناصر الأساسية للعملية النووية الانشطارية وتمكنا أيضا من خلال تلك البحوث التأكيد على المعلومات الخاصة بالطاقة المتولدة من العناصر الثقيلة؛ إضافة إلى توسيع دائرة فهم هوية العناصر الكيميائية المنتجة من الانشطار الذري(2, 4).
فالتحول السريع الذي طرأ في هذا المجال كان نابع من النتائج المذهلة التي حصل عليها العلماء من خلال استعمال اليورانيوم العادي مع نيترونات بطيئة في عمليات الانشطار. وسرعان ما فسر العلماء أسباب تلك الظاهرة وأعزوها إلى اليورانيوم 235 غير المخصب. ثم عكف العلماء على دراسة نظائر اليورانيوم الأخرى وتوصلوا إلى أن اكثر أنواع اليورانيوم خمولا هو نوع اليورانيوم 238؛ حيث يمكن شطره مختبريا ليولد طاقة هائلة بواسطة قصفه بنيترونات سريعة.
ومع منتصف عام 1939م تمكن في فرنسا كل من فريدرك كيري Fre'de'ric Joliot-Curie (1900-1958) وهانس فن هلبن Hans Von Halban ولوا كوارسكي Lew Kowarski من اكتشاف حقيقة مهمة جدا كانت مفتاح بداية توليد الطاقة النووية وهي أن هناك عدد من النيترونات المتخلفة من عملية الانشطار الحاصلة لليورانيوم 235 يمكن استعملاها مرارا ومرارا لتوليد سلسلة من التفاعلات النووية ذات الطاقة الهائلة. ومن خلال تلك العملية تمكن فيرمي ومساعدوه من معرفة أن هناك طاقة هائلة متولدة من التفاعل يمكن السيطرة عليها؛ وبدؤوا يعملون بهذا الاتجاه منذ عام 1939م حتى تمكنوا من النجاح في الثاني من كانون الأول عام 1942م لبناء أول مفاعل نووي في العالم يتألف من صف من اليورانيوم وكتل من الرصاص على شكل قوالب حيث بني في موقع جامعة شيكاغو(3, 4).
1.2 الخطوة الأولى لفرض القوة والخضوع
بدأت خطوط اللعبة للسيطرة على العالم مع بداية آب عام 1939م حين تمكن العلماء الفرنسيون والألمان والبريطانيون من تحديد مسار كيفية توليد الطاقة الهائلة نوويا. وقد استغل هذا الإنجاز بعض العلماء اليهود الذين تابعوا بحفاوة كبيرة البحوث العلمية ونشاط المختبرات المتخصصة بالفيزياء النووية والنظائر الفلزية الكيميائية. ففي الثاني من آب عام 1939م بدأ اليهودي الهنكاري ليو ساليزرد يعرب لمعارفه من العلماء الأمريكيين عن مخاوفه من امتلاك الألمان للقنبلة النووية. وذلك بعد أن تعثر عليهم الحصول على معلومات عن النشاط النووي للألمان. ولتعزيز قناعته اتصل بزميله اليهودي الهنكاري ادورد تيللر Edward Teller (1905-1988) الذي كان قد هاجر إلى أمريكا عام 1935م وسافر معا إلى نيويورك للقاء اليهودي الألماني البرت انشتاين Albert Einstein (1879-1955) واقناعه بضرورة الكتابة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت Roosevelt وتحذيره من البرنامج النووي الألماني. وتحت تأثير زميله ايجين وينجنر Eugene Wngner (1902-1995) وافق انشتاين التوقيع على الرسالة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي والتي كانت معدة من قبل ساليزرد (راجع نص الرسالة باللغة الإنكليزية في ملحق رقم 1). تلك الرسالة التي غيرت مجرى السياسة الأمريكية ليست في تلك الحقبة وحسب؛ بل مازالت تسير على خطى من رسمها وليومنا هذا. فقد جاء في بعض من نص الرسالة التي وقعها الألماني اليهودي انشتاين واعدها اليهودي ساليزرد ما يلي (4,5,6, 7):
" ... إن عنصر اليورانيوم من المحتمل ان يكون مصدراً جديداً لإنتاج الطاقة في المستقبل القريب جدا. ومن المؤكد أن الحالة الجديدة ومظاهرها تحتاج إلى مراقبة وسيطرة إذا كان ذلك ضروريا. وأنا اعتقد من موقع الواجب والمسؤولية أن انبه سيادتكم إلى جملة من الحقائق والإرشادات"
