بسم الله الرحمن الرحيم
التعليق السياسي
أصدر مجلس الأمن الدولي أمس الأول قراراً يطالب فيه حكومة السودان بإنهاء مشكلة دارفور خلال شهر واحد، وسبق للأمين العام للأمم المتحدة أن وقَّع اتفاقا مع الحكومة السودانية قبيل ذلك يمهل فيه حكومة السودان ثلاثة أشهر لإنهاء المشكلة، وفور صدور القرار أعلن الرئيس الفرنسي شيراك أن فرنسا ستقوم بحشد قواتها المتواجدة في تشاد على الحدود التشادية السودانية.
ولقد كان واضحا تسارع الأحداث حول مشكلة دارفور في الآونة الأخيرة، وكان للتقارير التي أعدتها بعض أجهزة الأمم المتحدة ومنظمات "إنسانية" أميركية، ثم زيارة كلٍ من كولن باول وزير الخارجية الأميركي وكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة أثر بالغ في إحداث ضجة دولية حول تضخيم ما يجري في دارفور حيث كانت التقارير والتصريحات قد تركزت حول القتل الجماعي والاغتصاب وحرق القرى والمحاصيل وتسميم مصادر المياه ... وأن كل ذلك يجري على أيدي قبائل عربية مدعومة من حكومة السودان.
ومشكلة دارفور والتي تفجرت قبل عام ونصف تقريبا أثناء ذروة المفاوضات التي كانت قائمة لإنهاء مشكلة جنوب السودان كانت محصورة قبل ذلك في صعيدها المحلي الذي كان لا يتعدى شكاوى المناطق المهمشة، والاحتقانات الناشئة عن إقالات لبعض كبار العسكريين ووزراء من قبيلة الزغاوة أكبر قبائل المنطقة، إضافة للنزاعات القبلية العادية، ثم جرى نقلها إلى صعيد دولي مؤخرا حتى ظهرت بهذا الحجم، الذي تم التذرع به لاستصدار القرار الدولي.
والمدقق في مشكلة دارفور والتي تحولت إلى أزمة يلمس أن أثارتها لم تكن ابتداء مرهونة بوضع محلي أو إقليمي بل بالصياغة الأميركية الجديدة والتي تطال مختلف مناطق العالم ومنها منطقة القرن الإفريقي والذي يشمل كلا من إريتريا والصومال والحبشة وجيبوتي وكينيا وتنزانيا وأوغندا والسودان، وأن اختصار المدة الممنوحة لحكومة السودان تحكمها اعتبارات جانبية أهمها الانتخابات الأميركية المقبلة وحشد أصوات السود.
وأهمية منطقة القرن الإفريقي في الاستراتيجية الأميركية تكمن في نواحي عديدة؛ أهمها الموقع الاستراتيجي والثروات المذهلة التي تكمن في باطنه، فموقع المنطقة الاستراتيجي ناشئ عن محاذاتها لمنطقة النفوذ الحيوي لأميركا حيث دول الخليج إضافة إلى قربها من قلب منطقة الشرق الأوسط، لذلك فهي تركِّز على زيادة عدد قواعدها؛ حيث لا يواجه تواجدها حساسيات تذكر في تلك المنطقة، ثم إن ضعف دول المنطقة واستسلامها للإرادة الأميركية يجعل منها أداة قابلة للتشكيل حسب الرغبة الأميركية لتتعاظم بذلك قدرة أميركا على نهب الثروات وعلى تهديد بقايا النفوذ الفرنسي في وسط القارة الإفريقية وصولا إلى غربها، حيث خليج غينيا الغني بالنفط والمحاط بدول تحرص فرنسا ألا تضيع من يدها، وهذا ما يفسر شعور الفرنسيين بالخطر ومن ثم مسارعة شيراك لحشد القوات الفرنسية في تشاد على الحدود التشادية السودانية بذرائع إنسانية، حيث تدرك فرنسا أن من أهداف إنشاء المركز الإفريقي للدراسات الأمنية في السنغال إثر زيارة كلينتون لبعض دول القارة في النصف الأول من سنة 1998 هو إبعاد فرنسا خاصة عن تقديم "النصائح" السياسية والأمنية للقادة الأفارقة كما ورد في تقرير البيت الأبيض حول نشاط وأهداف المركز.
