rajaab
Sep 24 2005, 11:34 AM
الأخلاق في الإسلام
عرف الإسلام بأنه الدين الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بتنظيم علاقة الإنسان بخالقه ، وبنفسه ، وبغيره من بني الإنسان . وعلاقة الإنسان بخالقه تشمل العقائد والعبادات ، وعلاقة الإنسان بنفسه تشمل الأخلاق والمطعومات والملبوسات وعلاقته بغيره من بني الإنسان تشمل المعاملات والعقوبات .
والإسلام يعالج مشاكل الإنسان كلها ، وينظر للإنسان كـلاً لا يتجزأ ، ولذلك يعالج مشاكله بطريقة واحدة ، وقد بنى نظامه على أساس روحي ، هو العقيدة ، فكانت الناحية الروحية هي أساس حضارته ، وهي أساس دولته ، وهي أساس شريعته .
ومع أن الشريعة الإسلامية فصلت الأنظمة تفصيلاً دقيقاً ، كأنظمة العبادات والمعاملات والعقوبات ، فإنها لم تجعل للأخلاق نظاماً منفصلاً ، وإنما عالجت أحكام الأخلاق على اعتبار أنها أوامر ونواه من الله ، دون النظر إلى تفصيل أنها أخلاق يجب أن تعطى جانباً خاصاً من العناية يمتاز على غيره ، بل هي من حيث تفصيل الأحكام ، أقل تفصيلاً من غيرها ، ولم تجعل لها في الفقه باباُ خاصاً ، فلا نجد في كتب الفقه التي تحوي الأحكام الشرعية باباً يسمى باب الأخلاق . ولم يعن الفقهاء والمجتهدين في أمر الأحكام الخلقية بالبحث والاستنباط .
والأخلاق لا تؤثر على قيام المجتمع بحال ، لأن المجتمع يقوم على أنظمة الحياة ، وتؤثر فيه المشاعر والأفكار ، وأما الخلق فلا يؤثر في قيام المجتمع ، ولا في رقيه أو انحطاطه ، بل المؤثر هو العرف العام الناجم عن المفاهيم عن الحياة ، والمسير للمجتمع ليس الخلق ، وإنما هي الأنظمة التي تطبق فيه ، والأفكار والمشاعر التي يحملها الناس والخلق ذاته ناجم عن الأفكار والمشاعر ونتيجة لتطبيق النظام .
وعلى ذلك فلا يجوز أن تحمل الدعوة إلى الأخلاق في المجتمع ، لأن الأخلاق نتائج لأوامر الله ، فهي تأتي من الدعوة إلى العقيدة ، وإلى تطبيق الإسلام بصفة عامة . ولأن في الدعوة إلى الأخلاق قلباً للمفاهيم الإسلامية عن الحياة ، وإبعاداً للناس عن تفهم حقيقة المجتمع ومقوماته ، وتخديراً لهم بالفضائل الفردية يؤدي إلى الغفلة عن الوسائل الحقيقية لرقي الحياة . ولهذا كان من الخطر أن تجعل الدعوة الإسلامية دعـوة إلى الأخلاق ، لأنها توهم أن الدعوة الإسلامية دعوة خلقية ، وتطمس الصورة الفكرية عن الإسلام ، وتحول دون فهم الناس له ، وتصرفهم عن الطريقة الوحيدة التي تؤدي إلى تطبيقه وهي قيام الدولة الإسلامية . والشريعة الإسلامية حين عالجت علاقة الإنسان بنفسه بالأحكام الشرعية المتعلقة بالصفات الخلقية ، لم تجعل ذلك نظاماً كالعبادات والمعاملات ، وإنما راعت فيها تحقيق قيم معينة ، أمر الله بها ، كالصدق والأمانة وعدم الغش والحسد ، فهي تحصل من شيء واحد هو الأمر من الله تعالى بالقيمة الخلقية ، كالمكارم والفضائل . فالأمانة خلق أمر الله به ، فيجب أن تراعى قيمتها الخلقية حين القيام بها ، ولذلك تتحقق بها القيمة الخلقية وتسمى أخلاقاً . وأما حصول هذه الصفات من نتائج الأعمال كالعفة الناتجة عن الصلاة ، أو حصولها من وجوب مراعاتها عند القيام بالمعاملات كالصدق في البيع ، فلا تحصل فيه قيمة خلقية ، لأنها لم تكن مقصودة من القيام بالعمل ، بل كانت هذه الصفات الحاصلة من نتائج الأعمال ، ومن وجوب المراعاة ، صفات خلقية للمؤمن حين يعبد الله ، وحين يقوم بالمعاملات . فإن المؤمن حقق بالقصد الأول القيمة الروحية من الصلاة وحقق بالقصد الثاني القيمة المادية من التجارة ، واتصف في نفس الوقت بالصفات الخلقية .