من هنا نرى إن سليزرد ومَن لف حوله بدأ بصورة أساسية بتحديد موقف من إنتاج اليورانيوم وكيفية برمجته مستقبلا للحيلولة دون تفرد مَن لا ترغب به اليهودية العالمية بهذا العنصر الجديد؛ الذي كما سنرى كيف غير مجرى الأحداث العالمية. واصبح في موقع يسدي النصائح إلى الرئيس الأمريكي بالاتجاه الذي تراه اليهودية العالمية مهما لمستقبلها في السيطرة على العالم اجمع. فنراه ومنذ اللحظة الأولى يؤكد على واجبه في تنبيه الرئيس الأمريكي وتوجيهه للحقائق التي وردت في رسالته والتي تنص على ما يلي:
" في الأشهر الأربعة الماضية ومن خلال العمل الذي قام به العالم الفرنسي جوليوت بالإضافة إلى عمل فرمي وساليزرد في الولايات المتحدة الأمريكية تبين انه من المحتمل إنتاج سلسلة من التفاعلات الإشعاعية بكمية هائلة جدا باستعمال اليورانيوم."
ويبدو انه لم يتمكن من إغفال النتائج التي تمكن المختبر الفرنسي للتوصل إليها والتي جربت فقط في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن هُرٍّبت المعلومات من فرنسا والمانية؛ ليضفي إلى وقائعه نوع من الصدق والصراحة المبطنين. ومع الحديث العلمي المشوق الذي يبدو في بداية أمره سلميا لكل من يقرأ تلك الرسالة؛ نرى ساليزرد لم يتمكن من كتمان مأربه إلى النهاية. فلذا مع النصف التالي من الرسالة بدا يتحدث بجدية عن السلاح النووي دون مقدمة تذكر. ومحذرا من القوة الألمانية أو غيرها في امتلاك السيطرة على بقاع العالم. وهو ما يعني فقدان اليهود موقعهم عالميا بعد أن عرف هتلر بتهريب المعلومات العسكرية للحلفاء على أيديهم. ففي رسالته إلى الرئيس الأمريكي يستمر ليقول فيها :
" أن هذه الظاهرة الجديدة لا بد من أن تؤدي إلى إنتاج قنبلة تحمل في بواعثها قوة تفجيرية هائلة. فقنبلة واحدة من هذا النوع محمولة بقارب وتنفجر في ميناء ممكن أن تؤدي إلى تدميره بالكامل مع ما يحيط به من مناطق أخرى ومحتوياتها. على أية حال ان مثل هذه القنبلة قد يكون مثبتا علميا أنها ثقيلة لحملها جوا."
ولعل هذا المقطع من الرسالة ذو أهمية قصوى إذ لم يكتفي في شرح أهمية إنتاج القنبلة الذرية ولكن تابع شرح القوة التدميرية لها ولو بأداة نقل بسيطة. وهو ما يجعل من اعتاد على الأسلحة التقليدية يفكر مليّا لمعرفة سر العنصر المكتشف الجديد والذي ما لا شك فيه كما جاء في الرسالة سوف يقلب موازين القوة في ارض المعركة على اقل تقدير. ومع إعطائه فكرة كيفية حمل السلاح الجديد وتفجيره إلا انه لم يغفل بذكاء قد يجمع بُعد الحالة الهستيرية التخريبية وحب السيطرة ونصاعة التفكير العلمي في شرح الأمور المتعلقة بإنتاج مثل هذا السلاح ليبقى فعالا. لذا لم يغفل ذكر ثقل هذه القنبلة عند حملها جوا ليجعل الرئيس الأمريكي يعيش في تصوراته في كيفية إتمام مهمة امتلاك مثل هكذا سلاح إذ ما اقتنع بما أورده ساليزرد. ولعل الأكثر أهمية في الرسالة المبعوثة للرئيس الأمريكي هو نصفها الأخير الذي يبين فيها إن مثل هذا السلاح سوف لا يكون بيد الولايات المتحدة الأمريكية أن لم تكن قد تمكنت من السيطرة على مناجم اليورانيوم. إذ يستطرد انشتاين ليقول:
" الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك منجم فقير لليورانيوم وبه كميات معتدلة. إلا أن هناك مناجم لليورانيوم في كندا وجيكسلوفاكيا. علاوة على أن أهم مصدر لليورانيوم هو الكونجو البلجيكية."