فأزمة دارفور وإن كانت تخدم السياسة الأميركية في الخليج وبقية الشرق الأوسط وإفريقيا ولكنها تخدم في الوقت نفسه ترتيبات أميركا للسودان نفسه كجزء من منطقة القرن الإفريقي؛ فبعد أن فرغت الإدارة الأميركية من ترتيب وضع جنوب السودان بتأثيراته المستقبلية على حوض منطقة البحيرات الاستراتيجية وعلى وحدة السودان ذاته ومقدراته، عمدت إلى إيصال مشكلة دارفور إلى التدويل وصولا إلى حكم ذاتي متوقع حسب ما تشير إليه مجريات الأحداث، مما يميط اللثام عما تخطط له الإدارة الأميركية من الوصول بالسودان إلى حالة من التفكك الفعلي لإعادة هيكلته وهيكلة منطقة القرن الإفريقي من جديد.
وحكومة البشير التي أثبتت المرة تلو الأخرى ولاءها وارتماءها على أعتاب البيت الأبيض مستغلَّة الإسلام في خدمته يبدو أنها قد أصابها الإنهاك من تتالي الأحداث والأزمات التي كان واضحا أن صانعها واحد، والممسك بخيوط أطرافها واحد، من غارانغ في الجنوب إلى الشق الآخر للحزب الحاكم التابع للترابي إلى بقية أحزاب المعارضة السودانية وصولا إلى قادة حركات التمرد في دارفور، والظاهر أن هذه الحالة من الإنهاك المقصود التي تبدو عليها حكومة البشير تشير إلى أنها لم تعد صالحة للخدمة بالشكل الجديد الذي يُراد للسودان أن يبدو عليه مستقبلاً، بعد إعادة هيكلته.
أيتها الأمة الكريمة..
إنَّ خيانات الحكام لله ولرسوله وتفريطهم بنا وارتمائهم بأحضان الكفار وما جروه وما زالوا يجرونه على هذه الأمة من مصائب كفيلة بنا أن نتحرك وفي مقدمتنا المؤثرون للتخلص من رجسهم وإنهاء الحالة المزرية التي نعيشها في ظل حكومات تابعة لأميركا والغرب الكافر.
فهذا حاكمُ السودان وهو يدرك أن أخطرَ مشاكل السودان يمكن حلها بكل سهولة باللجوء لمصر باعتبار مصر والسودان وحدة واحدة، وأن أمنهما واحد، ومع ذلك لا يعمد إلى التلميح عدا عن التصريح لفضح الدور المتخاذل لحكومة مبارك ما يدلل على مدى الاستهانة والخيانة التي يتمتع بها حكام هذه الأمة وانسياقهم التام وراء الراعي الأميركي.
وهذا حاكم مصر الذي لولا خياناته المتكررة لأمكن تلافي كثير من المصائب والويلات التي وقعت على هذه الأمة، باعتبار مصر وثقلها وإمكاناتها كانت كافية لمنع عبور القوات الأميركية من خلال قناة السويس، عدا عن إرسال قواتها لدعم الغزو الأميركي في حرب الخليج الثانية، ولولا الخيانة لكانت مصر وحدها قادرة على إزالة كيان يهود عدا عن ردعهم عن سفك دماء أهل فلسطين وهدم منازلهم والجيش المصري لا يبعد سوى أمتار عن أبناء الأمة الذين يقتلون أمام أنظارهم، ولولا الخيانة فإن مصر قادرة كذلك على حماية السودان مما يحاك ضده، بل وعلى إفشال المشاريع الأميركية لتقاسم مياه النيل حيث التهديد الفعلي لشريان مصر الحيوي، سواء عبر المشروع التنزاني أو مشاريع الحبشة، ولكن مبارك لم يخجل وهو يقول بملء فمه "إن من لا يخاف من أميركا لا يخاف من ربِّنا" سيراً على خطى سلفه السادات الذي سبق أن صرَّح أن "99% من أوراق الحل هي بيد أميركا" ذلك أنه لم يجد من قادة جيشه ولا من المؤثرين في الأمة حركة فاعلة لردعه.
أيتها الأمة الكريمة..