وقد بين الشارع الصفات التي يعتبر الاتصاف بها خلقاً حسناً والتي يعتبر الاتصاف بها خلقاً سيئاً ، فحث على الحسن منها ونهى عن السيئ : حث على الصدق ، والأمانة ، وطلاقـة الوجه ، والحياء ، وبر الوالدين ، وصلة الرحم ، وتفريج الكربات ، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه ، واعتبر كل ذلك ومثله حثاً على اتباع أوامر الله . ونهى عن أضدادها كالكذب والخيانة والحسد والفجور وأمثالها ، واعتبر ذلك ومثله نهياً عما نهى الله عنه .
والأخلاق جزء من هذه الشريعة ، وقسم من أوامر الله ونواهيه ، لا بد من تحقيقها في نفس المسلم .ليتم عمله بالإسلام ، ويكمل قيامه بأوامر الله . غير أن الوصول إليها في المجتمع كله يكون عن طريق إيجاد المشاعر الإسلامية ، والأفكار الإسلامية ، وبتحقيقها في الجماعة تتحقق في الأفراد ضرورة ، وبديهي أن الوصول إليها لا يكون بالدعوة إلى الأخلاق ، بل بالطريق المشار إليها من إيجاد المشاعر والأفكار ، غير أن البدء يقضي بإعداد كتلة بالإسلام كله ، يكون فيها الأفراد كأجزاء في جماعة ، لا كأفراد مستقلين ، ليحملوا الدعوة الإسلامية الكاملة في المجتمع ، فيوجدوا المشاعر الإسلامية ، والأفكار الإسلامية ، فيدخل الناس في الأخلاق أفواجاً تبعاً لدخولهم في الإسلام أفواجاً . وينبغي أن يفهم جلياً أن قولنا هذا يجعل الأخلاق لازمة لزوماً حتمياً لأوامر الله ، وتطبيق الإسلام ، ويؤكد ضرورة اتصاف المسلم ، بالأخلاق الحسنة .
وقد بين الله تعالى في كثير من سور القرآن الكريم الصفات التي يجب أن يتصف بها الإنسـان ، والتي يجب أن يسعى إليها . وهذه الصفات هي العقائد ، العبادات ، والمعاملات ، والأخلاق ، ولا بد أن تكون هذه الصفات الأربع مجتمعة ، قال تعالى في سورة لقمان ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله أن الشرك لظلم عظيم ، ووصينا الإنسان بوالديه ، حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير ، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ، وصاحبهما في الدنيا معروفاً ، واتبع سبيل من أناب إلى ، ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون . يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة ، أو في السموات ، أو في الأرض ، يأت بها الله ، أن الله لطيف خبير . يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر ، وأصبر على ما أصابك ، أن ذلك من عزم الأمور . ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً أن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك وأغضض من صوتك إن أنـكر الأصوات لصوت الحمير ) و يقول الله تعالى في سورة الفرقان ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً . والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً . والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم أن عذابها كان غراماً . إنها ساءت مستقراً ومقاماً . والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً . والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفوراً رحيما . ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً . والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً . والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً . أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً ، خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً ) . ويقول الله تعالى في سورة الإسراء ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا . إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ، وقل لهما قولاً كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة . وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا . ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ، وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ، وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورا . ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً . ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً . ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا . وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا . ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . ولا تمش في الأرض مرحاً أنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً . كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) .