هذا النص من الرسالة يعتبر الأهم في عملية التخطيط لخريطة العالم الجديد في حينه. إذ لا بد من خلال وجود مناجم اليورانيوم ان تحدد مصالح الدول وتعهداتها مع الآخرين. وهمنا نرى في الرسالة إن كاتبها أراد الولايات المتحدة الأمريكية إن تأخذ دورا مؤثرا وسريعا للانقضاض على من يحتل تلك البقاع والسيطرة عليها مهما كلف الأمر. وذلك لحصر عملية إنتاج اليورانيوم والحصول عليها بإمرة الولايات المتحدة الأمريكية والتي بدون شك سوف لا يمكن لغيرها من إنتاج السلاح النووي الرهيب مستقبلا ويبقى تحت شارة الولايات المتحدة الأمريكية فقط. وعليه فبعد أن حدد الأسس الرئيسية لأهمية اليورانيوم ونتائجه وعلاقته بإنتاج الطاقة والسلاح المؤثر الجديد وضرورة استغلال مناجم إنتاج اليورانيوم فقد راح فورا في الأخر يضع اعتباراته وضروراته كالأتي:
"عند دراسة وملاحظة الموقف الحالي يجب أن تفكر بشخص مرغوب فيه أن يكون وسيط بصورة دائمية ما بين الإدارة الأمريكية والفيزيائيين العاملين في الحقل النووي في الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك احتمال لواحد ان يصل لذلك؛ وهنا يجب أن تنيط العمل بشخص تثق به ثقة تامة ويمكن أن يعمل بصورة غير رسمية بهذا المضمار. على أن يتلخص عمله بما يلي:
1. يمكنه الوصول إلى جميع أقسام الدولة الأمريكية المهمة ويعلمهم بالتطور الحاصل في المجال النووي ويعطيهم الإرشادات الضرورية لكي تتخذ الدولة قراراتها وتحذيراتها المتعلقة بمشاكل توفير اليورانيوم للولايات المتحدة الأمريكية.
2. العمل على تسريع العمل المختبري والذي في الوقت الحالي لا يتعدى بما يتلاءم مع ميزانية المختبرات العلمية للجامعات الأمريكية. وذلك من خلال تهيئة المنح المطلوبة لإنجاز مثل هذا العمل والتي لا بد أن تكون من خلاله ومن الشخصيات والمؤسسات التي ترغب في المشاركة ماليا أو المساهمة صناعيا من خلال توفير الأجهزة اللازمة لذلك.
تمكن ساليزرد بهاتين النقطتين من تحديد أهمية التعاون معه ومجموعته في هذا المضمار لكونه ومن يعمل معه اكثر خبرة في هذه الناحية من غيرهم وكونهم أول من اخبر الرئيس الأمريكي بذلك. ولعل مثل هذا الموضوع جعل الإدارة الأمريكية في يد هؤلاء العلماء الذين يرومون مأرب أخر غير مأرب علو وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك من خلال تأكيدهم على حصر الأموال المستثمرة والأجهزة والعمل والعلاقة مع الدولة بصورة سرية بمجموعة صغيرة ومحدودة جدا. ولتفعيل كل ما قيل في الرسالة ولوضع الرئيس الأمريكي أمام مسألة لا بد من أن يتخذ في مجالها قرارا. وبالتلي فقد نهى ساليزرد رسالته التاريخية إلى الرئيس الأمريكي بما ترومه ألمانية وما توصلت إليه بقوله:
" لقد علِمت إن ألمانية قد توقفت عن بيع اليورانيوم من مناجم جيكوسلوفاكيا التي احتلتها توا. وهذا القرار المتخذ من قبل المانية حديثا من المحتمل قد اتخذ بعد أن اعلم مركز كاسير ويلهام في برلين وزير خارجية ألمانية بأن الأمريكيين قد بدؤوا أعمالهم العلمية على اليورانيوم."