لم يكن لأميركا أن تتصرفَ وتنفذ ما خططت له بكل تلك السهولة لولا انصياع البشير وتخاذله وتواطئه على السير في تنفيذ خططها، ولولا أنها وجدت حاكما تافها مثل أسياس أفورقي رئيس جمهورية إريتريا الذي يقوم بتسهيل إيصال الأموال والأسلحة لمتمردي دارفور رغم أن بلده لا يكاد يوجد له مورد سوى المساعدات الأميركية. بل إن غارانغ الذي يعتاش هو وقادة حركته يوما بيوم على المساعدات الخارجية لم يكن يستطيع الدعم غير المعلن لمتمردي دارفور لو كان الخائن مبارك قد كفَّ عن استقباله وتسهيل مهامه، بدل طرده وتهديده وعدم الرضوخ لتنفيذ الإرادة الأميركية، ورغم أن لفرنسا نفوذاً واضحاً في تشاد فإن إدريس ديبي وهو من قبيلة الزغاوة أكبر قبائل دارفور متواطئٌ على دعم التمرد الذي كان جزءٌ مهمٌ منه مستنداً إلى القوى التابعة للترابي في ذات القبيلة، والذين انضموا ليكونوا في الصفوف الأولى لجيش تحرير السودان الذي يتشكل معظمه من أفراد القبيلة نفسها، ولم تفتقر الخدمة لأميركا إلى الدور المبتذل الذي قدمته الحكومة الليبية عبر حدودها مع السودان.
أيها المسلمون..
هذه حال بلادنا وهذا حال حكامنا، وتلك حال جيوشنا، والتي بات الحكام لا يساورهم أدنى خجل لإطلاق المبادرات لجعلها تقاتل لحساب الأميركان وإدراج ذلك عرفاً ولو احتاج أول الأمر لأن تكون مظلة الأمم المتحدة هي الغطاء، رغم معرفة القاصي والداني أن المنظمة الدولية وأمينها العام هم أدوات طيعة في يد الأميركان.
فإلى متى سيبقى حالنا على ما هو عليه؛ من تشرذم وهوان وفقدان الكرامة؟ وإلى متى سيبقى أولئك الخونة يجرون الأمة من هزيمة لأخرى أكبر منها؟ ومن مصيبة إلى كارثة؟ وإلى متى تبقى جيوش الأمة تقبل لنفسها أن تنقاد خلف مجرمين وزعماء عصابات يخونون الله ورسوله في وضح النهار؟ فبدل أن تندفع الجيوش لتحرير بلاد المسلمين أمروها أن تبقى على الحياد، والمسلمون يُقتَّلون وأطفالهم يُذبَّحون والنساء تستصرخ في بقاعٍ كثيرة من بلادهم، ولكن تلك الجيوش مع ذلك قبلت بالسكوت!؟ ثم أمروها أن تذهب للارتزاق تحت مظلة الأمم المتحدة "أداة أميركا" خدمة لمخططات أسيادهم فسكتت ونفَّذت، ثم هاهم يأمروها أن تسكت عن سلخ دارفور كما سُلخ جنوب السودان، ولما لم يجدوا فيها حراكاً ضدهم استخفوا بها فخرجت علينا الحكومة السعودية بمبادرة وقحة لجعل جيوش بلاد المسلمين تتهيأ لخدمة الجيش الأميركي والعلم الأميركي والمشروع الأميركي الذي كانت به "بغداد أولا" وصدق الله العظيم القائل في حق فرعون وحاله مع قومه ]فاستخف قومه فأطاعوه[ وقد أوصل فرعون جيشه للهلاك والغرق في مياه النيل _بدل أن ينقذه بالعبودية لله وطاعته وينقذ به_ بعد أن بلغ من استخفافه أن قال ] .. يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري [ ولم يبرئ الله جيش فرعون مما ارتكب فرعون، حيث قال ] إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين [. فهل تجتمع هذه الأمة الماجدة على كلمة واحدة لتطالب وتضغط على المؤثرين وأصحاب المنعة لكسر القيود وإزالة الحدود بإقامة الخلافة حيث رضى الله وعزة هذه الأمة ومنعتها وغيظ كل كافر متربص بها، وما ذلك على الله بعزيز.
فإلى العمل لكسر القيود وإزالة الحدود بإقامة الخلافة ندعوكم أيها المسلمون ]وإن جندنا لهم الغالبون[
14/جمادى الآخرة/1425هـ
1/8/2004م