فهذه الآيات في هذه السور الثلاث كل منها وحدة كاملة تعرض الصفات المختلفة . تجلو صورة المسلم وتبين الشخصية الإسلامية في ذاتها المتميزة عن غيرها ويلاحظ فيها أنها أوامر ونواه من الله تعالى ، منها أحكام تتعلق بالعقيدة ، كما أن منها أحكاماً تتعلق بالعبادات ، وأحكاماً تتعلق بالمعاملات ، وأحكاماً تتعلق بالأخلاق ، ويلاحظ أنها لم تقتصر على صفات خلقية ، بل اشتملت على العقيدة ، والعبادات ، والمعاملات ، كما اشتملت على الأخلاق . وهي الصفات التي تكون الشخصية الإسلامية ، والاقتصار على الأخلاق لا يوجد الرجل الكامل ، والشخصية الإسلامية ، ولكي تحقق الغاية التي وجدت من أجلها لا بد أن تكون مبنية على الأساس الروحي ، وهو العقيدة الإسلامية ، وأن يكون الاتصاف بها مبنياً على هذه العقيدة . وعلى ذلك فإن المسلم لا يتصف بالصدق لذات الصدق ، بل يتصف به لأن الله أمر به . وإن كان يراعي تحقيق القيمة الخلقية حين يصدق . فالأخلاق لا يتصف بها لذاتها ، بل لأن الله أمر بها .
ولهذا لا بد أن يتصف المسلم بصفاتها ، وأن يقوم بها طوعاً وانقياداً لأنها مما يتصل بتـقوى الله . وبما أنها تأتي من نتائج العبادة ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ومما يجب أن يراعى في المعاملات " الدين المعاملة " علاوة على كونها وحدها أوامر ونواهي معينة ، فإن ذلك يثبتها في نفس المسلم ، ويجعلها شيمة لازمة . وعليه فقد كان اندماج الأخلاق بباقي أنظمة الحياة – مع كونها صفات مستقلة – كفيلا بأن يهيئ المسلم تهيئة صالحة ، لاسيما وأن الاتصاف بالخلق هو إجابة لأمر الله تعالى واجتناب لنواهيه ، لا لأن هذا الخلق ينفع أو يضر في الحياة . وهذا مما يجعل الاتصاف بالخلق الحسن دائمياً وثابتاً . ما ثبت المسلم على القيام بتطبيق الإسلام ، ولا يدور حيث دارت المنفعة . لأنـه لا تقصد منه النفعية ، بل يجب أن تستبعد منه ، لأن المقصود منه هـو القيمة الخلقية فقط . لا القيمة المادية أو الإنسانية أو الروحية ، بل لا يجوز أن تدخل هذه القيم فيه لئلا يحصل اضطراب في القيام به . أو الاتصاف به . ومما يجب التنبيه إليه أنه يجب استبعاد القيمة المادية عن الخلق ، واستبعاد أن يكون القيام به من أجل المنافع والفوائد ، لأن ذلك خطر عليه .
والحاصل : أن الأخلاق ليست من مقومات المجتمع ، بل هي من مقومات الفرد . ولذلك لا يصلح المجتمع بالأخلاق ، بل يصلح بالأفكار الإسلامية والمشاعر الإسلامية وبتطبيق الأنظمة الإسلامية . ومع أن الأخلاق من مقومات الفرد ، ولكنها ليست هي وحدها ، ولا يجوز أن تكون وحدها ، بل لا بـد أن تكون معها العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق . ولذلك لا يعتبر من كانت أخلاقه حسنة وعقيدته غير إسلامية ، لأنه يكون حينئذ كافراً ، وليس بعد الكفر ذنب . وكذلك من كانت أخلاقه حسنة وهو غير قائم بالعبادات ، أو غير سائر في معاملاته حسب أحكام الشرع . ومن هنا كان لزاماً أن يراعى في تقويم الفرد وجود العقيدة ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق . ولا يجوز شرعاً العناية بالأخلاق وحدها وترك باقي الصفات ، بل لا يجوز أن يعنى بشيء ما قبل الاطمئنان إلى العقيدة . والأمر الأساسي في الأخلاق هو أنه يجب أن تكون مبنية على العقيدة الإسلامية ، وأن يتصف المؤمن بها على إنها أوامر ونواه من الله تعالى .