ختاما؛ كان جوهر الرسالة تعميق الخلاف ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانية تحت ظروف ضرورة امتلاك اليورانيوم لبسط النفوذ. إذ من خلال تلك الرسالة يتضح أن من كتبها ووقعها ومن ساهم في ذلك كانوا يبحثون عن ترتيب خريطة العالم بصورة جوهرية لمستقبل قد يطول ليس عشرات السنين بل لقرون كثيرة. وقد يرى البحث أن السلاح النووي ومؤثراته الاستراتيجيته قد أخذت أبعادها ليس مع إنتاج القنبلة الذرية؛ بل بعد أن تبين أهمية اليورانيوم وكيفية استعماله لتوليد الطاقة ومن ثم القنبلة الذرية. وعليه فلا يمكن أن يغفل التاريخ فحوى الرسالة ومعانيها التي أعدها ساليزرد ووقعها انشتاين وشارك فيها كثيرون من الجالية اليهودية المتواجدة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ولربما حسب اعتقادنا أن التزام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية في قيام الكيان الصهيوني وبقاءه وحمايته يكون نابعا من العلاقة النووية المصيرية ومن خلال الالتزامات السرية التي ربما أقرتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية لليهود إذا ما أنجز هذا المشروع.
لم يجب الرئيس الأمريكي فورا على الرسالة الموقعة من انشتاين؛ بل يبدو انه فضَلَ البحث والتروي لكي يصل إلى فحواها ومدى صحتها. كما يبدو انه كان فرحا جدا على ما جاء فيها من نصائح وإرشادات ليست متداولة من قبل. فأجاب روزفلت في رسالته بتاريخ 19 تشرين الأول عام 1939 بما يلي (نص الرسالة انظر ملحق 1)(4, 5, 6, 7):
" عزيزي البر فسور
أريد أن أشكرك على رسالتك المؤخرة وما حوتها من معلومات مهمة وقيمة. لقد وجدت المعلومات هذه مهمة جدا وأنا عقدت اجتماعا ضمَ رؤساء مكاتب الرئاسة ممثل عن الجيش وممثل عن البحرية للتحقق من مسألة اليورانيوم الذي ذكرتموه في رسالتكم. أنني فرح جدا لأعلمكم أن الدكتور ساجز سوف يقوم بالتعاون مع المجموعة المنتخبة للتحري عن اليورانيوم وأنني لأشعر إن هذا الموضوع عملي ومؤثر للناحية التي نتعامل معها. رجاء تقبل مني صادق شكري."
يبدو أن هذا الرسالة قد أثلجت صدور من خططوا لها؛ خصوصا بعد أن انتخب ساجز J Sachs (1911-1988) اليهودي الهولندي للمشاركة بهذه المهمة. إذ من خلاله يمكنهم التعرف على مجريات الأمور بعد أن وجهه لهذا الأمر ساليزرد وانشتاين وفرمي(8).
1.3 الاكتشاف النووي والحرب العالمية الثانية
كما بينا مسبقا انه مع بداية الثلاثينات وحتى قيام الحرب العالمية الثانية كانت الجهود العلمية البريطانية والأمريكية موجهة للبحث في كيفية استخلاص الطاقة النووية واستعمالها للأغراض السلمية كبديل عن النفط على الأقل في بعض المجالات الخدمية اليومية؛ كتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه. إلا أن هذه السياسة اختلفت تماما حين اندلعت الحرب العالمية الثانية. وقد ساعد على ذلك الاكتشاف المبكر لقابلية اليورانيوم المخصب الذي ساعد على تغيير اتجاه البحوث العلمية نحو الاستعمال العسكري؛ لسهولة توليد الطاقة النووية الكامنة الهائلة من خلال استعماله في حقل التجارب بدلا من استخراج كوامن الذرات العادية. فقد أقدمت حكومة الحرب البريطانية عام 1940م بتعيين السير جورج ثومسن ٍSir George Thomson رئيسا لهيئة البحوث النووية؛ موعزة لهذه المؤسسة بضرورة دراسة الجوانب الخاصة باحتمال صناعة قنبلة نووية. كما تم في نفس الوقت وبالاتفاق مع بريطانية على تأسيس هيئة نووية مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بنفس الغرض. تعهدت فيه بريطانية بتزويد الأمريكان باليورانيوم المخصب المتوفر بكثرة في مستعمراتها مقابل أن يقوم الخبراء الأمريكان بإبلاغ بريطانية بما يتوصل إليه خبراؤها من نتائج علمية باتجاه صنع القنبلة الذرية أولاً بأول(9¸10).
وبالاستناد إلى الاتفاق البريطاني الأمريكي؛ اقدم الرئيس الأمريكي روزفلت على تعيين لجنة سرية خاصة مهمتها البحث في كيفية إنتاج السلاح الذري. وبعد دراسة مستفيضة لكل الجوانب الإدارية والعلمية والمالية وكيفية توفير اليورانيوم لهذا المنتج الجديد تمكنت اللجنة من إخبار الرئيس الأمريكي في السابع من يوليو/تموز عام 1941م بإمكانية بناء مفاعل نووي خلال سنة ونصف تحديدا. أما القنبلة الذرية فلا يمكن أن تكون حقيقة قبل أربعة أعوام من ألان(4,8). ومن خلال تلك الحقائق التي أُعلم بها الرئيس الأمريكي اتصلت اللجنة التي أعطاها الرئيس الأمريكية شرعية صناعة القنبلة الذرية بالعلماء البريطانيين والعلماء الغربيين اللاجئين إلى الولايات المتحدة الأمريكية والذين جلهم من اليهود الألمان. وذلك بغرض التعجيل في انتاجها من خلال نتائج بحوث العلماء بهذا الشأن.
ان الاتفاق المبدئي بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية الخاص بضرورة التعاون في مجال البحث النووي؛ جعل من الاجتماعات العلمية تتوالى. بحيث كان يتبادل فيها الطرفان ما توصلا إليه من نتائج متعلقة بضرورة إنتاج أول قنبلة ذرية وماهية الآلة العسكرية المحتملة للقيام بتلك المهمة النووية المدمرة. إذ كان أول نتاج هيئة البحوث النووية البريطانية أن قدمت تقريرها وتوصياتها بخصوص القنبلة الذرية للحكومة الأمريكية في الرابع عشر من أكتوبر عام 1941م والذي جاء فيه ما يلي(5,6,8):
1. إن إنتاج القنبلة الذرية باستعمال اليورانيوم تعتبر عملية ناجحة؛ كما أن العمل لصنع آلة حربية لنقلها شيء من المحتمل تحقيقه أيضا ولكن خلال فترة زمنية ليست بالبسيطة.
2. نوصي أن يكون العمل في هذا الجانب ذو أهمية قصوى مقارنة مع المهام الأخرى. كما يجب أن يتوفر مثل هذا السلاح بسرعة قصوى وبوقت قصير جدا من خلال مضاعفة الجهود العلمية.
3. التعاون الحالي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة يجب أن يستمر ويتطور خصوصا في الجوانب العملية والتطبيقية النووية.
وبناءا على تلك المعلومات قرر الرئيس الأمريكي في السادس من ديسمبر/كانون الأول عام 1941م اعلان رغبة الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على إنتاج القنبلة الذرية وبالتعاون مع المملكة المتحدة بكل الجوانب التي تؤدي إلى صنعها.
ونظرا للهزائم المنكرة التي منية بها المملكة المتحدة على يد القوات الألمانية وعلى كافة الجبهات تقريبا وتعسر المضي قدما بالبحث النووي وعدم التوصل إلى أية نتائج مرضية؛ قررت حكومة الإتلاف البريطاني المتمثلة بـ ونستن تشرشل Winston Churchill وكليمنت أتلي Clement Attlee على ضرورة أيجاد صيغة اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية تضمن فيها بريطانية المشاركة في ثمرة الاكتشاف النووي. وعليه فقد وقَّّعَ في مدينة كيوبك Quebec الكندية عام 1943م كلا من ونستن تشرشل رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت Franklin D. Roosevelt اتفاقا نص على ما يلي (1,2,3,9):-
1. نظرا لبعد الولايات المتحدة الأمريكية عن منطقة الحرب وتوفر المصادر البشرية والعلمية لاستمرار البحث فقد تقرر قيام الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المهمة لوحدها.
2. تتوقف المؤسسة النووية البريطانية عن العمل فورا ويتم نقل الخبراء البريطانيين وبكامل معداتهم المختبرية للالتحاق بالمؤسسة النووية الأمريكية وإعطائهم دورا كبيرا في العمل النووي.
3. تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد بريطانية وبدون قيود بكافة المعلومات العلمية والصناعية والتكنولوجية والطرق الهندسية المتعلقة ببناء وعمل المفاعل النووي.
4. في حالة إنتاج السلاح النووي واستعماله خلال الحرب تعتبر بريطانية مساهما في إنتاجه واستعماله.
بعد هذا الاتفاق التاريخي وما سبقها من اتفاقات نووية عام 1941م وعام 1942م والتي معظمها وقعت في الهايد بارك ما بين تشرشل وروزفلت بدأ العد التنازلي لصنع أول قنبلة ذرية تمكن الأمريكان من خلالها إخراس اليابان وإنهاء أسطورة الإصرار الياباني على الانتصار. ففي السادس عشر من تموز عام 1945م قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان Harry S. Truman أثناء وجوده في مدينة بوتسدام الألمانية Potsdam بأخبار كل من جوزيف ستالين وونستون تشرشل وأتلي (بصفته نائب رئيس الوزراء في حكومة الإتلاف البريطانية والذي تسلم منصب رئيس الوزراء بعد هذا الإعلام بعشرة أيام) نجاح صنع أول قنبلة ذرية في لوس ألمس Los Alamos (11,6). حيث تم تدشين نتاج هذا السلاح المدمر بإلقائه من الجو على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في السادس والسابع من أب عام 1945م على التوالي. وهنا لا بد ان نشير الى انه على الرغم من معارضة ستالين وترومان لهذا القرار إيمانا منهما بان الحرب قد انتهت لصالحهم ولا داعي لأحداث كارثة لا تعرف عقبها؛ فقد أصر رئيس الوزراء البريطاني أتلي على استعمال هذا السلاح؛ وبالتحديد على اليابان. لبعدها الجغرافي عن المنطقة الأوربية والمناطق النفطية المستغلة من قبل الحلفاء والولايات المتحدة الأمريكية لا لتدمير المدينتين اليابانيتين فحسب؛ بل كتحذير مستقبلي لكل القوى الدولية. متضمنا حيازة بريطانية على هذا السلاح الفتاك مع حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية وانهما لا يتوانى في استعماله دفاعا عن المصالح الخاصة بدولتيهما في الحاضر والمستقبل(12,8).
1.4 انهيار التحالف النووي البريطاني الأمريكي
كان كل من تشرشل وأتلي مقتنعين تماما بان لهم الحق بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية بثمرة إنتاج القوة النووية استنادا إلى المعاهدات المبرمة بين البلدين أثناء عملية البحث العلمي والتصنيع. وعلى هذا الاساس قام أتلي مباشرة بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما بإطلاق الوثائق الخاصة بالاتفاق النووي بين بريطانية والولايات المتحدة الأمريكية؛ إضافة إلى محضر الجلسات المعقودة بين تشرشل وروزفلت والتي تنص على فعالية المساهمة البريطانية في إنتاج وتطوير وتصنيع هذا السلاح الفتاك وحقها في امتلاك السيطرة عليه(11). وهذا ما يجعلنا نستنتج أن حكومة الائتلاف البريطاني كانت تحاول بشتى الوسائل المتاحة إليها للسيطرة أو أن تكون طرف مسيطر على هذا السلاح الإستراتيجي خوفا من انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بتلك القوة التي تأهلها لقيادة القوة الدولية.
لم يكتفي أتلي بالإعلان الشعبي عن مساهمة بريطانية الفعالة بإنتاج السلاح النووي بل راح ابعد من ذلك عندما قام في الثامن من آب عام 1945م (بعد يوم واحد من ضرب نجازاكي) بإرسال رسالة شخصية إلى الرئيس الأمريكي ترومان موضحا فيها ما يلي(7,12):
"بصفتنا نحن الاثنان كرؤساء لحكومتي بلدينا فلا بد لنا من السيطرة سيطرة مباشرة على السلاح النووي العظيم؛ فلذا فأنني أدعو سيادتكم وبدون تأخير أن نعلن مجتمعين عن امتلاكنا هذا السلاح العظيم ولنا الحق في منع استعماله من قبل أية جهة أخرى حفظا للصالح الدولي العام وتحقيقا للسلام والعدالة في هذا العالم الحر".
لقد كان رد ترومان مخيبا للآمال وذلك لعدم اعترافه بما ابرم بين بلاده وبين المملكة المتحدة؛ وهذا ما عبر عنه بقوله(7, 12):
"بريطانية ليست شريك وليس لها الحق في السيطرة أو امتلاك هذه القوة الجبارة".
لقد كانت ردود فعل بريطانية قوية وشرسة ضد الأمريكان على الرغم من معرفة قادتها بالانهيار المصاحب لهم من جراء الحرب العالمية الثانية وان لا حول لهم ولا قوة للمطالبة بحق امتلاك هذا السلاح الرهيب. الذي لا بد وان يكون له دورا كبيرا في السيطرة على العالم بأجمعه مستقبلا أو على الأقل لتحكم بمعايير السلام والحرب من خلال التهديد به. فلذا قام بعض من أعضاء حكومة أتلي وجمع من الحاذقين في الصحافة البريطانية والأمريكية الموالين لبريطانية بالتحذير من أمريكا وامتلاكها للسلاح النووي التي تروم استعماله باحتلال العالم وبالتالي ضرب مصالح الدول الأوربية. وهو ما سبب بالفعل أزمة كبيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيون والاتحاد السوفيتي(13). ولقد قامت قائمة الدول الأوربية والاتحاد السوفيتي حال نشر الصحف البريطانية وثائق تدين الحكومة الأمريكية وأطماعها لاحتلال مناطق العالم النفطية والمناطق الأخرى الغنية بالمواد الأولية؛ والتي تعتبر عمودا فقريا للصناعة التي تطورت خلال الحرب العالمية الثانية. مما حدا بالحكومة الأمريكية استدعاء ونستن تشرشل للتباحث معها بصفته خير حليف لها ورجل السياسة البريطانية الذي وقع على المعاهدات الأمريكية البريطانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية. وبعد الاجتماع غير الرسمي أعلن تشرشل مباشرة عن فرحه بامتلاك الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة الذرية وأكد على الاتفاق السري الذي وقعه مع الرئيس الأمريكي روزفلت آنذاك بقوله(4, 14):
" لقد اتفقنا في حينه على ضرورة عدم إشراك أية دولة في معرفة سر صنع القنبلة الذرية"
كما أكد على التزام أمريكا بحماية التحالف ومصالحهم في أية بقعة من العالم. وبذلك يكون تشرشل قد تمكن من خلال تصريحه هذا أن يمتص النقمة الأوربية والروسية وبعض من القيادات السياسية البريطانية ضد الأمريكان لمعرفة الجميع بتأثيره على القيادات الأمريكية. حيث دخلت الولايات المتحدة الأمريكية بفضله الحرب ضد المانية وحلفائها والتزمت بتموين خطوط الحرب بالمؤن الحربية حتى سقوط هتلر.
ان قناعة تشرشل قد تتضمن ضرورة مشاركة بريطانية في جني ثمار امتلاك السلاح النووي؛ فأدلى بذلك التصريح المبهم. والذي يحتمل عدة تفسيرات وتأويلات ليسدل الستار على ما افتعله غريمه العمالي أتلي إيمانا منه بأهمية مهادنة الولايات المتحدة الأمريكية والتعاون معها كحليف بديل عن الدول الأوربية التي أُرهق اقتصادها بسبب الحرب المدمرة؛ وهو ما دعا أتلي يتعامل مع الموقف بصورة اكثر دبلوماسية مما كان يتعامل معه في الأول.
يتبع